ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل يدفع لاجئون سوريون في مصر ثمن سقوط نظام الأسد؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تغيّر تعامل السلطات المصرية مع ملفّ اللاجئين السوريين بعد سقوط نظام بشّار الأسد، في ظلّ المخاوف التي أبدتها القاهرة حيال السلطة الجديدة بسبب تاريخها المتشدّد ووجود “جهاديين” مصريين في بنيتها التنظيمية، فيما تعزو “منصّة اللاجئين” سبب الحملة ضدّ اللاجئين بشكل عامّ إلى “توسّع التعاون المصري- الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يكن مسعود يتوقّع أن تنهار حياته التي بناها في القاهرة خلال سنوات، ويُرحّل بعيداً عن عائلته، إذ قُبض عليه في مطعمه الصغير في مدينة نصر، لعدم حيازته إقامة نظامية، رغم أنه مسجّل لدى مفوضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، ويحمل ما يثبت حصوله على موعد مقابلة ضمن نظام “الدور” الذي يمتدّ حالياً حتى العام 2029.

نُقل مسعود إلى قسم الشرطة حيث بات هناك بضع ليال، قبل سَوقه وسوريين آخرين إلى سفارة بلادهم في القاهرة، للحصول على “وثيقة عبور” تمهيداً لترحيلهم إلى سوريا، بعد الحصول على الوثيقة تتواصل السلطات المصرية مع أقارب، أو معارف المحتجزين وتبلّغهم بضرورة حجز تذكرة على أقرب رحلة إلى سوريا، فيما يُعاد المحتجزون إلى قسم الشرطة، إلى أن يحين موعد الرحلة لتتولّى دورية توصيلهم إلى المطار.

هكذا وجد مسعود نفسه في سوريا، فيما تقيم عائلته في مصر، وبات من المستحيل عليه العودة إلى هناك، خاصّة وأن السلطات المصرية فرضت عليه عقوبة المنع من دخول البلاد لمدّة خمس سنوات.

قصّة مسعود ليست حالة فردية، بل جزء من حملة أوسع تستهدف مخالفي قوانين الإقامة في مصر، وتطال حمَلة جنسيات عدّة، في مقدّمتها السودانية ثم السورية.

وثيقة “المفوضية” لم تعد كافية

حسّان، الذي أمضى 14 عاماً في القاهرة يعمل في إحدى شركات الإنتاج التلفزيوني، قرّر قبل شهرين العودة طوعاً إلى سوريا؛ رغم استقراره المهني، تحت ضغط الخوف من الاعتقال.

يشرح الشابّ قائلاً: “لم تكن هناك عمليّات ترحيل مباشرة قبل 2025، لكنّ إجراءات الإقامة كانت تتغيّر باستمرار وتزداد صعوبة وتكلفة، الأمر الذي دفع الكثير من السوريين إلى التسجيل في مفوضية اللاجئين أملاً في الحصول على الحماية، غير أن هذه الوثيقة لم تعد تحمي حاملها”.

أما رولا، وهي سيّدة سورية وأمّ لطفلين وتعيش مع عائلتها في مصر، فلا تُخفي حالة الخوف التي تعيشها خلافاً لما كانت عليه الأحوال طوال سبعة أعوام أمضتها في مصر، وتؤكّد أن “الأمور ساءت بشكل كبير خلال الشهور الثلاثة الماضية، وتخشى من عدم تمكّن طفلها الأكبر من دخول المدرسة العام المقبل، ومن فقدان زوجها عمله في أحد المعامل الصغيرة في حال تعرّض للتوقيف”، كما تشير إلى “صعوبة الحصول على خدمات صحّية حكومية في ظلّ غياب إقامة نظامية، ما يحمّل العائلة أعباء مالية كبيرة”.

كانت الأسرة تحمل بطاقات إقامة سياحية، غير أن السلطات المصرية أوقفت تجديد هذا النوع من الإقامات، ما دام من يحملها موجوداً داخل الأراضي المصرية. في نهاية المطاف قرّرت أسرة رولا التوجّه نحو مفوضية اللاجئين أملاً في الحصول على وثيقة تقونن وضعها، تقول رولا: “يحلّ دورنا في نهاية العام 2027، حصلنا على ورقة دور ولكنّ السلطات لا تعترف بها”، وتضيف متحسّرة: “تكلّفنا مبالغ باهظة للقدوم إلى مصر وحيازة الإقامة السياحية، ووجد زوجي عملاً والتزم به، ولم نُقدم على أيّ سلوك مخالف للقانون، رغم ذلك، نواجه تهديدات بالترحيل، وهذا التضييق المستمرّ الذي يبدو أنه لا يستثني أحداً”.

“لا ملاذ آمن”

في 4 شباط/ فبراير الحالي نشرت “منصّة اللاجئين في مصر” المستقلّة، تقريراً بعنوان «لا ملاذ آمناً… حملة أمنية غير مسبوقة ضدّ اللاجئين في مصر“، يستعرض أوضاع اللاجئين من أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 إلى نهاية كانون الثاني/ يناير 2026، ورصد التقرير تصعيداً غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وتجاوزت الإجراءات المتّخذة في هذه الفترة الطابع المتفرِّق أو العَرَضي لتتبلور في شكل نمط ممنهج من الإبعاد القسري المقنّع، استهدف على نحو خاصّ المجتمعات السورية والسودانية في عدد من المحافظات المصرية.

وربطت المنصّة هذا التصعيد بإقرار قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024، الذي نقل إدارة ملفّ اللجوء من النظام القائم على تفويض مفوضية اللاجئين، إلى لجنة حكومية وطنية بصلاحيات واسعة، وسط انتقادات من منظّمات حقوقية وخبراء أمميين، فضلاً عن مفوضية اللاجئين.

كما يشير تقرير مشترك أعدّته “منصّة اللاجئين” و”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بعنوان “انهيار منظومة حماية اللاجئين في مصر” إلى أن “هذا التحوّل التشريعي ترافق مع تصعيد غير مسبوق في الاعتقال الجماعي، والاحتجاز التعسّفي، وحملات الترحيل القسري، وإسقاط الحماية عن لاجئين مسجّلين، في انتهاك واسع النطاق لمبدأ عدم الإعادة القسرية”. 

تخلُص شهادات لعدد من السوريين والسوريات إلى أن “تعامل السلطات المصرية مع الملفّ، شهد تغييراً واضحاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد، في ظلّ المخاوف التي أبدتها القاهرة حيال السلطة الجديدة بسبب تاريخها المتشدّد، ووجود جهاديين مصريين في بنيتها التنظيمية”، فيما تعزو “منصّة اللاجئين” سبب الحملة ضدّ اللاجئين بشكل عام إلى “توسّع التعاون المصري- الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود”، مشيرة إلى أنها جمعت معلوماتها من مصادر أوّلية مباشرة، من بينها بلاغات من عائلات المتضرّرين، وشهادات ناجيات وناجين من الاحتجاز، ومعلومات حصلت عليها من محامين يتولّون الدفاع عن الضحايا.

في 16 شباط/ فبراير الحالي، أصدرت منظّمة العفو الدولية تقريراً بعنوان “لاجئون يُضطرّون للاختباء وسط حملة قمع تشمل اعتقالات تعسّفية وعمليّات ترحيل غير مشروعة“، وصفت فيه عمليّات اعتقال اللاجئين وترحيلهم بأنها جاءت “دونما سبب سوى وضع اللاجئين القانوني المتعلّق بالهجرة غير النظامية”، مؤكّدة أن الإجراءات المصرية “تمثّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، ولأحكام قانون اللجوء المصري نفسه”، ودعت المنظّمة الحكومة المصرية إلى “وقف عمليّات الترحيل لكلّ من يحقّ له الحصول على الحماية بموجب القانون الدولي”، وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع اللاجئين وطالبي اللجوء الذين احتُجزوا تعسّفياً لأسباب تتعلّق بالهجرة ليس إلا.

وفيات في مراكز الاحتجاز

يتّهم المحامي المصري أحمد معوّض، الاتّحاد الأوروبي بالمشاركة في هذه التجاوزات، مشيراً إلى قرار البرلمان الأوروبي في 10 شباط/ فبراير حول تحديد البلدان التي تعتبر “بلداناً ثالثة آمنة بالنسبة إلى اللاجئين”، وتضمين مصر في هذه البلدان.

 وفي حديث لـ”صوت سوري” يرى معوّض أن “اعتبار مصر بلداً ثالثاً آمناً، قد يكون دافعاً للسلطات المصرية لتخفيض عدد طالبي اللجوء الموجودين حالياً، تمهيداً لاستقبال لاجئين يُقرر الاتّحاد الأوروبي نقلهم إلى بلد ثالث”، والمقصود هنا بلد ثالث غير البلد الأصلي للاجئ، والبلد الأوروبي الذي استقبله.

يقول معوّض إن السبب الرئيس للأزمة الراهنة “يتعلّق بالإجراءات الرسمية، إذ سبّبت عرقلة عمليّات تسجيل اللاجئين أصولاً، امتداد طابور الانتظار (الدور) حتى العام 2029، ما يعني أن طالب اللجوء يتّبع النظام، ورغم ذلك يعاقب بالترحيل”.

ووفق معوّض، تطاول عمليّات الاحتجاز الجميع ذكوراً وإناثاً وقاصرين وقاصرات، وهذا الإجراء “يمثّل مخالفة للدستور”، فضلاً عن “المخالفة الواضحة للقوانين عبر احتجاز القصّر مع البالغين”، ويضيف: “بعض المُرحّلين كانوا يملكون فعلاً إقامة نظامية، ولكن لم يكونوا يحملون الوثيقة في لحظة القبض عليهم، ومعظمهم يملك دوراً في مفوضية اللاجئين”، ويؤكّد أن “إحدى حالات الترحيل، شملت شخصاً قبل يوم واحد فقط من موعد مقابلته مع مفوضية اللاجئين وفق نظام الدور”.

وبناء على كلام معوّض “لم ترد بلاغات حول تعرّض المحتجزين للعنف”، لكن برغم ذلك وُثّقت وفاة شخصين أثناء احتجازهما، أحدهما قاصر يبلغ من العمر 17 عاماً، والآخر مسنّ يبلغ من العمر 68 عاماً، وهو ما تناقلته أيضاً مصادر إخبارية، مشيرة إلى أن الشخصين سودانيان، فيما أكّدت مصادر أخرى وفاة سوداني ثالث أثناء احتجازه. 

يعتقد معوّض أن الهدف الجوهري من هذه الحملة “دفع اللاجئين إلى الرحيل تحت ضغط التضييق المستمرّ، إذ من الصعب ترحيل الجميع وسط تقديرات مليونية لأعدادهم”، ولا يستبعد أن “يتأثّر الاقتصاد المصري سلباً في ظلّ مساهمة السوريين في قطاعات عديدة”، ولكنّه يرى أن “الأثر الإنساني أعمق بكثير”، سائلاً عن “العائلات التي تتفكّك، ومصير من يجري ترحيله إلى بلاد لا تزال تعاني من الصراعات”، ويقول: “من جاء إلى مصر لاجئاً لم يفعل ذلك من باب الرفاهية، إنما أُجبر على ذلك، والآن هو مُجبر على العودة إلى مصير مجهول”.

الخارجية السورية تعالج الملفّ بـ”التغريد”

تشير التقديرات إلى أن عدد السوريين والسوريات في مصر ناهز مليوناً ونصف المليون  في آذار/ مارس 2025، ويطالب العديد ممّن تحدّثنا إليهم، بضرورة تدخّل السلطات السورية لإيجاد حلّ “أكثر إنسانية” لأوضاعهم، مؤكّدين أن السفارة تعلم وترى ما يحصل، من دون أيّ إجراء واضح لمساعدتهم. 

كما يأملون بأن تُجري السلطات المصرية مراجعة أوسع لأوضاع السوريين، وتُسهّل الحصول على تراخيص نظامية وإقامات، لمن يملكون مهناً ويُسهمون في مشاريع قائمة بالفعل، خصوصاً وأن السوريين يعتبَرون الأكثر تأسيساً للشركات في مصر خلال العام 2025، بواقع 4870 شركة جديدة، بحسب بيانات الهيئة العامّة للاستثمار والمناطق الحرّة المصرية.

من جهتها، تلتزم السلطات السورية الانتقالية الصمت حيال الملفّ، باستثناء تغريدة لـمدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية محمّد الأحمد، على منصّة “إكس”، قال فيها: “إن الوزارة تتابع ببالغ الاهتمام أوضاع السوريين في مصر”، وإن السفارة في القاهرة تلقّت توجيهاً بـ”تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدّمنا إلى الجانب المصري بمقترحات فنّية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر”.

حاولنا التواصل مع الخارجية السورية، ولم نحصل على أيّ ردّ،  فيما أكّدت لنا مفوضية شؤون اللاجئين في مصر علمها بالتقارير التي تشير إلى تزايد أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء، الذين يتمّ احتجازهم في مصر، وفي ردود مكتوبة، أوضحت المفوضية أنها حين تتلقّى “مثل هذه المعلومات من العائلات أو المجتمعات، تتواصل مع السلطات المصرية عبر القنوات المعتمدة للدعوة إلى ضمان احترام الإجراءات القانونية الواجبة، وتوفير ضمانات الحماية — بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية — وتحديد هويّة الأفراد الذين قد تكون لديهم احتياجات حماية دولية”، وأشارت إلى أنه “قد فرّ العديد من اللاجئين إلى مصر، من النزاع والاضطهاد والخسائر الفادحة، وهم يتعاملون مع آثار الصدمة والانفصال عن أسرهم، ولا يمكنهم العودة بأمان إلى بلدانهم الأصلية ما دامت الأوضاع غير آمنة، وتواصل المفوضية انخراطها البنّاء مع حكومة مصر، على المستوى القطري ومن خلال المقرّ الرئيسي في جنيف، لتعزيز أهمّية احترام الالتزامات المتعلّقة بالحماية الدولية، وللدعوة إلى الإعفاء من متطلّبات تصاريح الإقامة للاجئين المسجّلين، لا سيّما في ضوء فترة الانتظار الحالية التي تبلغ 19 شهراً للحصول على المواعيد وتجديدها. وقد تلقّينا تطمينات بأن طالبي اللجوء واللاجئين المسجّلين المحتجزين، سيتمّ الإفراج عنهم مع الاحترام الكامل للقانون الدولي، ونحن نتابع الحالات الفردية التي تُعرض علينا”.

نُشر هذا التحقيق بالتعاون مع “صوت سوري” 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
25.02.2026
زمن القراءة: 7 minutes

تغيّر تعامل السلطات المصرية مع ملفّ اللاجئين السوريين بعد سقوط نظام بشّار الأسد، في ظلّ المخاوف التي أبدتها القاهرة حيال السلطة الجديدة بسبب تاريخها المتشدّد ووجود “جهاديين” مصريين في بنيتها التنظيمية، فيما تعزو “منصّة اللاجئين” سبب الحملة ضدّ اللاجئين بشكل عامّ إلى “توسّع التعاون المصري- الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود”.

لم يكن مسعود يتوقّع أن تنهار حياته التي بناها في القاهرة خلال سنوات، ويُرحّل بعيداً عن عائلته، إذ قُبض عليه في مطعمه الصغير في مدينة نصر، لعدم حيازته إقامة نظامية، رغم أنه مسجّل لدى مفوضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، ويحمل ما يثبت حصوله على موعد مقابلة ضمن نظام “الدور” الذي يمتدّ حالياً حتى العام 2029.

نُقل مسعود إلى قسم الشرطة حيث بات هناك بضع ليال، قبل سَوقه وسوريين آخرين إلى سفارة بلادهم في القاهرة، للحصول على “وثيقة عبور” تمهيداً لترحيلهم إلى سوريا، بعد الحصول على الوثيقة تتواصل السلطات المصرية مع أقارب، أو معارف المحتجزين وتبلّغهم بضرورة حجز تذكرة على أقرب رحلة إلى سوريا، فيما يُعاد المحتجزون إلى قسم الشرطة، إلى أن يحين موعد الرحلة لتتولّى دورية توصيلهم إلى المطار.

هكذا وجد مسعود نفسه في سوريا، فيما تقيم عائلته في مصر، وبات من المستحيل عليه العودة إلى هناك، خاصّة وأن السلطات المصرية فرضت عليه عقوبة المنع من دخول البلاد لمدّة خمس سنوات.

قصّة مسعود ليست حالة فردية، بل جزء من حملة أوسع تستهدف مخالفي قوانين الإقامة في مصر، وتطال حمَلة جنسيات عدّة، في مقدّمتها السودانية ثم السورية.

وثيقة “المفوضية” لم تعد كافية

حسّان، الذي أمضى 14 عاماً في القاهرة يعمل في إحدى شركات الإنتاج التلفزيوني، قرّر قبل شهرين العودة طوعاً إلى سوريا؛ رغم استقراره المهني، تحت ضغط الخوف من الاعتقال.

يشرح الشابّ قائلاً: “لم تكن هناك عمليّات ترحيل مباشرة قبل 2025، لكنّ إجراءات الإقامة كانت تتغيّر باستمرار وتزداد صعوبة وتكلفة، الأمر الذي دفع الكثير من السوريين إلى التسجيل في مفوضية اللاجئين أملاً في الحصول على الحماية، غير أن هذه الوثيقة لم تعد تحمي حاملها”.

أما رولا، وهي سيّدة سورية وأمّ لطفلين وتعيش مع عائلتها في مصر، فلا تُخفي حالة الخوف التي تعيشها خلافاً لما كانت عليه الأحوال طوال سبعة أعوام أمضتها في مصر، وتؤكّد أن “الأمور ساءت بشكل كبير خلال الشهور الثلاثة الماضية، وتخشى من عدم تمكّن طفلها الأكبر من دخول المدرسة العام المقبل، ومن فقدان زوجها عمله في أحد المعامل الصغيرة في حال تعرّض للتوقيف”، كما تشير إلى “صعوبة الحصول على خدمات صحّية حكومية في ظلّ غياب إقامة نظامية، ما يحمّل العائلة أعباء مالية كبيرة”.

كانت الأسرة تحمل بطاقات إقامة سياحية، غير أن السلطات المصرية أوقفت تجديد هذا النوع من الإقامات، ما دام من يحملها موجوداً داخل الأراضي المصرية. في نهاية المطاف قرّرت أسرة رولا التوجّه نحو مفوضية اللاجئين أملاً في الحصول على وثيقة تقونن وضعها، تقول رولا: “يحلّ دورنا في نهاية العام 2027، حصلنا على ورقة دور ولكنّ السلطات لا تعترف بها”، وتضيف متحسّرة: “تكلّفنا مبالغ باهظة للقدوم إلى مصر وحيازة الإقامة السياحية، ووجد زوجي عملاً والتزم به، ولم نُقدم على أيّ سلوك مخالف للقانون، رغم ذلك، نواجه تهديدات بالترحيل، وهذا التضييق المستمرّ الذي يبدو أنه لا يستثني أحداً”.

“لا ملاذ آمن”

في 4 شباط/ فبراير الحالي نشرت “منصّة اللاجئين في مصر” المستقلّة، تقريراً بعنوان «لا ملاذ آمناً… حملة أمنية غير مسبوقة ضدّ اللاجئين في مصر“، يستعرض أوضاع اللاجئين من أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 إلى نهاية كانون الثاني/ يناير 2026، ورصد التقرير تصعيداً غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وتجاوزت الإجراءات المتّخذة في هذه الفترة الطابع المتفرِّق أو العَرَضي لتتبلور في شكل نمط ممنهج من الإبعاد القسري المقنّع، استهدف على نحو خاصّ المجتمعات السورية والسودانية في عدد من المحافظات المصرية.

وربطت المنصّة هذا التصعيد بإقرار قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024، الذي نقل إدارة ملفّ اللجوء من النظام القائم على تفويض مفوضية اللاجئين، إلى لجنة حكومية وطنية بصلاحيات واسعة، وسط انتقادات من منظّمات حقوقية وخبراء أمميين، فضلاً عن مفوضية اللاجئين.

كما يشير تقرير مشترك أعدّته “منصّة اللاجئين” و”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بعنوان “انهيار منظومة حماية اللاجئين في مصر” إلى أن “هذا التحوّل التشريعي ترافق مع تصعيد غير مسبوق في الاعتقال الجماعي، والاحتجاز التعسّفي، وحملات الترحيل القسري، وإسقاط الحماية عن لاجئين مسجّلين، في انتهاك واسع النطاق لمبدأ عدم الإعادة القسرية”. 

تخلُص شهادات لعدد من السوريين والسوريات إلى أن “تعامل السلطات المصرية مع الملفّ، شهد تغييراً واضحاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد، في ظلّ المخاوف التي أبدتها القاهرة حيال السلطة الجديدة بسبب تاريخها المتشدّد، ووجود جهاديين مصريين في بنيتها التنظيمية”، فيما تعزو “منصّة اللاجئين” سبب الحملة ضدّ اللاجئين بشكل عام إلى “توسّع التعاون المصري- الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود”، مشيرة إلى أنها جمعت معلوماتها من مصادر أوّلية مباشرة، من بينها بلاغات من عائلات المتضرّرين، وشهادات ناجيات وناجين من الاحتجاز، ومعلومات حصلت عليها من محامين يتولّون الدفاع عن الضحايا.

في 16 شباط/ فبراير الحالي، أصدرت منظّمة العفو الدولية تقريراً بعنوان “لاجئون يُضطرّون للاختباء وسط حملة قمع تشمل اعتقالات تعسّفية وعمليّات ترحيل غير مشروعة“، وصفت فيه عمليّات اعتقال اللاجئين وترحيلهم بأنها جاءت “دونما سبب سوى وضع اللاجئين القانوني المتعلّق بالهجرة غير النظامية”، مؤكّدة أن الإجراءات المصرية “تمثّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، ولأحكام قانون اللجوء المصري نفسه”، ودعت المنظّمة الحكومة المصرية إلى “وقف عمليّات الترحيل لكلّ من يحقّ له الحصول على الحماية بموجب القانون الدولي”، وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع اللاجئين وطالبي اللجوء الذين احتُجزوا تعسّفياً لأسباب تتعلّق بالهجرة ليس إلا.

وفيات في مراكز الاحتجاز

يتّهم المحامي المصري أحمد معوّض، الاتّحاد الأوروبي بالمشاركة في هذه التجاوزات، مشيراً إلى قرار البرلمان الأوروبي في 10 شباط/ فبراير حول تحديد البلدان التي تعتبر “بلداناً ثالثة آمنة بالنسبة إلى اللاجئين”، وتضمين مصر في هذه البلدان.

 وفي حديث لـ”صوت سوري” يرى معوّض أن “اعتبار مصر بلداً ثالثاً آمناً، قد يكون دافعاً للسلطات المصرية لتخفيض عدد طالبي اللجوء الموجودين حالياً، تمهيداً لاستقبال لاجئين يُقرر الاتّحاد الأوروبي نقلهم إلى بلد ثالث”، والمقصود هنا بلد ثالث غير البلد الأصلي للاجئ، والبلد الأوروبي الذي استقبله.

يقول معوّض إن السبب الرئيس للأزمة الراهنة “يتعلّق بالإجراءات الرسمية، إذ سبّبت عرقلة عمليّات تسجيل اللاجئين أصولاً، امتداد طابور الانتظار (الدور) حتى العام 2029، ما يعني أن طالب اللجوء يتّبع النظام، ورغم ذلك يعاقب بالترحيل”.

ووفق معوّض، تطاول عمليّات الاحتجاز الجميع ذكوراً وإناثاً وقاصرين وقاصرات، وهذا الإجراء “يمثّل مخالفة للدستور”، فضلاً عن “المخالفة الواضحة للقوانين عبر احتجاز القصّر مع البالغين”، ويضيف: “بعض المُرحّلين كانوا يملكون فعلاً إقامة نظامية، ولكن لم يكونوا يحملون الوثيقة في لحظة القبض عليهم، ومعظمهم يملك دوراً في مفوضية اللاجئين”، ويؤكّد أن “إحدى حالات الترحيل، شملت شخصاً قبل يوم واحد فقط من موعد مقابلته مع مفوضية اللاجئين وفق نظام الدور”.

وبناء على كلام معوّض “لم ترد بلاغات حول تعرّض المحتجزين للعنف”، لكن برغم ذلك وُثّقت وفاة شخصين أثناء احتجازهما، أحدهما قاصر يبلغ من العمر 17 عاماً، والآخر مسنّ يبلغ من العمر 68 عاماً، وهو ما تناقلته أيضاً مصادر إخبارية، مشيرة إلى أن الشخصين سودانيان، فيما أكّدت مصادر أخرى وفاة سوداني ثالث أثناء احتجازه. 

يعتقد معوّض أن الهدف الجوهري من هذه الحملة “دفع اللاجئين إلى الرحيل تحت ضغط التضييق المستمرّ، إذ من الصعب ترحيل الجميع وسط تقديرات مليونية لأعدادهم”، ولا يستبعد أن “يتأثّر الاقتصاد المصري سلباً في ظلّ مساهمة السوريين في قطاعات عديدة”، ولكنّه يرى أن “الأثر الإنساني أعمق بكثير”، سائلاً عن “العائلات التي تتفكّك، ومصير من يجري ترحيله إلى بلاد لا تزال تعاني من الصراعات”، ويقول: “من جاء إلى مصر لاجئاً لم يفعل ذلك من باب الرفاهية، إنما أُجبر على ذلك، والآن هو مُجبر على العودة إلى مصير مجهول”.

الخارجية السورية تعالج الملفّ بـ”التغريد”

تشير التقديرات إلى أن عدد السوريين والسوريات في مصر ناهز مليوناً ونصف المليون  في آذار/ مارس 2025، ويطالب العديد ممّن تحدّثنا إليهم، بضرورة تدخّل السلطات السورية لإيجاد حلّ “أكثر إنسانية” لأوضاعهم، مؤكّدين أن السفارة تعلم وترى ما يحصل، من دون أيّ إجراء واضح لمساعدتهم. 

كما يأملون بأن تُجري السلطات المصرية مراجعة أوسع لأوضاع السوريين، وتُسهّل الحصول على تراخيص نظامية وإقامات، لمن يملكون مهناً ويُسهمون في مشاريع قائمة بالفعل، خصوصاً وأن السوريين يعتبَرون الأكثر تأسيساً للشركات في مصر خلال العام 2025، بواقع 4870 شركة جديدة، بحسب بيانات الهيئة العامّة للاستثمار والمناطق الحرّة المصرية.

من جهتها، تلتزم السلطات السورية الانتقالية الصمت حيال الملفّ، باستثناء تغريدة لـمدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية محمّد الأحمد، على منصّة “إكس”، قال فيها: “إن الوزارة تتابع ببالغ الاهتمام أوضاع السوريين في مصر”، وإن السفارة في القاهرة تلقّت توجيهاً بـ”تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدّمنا إلى الجانب المصري بمقترحات فنّية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر”.

حاولنا التواصل مع الخارجية السورية، ولم نحصل على أيّ ردّ،  فيما أكّدت لنا مفوضية شؤون اللاجئين في مصر علمها بالتقارير التي تشير إلى تزايد أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء، الذين يتمّ احتجازهم في مصر، وفي ردود مكتوبة، أوضحت المفوضية أنها حين تتلقّى “مثل هذه المعلومات من العائلات أو المجتمعات، تتواصل مع السلطات المصرية عبر القنوات المعتمدة للدعوة إلى ضمان احترام الإجراءات القانونية الواجبة، وتوفير ضمانات الحماية — بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية — وتحديد هويّة الأفراد الذين قد تكون لديهم احتياجات حماية دولية”، وأشارت إلى أنه “قد فرّ العديد من اللاجئين إلى مصر، من النزاع والاضطهاد والخسائر الفادحة، وهم يتعاملون مع آثار الصدمة والانفصال عن أسرهم، ولا يمكنهم العودة بأمان إلى بلدانهم الأصلية ما دامت الأوضاع غير آمنة، وتواصل المفوضية انخراطها البنّاء مع حكومة مصر، على المستوى القطري ومن خلال المقرّ الرئيسي في جنيف، لتعزيز أهمّية احترام الالتزامات المتعلّقة بالحماية الدولية، وللدعوة إلى الإعفاء من متطلّبات تصاريح الإقامة للاجئين المسجّلين، لا سيّما في ضوء فترة الانتظار الحالية التي تبلغ 19 شهراً للحصول على المواعيد وتجديدها. وقد تلقّينا تطمينات بأن طالبي اللجوء واللاجئين المسجّلين المحتجزين، سيتمّ الإفراج عنهم مع الاحترام الكامل للقانون الدولي، ونحن نتابع الحالات الفردية التي تُعرض علينا”.

نُشر هذا التحقيق بالتعاون مع “صوت سوري”