“طول الوقت بيقولوا عليا أنا ست بتاع مشاكل لكن صوتي مش هيتقطع أبداً وهفضل راكبة القطر بتاعي ومحدش هيقدر يوقفه أبداً”
لم تنسلخ شيرين عبد الوهاب عن جلدها ولم تنس طبائع “ولاد البلد”، بنت منطقة “قلعة الكبش” الشعبية تقف الآن في تحدٍ لاسترداد حقها في صوتها في مواجهة احتكاره وأسره، هذا التحدي ربما هو الأهم في مشوارها الفني، هذه المرة تقول: “أنا شيرين عبد الوهاب” من دون بكاء أو استعطاف تقف في وجه شركة “روتانا” ضد احتكارها وضد حذف أغانيها وأرشيفها الفني.
شيرين في مواجهة “روتانا”
المصريون أبناء الطبقة الوسطى – الداعم الأكبر لشيرين الآن – يعلمون هذه المعارك جيداً، معارك تخليص الحق العنيفة، المعارك التي يجب فيها تقزيم الغريم مهما بلغت سطوته، وتعاظم الذات في استرداد الحق مهما كان هذا الحق بسيطاً، معركة وجود سوف يكونون فيها فائزين ولا مجال لخيارات أخرى.
تعلم شيرين عبد الوهاب حجم سلطة شركة “روتانا” السعودية وحجم العلاقات والنفوذ القادرين على تحطيم مسيرة فنانين كبار واستنزافهم مالياً: “الناس دول واصلين في الأذى، بيحذفوا الأغاني؟ طيب هنزلها على البوتجاز” كان هذا التصريح مزحة من شيرين، استغلتها لتطلق قناتها على “ويترانسفير” بعنوان “البوتجاز” وطرحت خلالها ألبومها الجديد، ليشاركها داعموها من جمهورها بتأسيس صفحات تحمل الاسم نفسه “البوتجاز” لتجميع أرشيفها الغنائي الذي تحذفه شركة “روتانا”.
فكت شيرين أول القيود حول عنقها لتشعر بصوتها طليقاً بعد ست سنوات، وصفتها بأنها كانت تلاحق فيها الشركة لاستلام أغانيها وتسويقها، لكن الشركة كانت تصر على احتكار حفلاتها اللايف نظراً لضخامة الأرباح التي تعود على الشركة منها، أرباح أكثر من عوائد طرح ألبوم وتسويقه.
بدأت شيرين تعاقدها مع “روتانا” بعدما أنهت تعاقدها مع الملحن والمنتج المصري نصر محروس عام ٢٠١٨، ووفقاً لتصريحاتها فإنها اتفقت مع “روتانا” في عقد واضح، أن تسلم ألبوماً غنائياً للشركة والألبوم الثاني تسلمه بالتراضي، سلمت شيرين ثلاث أغانٍ في فترة كان أغلب الفنانين فيها غير منتجين بسبب جائحة كورونا، تقول شيرين “أنا سلمت الشركة تلات أغاني في عز كورونا والشركة مستغلتش عليها بخمسة جنيه تسويق والشركة معاها أغاني مش راضية تنزلها، طوني سمعان وروتانا مش عايزين يستلموا الأغاني التانية عشان العقد يظل قائم، عايزيني حصراً في الحفلات بس”.
حاولت شيرين التفاوض لإنهاء هذا الاحتكار، لكن وفقاً لتصريحاتها فإن التفاوض جاء غير عادلاً، حيث أبلغها مدير الشؤون الفنية في “روتانا” طوني سمعان أن الشركة ستوقع عليها شرطاً جزائياً ضخماً سيحدده المدير التنفيذي لشركة “روتانا” القابضة سالم الهندي، لكن شيرين رفضت وقالت “مش هديهم فلوسي وفلوس بناتي”.
تم اختيار الهندي الشهر الماضي ضمن قائمة “فوربس” ضمن أقوى ١٠٠ رئيس تنفيذي في الشرق الأوسط كما عينه تركي آل الشيخ رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، نائباً للجنة الفنية في هيئة الثقافة في يوليو/ تموز 2019، وذلك بشكل مستقلّ عن عمله كرئيس تنفيذي لشركة “روتانا” للصوتيات والمرئيات.
الهندي لم ينس لشيرين وصفها سابقاً بأن شركة “روتانا” تعامل الفنانين كالغنم، ولم ينس صمود شيرين ورفضها الاعتذار، ولا نعلم بشكل جازم إن كانت أزمة شيرين الحالية مع “روتانا” هو تأديب لها على نار هادئة لأنها تجرأت وانتقدت، ولم تتراجع وتتذلل في الاعتذار.
سطوة المال السعودي
تقف شيرين الآن في تحدً أمام الرجل الأقوى وفق “فوربس” والمقرب من تركي آل شيخ وأمام شركة يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال، تتجاسر أمام “عش دبابير” مما يجعل تضامن المصريين معها مضاعفاً لأن المعركة الآن ليست فقط معركة ضد الاحتكار، بل معركة مركبة قد يدخل فيها أطراف يرددون طوال الوقت أنهم قادرون على إنهاء مسيرات فنانين مصريين تجرأوا بآراء أو بأفكار ضد سياسات تركي آل شيخ وضد السعودية، وهو ما حدث مع بعض الفنانين بالفعل.
في وقت سابق صرح الفنان المصري محمد صبحي أنه رفض عرضاً مسرحياً بملايين الدولارات مع هيئة الترفية السعودية التي يرأسها تركي آل شيخ، قائلاً: “أنا مش مرفهاتي”، ورد عليه تركى آل شيخ رداً مهيناً ومستهيناً بالتاريخ الكبير لمحمد صبحي وقال: “من يبي يعطيه ملايين يبي يكشف على قواه العقلية”.
كما هاجم تركي آل شيخ الفنان المصري محمد سلام بسبب رفضه المشاركة في موسم الرياض، ولم ينج سلام من التهديدات مثله مثل غيره، فإما أن يكون في كفة تركي وأمواله وإما أن يكون من المغضوب عليهم.
قد لا تتطور معركة شيرين إلى صدام مع تركي آل شيخ، لكن وصفها مسؤولي “روتانا” التي يملكها الوليد بن طلال بـ”واصلين في الأذى”، لن تتم استساغته ولن تنتهي المعركة معها عند القضاء.
حذف أرشيف شيرين عبد الوهاب يذكر بحذف أغاني آمال ماهر بعد طلاقها من تركي آل شيخ رغم اختلاف شكل القضيتين، لكن، كما هي المعركة مع “روتانا” شرسة فإن النزال مع شيرين عبد الوهاب ليس سهلاً، ولن تختفي أو تعلن الاعتزال هرباً ولن تتنازل عن صوتها ومشوارها مثلما فعلت آمال ماهر.
يصعب وصف شيرين عبد الوهاب الآن أنها ضحية شركة “روتانا” لأن الضحايا الحقيقيين والحقيقيات تم البطش بهم بشكل واضح وقاس في السابق، وشيرين ليست في سياق البطش، بل في سياق محاولة التأديب على نار هادئة.
في وقت سابق بطشت شركة “روتانا” بالمطربة الجزائرية فلة بعد تصريحها عن فشل ألبومها الخليجي الأول، محملة شركة “روتانا” مسؤولية الفشل في الدعاية للألبوم، لتغيب فلة تماماً بعدها بقرار وصفته روتانا صراحة بــ”التصفية” بحجة أزمتها الاقتصادية.
هل ينتصر الجمهور ؟
وفي وقائع مشابهة لواقعة شيرين عبد الوهاب وصل الخلاف بين عمرو دياب و”روتانا” إلى القضاء، بعد اتهام عمرو دياب للشركة بتقصيرها في الدعاية وعدم التزامها بشروط العقد، واستمرت القطيعة سنوات أسس خلالها عمرو دياب شركته الخاصة لإنتاج ألبوماته وللتحرر من سطوة سالم الهندي.
الفنانة اللبنانية نيللي مقدسي صرحت أيضا بفسخ عقدها مع “روتانا” قائلة: “لأنني رفضت سياسة الاحتكار“، وردت “روتانا” وقتها أن أغاني نيللي لم تحقق المبيعات بسبب صوت الفنانة، بل بسبب الكليبات التي صورتها الشركة، في استهانة واضحة وتحطيم لكل فنان يخرج من عباءة الشركة المستحوذة على أغلب فناني وفنانات العالم العربي.
ربما الفنان الوحيد الذي استطاع انتزاع حقه من “روتانا” من دون خسائر كبيرة هو الفنان اللبناني نضال حليحل الذي ربح دعوى قضائية ضد شركة «روتانا»، دفعت له روتانا تعويضاً بلغ مئة ألف دولار، بعد صراع قضائي استمر لخمس سنوات.
تواجه شيرين عبد الوهاب الآن الشركة الكبرى منفردة وباستغناء شديد عن الداعمين من الوسط الفني، وتحتمي بجمهورها فقط، وربما قد تتحول قناتها “البوتجاز” إلي أول شوكة في حلق الاحتكار وتتطور إلى شركة إنتاج خاصة بها، إلى أن يبت القضاء المصري لصالحها كما تأمل.
إقرأوا أيضاً:











