ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل يشمل “صيد الفاسدين” في العراق زعماء من الصف الأول؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا توحي المؤشرات بأن الحملة توقفت عند هذه الأسماء. فبحسب مصادر التحقيق، فإن ما نُفذ حتى الآن لا يمثل سوى المرحلة الأولى، بينما يُجرى إعداد مرحلة ثانية قد تشمل شخصيات توصف بأنها من الصف الأول سياسياً وإدارياً، بعد استكمال تدقيق الإفادات وربطها بالوثائق والأدلة التي جمعتها هيئة النزاهة والسلطة القضائية خلال الأسابيع الماضية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل أن تستيقظ بغداد على ضجيج نهارها، كانت المنطقة الخضراء تعيش فجراً مختلفاً. لم تكن أصوات الدبابات والمدرعات هذه المرة إعلاناً عن تهديد أمني أو هجوم مسلّح، بل إيذاناً بفتح واحد من أكثر ملفات الدولة العراقية حساسية. 

أُغلقت البوابات، وانتشرت وحدات جهاز مكافحة الإرهاب في الشوارع، فيما كانت أوامر القبض تتوالى بحق نواب وسياسيين ومسؤولين ورجال أعمال. خلال ساعات قليلة فقط، تحول ملف فساد بدأ باعترافات مسؤول نفطي، إلى حملة واسعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل العراقيون يطرحونه منذ أكثر من عقدين: هل بدأت الدولة أخيراً بملاحقة منظومة الفساد، أم أنها تخوض جولة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية؟

لم يكن حجم القوة المستخدمة هو العنصر الوحيد الذي منح العملية طابعها الاستثنائي، بل توقيتها وطريقة تنفيذها أيضاً. فبعد أسابيع من التحقيقات التي أُجريت بعيداً عن الأضواء، اختارت السلطات تنفيذ عشرات أوامر القبض بصورة متزامنة، في محاولة لحرمان المطلوبين من الوقت الكافي للتنسيق أو إخفاء الأدلة أو مغادرة البلاد.

ولهذا لم تتحرك القوات نحو هدف واحد، بل توزعت منذ الساعات الأولى بين المنطقة الخضراء ومدينة الصدر والشعب وزيونة والمنصور واليرموك ومجمع القادسية السكني، بالتزامن مع عمليات في بابل وميسان وأربيل، فضلاً عن مداهمة شركة نفط الوسط، في مؤشر إلى أن التحقيقات لم تعد تتعامل مع قضية فساد منفردة، وإنما مع شبكة متداخلة من المسؤولين والإداريين والسياسيين ورجال الأعمال.

بدأت خيوط القضية قبل أسابيع مع اعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي السابق عدنان الجميلي في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين، بتهم تتعلق بالفساد. غير أن الملف لم يتوقف عند حدود الأموال التي ضُبطت معه، إذ تحولت إفاداته أمام قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية إلى نقطة انطلاق لتحقيقات أوسع، قادت تباعاً إلى إصدار عشرات أوامر القبض بحق شخصيات سياسية ونيابية وإدارية.

وبحسب المعلومات المتداولة، تضمنت الاعترافات التي أدلى بها الجميلي أسماء من مستويات مختلفة داخل مؤسسات الدولة وخارجها، من بينها محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة الحالي رائد الجبوري، وأعضاء مجلس النواب عالية نصيف، وهند محمد صالح، وبهاء النوري، وحسن الخفاجي، ومحمد الكربولي، ومحمد جميل المياحي، وزياد الجنابي، ومثنى السامرائي، ومحمد فرمان الجبوري، إلى جانب النائب السابق محمد الصيهود، وإبراهيم الصميدعي(مستشار سابقاً)، وعبد الرحمن اللويزي، ومضر الكروي، وبشرى القيسي، وأشواق الجبوري، وعدد من المسؤولين التنفيذيين والموظفين ورجال الأعمال، فضلاً عن وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج، الذي سبق أن فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات، متهمة إياه باستغلال موقعه لتسهيل عمليات مرتبطة ببيع النفط العراقي.

ولا توحي المؤشرات بأن الحملة توقفت عند هذه الأسماء. فبحسب مصادر التحقيق، فإن ما نُفذ حتى الآن لا يمثل سوى المرحلة الأولى، بينما يُجرى إعداد مرحلة ثانية قد تشمل شخصيات توصف بأنها من الصف الأول سياسياً وإدارياً، بعد استكمال تدقيق الإفادات وربطها بالوثائق والأدلة التي جمعتها هيئة النزاهة والسلطة القضائية خلال الأسابيع الماضية.

وربما كانت الأرقام أبلغ من الأسماء في التعبير عن حجم القضية. فقد أعلن القضاء ارتفاع قيمة الأموال المضبوطة إلى 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار أميركي، بعد ضبط مبالغ جديدة وإحباط محاولة تهريب خمسة مليارات دينار في إحدى المحافظات. كما شملت الإجراءات حجز 70 عقاراً، و21 مركبة حديثة، ومصادرة مصوغات ذهبية تقدر بنحو ثلاثة كيلوغرامات. فيما كشفت التحقيقات أن جزءاً من الأموال كان مدفوناً تحت الأرض بعمق أربعة أمتار، في صورة تعكس حجم الثروات التي أُخفيت خارج الدورة المالية الرسمية.

ولا تبدو هذه المضبوطات سوى بداية مسار أطول، إذ تؤكد التحقيقات أن عمليات تتبع الحسابات المصرفية والعقارات والاستثمارات لا تزال مستمرة، مع استمرار البحث عن أموال وأصول أخرى، فضلاً عن ملاحقة متورطين لم تصل إليهم أوامر القبض حتى الآن.

ومع اتساع دائرة الاعتقالات، برز سؤال قانوني عن الكيفية التي شملت بها أوامر القبض أعضاءً في مجلس النواب. وبحسب التفسير القانوني للمادة (63/ثانياً/ب) من الدستور العراقي، إلى جانب النظام الداخلي للمجلس، فإن رئيس مجلس النواب يمتلك صلاحية رفع الحصانة عن النائب خلال العطلة التشريعية إذا كانت القضية تتعلق بجناية، من خلال موافقة خطية، من دون الحاجة إلى تصويت داخل البرلمان، وهو ما وفر الغطاء القانوني لتنفيذ أوامر القبض بحق النواب المشمولين بالتحقيق.

على المستوى السياسي، لم تتأخر ردود الفعل كثيراً. فقد سارعت هيئة النزاهة الاتحادية إلى إصدار أول تعليق رسمي، مؤكدة أن الإجراءات التي تنفذها تستند إلى سلطة القانون، مع تعهدها بإطلاع الرأي العام على مجريات التحقيقات حال استكمالها.

وفي الاتجاه نفسه، كشفت مصادر مطلعة أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعث برسالة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي أعلن فيها دعمه الكامل للحملة، داعياً إلى الاستمرار في ملاحقة جميع المتورطين مهما كانت مواقعهم السياسية.

 كما بارك رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي انطلاق ما وصفه بـ”حملة الفجر”، معتبراً أنها خطوة طال انتظارها، ومشدداً على ضرورة المضي فيها حتى النهاية وبأقصى درجات الحزم القانوني.

غير أن أهمية الحملة لا تكمن في البيانات السياسية وحدها، بل في السقف الذي ستصل إليه التحقيقات. فاعتقال مسؤولين من الصفين الثاني والثالث لن يكون كافياً لإقناع الرأي العام بأن الدولة دخلت فعلاً مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، ما لم تمتد الإجراءات إلى الشخصيات الأكثر نفوذاً، تلك التي يُنظر إليها بوصفها مراكز القرار السياسي والمالي. 

الشارع العراقي، الذي خبر على مدى أكثر من عقدين عشرات حملات “مكافحة الفساد” من دون نتائج حاسمة، يتعامل مع التطورات الحالية بحذر، خشية أن تنتهي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية أكثر من كونها مشروعاً لتفكيك منظومة الفساد نفسها. 

ولهذا، لن تُقاس الحملة بعدد المعتقلين، بل بقدرتها على كسر الحصانات السياسية والوصول إلى مراكز النفوذ التي يُعتقد أنها أدارت هذه الشبكات لسنوات طويلة، وإلا فإنها ستبقى، في نظر كثيرين، محطة أخرى في سجل طويل من الحملات التي لم تُغيّر بنية النظام الذي أنتج الفساد.

في هذا السياق، يقدم الصحافي أحمد الحسيني رؤية تتجاوز أسماء المعتقلين إلى مساراتهم السياسية. ويقول إن ربط الاعتقالات بالتحولات الحزبية لا يستند، حتى الآن، إلى أدلة معلنة يمكن أن تفسر ما حصل أو تثبت وجود علاقة سببية بين الأمرين، إلا أن مراجعة قائمة الأسماء تكشف ملاحظة سياسية تستحق التوقف عندها.

ويشير الحسيني إلى أن عدداً كبيراً من الشخصيات التي طاولتها الإجراءات عاش خلال العامين الأخيرين سلسلة من التنقلات والانشقاقات الحزبية، بما يعكس حالة سيولة غير مسبوقة داخل الطبقة السياسية. فالنائب محمد جميل المياحي انتقل من تحالف خدمات إلى الإعمار والتنمية، فيما غادر محمد الجبوري تحالف السيادة إلى تقدم، وانتقل زياد الجنابي من تقدم إلى السيادة – تشريع. أما حسن الخفاجي، فتقلب بين الاستقلالية الحزبية وتحالف أساس والإعمار والتنمية قبل أن يغادره مجدداً، في حين انتقلت بشرى القيسي من حزب الجماهير إلى عزم، وترك بهاء النوري ائتلاف دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، كما غادر عبد الرحمن اللويزي تحالف الفتح إلى الإعمار والتنمية، وانتقل محمد الصيهود من دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، فيما انتقل محمد الكربولي من تقدم إلى عزم. كذلك خرج علي معارج من دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، وكان مرشحها لتولي حقيبة وزارية قبل أن تعرقل عقوبات وزارة الخزانة الأميركية ذلك، بينما غادرت عالية نصيف دولة القانون إلى الإعمار والتنمية.

ويرى الحسيني أن هذه الأسماء جاءت من مدارس سياسية مختلفة، وتحالفات متباعدة، وخصومات قديمة، قبل أن تلتقي في مسارات جديدة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يعكس، برأيه، طبيعة طبقة سياسية كثيرة الحركة، كثيرة إعادة التموضع، وكثيرة تبديل العناوين، لكنها في الوقت نفسه تبدو شديدة القسوة على المنشقّين عنها. 

وبعيداً عن أسماء المعتقلين أو قيمة الأموال المضبوطة، تبدو “حملة الفجر” اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الإعلان عن مكافحة الفساد إلى مرحلة تفكيك بنيته. فمنذ عام 2003، تعاقبت الحكومات على إطلاق حملات مشابهة، غير أن معظمها انتهى إلى نتائج محدودة بفعل التدخلات السياسية أو بطء الإجراءات أو ضعف الأدلة. أما اليوم، فإن حجم القوة التي شاركت في تنفيذ المداهمات، واتساع رقعة العمليات، وطبيعة الشخصيات التي شملتها التحقيقات، وحجم الأموال والعقارات المضبوطة، كلها عوامل منحت هذه الحملة ثقلاً مختلفاً، لكنها في الوقت نفسه رفعت سقف التوقعات الشعبية.

ويبقى نجاح “حملة الفجر” مرهوناً بما سيأتي بعد لحظة الاعتقال. فالاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد النواب والمسؤولين الذين أوقفوا، ولا في قيمة الـ98 مليار دينار و11 مليون دولار التي أعلنت السلطات ضبطها، بل في قدرة القضاء على تحويل هذه التحقيقات إلى أحكام نهائية، واسترداد الأموال العامة، وكشف الشبكات التي أدارت منظومة الفساد طوال السنوات الماضية، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية. 

عندها فقط سيكون ممكناً القول إن فجر الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو لم يكن مجرد عملية أمنية واسعة، بل بداية تحول حقيقي في أكثر ملفات الدولة العراقية تعقيداً، أما إذا توقفت الحملة عند حدود الأسماء التي أُعلن عنها اليوم، فستجد نفسها، كما حملات كثيرة سبقتها، أمام السؤال ذاته الذي لم يجد العراقيون له إجابة منذ سنوات: هل تغيرت قواعد اللعبة فعلاً، أم تبدلت أسماء اللاعبين فقط؟

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
29.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes

لا توحي المؤشرات بأن الحملة توقفت عند هذه الأسماء. فبحسب مصادر التحقيق، فإن ما نُفذ حتى الآن لا يمثل سوى المرحلة الأولى، بينما يُجرى إعداد مرحلة ثانية قد تشمل شخصيات توصف بأنها من الصف الأول سياسياً وإدارياً، بعد استكمال تدقيق الإفادات وربطها بالوثائق والأدلة التي جمعتها هيئة النزاهة والسلطة القضائية خلال الأسابيع الماضية.

قبل أن تستيقظ بغداد على ضجيج نهارها، كانت المنطقة الخضراء تعيش فجراً مختلفاً. لم تكن أصوات الدبابات والمدرعات هذه المرة إعلاناً عن تهديد أمني أو هجوم مسلّح، بل إيذاناً بفتح واحد من أكثر ملفات الدولة العراقية حساسية. 

أُغلقت البوابات، وانتشرت وحدات جهاز مكافحة الإرهاب في الشوارع، فيما كانت أوامر القبض تتوالى بحق نواب وسياسيين ومسؤولين ورجال أعمال. خلال ساعات قليلة فقط، تحول ملف فساد بدأ باعترافات مسؤول نفطي، إلى حملة واسعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل العراقيون يطرحونه منذ أكثر من عقدين: هل بدأت الدولة أخيراً بملاحقة منظومة الفساد، أم أنها تخوض جولة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية؟

لم يكن حجم القوة المستخدمة هو العنصر الوحيد الذي منح العملية طابعها الاستثنائي، بل توقيتها وطريقة تنفيذها أيضاً. فبعد أسابيع من التحقيقات التي أُجريت بعيداً عن الأضواء، اختارت السلطات تنفيذ عشرات أوامر القبض بصورة متزامنة، في محاولة لحرمان المطلوبين من الوقت الكافي للتنسيق أو إخفاء الأدلة أو مغادرة البلاد.

ولهذا لم تتحرك القوات نحو هدف واحد، بل توزعت منذ الساعات الأولى بين المنطقة الخضراء ومدينة الصدر والشعب وزيونة والمنصور واليرموك ومجمع القادسية السكني، بالتزامن مع عمليات في بابل وميسان وأربيل، فضلاً عن مداهمة شركة نفط الوسط، في مؤشر إلى أن التحقيقات لم تعد تتعامل مع قضية فساد منفردة، وإنما مع شبكة متداخلة من المسؤولين والإداريين والسياسيين ورجال الأعمال.

بدأت خيوط القضية قبل أسابيع مع اعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي السابق عدنان الجميلي في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين، بتهم تتعلق بالفساد. غير أن الملف لم يتوقف عند حدود الأموال التي ضُبطت معه، إذ تحولت إفاداته أمام قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية إلى نقطة انطلاق لتحقيقات أوسع، قادت تباعاً إلى إصدار عشرات أوامر القبض بحق شخصيات سياسية ونيابية وإدارية.

وبحسب المعلومات المتداولة، تضمنت الاعترافات التي أدلى بها الجميلي أسماء من مستويات مختلفة داخل مؤسسات الدولة وخارجها، من بينها محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة الحالي رائد الجبوري، وأعضاء مجلس النواب عالية نصيف، وهند محمد صالح، وبهاء النوري، وحسن الخفاجي، ومحمد الكربولي، ومحمد جميل المياحي، وزياد الجنابي، ومثنى السامرائي، ومحمد فرمان الجبوري، إلى جانب النائب السابق محمد الصيهود، وإبراهيم الصميدعي(مستشار سابقاً)، وعبد الرحمن اللويزي، ومضر الكروي، وبشرى القيسي، وأشواق الجبوري، وعدد من المسؤولين التنفيذيين والموظفين ورجال الأعمال، فضلاً عن وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج، الذي سبق أن فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات، متهمة إياه باستغلال موقعه لتسهيل عمليات مرتبطة ببيع النفط العراقي.

ولا توحي المؤشرات بأن الحملة توقفت عند هذه الأسماء. فبحسب مصادر التحقيق، فإن ما نُفذ حتى الآن لا يمثل سوى المرحلة الأولى، بينما يُجرى إعداد مرحلة ثانية قد تشمل شخصيات توصف بأنها من الصف الأول سياسياً وإدارياً، بعد استكمال تدقيق الإفادات وربطها بالوثائق والأدلة التي جمعتها هيئة النزاهة والسلطة القضائية خلال الأسابيع الماضية.

وربما كانت الأرقام أبلغ من الأسماء في التعبير عن حجم القضية. فقد أعلن القضاء ارتفاع قيمة الأموال المضبوطة إلى 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار أميركي، بعد ضبط مبالغ جديدة وإحباط محاولة تهريب خمسة مليارات دينار في إحدى المحافظات. كما شملت الإجراءات حجز 70 عقاراً، و21 مركبة حديثة، ومصادرة مصوغات ذهبية تقدر بنحو ثلاثة كيلوغرامات. فيما كشفت التحقيقات أن جزءاً من الأموال كان مدفوناً تحت الأرض بعمق أربعة أمتار، في صورة تعكس حجم الثروات التي أُخفيت خارج الدورة المالية الرسمية.

ولا تبدو هذه المضبوطات سوى بداية مسار أطول، إذ تؤكد التحقيقات أن عمليات تتبع الحسابات المصرفية والعقارات والاستثمارات لا تزال مستمرة، مع استمرار البحث عن أموال وأصول أخرى، فضلاً عن ملاحقة متورطين لم تصل إليهم أوامر القبض حتى الآن.

ومع اتساع دائرة الاعتقالات، برز سؤال قانوني عن الكيفية التي شملت بها أوامر القبض أعضاءً في مجلس النواب. وبحسب التفسير القانوني للمادة (63/ثانياً/ب) من الدستور العراقي، إلى جانب النظام الداخلي للمجلس، فإن رئيس مجلس النواب يمتلك صلاحية رفع الحصانة عن النائب خلال العطلة التشريعية إذا كانت القضية تتعلق بجناية، من خلال موافقة خطية، من دون الحاجة إلى تصويت داخل البرلمان، وهو ما وفر الغطاء القانوني لتنفيذ أوامر القبض بحق النواب المشمولين بالتحقيق.

على المستوى السياسي، لم تتأخر ردود الفعل كثيراً. فقد سارعت هيئة النزاهة الاتحادية إلى إصدار أول تعليق رسمي، مؤكدة أن الإجراءات التي تنفذها تستند إلى سلطة القانون، مع تعهدها بإطلاع الرأي العام على مجريات التحقيقات حال استكمالها.

وفي الاتجاه نفسه، كشفت مصادر مطلعة أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعث برسالة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي أعلن فيها دعمه الكامل للحملة، داعياً إلى الاستمرار في ملاحقة جميع المتورطين مهما كانت مواقعهم السياسية.

 كما بارك رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي انطلاق ما وصفه بـ”حملة الفجر”، معتبراً أنها خطوة طال انتظارها، ومشدداً على ضرورة المضي فيها حتى النهاية وبأقصى درجات الحزم القانوني.

غير أن أهمية الحملة لا تكمن في البيانات السياسية وحدها، بل في السقف الذي ستصل إليه التحقيقات. فاعتقال مسؤولين من الصفين الثاني والثالث لن يكون كافياً لإقناع الرأي العام بأن الدولة دخلت فعلاً مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، ما لم تمتد الإجراءات إلى الشخصيات الأكثر نفوذاً، تلك التي يُنظر إليها بوصفها مراكز القرار السياسي والمالي. 

الشارع العراقي، الذي خبر على مدى أكثر من عقدين عشرات حملات “مكافحة الفساد” من دون نتائج حاسمة، يتعامل مع التطورات الحالية بحذر، خشية أن تنتهي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية أكثر من كونها مشروعاً لتفكيك منظومة الفساد نفسها. 

ولهذا، لن تُقاس الحملة بعدد المعتقلين، بل بقدرتها على كسر الحصانات السياسية والوصول إلى مراكز النفوذ التي يُعتقد أنها أدارت هذه الشبكات لسنوات طويلة، وإلا فإنها ستبقى، في نظر كثيرين، محطة أخرى في سجل طويل من الحملات التي لم تُغيّر بنية النظام الذي أنتج الفساد.

في هذا السياق، يقدم الصحافي أحمد الحسيني رؤية تتجاوز أسماء المعتقلين إلى مساراتهم السياسية. ويقول إن ربط الاعتقالات بالتحولات الحزبية لا يستند، حتى الآن، إلى أدلة معلنة يمكن أن تفسر ما حصل أو تثبت وجود علاقة سببية بين الأمرين، إلا أن مراجعة قائمة الأسماء تكشف ملاحظة سياسية تستحق التوقف عندها.

ويشير الحسيني إلى أن عدداً كبيراً من الشخصيات التي طاولتها الإجراءات عاش خلال العامين الأخيرين سلسلة من التنقلات والانشقاقات الحزبية، بما يعكس حالة سيولة غير مسبوقة داخل الطبقة السياسية. فالنائب محمد جميل المياحي انتقل من تحالف خدمات إلى الإعمار والتنمية، فيما غادر محمد الجبوري تحالف السيادة إلى تقدم، وانتقل زياد الجنابي من تقدم إلى السيادة – تشريع. أما حسن الخفاجي، فتقلب بين الاستقلالية الحزبية وتحالف أساس والإعمار والتنمية قبل أن يغادره مجدداً، في حين انتقلت بشرى القيسي من حزب الجماهير إلى عزم، وترك بهاء النوري ائتلاف دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، كما غادر عبد الرحمن اللويزي تحالف الفتح إلى الإعمار والتنمية، وانتقل محمد الصيهود من دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، فيما انتقل محمد الكربولي من تقدم إلى عزم. كذلك خرج علي معارج من دولة القانون إلى الإعمار والتنمية، وكان مرشحها لتولي حقيبة وزارية قبل أن تعرقل عقوبات وزارة الخزانة الأميركية ذلك، بينما غادرت عالية نصيف دولة القانون إلى الإعمار والتنمية.

ويرى الحسيني أن هذه الأسماء جاءت من مدارس سياسية مختلفة، وتحالفات متباعدة، وخصومات قديمة، قبل أن تلتقي في مسارات جديدة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يعكس، برأيه، طبيعة طبقة سياسية كثيرة الحركة، كثيرة إعادة التموضع، وكثيرة تبديل العناوين، لكنها في الوقت نفسه تبدو شديدة القسوة على المنشقّين عنها. 

وبعيداً عن أسماء المعتقلين أو قيمة الأموال المضبوطة، تبدو “حملة الفجر” اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الإعلان عن مكافحة الفساد إلى مرحلة تفكيك بنيته. فمنذ عام 2003، تعاقبت الحكومات على إطلاق حملات مشابهة، غير أن معظمها انتهى إلى نتائج محدودة بفعل التدخلات السياسية أو بطء الإجراءات أو ضعف الأدلة. أما اليوم، فإن حجم القوة التي شاركت في تنفيذ المداهمات، واتساع رقعة العمليات، وطبيعة الشخصيات التي شملتها التحقيقات، وحجم الأموال والعقارات المضبوطة، كلها عوامل منحت هذه الحملة ثقلاً مختلفاً، لكنها في الوقت نفسه رفعت سقف التوقعات الشعبية.

ويبقى نجاح “حملة الفجر” مرهوناً بما سيأتي بعد لحظة الاعتقال. فالاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد النواب والمسؤولين الذين أوقفوا، ولا في قيمة الـ98 مليار دينار و11 مليون دولار التي أعلنت السلطات ضبطها، بل في قدرة القضاء على تحويل هذه التحقيقات إلى أحكام نهائية، واسترداد الأموال العامة، وكشف الشبكات التي أدارت منظومة الفساد طوال السنوات الماضية، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية. 

عندها فقط سيكون ممكناً القول إن فجر الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو لم يكن مجرد عملية أمنية واسعة، بل بداية تحول حقيقي في أكثر ملفات الدولة العراقية تعقيداً، أما إذا توقفت الحملة عند حدود الأسماء التي أُعلن عنها اليوم، فستجد نفسها، كما حملات كثيرة سبقتها، أمام السؤال ذاته الذي لم يجد العراقيون له إجابة منذ سنوات: هل تغيرت قواعد اللعبة فعلاً، أم تبدلت أسماء اللاعبين فقط؟

29.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية