ضاق صدر الحكومة الأردنية من روح التحدي التي بات التيار الإسلامي يتعامل فيها مع الدولة بكل مكوناتها، لإظهار قدرته على تحريك الشارع، وسط مخاوف أمنية من “وجود خلايا حماسية نائمة داخل جماعة الإخوان المسلمين، موالية لإيران وتنتظر الفرصة الإقليمية المؤاتية لضرب الأمن وزعزعة النظام”، حسبما أشار مصدر سياسي أمني أردني.
الحكومة الجديدة و”الدولة العميقة” صُدمتا على ما يبدو من التحشيد الذي مارسه التيار الإسلامي يوم الجمعة الماضي، بعد أن بارك بجرأة غير معهودة، عملية التسلل إلى إسرائيل من جنوب البحر الميت، التي نفّذها شابان ينتميان إلى جماعة “الإخوان”، وقتلا خلالها جنديين إسرائيليين.
الأوساط الرسمية والسياسية المناوئة للجماعة، اعتبرت أن بيان الإشادة بالعملية “البطولية” الذي صدر عن حزب “العمل الإسلامي”
جاء بمثابة تبنٍ للعملية.
تبع البيان دعوة للمشاركة في “عرس الشهيدين حساب أبو غزالة وعامر القواس” من جماعة “الإخوان” المرخصة للعمل كجمعية خيرية منذ ما يقارب ثمانية عقود، وذراعها السياسي حزب “جبهة العمل الإسلامي”.
وفي المساء صدر بيان ثانٍ، هذه المرة عن الجماعة، استخدمت فيه لغة دبلوماسية، ووصفت ما حدث بـ” العمل البطولي لكن الفردي”، وأنه “جاء كردة فعل من شباب أردني، للثأر من الجرائم الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة والمقدسات الإسلامية”.
وقال المراقب العام للجماعة المهندس مراد العضايلة لـ”درج”: “إن الجماعة أصدرت البيان لإزالة اللبس الذي حصل بفعل بيان الجبهة”، موضحاً أن “التبني غير المباركة”، مضيفاً “نحن نبارك كل عمل مقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي، لأن ذلك مشروع في القانون الدولي والشرائع السماوية”.
نُشرت صور لمكان تنفيذ العملية على الموقع الإلكتروني لـ”كتائب القسام”، ادّعى الموقع أنها حصرية، وأن المنفّذين التقطاها خلال “مرحلة الرصد والاستطلاع لموقع التنفيذ”، وتساءلت أوساط أردنية عن كيفية التقاط هذه الصور التي تمّت على الأرجح بواسطة طائرة بدون طيار أو “درون”.
وقال سياسي أردني فضّل عدم ذكر اسمه، أن “العميلة تشي أن لدى الإخوان من يمارس العمل العسكري باستخدام الأراضي الأردنية وبالتنسيق مع كتائب القسام الذراع العسكري لحماس، من دون علم السلطات الأردنية”، واستنتج أن “العملية ليست فردية على الإطلاق”.
من جهته، رفض العضايلة هذا الاستنتاج، موضحاً أنه “بالإمكان تحديد أي قطعة أرض في عمان مثلاً، باستخدام خاصية خرائط غوغل”.
بالطبع تدرس المؤسسات الأمنية والحكومية في الأردن، خيارات الرد القادم وفق عدة سيناريوهات مطروحة، منها تحويل قادة حزب “جبهة العمل الإسلامي” إلى المحاكمة بتهمة زعزعة الاستقرار، وتنفيذ قرار محكمة التمييز الذي صدر قبل أربعة أعوام واعتبر جماعة “الإخوان” منحلّة.
توقيت الرد غير واضح، لكن التوقعات تقول إنه سيبدأ التصعيد بعد أن تحصل الحكومة على الثقة من مجلس النواب الجديد، علماً أن حزب الجبهة حصل على ثلث أصوات الأردنيين الذين شاركوا في الانتخابات النيابية الأخيرة.
لكن العضايلة شكّك في هذه السيناريوهات، قائلاً: “إن علاقة الجماعة بالدولة نموذج نادر في المنطقة يجب المحافظة عليه، كما أن الدولة تعرف من هم الإخوان، وأعتقد أنها لن تذهب إلى خيارات تسمح بتصعيد الأمور داخلياً، لأن التيار جزء أساسي من مكوّنات المجتمع”، مضيفاً: “كل الأمور تحل بالحوار”.
في الأثناء لم يتوقف الجدل الشعبي والسياسي، ولم تتوقف مطالبات بعض الكتاب والصحافيين المقربين من الحكومة للحركة الإسلامية بتوضيح مواقفها من العملية.
لكن العضايلة انتقد “دوافع هذه الأصوات، التي استغلت الفرصة للتحريض على التيار”.
إقرأوا أيضاً:
ماذا حصل خلال الأيام الماضية؟
يوم السبت الماضي، حدد رئيس الوزراء الجديد جعفر حسان عدداً من النقاط، وأكد أن الدولة “لن تسمح بأن تصبح البلاد ساحة للفتنة أو لاستنساخ نماذج الخراب والتدمير حولنا”.
وأكدت مصادر لـ”درج” أن “رسائل رسمية قوية تتوعد بمحاسبة الحركة، وعدم السماح لها بالاستهتار بالدولة والتلاعب بمشاعر الشارع المحتقن”.
وقال مسؤول حكومي رفيع: ” قيادة الإخوان، التي اعتدنا عليها أن تصعد لإثبات قدرتها على تحريك الشارع، تتراجع بسرعة كلما استشعرت بالخطر، وفي هذه الحالة ونتيجة اكتشافهم واستيعابهم لحجم المسؤولية التي تسببوا بها بعد مباركة العملية وشهدائها وتأجيج مشاعر الشارع، بدأوا بالتراجع”.
وأضاف: “لقد تسببوا أيضاً بإحراج الأردن في الخارج ومع الدول الغربية، التي تراقب نبض الشارع الأردني، حيث يشتد الصراع الداخلي بين مؤيدي خيار المقاومة ومعارضيه”.
مسؤولون إسرائيليون كرروا اتهامهم الأردن بأنه “يساعد على تهريب الأسلحة إلى دولتهم، ولا بد من تحميل حكومته تبعات ذلك”، علماً أن الجيش الإسرائيلي زعم في البداية أن “المتسللين عسكريين أردنيين”، الأمر الذي نفته قيادة القوات المسلحة في الأردن.
وقال مسؤول أردني آخر لـ”درج”: “إن الدولة ستلجأ إلى أسلوب آخر في التعامل مع الإخوان”.
التيار الإسلامي لا يزال برأي النظام والشارع، جزءاً من المجتمع وله تمثيل نيابي وإعلامي وحزبي، وفي الانتخابات الأخيرة حصل على الكتلة البرلمانية الأكبر، بخلاف التوقعات الرسمية، مما أجبر المسؤولين على تشجيع النواب المستقلين للانضمام إلى حزبين محافظين مواليين للسلطة، فحصلا على المرتبة الثانية والثالثة، وبذلك أصبح حزب “الميثاق” المعارض لسياسات التيار الإسلامي صاحب الثقل الأول في المجلس الجديد.
ساسة ومسؤولون سابقون قالوا إن على “الحركة أن تُعيد تقييم طريقة عملها، لأن الأردن هو الدولة الوحيدة التي لم تحظر نشاطها بعد”، برغم أن عمّان تتعرض لضغط قوي من الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية الوحيدة التي تساعد الخزينة الأردنية، لكسر شوكة حركة “الإخوان المسلمين” في المملكة.
تبقى صور الآلاف المؤلفة التي شاركت في “عرس الشهيدين” عقب صلاة العشاء، في أحد ضواحي العاصمة عمّان حيّة في عقول الكثيرين، حيث حُمل والد قواس على الأكتاف، وترددت هتافات مؤيدة لحركة “حماس” وقادتها السياسيين والعسكريين.
قبلها بساعات تناقل أردنيون مقطعي فيديو لمنفذي العملية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يعلنان فيهما أنهما “شهيدا غزة” وذلك قبل إعلان الجيش الإسرائيلي مقتلهما.
وقال أبو غزالة إنه “يودّع هذه الدنيا ويكتب وصيته وهو يرى الإسلام يُذبح ويُنحر في كل وقت، وإخواننا في غزة يتجرّعون الألم ويذوقون مرارة الخذلان منذ ما يزيد عن عام”.
بينما قال قواس إنه “يكتب وصيته بعد عام من قتل إخواننا وتشريدهم في غزة من قبل الاحتلال الغاصب، وبعد الصمت المجحف والخذلان التام من العالم لأهلنا في غزة”.
وهنا يبدو واضحاً أن سلوكيات إسرائيل العدوانية في الضفة وغزة باتت تهدد أمن الأردن واستقراره، وسط ضغوط اقتصادية ومعيشية خانقة، وباتت المملكة محاصرة بين مطرقة سياسات حكومة نتانياهو اليمينية التوسعية، وسندان تنامي نفوذ خطاب محور الممانعة بقيادة إيران في المنطقة.
وهناك مخاوف حقيقية لدى بعض المسؤولين الأردنيين، من أن يصبح الأردن نقطة اشتعال إقليمية بتأثير حرب غزة، لأنه يستضيف على أراضيه قاعدة عسكرية أميركية، ويشترك في أطول حدود مع الأراضي المحتلة، وكذلك مع سوريا والعراق، حيث تنشط هناك فصائل وميليشيات مسلحة ومدعومة من إيران، تنتهج خطاً سياسياً مناوئاً لعمّان.
إقرأوا أيضاً:












