fbpx

كيف يمكن أن نواصل حياتنا في ظلّ ما يحصل في غزة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نحن لسنا سوى في بداية الحرب، المزيد من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان تنتظر الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. دعم الغرب الصلب لإسرائيل ليس جديداً، ولكنه وصل إلى آفاق جديدة بعد رد “حماس” على عقود من الحصار واليأس الذي يعتلي ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يتحمّل مسؤولية الحرب في غزة القادة في الغرب، هكذا أقولها.

منذ يوم السبت 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وكمعظم المواطنين المهتمين بما يحصل في العالم، وبغض النظر عن العمر أو العرق أو الجنس أو الدين أو التوجه السياسي، التصقتُ بوسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون. ومن الواضح منذ البداية أن الحرب التي نشهدها قد تكون أكبر محرّك للتغيير في المنطقة بكاملها (وما يتجاوزها) خلال العقود الخمسة الماضية، وعلى الرغم من عدم قدرة أحد على التنبؤ بالنتيجة، إلا أنها ستكون مأساوية في كل الأحوال.

منذ أن وطئت قدماي الشرق الأوسط حين كنت شاباً تعلقتُ كثيراً بهذه المنطقة من العالم. نشأت وسط تاريخ صهيوني، وآمنت بالسردية الصهيونيّة الى أن زرت المنطقة وتفتّحت عيناي على حكايات جديدة. فقررت كشاب دنماركي أن أتخصّص في دراسات الشرق الأوسط. كذلك، أخذت دروساً باللغة العربية التي ما زلت حتى اليوم لا أتقنها بشكل جيد. كذلك، حرصت على الاطلاع على الثقافات المختلفة وعلى السياسة والاقتصاد والدين، بما في ذلك التيارات الإسلامية المتنوعة. ببساطة، كرست السنوات الأربعين الأخيرة من حياتي للعمل في هذه المنطقة.

أنا اليوم رجل مسنّ ذو امتيازات، أمضيت سنوات طويلة في الدراسات الأكاديمية، وركّزت أبحاثي على السياسة الفلسطينية. وخلال العقدين الماضيين، عملت مع المجتمع المدني، ثم في مجال الفنون والثقافة الشرقية المعاصرة. ومنذ ذلك الحين، شاركت بشكل فعال في دعم وسائل الإعلام المستقلة في المنطقة، وقد كان عملي على أرض الواقع مكافأة وامتيازاً حقيقياً ومصدر إلهام كبيراً بالنسبة إليّ. إذ قابلت الكثير من الأشخاص الشجعان والمُلهمين بشكل يفوق المخيلة، فأصبحت أعرف المنطقة أكثر من مجتمعي الخاص، ولهذا السبب ربما أفشل باستمرار في فهم ما يحدث هنا في الشمال الأوروبي. وعلى رغم الدراسات التي أنجزتها وعملي الطويل وخبرتي في الحياة، أندهش كثيراً من موقف حكومة الدنمارك من الصراع حول القضية الفلسطينية والمنطقة عموماً. وما يزيد دهشتي هو العالم الغربي بأسره وعدم استعداده (بل وعجزه) لخلع نظارات الاستعمار والتأمّل في ما يحدث وتغيير المقاربة التقليديّة حول الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

إسرائيل، التي احتفلت بذكرى تأسيسها الـ 75 هذا العام، هي دولة محبوبة من الغرب، والأمر واضح بشدة في الحرب الدائرة الآن في غزة. إذ اصطفّ قادة العالم في الغرب للتعبير عن دعمهم المطلق لحق إسرائيل في الرد على هجمات “حماس” من دون مراعاة للمدنيين في غزة. وهم يقفون متفرجين على “الإجلاء القسري”  لأكثر من مليون فلسطيني يعيشون في القطاع، أكبر سجن مفتوح وأكثر المناطق مراقبةً في العالم. أما وسائل الإعلام الغربية، فتقدّم تغطية منحازة وغير نقدية باستثناء البعض منها.

ما زلنا في بداية الحرب، وينتظر الفلسطينيين في القطاع مزيد من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، فيما دعم الغرب المطلق لإسرائيل ليس جديداً، ولكنه وصل إلى آفاق جديدة بعد رد “حماس” على عقود من الحصار لملايين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، حصار وصل إلى حدّ اليأس. 

لا شك في أن “حماس” تجاوزت الوسائل الشرعية التي يحق لشعب مُحتل أن يستخدمها ضد قوة محتلة. إلا أنها حرب غير متكافئة، على رغم أن صورة إسرائيل  قد اهتزّت ولن تعود كما كانت. 

كانت الساعات الـ 48 الأولى من حرب غزة غير مسبوقة، انكسرت خلالها القوة العسكرية الفائقة لإسرائيل أمام فئة مُهمّشة غير مدعومة دولياً. الأمر الذي كان من الصعب فهمه هنا في الشمال الأوروبيّ.  لكن ما حصل أشْعَرَ غالبية الفلسطينيين العاديين بالسعادة غير المريحة، ورسم ابتسامة كبيرة على وجوههم، ليس لأنهم يتعاطفون مع “حماس”، وليس لأنهم عرب دمويون يكرهون الإسرائيليين أو اليهود ويرغبون في قتلهم، بل لأن إسرائيل حرمتهم لأكثر من 75 عاماً من حقوقهم الأساسية، وقامت بإهانتهم وتجريدهم من إنسانيتهم وكرامتهم وأرضهم وأملهم، إلا أن الثابت لديهم هو قناعتهم بأن فلسطين كانت ولا تزال أرضهم المسروقة. أما نحن في الغرب فقد فقدنا البصيرة، لا نرى ولا نسمع، والحكومات لدينا تصرفت دوماً على هذا الأساس فقط.

على الرغم من أن استطلاعات الرأي العالمية تشير إلى أن حوالى نصف سكان العالم الغربي لا يهتمون بالشرق الأوسط، ولا يعرفون الكثير عن النزاع الذي يدور فيه، إلا أنه من الواضح أيضاً أن هناك اختلافاً بارزاً بين رأي الجمهور في هذا النزاع ومواقف المسؤولين المنتخبين من قبلهم. 

الحديث اليوم عن حقوق الفلسطينيين الشرعية هو أكثر انتشاراً مما كان عليه في الأجيال السابقة، إلا أن معظم القادة في الغرب يدعمون إسرائيل بشكل غير مشروط. على رغم أنهم في العادة يأخذون في الاعتبار رأي جمهورهم في معظم الأمور، باستثناء إسرائيل، التي تسري عليها قواعد خاصة، والحرب المستمرة ليست استثناء. ولكن، هل هذا الأمر منطقيّ؟! 

هل يمكننا القبول بـ 75 عاماً من الانتهاكات التي تشمل التطهير العرقي، مصادرة الأرض، الاحتلال، الاستيطان والقتل والسجن كجزء من الواقع اليومي؟ وهل يمكننا مجاراة حكومة إسرائيل اليمينية التي يحدد أجندتها المستوطنون بصورة غير قانونيّة، ودولة تنتهك باستمرار القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين الشرعية، والقبول بنزع الإنسانية عن الشعب الفلسطيني على يد قادة إسرائيل؟ وهل يمكننا الموافقة على استهداف إسرائيل السكان المدنيين في غزة بوصفه “دفاعاً عن النفس”، وحقيقة أن آلاف الفلسطينيين المدنيين يتم قتلهم مرة أخرى؟

هل نصفّق للدول الغربية التي تقمع حق شعوبها في التظاهر ضد العدوان المستمر، كما هي الحال في ألمانيا وفرنسا، كما تقمع جزءاً من الشعب الذي يرفض القمع الذي تمارسه إسرائيل؟ وهل نقبل بالميل المتزايد نحو المكارثية، حيث ينسحب النقاد من النقاش خوفاً من العواقب؟

هل يمكننا التعايش مع 75 عاماً من القمع العسكري الإسرائيلي الذي لا يهم أحداً، والقول إن المسؤولية بكاملها تقع على “حماس”؟ وأيضاً بالدعم غير المشروط للقوة المحتلة الإسرائيلية، والذي يؤدي إلى تعميق الانقسامات في مجتمعنا الخاص؟

هل يمكننا القبول بحقيقة أن الإيمان بالدول الديمقراطية يتراجع ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن أيضاً بين فئة كبيرة من السكان في الغرب؟ وبأننا نتحمّل بشكل أساسي مسؤولية هذه الكارثة الإنسانية بسبب تعامينا (المتعمد) عما يحصل؟ وبأن دعم إسرائيل يخلق عدم استقرار وانقساماً في منازلنا؟ وبأننا سمحنا لإسرائيل بتوسيع المستوطنات؟

هل يمكننا أيضاً الاعتراف بأن التصعيد لا يفيد في نهاية المطاف إسرائيل، كما أن “التطبيع” مع العالم العربي وبلدان مثل السعودية لن يتحقق؟ وبأن الدول التي لا نثق بها، مثل روسيا والصين، تكتسب تأييداً متزايداً في النصف الجنوبي من الكرة، لأنها الوحيدة التي تطرح اليوم أسئلة نقدية؟

هل باستطاعتنا أن نفقد النظرة التاريخية؟ أن نرى العالم كأبيض وأسود؟ أن يتم تجاهل كل الأخلاق؟ وأن وسائل الإعلام الرسميّة تتناسى العمل بمهنية في مجال الصحافة؟ وأننا في النهاية سنجد أنفسنا أمام أضرار لا يمكن إصلاحها؟

هل يمكننا العيش مع كل ما سبق؟ ما يحصل اليوم سببه مركز السلطة والقادة في الغرب الذين يدعمون من دون تحفظ اضطهاد إسرائيل واستمرار احتلالها، فيما جرائم الحرب تُرتكب أمام الجميع، والقادة الغربيون مذنبون ضمنياً.

ما يحصل ليس إلا البداية. ستكون هناك عواقب، والخطوات الأولى نحو مقاضاة السياسيين في الغرب كشركاء قد بدأت بالفعل. لكن، لا تزال لديهم فرصة لإعادة النظر في دعمهم جرائم الحرب الإسرائيلية المستمرة، وتغيير مسار التاريخ بعد 75 عاماً من القمع والإفلات من العقاب والإساءة والتمييز الممنهجين.

مايكل إيرفينغ أكاديمي وباحث في مجال المجتمع المدني. له مقالات وكتب عدة متخصصة بالوضع الفلسطيني. يحمل شهادة دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطيّة والتاريخ من جامعة كوبنهاغن.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.

نحن لسنا سوى في بداية الحرب، المزيد من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان تنتظر الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. دعم الغرب الصلب لإسرائيل ليس جديداً، ولكنه وصل إلى آفاق جديدة بعد رد “حماس” على عقود من الحصار واليأس الذي يعتلي ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. 

يتحمّل مسؤولية الحرب في غزة القادة في الغرب، هكذا أقولها.

منذ يوم السبت 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وكمعظم المواطنين المهتمين بما يحصل في العالم، وبغض النظر عن العمر أو العرق أو الجنس أو الدين أو التوجه السياسي، التصقتُ بوسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون. ومن الواضح منذ البداية أن الحرب التي نشهدها قد تكون أكبر محرّك للتغيير في المنطقة بكاملها (وما يتجاوزها) خلال العقود الخمسة الماضية، وعلى الرغم من عدم قدرة أحد على التنبؤ بالنتيجة، إلا أنها ستكون مأساوية في كل الأحوال.

منذ أن وطئت قدماي الشرق الأوسط حين كنت شاباً تعلقتُ كثيراً بهذه المنطقة من العالم. نشأت وسط تاريخ صهيوني، وآمنت بالسردية الصهيونيّة الى أن زرت المنطقة وتفتّحت عيناي على حكايات جديدة. فقررت كشاب دنماركي أن أتخصّص في دراسات الشرق الأوسط. كذلك، أخذت دروساً باللغة العربية التي ما زلت حتى اليوم لا أتقنها بشكل جيد. كذلك، حرصت على الاطلاع على الثقافات المختلفة وعلى السياسة والاقتصاد والدين، بما في ذلك التيارات الإسلامية المتنوعة. ببساطة، كرست السنوات الأربعين الأخيرة من حياتي للعمل في هذه المنطقة.

أنا اليوم رجل مسنّ ذو امتيازات، أمضيت سنوات طويلة في الدراسات الأكاديمية، وركّزت أبحاثي على السياسة الفلسطينية. وخلال العقدين الماضيين، عملت مع المجتمع المدني، ثم في مجال الفنون والثقافة الشرقية المعاصرة. ومنذ ذلك الحين، شاركت بشكل فعال في دعم وسائل الإعلام المستقلة في المنطقة، وقد كان عملي على أرض الواقع مكافأة وامتيازاً حقيقياً ومصدر إلهام كبيراً بالنسبة إليّ. إذ قابلت الكثير من الأشخاص الشجعان والمُلهمين بشكل يفوق المخيلة، فأصبحت أعرف المنطقة أكثر من مجتمعي الخاص، ولهذا السبب ربما أفشل باستمرار في فهم ما يحدث هنا في الشمال الأوروبي. وعلى رغم الدراسات التي أنجزتها وعملي الطويل وخبرتي في الحياة، أندهش كثيراً من موقف حكومة الدنمارك من الصراع حول القضية الفلسطينية والمنطقة عموماً. وما يزيد دهشتي هو العالم الغربي بأسره وعدم استعداده (بل وعجزه) لخلع نظارات الاستعمار والتأمّل في ما يحدث وتغيير المقاربة التقليديّة حول الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

إسرائيل، التي احتفلت بذكرى تأسيسها الـ 75 هذا العام، هي دولة محبوبة من الغرب، والأمر واضح بشدة في الحرب الدائرة الآن في غزة. إذ اصطفّ قادة العالم في الغرب للتعبير عن دعمهم المطلق لحق إسرائيل في الرد على هجمات “حماس” من دون مراعاة للمدنيين في غزة. وهم يقفون متفرجين على “الإجلاء القسري”  لأكثر من مليون فلسطيني يعيشون في القطاع، أكبر سجن مفتوح وأكثر المناطق مراقبةً في العالم. أما وسائل الإعلام الغربية، فتقدّم تغطية منحازة وغير نقدية باستثناء البعض منها.

ما زلنا في بداية الحرب، وينتظر الفلسطينيين في القطاع مزيد من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، فيما دعم الغرب المطلق لإسرائيل ليس جديداً، ولكنه وصل إلى آفاق جديدة بعد رد “حماس” على عقود من الحصار لملايين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، حصار وصل إلى حدّ اليأس. 

لا شك في أن “حماس” تجاوزت الوسائل الشرعية التي يحق لشعب مُحتل أن يستخدمها ضد قوة محتلة. إلا أنها حرب غير متكافئة، على رغم أن صورة إسرائيل  قد اهتزّت ولن تعود كما كانت. 

كانت الساعات الـ 48 الأولى من حرب غزة غير مسبوقة، انكسرت خلالها القوة العسكرية الفائقة لإسرائيل أمام فئة مُهمّشة غير مدعومة دولياً. الأمر الذي كان من الصعب فهمه هنا في الشمال الأوروبيّ.  لكن ما حصل أشْعَرَ غالبية الفلسطينيين العاديين بالسعادة غير المريحة، ورسم ابتسامة كبيرة على وجوههم، ليس لأنهم يتعاطفون مع “حماس”، وليس لأنهم عرب دمويون يكرهون الإسرائيليين أو اليهود ويرغبون في قتلهم، بل لأن إسرائيل حرمتهم لأكثر من 75 عاماً من حقوقهم الأساسية، وقامت بإهانتهم وتجريدهم من إنسانيتهم وكرامتهم وأرضهم وأملهم، إلا أن الثابت لديهم هو قناعتهم بأن فلسطين كانت ولا تزال أرضهم المسروقة. أما نحن في الغرب فقد فقدنا البصيرة، لا نرى ولا نسمع، والحكومات لدينا تصرفت دوماً على هذا الأساس فقط.

على الرغم من أن استطلاعات الرأي العالمية تشير إلى أن حوالى نصف سكان العالم الغربي لا يهتمون بالشرق الأوسط، ولا يعرفون الكثير عن النزاع الذي يدور فيه، إلا أنه من الواضح أيضاً أن هناك اختلافاً بارزاً بين رأي الجمهور في هذا النزاع ومواقف المسؤولين المنتخبين من قبلهم. 

الحديث اليوم عن حقوق الفلسطينيين الشرعية هو أكثر انتشاراً مما كان عليه في الأجيال السابقة، إلا أن معظم القادة في الغرب يدعمون إسرائيل بشكل غير مشروط. على رغم أنهم في العادة يأخذون في الاعتبار رأي جمهورهم في معظم الأمور، باستثناء إسرائيل، التي تسري عليها قواعد خاصة، والحرب المستمرة ليست استثناء. ولكن، هل هذا الأمر منطقيّ؟! 

هل يمكننا القبول بـ 75 عاماً من الانتهاكات التي تشمل التطهير العرقي، مصادرة الأرض، الاحتلال، الاستيطان والقتل والسجن كجزء من الواقع اليومي؟ وهل يمكننا مجاراة حكومة إسرائيل اليمينية التي يحدد أجندتها المستوطنون بصورة غير قانونيّة، ودولة تنتهك باستمرار القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين الشرعية، والقبول بنزع الإنسانية عن الشعب الفلسطيني على يد قادة إسرائيل؟ وهل يمكننا الموافقة على استهداف إسرائيل السكان المدنيين في غزة بوصفه “دفاعاً عن النفس”، وحقيقة أن آلاف الفلسطينيين المدنيين يتم قتلهم مرة أخرى؟

هل نصفّق للدول الغربية التي تقمع حق شعوبها في التظاهر ضد العدوان المستمر، كما هي الحال في ألمانيا وفرنسا، كما تقمع جزءاً من الشعب الذي يرفض القمع الذي تمارسه إسرائيل؟ وهل نقبل بالميل المتزايد نحو المكارثية، حيث ينسحب النقاد من النقاش خوفاً من العواقب؟

هل يمكننا التعايش مع 75 عاماً من القمع العسكري الإسرائيلي الذي لا يهم أحداً، والقول إن المسؤولية بكاملها تقع على “حماس”؟ وأيضاً بالدعم غير المشروط للقوة المحتلة الإسرائيلية، والذي يؤدي إلى تعميق الانقسامات في مجتمعنا الخاص؟

هل يمكننا القبول بحقيقة أن الإيمان بالدول الديمقراطية يتراجع ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن أيضاً بين فئة كبيرة من السكان في الغرب؟ وبأننا نتحمّل بشكل أساسي مسؤولية هذه الكارثة الإنسانية بسبب تعامينا (المتعمد) عما يحصل؟ وبأن دعم إسرائيل يخلق عدم استقرار وانقساماً في منازلنا؟ وبأننا سمحنا لإسرائيل بتوسيع المستوطنات؟

هل يمكننا أيضاً الاعتراف بأن التصعيد لا يفيد في نهاية المطاف إسرائيل، كما أن “التطبيع” مع العالم العربي وبلدان مثل السعودية لن يتحقق؟ وبأن الدول التي لا نثق بها، مثل روسيا والصين، تكتسب تأييداً متزايداً في النصف الجنوبي من الكرة، لأنها الوحيدة التي تطرح اليوم أسئلة نقدية؟

هل باستطاعتنا أن نفقد النظرة التاريخية؟ أن نرى العالم كأبيض وأسود؟ أن يتم تجاهل كل الأخلاق؟ وأن وسائل الإعلام الرسميّة تتناسى العمل بمهنية في مجال الصحافة؟ وأننا في النهاية سنجد أنفسنا أمام أضرار لا يمكن إصلاحها؟

هل يمكننا العيش مع كل ما سبق؟ ما يحصل اليوم سببه مركز السلطة والقادة في الغرب الذين يدعمون من دون تحفظ اضطهاد إسرائيل واستمرار احتلالها، فيما جرائم الحرب تُرتكب أمام الجميع، والقادة الغربيون مذنبون ضمنياً.

ما يحصل ليس إلا البداية. ستكون هناك عواقب، والخطوات الأولى نحو مقاضاة السياسيين في الغرب كشركاء قد بدأت بالفعل. لكن، لا تزال لديهم فرصة لإعادة النظر في دعمهم جرائم الحرب الإسرائيلية المستمرة، وتغيير مسار التاريخ بعد 75 عاماً من القمع والإفلات من العقاب والإساءة والتمييز الممنهجين.

مايكل إيرفينغ أكاديمي وباحث في مجال المجتمع المدني. له مقالات وكتب عدة متخصصة بالوضع الفلسطيني. يحمل شهادة دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطيّة والتاريخ من جامعة كوبنهاغن.

|

اشترك بنشرتنا البريدية