ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل ينجح البرلمان التونسي في تنقيح المرسوم 54 سيئ الذكر؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وسط تصاعد الدعوات الرافضة استمرار العمل بالمرسوم 54، الذي يعتبره سياسيون وناشطون أداة لضرب مكسب حرية التعبير، وسلاحاً تستخدمه السلطة لاستهداف معارضيها ومنتقدي خياراتها. تقدم مجموعة من النواب التونسيين بمبادرة تنقيح المرسوم المثير للجدل، إلى عقد جلسة عامة قبل العطلة البرلمانية، تُتوّج بالتصويت لصالح التنقيحات المقترحة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد أشهر من التجاهل، بدأت لجنة التشريع العام في البرلمان التونسي مناقشة مقترح تنقيح المرسوم 54 سيئ الذكر، الذي قاد العشرات من الناشطين والصحافيين وغيرهم إلى السجون لمجرد التعبير عن آراء مخالفة للسلطة. وعلى رغم أهمية هذه الخطوة، إلا أنه من غير المتوقع أن تفضي إلى نتائج مرضية، في ظل استمرار المظالم القضائية بحق كثر من التونسيين المُحالين على معنى هذا المرسوم حتى اليوم، وإصرار السلطة الراهنة على التمسك بكل القوانين التي تُمكنها من ضرب خصومها ومنتقديها.

يتطلع النواب الذين تقدموا بمبادرة تنقيح المرسوم المثير للجدل، إلى عقد جلسة عامة قبل العطلة البرلمانية، تُتوّج بالتصويت لصالح التنقيحات المقترحة، والتي تشمل الفصول 5 و9 و10 و21 و22 و23، إضافة إلى حذف الفصل 24 الذي ارتُكبت بموجبه “مجازر قضائية” على مدار ثلاث سنوات، واستغلّته السلطة لملاحقة منتقديها والزجّ بهم في السجون.

يقول النائب محمد علي، أحد المبادرين بالمقترح: “لقد اتفقنا نحن أصحاب المبادرة على أن يتم التنقيح بما يجعل الفصول متلائمة مع خصوصية القانون، الذي يهدف إلى محاربة الجريمة السيبرانية والجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات، وألا يمتد إلى جرائم أخرى تتعلق بحرية التعبير، وترويج الأخبار الزائفة، ونشر الإشاعة، والثلب، والشتم، وهي جرائم نكافحها بقوانين مثل الفصل 86 من مجلة الاتصالات، والمرسومين 115 و116، وقانون الملكية الفكرية. نسعى من خلال التنقيح إلى إلغاء الفصل 24 الذي يمسّ جوهر حرية التعبير والتفكير، المكفولة بالدستور والمواثيق الدولية، إذ أدّى استعماله في القضاء إلى فقدان مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، وإلى خرق شرعية الجرائم والعقوبات، واستخدام النصوص في غير مواضعها”.

تأتي هذه المبادرة وسط تصاعد الدعوات الرافضة استمرار العمل بالمرسوم 54، الذي يعتبره سياسيون وناشطون أداة لضرب مكسب حرية التعبير، وسلاحاً تستخدمه السلطة لاستهداف معارضيها ومنتقدي خياراتها.

يُذكر أنه في 20 شباط/ فبراير 2024، تقدم عدد من النواب بمقترح تنقيح، لكن تم تجاهله ولم يُحال إلى اللجان المعنية. وقد دفع هذا التأخير 60 نائباً إلى تقديم طلب جديد في كانون الثاني/ يناير الماضي، لعرضه على اللجنة المعنية مع التأكيد على استعجال النظر فيه. وبعد أكثر من ستة أشهر من الانتظار، بدأ النظر في المبادرة.

وعلى رغم الترحيب الواسع بالمبادرة، إلا أن مؤشرات عدة تؤكد أن المرسوم لن يُنقح:

أولاً، الرئيس قيس سعيد، الذي يُمسك بكل السلطات، لا يزال يرى في مناخ حرية التعبير تهديداً لمشروعه، ولا يُخفي امتعاضه من كل صوت ينتقد خياراته، سواء أكان صحافياً أم سياسياً أم ناشطاً، ولا يتردد في تخوينه. وبالتالي، فإن سحب هذا المرسوم أو تعديل فصوله الأساسية سيمنح منتقديه مساحة للتعبير الحر، وهو أمر لا يرغب فيه، خصوصاً في ظل فشل سياساته وانهيار البلاد السياسي والاقتصادي خلال سنوات حكمه.

ثانياً، أثبت البرلمان حتى الآن أنه تابع للسلطة التنفيذية، ولم يسبق أن صادق على أي قرار أو قانون يخالف إرادة الرئيس قيس سعيد، حتى بات يُعرف بـ”برلمان الرئيس” أو “برلمان القروض”، إذ باتت مهمته الوحيدة المصادقة على القروض التي تطرحها السلطة التنفيذية. ولهذا سيكون من الصعب أن ينجح هذا البرلمان، الذي أثبت أن وجوده صوري بلا أثر تشريعي فعلي، في تنقيح قانون تعتبره السلطة سلاحاً حيوياً ضد معارضيها. ويزيد من ضعف حظوظ المبادرة انسحاب عدد من النواب منها، ما قد يكون مؤشراً إلى فشلها.

ثالثاً، تتالي القضايا المرفوعة ضد تونسيين على أساس المرسوم خلال فترة النقاش حوله داخل البرلمان، يثبت أن جهود بعض النواب لتنقيحه قد لا تنجح، أو على الأقل لن تُثمر الصيغة التي أرادوها. وكانت المحامية والمحللة الإعلامية سنية الدهماني أبرز ضحاياه، إذ أُحيلت منذ أيار/ مايو 2024 في خمس قضايا على معنى المرسوم، بلغ مجموع الأحكام الصادرة بحقها حتى الآن أكثر من أربع سنوات سجن. في 11 تموز/ يوليو الحالي، مثلت أمام القضاء في ثلاث قضايا في يوم واحد، كلها أُثيرت بسبب تصريحات إعلامية. وفي 30 حزيران/ يونيو الماضي، حُكم عليها بالسجن لمدة سنتين نافذتين على خلفية انتقادها “ممارسات عنصرية” ضد مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، استناداً إلى الفصل 24 من المرسوم، الذي يُجرّم استخدام شبكات الاتصال لنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالغير. ولا تزال سنية الدهماني تواجه محاكمات جديدة، إلى جانب ما تصفه أسرتها بـ”التنكيل المنهجي” داخل السجن، ما تسبب لها في أمراض عدّة مثل السكري، وضغط الدم، والروماتيزم.

تحدثت رملة الدهماني، شقيقتها، لـ”درج” عن آخر فصول هذا التنكيل، فقالت: “قبل أسبوعين، انفجرت فتحة المرحاض داخل الزنزانة، ومعها خرجت روائح كريهة جداً، اضطرت سنية ومن معها لاستنشاقها في جوّ حار جداً. وعلى رغم مطالبتهن بإيجاد حل، تم تجاهلهن وتُركن يختنقن وسط هذا المستنقع القذر”. وتابعت: “اشترت أختي أقنعة لها وللسجينات من صيدلية السجن، لكن في طريقها إلى الزنزانة، صادرتها إحدى الحارسات. توقعت سنية أنها ستجد الأقنعة لاحقاً داخل الزنزانة، لكنها لم تجدها. وعندما سألت عنها، قيل لها إن استخدامها ممنوع في السجن. تخيّلوا! تُباع الأقنعة في صيدلية السجن، ثم يُمنع استعمالها من قبل نساء يحاولن النجاة من رائحة خانقة، امتنعت إدارة السجن عن إصلاح مصدرها لأكثر من أسبوعين. أصيبت سنية والسجينات معها بانتفاخ شديد في العيون، وتورّم في الأنوف، وضيق في التنفس، وتقيؤ متكرر. وعندما أدرك السجانون خطورة الوضع، أرسلوا أحدهم لصبّ مادة على مصدر الرائحة، ما خفف وطأتها قليلاً. ما أستطيع قوله أن أختي تموت ببطء، تُقهر وتذبل يومياً وهي تقبع في سجن دخلته ظلماً، فقط لأنها رفضت الصمت واختارت أن تفضح المسكوت عنه، وأن تُعبّر عن رأيها”.

واكتشفت رملة الدهماني بدورها قبل أيام صدور حكم غيابي ضدها بالسجن لمدة سنتين مع النفاذ العاجل، بتاريخ 1 تموز/ يوليو الحالي، فقط لأنها فضحت ما يحصل من انتهاكات ضد شقيقتها داخل السجن، وتحدثت عن الخروقات القضائية في وسائل التواصل والإعلام المحلي والدولي.

في الأثناء، أصدر القضاء التونسي أيضاً، في 10 تموز الحالي، حكماً بسجن الصحافي محمد بوغلاب لمدة سنتين، إثر شكوى تقدمت بها ضده أستاذة جامعية، استناداً إلى الفصل 24 من المرسوم. وأكد محاميه أن الحكم غير مكسو بالنفاذ العاجل، وأن التدوينة موضوع الشكوى غير موجودة ولم تُثبت تقنياً.

لا توجد أرقام دقيقة حول عدد المُحالين على القضاء بموجب الفصل 24 من المرسوم 54، لكن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ترجّح أن هناك مئات من الذين تم تتبعهم قضائياً منذ صدور المرسوم في خريف 2022، وتقدّر بعض المنظمات أن من صدرت بحقهم أحكام سجنية يتجاوز عددهم الــ40 شخصاً.

وذكرت نقابة الصحافيين التونسيين أنه تم تتبع 24 صحافياً وإعلامياً حتى نهاية سنة 2024 بموجب الفصل 24 من المرسوم، وأن المعارضين السياسيين والناشطين في المجتمع المدني هم ثاني أكثر الفئات استهدافاً، يليهم المحامون، خصوصاً المحسوبين على المعارضة.

يُذكر أن المرسوم 54 صدر في 13 أيلول/ سبتمبر 2022، في فترة فراغ تشريعي بعد تجميد الرئيس قيس سعيد مجلس نواب الشعب في 25 تموز 2021، ويتضمن 38 فصلاً. ويهدف، بحسب الفصل الأول، إلى “ضبط الأحكام الرامية إلى التوقي من الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وزجرها، وتلك المتعلقة بجمع الأدلة الإلكترونية الخاصة بها”. لكنه تحوّل سريعاً إلى أداة بيد السلطة لضرب كل من ينتقد خياراتها.

ويُعدّ الفصل 24 من المرسوم الأكثر إثارة للجدل، إذ ينصّ على عقوبة “السجن مدة خمس سنوات وغرامة بـ50 ألف دينار لكل من يتعمّد استعمال شبكات وأنظمة الاتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أخبار كاذبة، أو وثائق مصطنعة، أو منسوبة كذباً للغير، بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بثّ الرعب بين السكان”.

ويواجه المرسوم 54 انتقادات واسعة لتعارضه مع الدستور الذي عرضه سعيد على الاستفتاء في 2022، ومع الاتفاقيات الدولية، إذ يناقض الفصل 37 من الدستور الذي ينص على أن “حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، ولا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات”، كما يتعارض مع الفصل 38 الذي يضمن “الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة”، والفصل 55 الذي يمنع وضع قيود على الحقوق والحريات إلا بمقتضى قانون، ولضرورة يفرضها نظام ديمقراطي. ويتجاهل المرسوم كذلك وجود “المرسومين 115 و116 لسنة 2011” المنظمين للعمل الصحافي والإعلامي، كما يُخالف صراحة المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء من دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
23.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

وسط تصاعد الدعوات الرافضة استمرار العمل بالمرسوم 54، الذي يعتبره سياسيون وناشطون أداة لضرب مكسب حرية التعبير، وسلاحاً تستخدمه السلطة لاستهداف معارضيها ومنتقدي خياراتها. تقدم مجموعة من النواب التونسيين بمبادرة تنقيح المرسوم المثير للجدل، إلى عقد جلسة عامة قبل العطلة البرلمانية، تُتوّج بالتصويت لصالح التنقيحات المقترحة.

بعد أشهر من التجاهل، بدأت لجنة التشريع العام في البرلمان التونسي مناقشة مقترح تنقيح المرسوم 54 سيئ الذكر، الذي قاد العشرات من الناشطين والصحافيين وغيرهم إلى السجون لمجرد التعبير عن آراء مخالفة للسلطة. وعلى رغم أهمية هذه الخطوة، إلا أنه من غير المتوقع أن تفضي إلى نتائج مرضية، في ظل استمرار المظالم القضائية بحق كثر من التونسيين المُحالين على معنى هذا المرسوم حتى اليوم، وإصرار السلطة الراهنة على التمسك بكل القوانين التي تُمكنها من ضرب خصومها ومنتقديها.

يتطلع النواب الذين تقدموا بمبادرة تنقيح المرسوم المثير للجدل، إلى عقد جلسة عامة قبل العطلة البرلمانية، تُتوّج بالتصويت لصالح التنقيحات المقترحة، والتي تشمل الفصول 5 و9 و10 و21 و22 و23، إضافة إلى حذف الفصل 24 الذي ارتُكبت بموجبه “مجازر قضائية” على مدار ثلاث سنوات، واستغلّته السلطة لملاحقة منتقديها والزجّ بهم في السجون.

يقول النائب محمد علي، أحد المبادرين بالمقترح: “لقد اتفقنا نحن أصحاب المبادرة على أن يتم التنقيح بما يجعل الفصول متلائمة مع خصوصية القانون، الذي يهدف إلى محاربة الجريمة السيبرانية والجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات، وألا يمتد إلى جرائم أخرى تتعلق بحرية التعبير، وترويج الأخبار الزائفة، ونشر الإشاعة، والثلب، والشتم، وهي جرائم نكافحها بقوانين مثل الفصل 86 من مجلة الاتصالات، والمرسومين 115 و116، وقانون الملكية الفكرية. نسعى من خلال التنقيح إلى إلغاء الفصل 24 الذي يمسّ جوهر حرية التعبير والتفكير، المكفولة بالدستور والمواثيق الدولية، إذ أدّى استعماله في القضاء إلى فقدان مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، وإلى خرق شرعية الجرائم والعقوبات، واستخدام النصوص في غير مواضعها”.

تأتي هذه المبادرة وسط تصاعد الدعوات الرافضة استمرار العمل بالمرسوم 54، الذي يعتبره سياسيون وناشطون أداة لضرب مكسب حرية التعبير، وسلاحاً تستخدمه السلطة لاستهداف معارضيها ومنتقدي خياراتها.

يُذكر أنه في 20 شباط/ فبراير 2024، تقدم عدد من النواب بمقترح تنقيح، لكن تم تجاهله ولم يُحال إلى اللجان المعنية. وقد دفع هذا التأخير 60 نائباً إلى تقديم طلب جديد في كانون الثاني/ يناير الماضي، لعرضه على اللجنة المعنية مع التأكيد على استعجال النظر فيه. وبعد أكثر من ستة أشهر من الانتظار، بدأ النظر في المبادرة.

وعلى رغم الترحيب الواسع بالمبادرة، إلا أن مؤشرات عدة تؤكد أن المرسوم لن يُنقح:

أولاً، الرئيس قيس سعيد، الذي يُمسك بكل السلطات، لا يزال يرى في مناخ حرية التعبير تهديداً لمشروعه، ولا يُخفي امتعاضه من كل صوت ينتقد خياراته، سواء أكان صحافياً أم سياسياً أم ناشطاً، ولا يتردد في تخوينه. وبالتالي، فإن سحب هذا المرسوم أو تعديل فصوله الأساسية سيمنح منتقديه مساحة للتعبير الحر، وهو أمر لا يرغب فيه، خصوصاً في ظل فشل سياساته وانهيار البلاد السياسي والاقتصادي خلال سنوات حكمه.

ثانياً، أثبت البرلمان حتى الآن أنه تابع للسلطة التنفيذية، ولم يسبق أن صادق على أي قرار أو قانون يخالف إرادة الرئيس قيس سعيد، حتى بات يُعرف بـ”برلمان الرئيس” أو “برلمان القروض”، إذ باتت مهمته الوحيدة المصادقة على القروض التي تطرحها السلطة التنفيذية. ولهذا سيكون من الصعب أن ينجح هذا البرلمان، الذي أثبت أن وجوده صوري بلا أثر تشريعي فعلي، في تنقيح قانون تعتبره السلطة سلاحاً حيوياً ضد معارضيها. ويزيد من ضعف حظوظ المبادرة انسحاب عدد من النواب منها، ما قد يكون مؤشراً إلى فشلها.

ثالثاً، تتالي القضايا المرفوعة ضد تونسيين على أساس المرسوم خلال فترة النقاش حوله داخل البرلمان، يثبت أن جهود بعض النواب لتنقيحه قد لا تنجح، أو على الأقل لن تُثمر الصيغة التي أرادوها. وكانت المحامية والمحللة الإعلامية سنية الدهماني أبرز ضحاياه، إذ أُحيلت منذ أيار/ مايو 2024 في خمس قضايا على معنى المرسوم، بلغ مجموع الأحكام الصادرة بحقها حتى الآن أكثر من أربع سنوات سجن. في 11 تموز/ يوليو الحالي، مثلت أمام القضاء في ثلاث قضايا في يوم واحد، كلها أُثيرت بسبب تصريحات إعلامية. وفي 30 حزيران/ يونيو الماضي، حُكم عليها بالسجن لمدة سنتين نافذتين على خلفية انتقادها “ممارسات عنصرية” ضد مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، استناداً إلى الفصل 24 من المرسوم، الذي يُجرّم استخدام شبكات الاتصال لنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالغير. ولا تزال سنية الدهماني تواجه محاكمات جديدة، إلى جانب ما تصفه أسرتها بـ”التنكيل المنهجي” داخل السجن، ما تسبب لها في أمراض عدّة مثل السكري، وضغط الدم، والروماتيزم.

تحدثت رملة الدهماني، شقيقتها، لـ”درج” عن آخر فصول هذا التنكيل، فقالت: “قبل أسبوعين، انفجرت فتحة المرحاض داخل الزنزانة، ومعها خرجت روائح كريهة جداً، اضطرت سنية ومن معها لاستنشاقها في جوّ حار جداً. وعلى رغم مطالبتهن بإيجاد حل، تم تجاهلهن وتُركن يختنقن وسط هذا المستنقع القذر”. وتابعت: “اشترت أختي أقنعة لها وللسجينات من صيدلية السجن، لكن في طريقها إلى الزنزانة، صادرتها إحدى الحارسات. توقعت سنية أنها ستجد الأقنعة لاحقاً داخل الزنزانة، لكنها لم تجدها. وعندما سألت عنها، قيل لها إن استخدامها ممنوع في السجن. تخيّلوا! تُباع الأقنعة في صيدلية السجن، ثم يُمنع استعمالها من قبل نساء يحاولن النجاة من رائحة خانقة، امتنعت إدارة السجن عن إصلاح مصدرها لأكثر من أسبوعين. أصيبت سنية والسجينات معها بانتفاخ شديد في العيون، وتورّم في الأنوف، وضيق في التنفس، وتقيؤ متكرر. وعندما أدرك السجانون خطورة الوضع، أرسلوا أحدهم لصبّ مادة على مصدر الرائحة، ما خفف وطأتها قليلاً. ما أستطيع قوله أن أختي تموت ببطء، تُقهر وتذبل يومياً وهي تقبع في سجن دخلته ظلماً، فقط لأنها رفضت الصمت واختارت أن تفضح المسكوت عنه، وأن تُعبّر عن رأيها”.

واكتشفت رملة الدهماني بدورها قبل أيام صدور حكم غيابي ضدها بالسجن لمدة سنتين مع النفاذ العاجل، بتاريخ 1 تموز/ يوليو الحالي، فقط لأنها فضحت ما يحصل من انتهاكات ضد شقيقتها داخل السجن، وتحدثت عن الخروقات القضائية في وسائل التواصل والإعلام المحلي والدولي.

في الأثناء، أصدر القضاء التونسي أيضاً، في 10 تموز الحالي، حكماً بسجن الصحافي محمد بوغلاب لمدة سنتين، إثر شكوى تقدمت بها ضده أستاذة جامعية، استناداً إلى الفصل 24 من المرسوم. وأكد محاميه أن الحكم غير مكسو بالنفاذ العاجل، وأن التدوينة موضوع الشكوى غير موجودة ولم تُثبت تقنياً.

لا توجد أرقام دقيقة حول عدد المُحالين على القضاء بموجب الفصل 24 من المرسوم 54، لكن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ترجّح أن هناك مئات من الذين تم تتبعهم قضائياً منذ صدور المرسوم في خريف 2022، وتقدّر بعض المنظمات أن من صدرت بحقهم أحكام سجنية يتجاوز عددهم الــ40 شخصاً.

وذكرت نقابة الصحافيين التونسيين أنه تم تتبع 24 صحافياً وإعلامياً حتى نهاية سنة 2024 بموجب الفصل 24 من المرسوم، وأن المعارضين السياسيين والناشطين في المجتمع المدني هم ثاني أكثر الفئات استهدافاً، يليهم المحامون، خصوصاً المحسوبين على المعارضة.

يُذكر أن المرسوم 54 صدر في 13 أيلول/ سبتمبر 2022، في فترة فراغ تشريعي بعد تجميد الرئيس قيس سعيد مجلس نواب الشعب في 25 تموز 2021، ويتضمن 38 فصلاً. ويهدف، بحسب الفصل الأول، إلى “ضبط الأحكام الرامية إلى التوقي من الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وزجرها، وتلك المتعلقة بجمع الأدلة الإلكترونية الخاصة بها”. لكنه تحوّل سريعاً إلى أداة بيد السلطة لضرب كل من ينتقد خياراتها.

ويُعدّ الفصل 24 من المرسوم الأكثر إثارة للجدل، إذ ينصّ على عقوبة “السجن مدة خمس سنوات وغرامة بـ50 ألف دينار لكل من يتعمّد استعمال شبكات وأنظمة الاتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أخبار كاذبة، أو وثائق مصطنعة، أو منسوبة كذباً للغير، بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بثّ الرعب بين السكان”.

ويواجه المرسوم 54 انتقادات واسعة لتعارضه مع الدستور الذي عرضه سعيد على الاستفتاء في 2022، ومع الاتفاقيات الدولية، إذ يناقض الفصل 37 من الدستور الذي ينص على أن “حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، ولا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات”، كما يتعارض مع الفصل 38 الذي يضمن “الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة”، والفصل 55 الذي يمنع وضع قيود على الحقوق والحريات إلا بمقتضى قانون، ولضرورة يفرضها نظام ديمقراطي. ويتجاهل المرسوم كذلك وجود “المرسومين 115 و116 لسنة 2011” المنظمين للعمل الصحافي والإعلامي، كما يُخالف صراحة المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء من دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.