على غرار ما حصل في العالم من انتظار محموم لنتائج الانتخابات الأميركية، حبست أوكرانيا أنفاسها وهي تنتظر إعلان الفائز الذي ستحدد سياسته مصير الحرب فيها.
إعلان انتصار ترامب جاء كتحقيق لكابوس كانت كييف تخاف حصوله منذ أشهر، حتى وإن سارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي الى تهنئة نظيره الأميركي على فوزه عبر تغريدة على تطبيق “إكس”، لا ننسى أن ترامب كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بأنه في حال فوزه “سيُنهي الحرب بين أوكرانيا وروسيا في 24 ساعة”، وهو ما يعني أنه سيضغط على حليفه الأوكراني لقبول سياسة الأمر الواقع والتخلي عن أراضيه التي احتلتها روسيا، لإحلال السلام.
وصول زعيم الجمهوريين مجدداً إلى الحكم سيقلب الكثير من الموازين في العالم وأولها علاقة الولايات المتحدة بروسيا، فلا يخفى على أحد العلاقة الجيدة التي تربطه بفلاديمير بوتين منذ ولايته الأولى وحتى قبلها، التي يمكن أن يكون لها تأثير على قراراته في ما يخص توقيت الحرب الروسية – الأوكرانية وكيفية إنهائها.
ترامب صرّح في كثير من المرات أنه يرغب في إنهاء هذه الحرب سريعاً، بما يعنيه ذلك من تقليل للدعم المادي والعسكري الذي تمنحه الولايات المتحدة الأميركية لأوكرانيا منذ بداية الحرب، إذ وصل حجم هذا الدعم إلى 120 مليار دولار. أميركا الحليف الرئيسي للحكومة الأوكرانية تواجه عجزاً مالياً كبيراً، وترامب ينوي تخفيضه من خلال التخفيف من المساعدات الخارجية التي يمنحها بلده لحلفائه.
يُضاف إلى ذلك، أن هذا الأخير لا يحب زيلنسكي الذي سبق أن اتهمه خلال زيارته نيويورك في أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، بالتخاذل في التوصل إلى اتفاق مع روسيا لإنهاء الحرب. كما سخر منه قائلاً أثناء حملته في كارولينا الشمالية: “في كل مرة كان يأتي إلى بلادنا، كان يغادر ومعه 60 مليار دولار، أعتقد أنه أفضل بائع على هذا الكوكب”.
ولا ننسى أن الحزب الجمهوري نجح في تعطيل المساعدات الأميركية لأوكرانيا لأكثر من تسعة أشهر، من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى نيسان/ أبريل 2024، ما أجبر أوكرانيا على تخفيص ميزانية الحرب وتسبّب في زيادة خسائرها البشرية.
عودة ترامب إلى الحكم لا تُنذر بالخير بالنسبة الى الأوكرانيين، ما قد يدفعهم إلى التعويل أكثر على حلفائهم الأوروبيين. ولكن أوروبا نفسها تواجه تحديات كبيرة بعودة الرئيس الجمهوري إلى السلطة في الولايات المتحدة، بخاصة على مستوى أمنها. فالأخير لا ينفك يكرر رغبته في تخفيض مشاركة بلده في تمويل حلف الناتو وحتى الانسحاب منه. بالتالي، قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة مباشرة مع روسيا لحماية أوكرانيا، في حين أنه ليس مستعداً لذلك.
تولّي زعيم الجمهوريين السلطة مجدداً، يعني أيضاً تبخّر آمال أوكرانيا في الانضمام إلى حلف الناتو، هي التي كانت تعقد آمالاً كبيرة على ذلك، لفرض واقع جديد في الحرب الحالية، ولإجبار روسيا على القبول بالجلوس على طاولة التفاوض، وإرجاع الأراضي التي احتلتها ( 20 في المئة من أوكرانيا) كشرط لإحلال السلام. وكان الرئيس الأوكراني قد طرح في “خطته للسلام” التي عرضها على المسؤولين الأميركيين أثناء زيارته الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر من هذا العام، ضرورة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي كإحدى الركائز الأساسية لإنهاء الصراع. لكن الإدارة الأميركية برئاسة بايدن بدت غير مقتنعة بالحل الأوكراني لإنهاء الحرب، بما يحمله من مخاطر التصادم المباشر مع روسيا. ولم تستجب لطلبه في ما يخص حلف الناتو. ولا يبدو أن ذلك سيحصل في حكومة ترامب المقبلة. بالمقابل، أمرت بمنحه مساعدة عسكرية جديدة بمقدار 425 مليون دولار.
إقرأوا أيضاً:
صعوبات كبيرة لمواصلة الحرب
يأتي فوز ترامب وما يمثله من تحديات للصراع في أوكرانيا، فيما تواجه الأخيرة صعوبات جمة في مواصلة الحرب، بخاصة مع النقص الفادح في عدد الجنود الذين يُجنَّدون. فلا ينبغي أن ننسى أن عدد السكان في أوكرانيا هو تقريباً أقل بثلاث مرات (حوالى 44 مليون نسمة) من عدد السكان في روسيا، كما أنه مع امتداد الحرب ونتائجها غير المعلومة، أصبح هناك عزوف لدى الأوكرانيين عن المشاركة فيها، وقد شهدت المدة الأخيرة فضائح عدة بشأن دفع أوكرانيين رشى لتفادي تجنيدهم.
كذلك، الوضع ليس أحسن حالاً بالنسبة الى الجنود الموجودين حالياً على جبهات القتال، إذ لا يمكن استبدالهم بآخرين لمنحهم قسطاً من الراحة، ما يزيد من إنهاكهم وإحساسهم بأنهم عالقون إلى الأبد في هذا الصراع، وهذا ما يفسر انتحار بعضهم أو هروبهم من ساحات القتال وحتى تركهم البلد بطرق سرية.
يُضاف إلى النقص في الجنود، عدم قدرة الجيش الأوكراني على إيقاف تقدم القوات الروسية منذ أشهر في جنوب شرقي منطقة دونيتسك في إقليم الدونباس، حيث استطاعت أن تحتل 478 كيلومتراً من الأراضي الأوكرانية إلى نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2024، حسب معلومات نشرتها وكالة “فرانس برس”، وهي مساحة لم يسبق لها أن احتلتها منذ ربيع 2022 أي تاريخ غزوها لأوكرانيا.
يأتي هذا التقدّم فيما تجد القوات الأوكرانية صعوبة في الحفاظ على الأراضي، التي احتلتها في روسيا في منطقة كورسك في آب/ أغسطس 2024. وقد حاولت من خلال هذه العملية العسكرية الخاطفة التي خططت لها ونفذتها بشكل سري، إذ خلقت المفاجأة لدى الروس ولدى حلفائها من المعسكر الغربي، أن تقلب موازين القوى بحيث تفرض واقعاً جديداً على الأرض يسمح بتعزيز موقفها في حال بدأت مفاوضات سلام مع الجانب الروسي.
ولئن نجحت في احتلال جزء صغير من الأراضي الروسية عبر تعبئة قوات تم جلبها من جبهات قتال أخرى في أوكرانيا، بخاصة من إقليم الدونباس، وأسر عدد لا بأس به من الجنود الروس (قرابة 600 جندي) فإنها تجد حالياً صعوبة في الحفاظ على هذا الإنجاز، أمام عدم القدرة على الحصول على تعزيزات من الجنود، واستنزاف قدرات من هم موجودون حالياً في الجبهة، في حين تتقدم القوات الروسية لاستعادة أراضيها.
في الجهة المقابلة، لا يبدو الروس متأثرين بالخسائر البشرية الكبيرة التي يتكبدونها يومياً، فحسب المعلومات التي كشفت عنها الاستخبارات البريطانية في بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر المنقضي، فإن القوات الروسية تسجّل معدل خسائر يومية يقدر بـ1271 جندياً ما بين قتيل وجريح، وهو أعلى معدل سُجِّل منذ شباط/ فبراير 2022، رغم ذلك يواصل الروس التقدم في منطقة الدونباس غير آبهين بهذا المعدل المرتفع من الخسائر، ويتزامن هذا التقدم أيضاً مع تكثيف الغارات الجوية على كييف بشكل شبه يومي حالياً حسبما يخبرنا به ساكنون في العاصمة.
كل هذه العوامل تساهم في إضعاف الجانب الأوكراني الذي لم يعد يجد بداً من إنهاء الحرب، ولكنه يأبى في الوقت نفسه أن يقبل بشروط روسيا بأن تحافظ على المناطق التي احتلتها في أوكرانيا، “بالنسبة لنا يجب أن تنتهي الحرب بطريقة عادلة وتتم فيها إعادة الأراضي المحتلة، لكننا واعون في الوقت ذاته الى أن روسيا لن تستسلم بسهولة”، يؤكد لنا ألكسندر بافز مستشار الرئيس الأوكراني الذي التقيناه في كييف في أواخر أيلول/ سبتمبر 2024.
التحالف الروسي مع كوريا الشمالية وإيران والصين وتوسع رقعة الصراع
عنصر جديد يُضاف ليزيد من تعقيد وضع الحرب في أوكرانيا، وهو التحالف الروسي مع كوريا الشمالية الذي يهدد بتوسيع رقعة الصراع.
حسب المعلومات التي كشفتها الإدارة الأميركية يوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فإن نحو 8000 جندي من كوريا الشمالية موجودون حالياً في منطقة كورسك قرب من الحدود الأوكرانية، وهم مستعدون للقتال في صفوف الجيش الروسي في الأيام المقبلة.
من جهتها، لم تنفِ كوريا الشمالية تزويدها روسيا بالجنود والعتاد، بخاصة بعد توقيع البلدين اتفاقية تعاون عسكري خلال زيارة كوريا الشمالية التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حزيران/ يونيو من هذه السنة. ومعلوم أن روسيا تعاني من نقص في الأسلحة والجنود نتيجة حربها مع أوكرانيا، في حين تتطلع كوريا الشمالية إلى مساعدة الروس لها لتطوير برامجها في الفضاء، بالإضافة إلى تزويدها بالوقود والغذاء والعملة الأجنبية.
هذا التحالف مع كوريا الشمالية ليس الوحيد الذي تقوم به روسيا، التي ربطت علاقات تعاون قوية مع إيران التي تزودها بمسيرات “شاهد” ذات الأثر الطويل المدى، وقد نقلت أيضاً تكنولوجيا تصنيع هذه المسيرات إليها، لتصنِّعها روسيا حالياً على أراضيها.
ولا ينبغي أيضاً أن ننسى التعاون الوثيق مع الصين، التي تساهم في فك عزلة روسيا الاقتصادية من خلال المبادلات التجارية بين البلدين، كما أن هناك تعاوناً عسكرياً بينهما، من خلال تزويد الصين لها بالأسلحة؛ وإن كانت الأخيرة ترفض الإقرار بذلك، ولكن “جنودنا يؤكدون وجود بقايا لأسلحة صينية الصنع على جبهات القتال في أوكرانيا”، حسبما أخبرنا به ألكسندر بافز مستشار الرئيس الأوكراني.
بهذا، قد تأخذ الحرب منحى جديداً بدخول قوات بلدان أخرى في الصراع، فروسيا التي حاول الغرب تضييق الخناق عليها من خلال فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية، وجدت في التحالف مع كوريا الشمالية وإيران والصين وحتى جزء من البلدان الإفريقية ملاذاً لها. وهذا من شأنه أن يؤثر على مستقبل الصراع، “هذا يعني أن الحرب لم تعد بين موسكو وكييف، ولكنها ستتسع لتشمل دولاً ومناطق أخرى من العالم، وإذا ما نجحت روسيا في احتلال أوكرانيا بالكامل، فإنها ستُثبت أنها هزمت الغرب بكامله، وبخاصة الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها “بوليس العالم”، إذ سيثبت أنها غير قادرة على حماية حلفائها، وهذا سيخلق سابقة خطيرة”، يحذّر بافز.
في الأثناء، قد تجد أوكرانيا نفسها في ظل التغيرات الجديدة في الأوضاع الإقليمية، أمام حلّين أحلاهما مر: إما إيقاف الحرب والقبول بالتخلي عن أراضيها التي احتلتها روسيا، وإما مواصلة القتال بالاعتماد على إمكاناتها الخاصة، مع خطر استنزاف كل طاقاتها المادية والعسكرية.
إقرأوا أيضاً:














