ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل يُغطِّي رئيس الجمهوريَّة انتهاكات حاكم مصرف لبنان لقانون الشراء العام؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد أخذ ورد بين عدد من النواب ومصرف لبنان من خلال الأسئلة النيابيَّة وطلبات المعلومات حول مدى قانونيَّة وجدوى تعاقد مصرف لبنان مع شركة أميركيَّة متخصَّصة بمكافحة تبييض الأموال، حسمت هيئة الشراء العام الجدل من خلال الرد على سؤال نيابي وُجّه لرئاسة الحكومة، لتوضح أنَّ العقد مع الشركة الأميركيَّة تمَّ من خلال إجراءات مخالفة لأحكام قانون الشراء العام؛ أي أنَّهُ تمَّ بشكل ينتهك أحكام هذا القانون.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل الغوص في الأسباب القانونيَّة التي دفعت بهيئة الشراء العام الى هذه النتيجة، لا بُدَّ من الإضاءة على أهميَّة قانون الشراء العام والسياق الذي أُقرَّ فيه لتبيان مدى فداحة هذا الانتهاك بعد سنوات من الصراع لإقراره.

أهميَّة قانون الشراء العام في المسار الإصلاحي

في العام 2017، عندما بدأت حكومة الرئيس سعد الحريري التحضير لمؤتمر سيدر، وعلى أثر النقاشات التي دارت في حينه بين الحكومة اللبنانيَّة والمجتمع الدولي؛ تحديداً فرنسا، تمَّ الاتفاق على أن تكون القروض والهبات والمساعدات الناتجة من المؤتمر على شكل برنامج خطوة مقابل خطوة، نظراً الى التجربة المريرة للمجتمع الدولي مع الدولة اللبنانيَّة في إطار مؤتمرات باريس واحد واثنين وثلاث، على صعيد عدم القيام بالإصلاحات التي كانت تعلن الدولة اللبنانيَّة التزامها بها للحصول على القروض والهبات والمساعدات، فكانت الحكومات – لأسباب لن ندخل في تفاصيلها هنا – بعدما تحصل على الأموال، لا تنفّذ التزاماتها الإصلاحيَّة.

جاء مؤتمر سيدر ووضع على عاتق الدولة اللبنانيَّة موجبات إصلاحيَّة واضحة ضمن جدول زمني واضح، يترافق مع تحرير جزء من الدفعات المالية عند القيام بكل خطوة مطلوبة.

وكان أول إصلاحين مطلوبين بعد المؤتمر، تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإقرار إطار تشريعي موحد ينظِّم المناقصات العموميَّة، عُرف لاحقاً بقانون الشراء العام الذي أُقرّ في العام 2021 بالاستناد إلى قانون الشراء العام النموذجي الذي أعدته الأمم المتحدة وبمساعدة تقنيَّة فرنسيَّة مكثَّفة شملت كامل مراحل مناقشة  القانون وإقراره، كما وبمساعدة كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وهنا على سبيل إنعاش الذاكرة، من منَّا لا يذكر الزيارات المكوكيَّة للمبعوث الفرنسي دوكان، الذي أصبح جزءاً من الذاكرة السياسيَّة اللبنانيَّة بين العامين 2018 و2019، للمطالبة بتنفيذ هاتين الخطوتين لتحرير أول دفعة من التزامات مؤتمر سيدر؟!

ومن منّا لا يذكر أيضاً، الضغط الدولي غير المسبوق لإقرار هذا القانون في العام 2021، على الرغم من أنَّه كان يحتاج الى المزيد من النقاش في حينه، وهو ما أدَّى إلى تعديله في العام 2023؟!

فقانون الشراء العام هو إذاً إحدى الخطوات الإصلاحيَّة الرئيسيَّة التي لم يطالب بها المجتمع الدولي فحسب، فلولا الضغط الشعبي مع اندلاع التظاهرات في العام 2019 وصولاً الى العام 2021، لربَّما لم يقر هذا القانون.

وتكمن أهميَّة قانون الشراء العام في أنَّه وحَّد الإطار التشريعي لإنفاق المال العام بعدما كان مبعثراً بين قوانين ومراسيم وقرارات واستثناءات عدة، تُفصَّل على قياس بعض المؤسَّسات، كما وفي اعتماد نظام للشراء أكثر تماشياً مع مبادئ الحوكمة والشفافيَّة بُغية إنفاق المال العام بشكل أكثر فعاليَّة، وتعزيز المنافسة لضمان حصول الدولة اللبنانيَّة وأجهزتها كافَّة على أفضل الخدمات والمنتجات بأفضل سعر، تحقيقاً للقيمة الفُضلى. وذلك بعدما عاث المتربصون بالمال العام فساداً في ظل نظام المناقصات القديم.

اليوم، إذا ما بدأنا ضرب هذا القانون عرض الحائط، ما الرسالة التي نريد توجيهها للمجتمع الدولي، الذي نحن بأمسَّ الحاجة إلى مساعدته في إطلاق عجلة التعافي الاقتصادي والمالي والنقدي؟! بخاصَّة في ظل توازي مساري سحب السلاح غير الشرعي والإصلاحات كما يُبيِّن دائماً الموفدون الدوليون إلى لبنان في كل زيارة يقومون بها.

ضمن هذا السياق والمسار الإصلاحي، أُقرّ قانون الشراء العام، فمن يُخالفه يُخالف هذا المسار الإصلاحي.

انتهاكات مصرف لبنان لقانون الشراء العام

ردَّت هيئة الشراء العام على السؤال النيابي الذي كان قد تضمن الأسئلة التالية:

هل تشمل مفاعيل قرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، كل عمليَّات الشراء الرضائي التي يجريها مصرف لبنان؟ أم أنَّهُ في كل مرَّة يريد مصرف لبنان إجراء عمليَّة شراء تندرج ضمن خانة المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – عليه طلب التفويض من مجلس الوزراء؟

هل ينطبق على اتفاقيَّة التعاون التي أجراها مصرف لبنان مع شركة “K2 Integrity” وصف الظروف الاستثنائيَّة الواردة في مقدِّمة المادَّة 46؟ ما العناصر الواجب توافرها لاعتبار الحالة مندرجة ضمن خانة الظروف الاستثنائيَّة؟ كيف تنطبق هذه العناصر على اتفاقيَّة التعاون المنوَّه عنها؟

هل ينطبق وصف الخدمات التي مُنح التفويض من أجلها في قرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول، 2024، لمصرف لبنان، على الخدمات التي أُبرمت اتفاقيَّة التعاون من أجلها مع شركة “K2 Integrity”؟

وأوضحت الهيئة أنَّ قرار التعاقد من مصرف لبنان مع الشركة الأميركيَّة بشكل رضائي وسرِّي، مخالف لأحكام قانون الشراء العام للأسباب التالية:

صدر قرار التعاقد بتاريخ 9 تمُّوز/ يوليو، 2025، بالاستناد إلى تفويض من مجلس الوزراء عبر القرار رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول، 2024، أي في ظل الحرب الأخيرة التي مرَّ بها لبنان. وأوضح قرار مجلس الوزراء أنَّه استند إلى المادَّة 46 – الفقرة 4 – من قانون الشراء العام التي تجيز التعاقد بشكل رضائي وسري لغايات الأمن أو الدفاع الوطني في الظروف الاستثنائيَّة فقط، على أن تبيِّن الجهة الشاريَّة التي تطلب التفويض بتعاقد كهذا من مجلس الوزراء “أسباب التعاقد”؛ أي أنَّه في كل مرة أرادت الجهة الشارية أن تقوم بتعاقد رضائي سري بالاستناد إلى هذا النص من القانون، عليها أن تبيِّن أسباب ذلك، إذ لا يُعقل أن تشترك جميع عمليَّات الشراء في أسبابها.

وهذا كان أول انتهاك لقانون الشراء العام، في أنَّ الظروف الاستثنائيَّة انتفت بعد انتهاء الحرب، وثانياً أن أوَّل تعاقد أجراه مصرف لبنان بعد قرار مجلس الوزراء مباشرةً بالاستناد إليه وضمن فترة الحرب، قد أنهى مفعوله ووجب طلب التفويض مرَّة جديدة إن كان له من مقتضى في التعاقد مع الشركة الأميركيَّة.

كان قرار مجلس الوزراء رقم 3 المنوَّه عنه أعلاه، فوَّض المجلس المركزي لدى مصرف لبنان في القيام بالتعاقد الرضائي وليس حاكم مصرف لبنان.

يُذكر أنَّ ولاية نوَّاب حاكم مصرف لبنان الأربعة السابقين انتهت بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2025، ففقد المجلس المركزي لمصرف لبنان نصابه إلى حين تعيين النوَّاب الجدد، متضمناً ذلك إعادة تعيين اثنين من النوَّاب السابقين بتاريخ 11 تمُّوز 2025.

للمصادفة، أصدر حاكم مصرف لبنان قبل يومين من تعيين النوَّاب الأربعة، بتاريخ 9 تمُّوز، قرار التعاقد مع الشركة الأميركيَّة، مبرراً ذلك بحجة “تسيير المرفق العام”، فلم يكن بالإمكان أن ينتظر تسيير المرفق العام يومين آخرين أو إلى حين استلام النواب المعيَّنين مهامهم، لإقرار التعاقد بملايين الدولارات مع الشركة الأميركيَّة؛ وبذلك، يكون قرار التعاقد صدر عن “غير صاحب اختصاص” كما جاء في تقرير هيئة الشراء العام.

وهنا، لا بُدَّ من التأكيد مجدداً أنَّ قرار مجلس الوزراء رقم 3 انتهى مفعوله بعد أول تعاقد قام به مصرف لبنان بعد صدور القرار أو مع انتفاء الظروف الاستثنائيَّة؛ أي انتهاء الحرب بتاريخ 27 تشرين الثاني (بحسب أيّهما حلَّ أولاً)، وبذلك يكون حاكم مصرف لبنان جمع الانتهاك الثاني للقانون.

عدم شمول وصف الخدمات في قرار مجلس الوزراء للخدمات المقدًّمة من الشركة الأميركيَّة.

حدَّد قرار مجلس الوزراء الذي فوَّض المجلس المركزي لدى مصرف لبنان القيام بالتعاقد الرضائي السرّي، الخدمات التي يُمكن أن يشملها هذا التعاقد على الشكل التالي:

“ندارك المواضيع السريَّة أو الأمنيَّة لا سيَّما الأمن السيبراني منها، وتأمين أعلى معايير الأمان في ما خصّ الأنظمة والتطبيقات المعلوماتيَّة، والحفاظ على سريَّة المعايير والمعلومات لإجراء عقود صيانة الأنظمة والتطبيقات المعلوماتيَّة وحمايتها والنظام المعلوماتي والنظام المُحاسبي الرئيس Core Banking، وأنظمة الحماية والأمان وأنظمة الشبكات وبُنية المفاتيح العامَّة والخاصَّة Public & Private Key Infrastructure وغيرها من الحاجات والخدمات والصيانات الضروريَّة اللازمة للمصرف ذات الطابع السري أو الأمني التي لا يجوز الإفصاح عن مواصفاتها بشكل علني”.

بينما أوضح مصرف لبنان في ردِّه على سؤال نيابي سابق تقدَّمت به النائبة بولا يعقوبيان، أنَّ العقد مع الشركة الأميركيَّة هو للقيام بالمهام التالية:

“١. رسم خريطة “للاقتصاد النقدي” في لبنان من خلال جمع البيانات وإجراء التحليلات الميدانيَّة المناسبة لتصنيف هذا الاقتصاد حسب المخاطر الماليَّة والأمنيَّة المستنتجة، ويتبع ذلك فرض تطبيق آليَّات حديثة، منها معتمد على الذكاء الاصطناعي لمعرفة الجهة الأصليَّة المتداولة للنقود.

٢. إنشاء إطار وطني موحَّد لتطبيق “إجراءات العناية المعزَّزة” (Enhanced due diligence and KYC measures) لدى المصارف اللبنانيَّة”. بالإضافة إلى إفادة مصرف لبنان بأنَّ التعاقد مع الشركة الأميركيَّة يندرج ضمن سياق وطني وإقليمي ودولي أوسع، يهدف إلى استعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني وتلبية المتطلبات التقنيَّة والرقابيَّة التي أعدَّتها مجموعة العمل المالي للخروج من “اللائحة الرماديَّة”.

لن ندخل في مواءمة مدى انطباق الخدمات المذكورة في قرار مجلس الوزراء مع الخدمات التي بيّنها مصرف لبنان في ردِّه على السؤال النيابي السابق، بل نترك لمخيِّلة القارئ، ذلك نظراً الى عدم قدرتنا على فهم كيفيَّة انطباق هذه الخدمات مع بعضها البعض.

وهنا لا بُدَّ من الإشارة أيضاً، الى أنَّ الطريقة التي أُقرَّ بها قرار مجلس الوزراء فيه محاولة للتحايل على قانون الشراء العام، فجاء التفويض مطلقاً يتضمَّن خدمات متعدِّدة، ويُخفي تنازلاً من مجلس الوزراء عن صلاحيَّات لصيقة به لصالح جهة شارية، وهو ما لا يجوز دستوريّاً. في حين أنَّ المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – من قانون الشراء العام تنصُّ صراحةً على وجوب تبيان أسباب التعاقد في كل مرَّة تطلب أي جهة شارية هذا التفويض. ومن الضروري أن تصدر هيئة الشراء العام تعميماً لجميع الجهات الشارية، متضمناً نموذجاً يُبيِّن المعلومات الواجب توفيرها لطلب التفويض، كما وضرورة تبنِّي رئاسة مجلس الوزراء هذا التعميم وتعميمه على الجهات الشارية كافة.

بذلك، يكون قرار حاكم مصرف لبنان بالتعاقد مع الشركة الأميركية مشوبًا بعيب عدم الاختصاص، ويشكّل تجاوزًا لحد السلطة لمخالفته مبدأ المشروعية، إذ لم يصدر سند قانوني يجيز له إبرام عقد رضائي سرّي خارج نطاق آليَّات الشراء العام العاديَّة. وفي أي حال من الأحوال، تكون هذه الإجازة عادةً للمجلس المركزي وليس لحاكم مصرف لبنان. هذا فضلًا عن أن التفويض، وبفرض التسليم بوجوده، غير ساري المفعول أصلًا، كما أن قرار مجلس الوزراء لم يتناول في أي حال موضوع العقد الموقَّع مع الشركة الأميركية.

وبذلك، يكون كل من قرار حاكم مصرف لبنان بإبرام العقد والعقد ذاته مشوبين بعيب عدم الاختصاص ومخالفة قواعد الشفافية والعلنية في التعاقدات الإدارية، ما يجعلهما قابليْن للإبطال من مجلس شورى الدولة في حال الطعن بهما.

التأهيل المسبق

طبعاً السؤال مشروع، ماذا لو كان مصرف لبنان فعلاً بحاجة الى التعاقد بشكل سرِّي – مهما كانت الأسباب الموجبة لذلك – لاستجرار بعض الخدمات؟

أوضحت هيئة الشراء العام أنَّهُ في حال كان للتعاقد السري من مقتضى لحماية أعمال مصرف لبنان، وجب على الأخير سلوك مسار معيَّن لضمان أقصى قدر ممكن من الشفافيَّة والحوكمة والمنافسة مع حماية المصلحة العامَّة، التي تستوجب أحياناً حماية البيانات بالسرية.

ويتلخص هذا المسار بالاستناد إلى المادَّة 19 من قانون الشراء العام، التي تحدِّد إجراءات ما يُعرف بـ “التأهيل المسبق” المصمَّمة للحالات كالحالة التي أمامنا اليوم في تعاقد مصرف لبنان مع الشركة الأميركيَّة. عبر هذا المسار، وبسبب وجود معلومات سريَّة ضمن تعاقد ما – إذا ما سلَّمنا جدلاً بذلك –، يُمكن للجهة الشاريّة (مصرف لبنان مثلاً) نشر دعوة للتأهيل المسبق متضمنة ملخصاً لأهم الأحكام والشروط المطلوبة، عبر دفتر شروط ينشر على موقع الشراء الإلكتروني وموقع الجهة الشارية من دون الدخول في التفاصيل السريَّة.

بعد أن تتقدَّم الشركات المهتمة بالتعاقد، تتأكد الجهة الشارية من مؤهلات هذه الشركات؛ فتتأهل الشركات التي تتوافر فيها المؤهلات اللازمة، وتخرج من المنافسة تلك التي لا تتوافر فيها هذه المؤهلات. بعد ذلك، توقع الجهة الشارية مع الشركات المؤهلة للمرحلة الثانية اتفاقيَّات “عدم إفصاح”، ومن ثمَّ تشارك معها التفاصيل السريَّة للصفقة لتتقدَّم بعدها الشركات بعروضها المفصَّلة، فتختار الجهة الشارية عندها الشركة الفائزة بالعقد، ويكون العقد سريّاً إذا ما توافرت شروط هذه السريَّة؛ علماً أنَّ هذه الأخيرة حدودها ضيِّقة جداً ويجب أن تطبَّق على العقد المادَّة 17 من القانون رقم 28/2017؛ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، التي تقول إنَّهُ في حال تضمَّن العقد بعض المعلومات السريَّة يجب حجب هذه المعلومات فقط وتسليم نسخة عن باقي العقد في حال طُلب من أي جهة كانت. كما يجب أن يقرأ ذلك مع المادَّة الخامسة من القانون نفسه، التي تنص صراحةً على أنَّهُ “لا تحول بنود السريَّة المدرجة في العقود التي تجريها الإدارة، دون الحق في الوصول إليها…”.

تجدر الإشارة هنا، الى أنَّ هذا النص الأخير كان أضيف إلى المادَّة الخامسة من القانون رقم 28/2017 في التعديل الذي أقرَّه مجلس النوَّاب تحت الرقم 233/2021. وكنت شاركت شخصيّاً في لجنة فرعيَّة منبثقة من لجنة الإدارة والعدل في حزيران/ يونيو من العام 2020 برئاسة النائب جورج عقيص، وأُضيف هذا النص بعد فضيحة شركة “سوناطراك” وتسريب العقد الموقع معها، الذي تبيَّن أنَّ فيه شروطاً مجحفة بحق الدولة اللبنانيَّة، وأنَّ المادَّة 17 من العقد نصَّت على سرّيته مع عدم جواز نشره سواء من الدولة اللبنانيَّة أو من الشركة. فوُضع هذا التعديل على المادَّة الخامسة لضمان عدم التذرّع بسريَّة العقد، وهو ما يوضح نيَّة المشرِّع بعدم جواز سريَّة العقود التي تجريها الإدارة إلَّا في حدود ضيِّقة؛ إذ لا يجب أن يكون العقد سريّاً كونه ليس من الطبيعي أن يتضمَّن أيَّة معلومات سريَّة، لا سيَّما لجهة التزامات كل فريق سواء الماليَّة أو الخدماتيَّة. وفي حال كانت بعض مواد و/أو بنود العقد تستوجب السريَّة كاسم منهجيَّة معيَّنة تستخدمها الشركة كما في حالتنا هذه، أو أنظمة أو مؤشّرات معيَّنة لا يجوز الإفصاح عنها، فتطبَّق عندها أحكام المادَّة 17 من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، فتحجب المعلومات السريَّة فقط وتتم إتاحة باقي العقد.

وبالعودة إلى التأهيل المسبق، نُشر في أحد مقالات جريدة “نداء الوطن” بتاريخ 2 أيلول/ سبتمبر 2025، أنَّ مصرف لبنان:

“وبغية تعزيز مبدأ المنافسة المنصوص عنه في قانون الشراء العام، قام مصرف لبنان بتاريخ 1/5/2025 بمقاربة سبع شركات عالميَّة متخصّصة في مجال إدارة المخاطر العالميَّة والامتثال والتحقيقات الماليَّة، وذلك على رغم الطابع السرّي والأمني لنوع كهذا من العقود.

نتيجة هذه المقاربة، تبيَّن أنَّ شركة “K2 Integrity” تتمتَّع بأوسع خبرة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والاقتصاد النقدي، وأيضاً بخبرة ميدانيَّة واسعة في منطقة الشرق الأوسط. مع الإشارة إلى أنَّ الشركة المعنيَّة هي صاحبة أنظمة خاصَّة بها، حديثة ومتطورة في هذا المجال، وهي تعمل على تقديم المشورة للمصارف المركزيَّة، والحكومات، والمصارف التجاريَّة والاستثماريَّة وشركات الخدمات الماليَّة والتكنولوجيا الماليَّة بأفضل الطرق”.

أولاً، لماذا لم يُعلم مصرف لبنان هيئة الشراء العام بهذه الخطوة في حينه؟ بخاصّة أنَّهُ تمَّت مراسلات عدة بين الجهتين في ما يتعلَّق تحديداً بالتعاقد مع الشركة الأميركيَّة؟

ثانياً، ما المقصود بتعبير “قام مصرف لبنان … بمقاربة سبع شركات…”؟!

 يتألَّف قانون الشراء العام من 116 مادَّة في 70 صفحة، لا تشتمل أي مادَّة أو صفحة على تعبير و/أو آليَّة “المقاربة”، فما هي هذه الآليَّة التي لم يسمع بها أي متخصِّص بالشراء العام أو الخاص؟ وما السند القانوني لها إن كان لا يوجد نص ضمن قانون الشراء العام؟

من الأجدى لمصرف لبنان الالتزام بأحكام قانون الشراء العام من دون مواربة، والكف عن تسريب المعلومات التي إن كان لها من أي أثر فهو في تقويض مصداقيَّة المصرف وتعزيز انعدام الثقة به، بدلاً من تبرير ما ارتكبه من انتهاكات لقانون الشراء العام، والذهاب لتصحيح الخلل الحاصل سواء من خلال الركون إلى آليَّة التأهيل المسبق أو إجراءات الشراء العاديَّة.

أسطورة الاستقلاليَّة

إحدى النظريات الخارقة التي تعمّمها الجوقة “الإعلاميَّة” المدافعة عن قرار التعاقد مع الشركة الأميركيَّة، هي أنَّ مصرف لبنان يتمتَّع بالاستقلاليَّة، وبالتالي لا يجوز التدخّل في عمله.

صحيح أنَّ مصرف لبنان يتمتَّع بالاستقلاليَّة، إلَّا أنَّ الإضاءة على انتهاك مصرف لبنان نصاً قانونياً، ليس تدخلاً في عمله. ثمَّ إنَّ استقلاليَّة المصارف المركزيَّة عالميّاً ترتبط فقط بما يتصل بالسياسة النقديَّة لإخراج هذه الأخيرة من دائرة التجاذب السياسي، وتنسحب هذه الاستقلاليَّة فقط على الأعمال العادية المتعارف عليها التي تقوم بها المصارف المركزيَّة (Central Bank Functions)، كوضع السياسة النقديَّة وتنفيذها، الحفاظ على سعر الصرف، وإدارة الاحتياط، ولا تمتد إلى غيرها من الأعمال التي ليست في الأصل من مهام المصارف المركزيَّة، كمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب التي هي من مهام وحدات التحري المالي وهيئات الرقابة على المصارف؛ وارتباط لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصَّة بمصرف لبنان لدينا، لا يعني امتداد استقلاليَّة مصرف لبنان في ما يتعلَّق بالسياسة النقديَّة إلى هذه الجهات، علماً أنَّ اللجنة مستقلَّة تشغيليّاً عن مصرف لبنان بحسب قانون إنشائها، والهيئة أيضاً مستقلَّة في أعمالها عنه، ولو كان الحاكم هو الرئيس الحكمي لها. علماً أنَّ هذا الارتباط بين هذه الجهات ومصرف لبنان هو من الإخفاقات النظاميَّة التي أوصلت لبنان إلى الأزمة النظاميَّة الاقتصاديَّة والماليَّة والنقديَّة التي استفحلت في العام 2019، ولها موضع بحث آخر لاحقاً.

بالعودة إلى الاستقلاليَّة، لا تعني في أي حال من الأحوال أنَّ المصارف المركزيَّة فوق القانون وفوق أي مساءلة أو محاسبة، بل على العكس من ذلك هنالك ضرورة لوجود ضوابط تمنع التعسّف في ممارسة هذه الاستقلاليَّة ومنعها من أن تكون استقلاليَّة مطلقة؛ وفي حالتنا هذه، وجود إجراءات مفصَّلة لعمليَّات الشراء سواء عبر التأهيل المسبق أو إجراءات الشراء العاديَّة بنص القانون الواضح والصريح، هو التطبيق العملي الذي يجب الالتزام به لضمان عدم جنوح سلطة من هم في مصرف لبنان.

وما تجربة الحاكم الأسبق لمصرف لبنان المليئة بالمخالفات وتضارب المصالح واستخدام المعلومات المميزة، سوى نموذج حول أهميَّة وضع القوانين والأنظمة التي ترعى عمل مصرف لبنان على المشرحة التشريعيَّة لتعزيز الضوابط التي تحد من، وتمنع التعسف باستخدام السلطة والجنوح بها. فتجربة الحاكم الأسبق وكل الأجهزة التي سُخّرت له ضمن مصرف لبنان من دون حسيب أو رقيب، هي مدخل ومبرِّر لوجود وصاية تشريعيَّة وإداريَّة لمرحلة انتقاليَّة على مصرف لبنان إلى حين إصلاح أنظمته.

ولا يعني ذلك بأي شكل من الأشكال – ولا هو المقصود – أنَّ الحاكم الحالي يسعى الى إعادة التجربة السابقة، فالحاكم الأسبق عندما بدأ مهامه لم يأتِ للقيام بالممارسات التي قام بها لاحقاً، إلَّا أنَّ عدم وجود الضوابط اللازمة سمح له القيام بالتجاوزات لاحقاً، لعدم وجود أي شكل من أشكال المساءلة؛ فكما تُدرِّس كليّات الحقوق في القانون الدستوري والنظم السياسيَّة، “السلطة تجنح” طالما أن الضوابط القانونيَّة غير موجودة.

مقتضيات الأمن والدفاع الوطني للتعاقد مع الشركة الأميركيَّة

كما سبق وأشرنا، تجيز المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – من قانون الشراء العام، للجهات الشارية التعاقد الرضائي السرّي لمقتضيات الأمن والدفاع الوطني، بعد تبيان أسباب التعاقد الرضائي وضرورة سريَّته، وأخذ التفويض اللازم من مجلس الوزراء. يُبرِّر مصرف لبنان التعاقد مع الشركة الأميركيَّة بشكل رضائي وسرّي كونه لمقتضيات الأمن، من دون شرح ذلك، وكيفيَّة انطباقه على العقد المعني لهيئة الشراء العام، وهو وإن كان جائزاً إلَّا أنَّ التعاقد مع أي شركة أميركيَّة سواء بشكل رضائي سري أو من خلال عمليَّة شراء عاديَّة، يُثير تساؤلاً جوهريّاً.

التساؤل الجوهري الذي يُطرح عند التعاقد مع أي شركة أميركيَّة بأي طريقة كانت، يتمثَّل بوجود قانون فيدرالي داخل الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، يُعرف بالـ “Patriot Act”، وهو قانون أقرَّه مجلس الشيوخ الأميركي بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، يجيز فيه لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) – في المادَّة 215 منه التي تعدِّل قانون مراقبة المعلومات الاستخباريَّة الأجنبيَّة – الطلب من أي شركة أميركيَّة كل المعلومات والمستندات والأوراق، طالما أنَّ التحقيق الذي يُجرى هو لجمع المعلومات الاستخباريَّة الأجنبيَّة، كما يُمكن إجبار الشركة الأميركيَّة على عدم إعلام الجهة الأجنبيَّة صاحبة المعلومات بأنَّهُ قد تم الحصول عليها من مكتب التحقيقات الفيدرالي.

من هنا، يثار التساؤل عن أي مقتضيات أمنيَّة يتحدث مصرف لبنان كمبرِّر للقيام بهذا العقد بشكل رضائي سرّي، في حين أنَّ التعاقد مع أي شركة أميركيَّة بأي طريقة كانت، يشكل مخاطرة أمنيَّة بالمعلومات السريَّة التي يُمكن أن تتحصَّل عليها بمناسبة عملها؟ فكل المعلومات التي ستحصل عليها الشركة الأميركيَّة، لا سيَّما المعلومات المصرفيَّة، معرَّضة لخطر الحصول عليها من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي.

طبعاً، نعرف أنَّ وزارة الخزانة الأميركيَّة إذا ما أرادت الحصول على أيَّة معلومات من لبنان، لا أحد يجرؤ سواء في مصرف لبنان أو أي جهة أخرى في الدولة اللبنانيَّة، على رفض الطلب، إلَّا أنَّهُ على الأقل نكون قد عرفنا ما الذي حصلوا عليه. لكن مع وجود شركة أميركيَّة تجمع كل هذه المعلومات لا يمكن أن يكون لدى الجهات المختصَّة اللبنانيَّة أي قدرة على مراقبة ما يُمكن أن يُسرَّب من معلومات سريَّة لأي جهة خارجيَّة.

والقول إنَّ ذلك يُساعد في محاصرة “حزب الله”، وبالتالي وجب القيام به ومن يرفض ذلك يقف في صف الحزب، هو قول مردود على أصحابه. فمن قال إنَّنا ندافع عن الحزب؟! فالأخير هو الإشكاليَّة الرئيسيَّة في لبنان في وجه قيام أي دولة حقيقيَّة، وتتوازى أهميَّة تفكيك شبكته الماليَّة مع أهميَّة سحب سلاحه. إلَّا أنَّ لكشف لبنان بهذه الطريقة أمام دولة أجنبيَّة، تبعات أبعد من تفكيك الحزب، ويُحكم سيطرة هذه الدولة الأجنبيَّة على مفاصل الاقتصاد والإدارة كافة في لبنان وهو ما يقوِّض الأمن القومي اللبناني بالدرجة نفسها التي يقوِّضه فيها “حزب الله”.

أيضاً، القول إنَّ كل من يرفض هذا التعاقد يقف في صفّ الحزب، هو إدانة لمصرف لبنان ذاته، إذ يُبيِّن مدى سوء إدارته لهذا الملف من دون أدنى اعتبار لمصالح الأمن القومي اللبناني، إذ من غير المعلوم عندما يقول مصرف لبنان إنَّ هذا التعاقد مع الشركة الأميركيَّة هو تحقيق للأمن القومي، إذا ما كان يقصد الأمن القومي اللبناني أم الأميركي. 

وهنا لا بُدَّ من دعوة مصرف لبنان والجوقة “الإعلاميَّة” المدافعة عن هذا التعاقد، الى الاطلاع على مجلَّد الراحل الكبير القاضي الدكتور يوسف سعدالله الخوري – رئيس مجلس شورى الدولة الأسبق- تحت عنوان “الانتظام العام في الاجتهاد الإداري”، الذي يتضمَّن شرح مفاهيم الأمن العام والأمن القومي في القانون والاجتهاد اللبناني، فليتفضلوا بقراءته، مشكورين، قبل الخروج علينا بقُصاصة ورق مكتوب عليها “الأمن القومي” للدفاع عن انتهاك مصرف لبنان للقانون.

كما لا بُدَّ من التأكيد هنا على أمر أساسي في ظل الصراع الحاصل لبنانيّاً حول ضرورة سحب سلاح “حزب الله” في إطار مشروع بناء الدولة. الفخ الذي وقعت فيه حركة “14 آذار” كان التركيز على مسألة السيادة والتغاضي عن الإصلاح، ما أوصلنا الى حركة “17 تشرين” التي ركَّزت على الإصلاح وتغاضت عن السيادة، ففشلت الحركتين؛ إذ لا سيادة من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون سيادة. هما كذلك، مترابطان لا يُمكن النجاح في مجال من دون الآخر، فمن تضرّه السيادة سيمنع الإصلاح، ومن يضرّه الإصلاح سيمنع السيادة.

ماذا الآن؟!

بعدما صدر تقرير هيئة الشراء العام رداً على السؤال النيابي المقدَّم من النائبة بولا يعقوبيان وعدد من النوَّاب الآخرين، وأوضح أنَّ التعاقد مع الشركة الأميركيَّة هو تعاقد غير قانوني تمَّ من خارج الإطار القانوني المنظِّم لعمليَّات الشراء العام، أصبح مصرف لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول يتلخص بمضي مصرف لبنان في تنفيذ العقد من دون الالتفات الى الإطار المؤسَّسي العام، الذي يحكم عمل الدولة اللبنانيَّة ومؤسَّساتها وأجهزتها كافة، ويكون بذلك يضرب ما تبقَّى من مصداقيَّة وثقة بالمصرف، وأي إجراء يُمكن أن يقوم به مستقبلاً سيكون عرضة للتشكيك والمساءلة.

السيناريو الثاني يتلخص بأن يتحلَّى حاكم مصرف لبنان بالجرأة والشجاعة لتصحيح المسار من دون تدخل أي طرف من خارج مصرف لبنان لتصحيح الخطأ الذي أوقعته فيه “دائرة رياض سلامة القانونيَّة” لدى مصرف لبنان، وبذلك يكون وَضع مصرف لبنان على بداية السكة الصحيحة للبدء باستعادة الثقة به وبمصداقيَّته.

السيناريو الثالث، أن يتقدَّم النوَّاب الذين يتابعون إجراءات التعاقد عبر الأسئلة النيابيَّة وطلبات المعلومات منذ أيَّار/ مايو 2025، بدعوى إبطال قرار حاكم مصرف لبنان بالتعاقد وإبطال العقد لتجاوز حد السلطة ومخالفة مبدأ المشروعيَّة أمام مجلس شورى الدولة، والذي بطبيعة الحال سيوقف تنفيذ العقد إلى حين البت بالدعوى، وبذلك تتعمَّق الأزمة الحاليَّة وتقوَّض الثقة بمصرف لبنان وإجراءاته بشكل أكبر، وهو الأمر غير المرجو؛ بخاصَّة في ظل قدومنا على مرحلة حسَّاسة لمصرف لبنان دور رئيسي فيها لإصلاح وضع المصارف ومعالجة أزمة الودائع.

في ظل ذلك كله، هل يتدخل رئيس الجمهوريَّة، الذي خاض معركة إيصال الحاكم الحالي الى حاكميَّة مصرف لبنان، ما كاد يفرط عقد مجلس الوزراء والتضامن الوزاري، لضمان احترام مؤسَّسات الدولة وأجهزتها كافة القوانين والأنظمة المرعيَّة الإجراء في إطار ممارسته دوره في السهر على احترام الدستور وبالتبعيَّة القوانين؟

09.09.2025
زمن القراءة: 16 minutes

بعد أخذ ورد بين عدد من النواب ومصرف لبنان من خلال الأسئلة النيابيَّة وطلبات المعلومات حول مدى قانونيَّة وجدوى تعاقد مصرف لبنان مع شركة أميركيَّة متخصَّصة بمكافحة تبييض الأموال، حسمت هيئة الشراء العام الجدل من خلال الرد على سؤال نيابي وُجّه لرئاسة الحكومة، لتوضح أنَّ العقد مع الشركة الأميركيَّة تمَّ من خلال إجراءات مخالفة لأحكام قانون الشراء العام؛ أي أنَّهُ تمَّ بشكل ينتهك أحكام هذا القانون.

قبل الغوص في الأسباب القانونيَّة التي دفعت بهيئة الشراء العام الى هذه النتيجة، لا بُدَّ من الإضاءة على أهميَّة قانون الشراء العام والسياق الذي أُقرَّ فيه لتبيان مدى فداحة هذا الانتهاك بعد سنوات من الصراع لإقراره.

أهميَّة قانون الشراء العام في المسار الإصلاحي

في العام 2017، عندما بدأت حكومة الرئيس سعد الحريري التحضير لمؤتمر سيدر، وعلى أثر النقاشات التي دارت في حينه بين الحكومة اللبنانيَّة والمجتمع الدولي؛ تحديداً فرنسا، تمَّ الاتفاق على أن تكون القروض والهبات والمساعدات الناتجة من المؤتمر على شكل برنامج خطوة مقابل خطوة، نظراً الى التجربة المريرة للمجتمع الدولي مع الدولة اللبنانيَّة في إطار مؤتمرات باريس واحد واثنين وثلاث، على صعيد عدم القيام بالإصلاحات التي كانت تعلن الدولة اللبنانيَّة التزامها بها للحصول على القروض والهبات والمساعدات، فكانت الحكومات – لأسباب لن ندخل في تفاصيلها هنا – بعدما تحصل على الأموال، لا تنفّذ التزاماتها الإصلاحيَّة.

جاء مؤتمر سيدر ووضع على عاتق الدولة اللبنانيَّة موجبات إصلاحيَّة واضحة ضمن جدول زمني واضح، يترافق مع تحرير جزء من الدفعات المالية عند القيام بكل خطوة مطلوبة.

وكان أول إصلاحين مطلوبين بعد المؤتمر، تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإقرار إطار تشريعي موحد ينظِّم المناقصات العموميَّة، عُرف لاحقاً بقانون الشراء العام الذي أُقرّ في العام 2021 بالاستناد إلى قانون الشراء العام النموذجي الذي أعدته الأمم المتحدة وبمساعدة تقنيَّة فرنسيَّة مكثَّفة شملت كامل مراحل مناقشة  القانون وإقراره، كما وبمساعدة كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وهنا على سبيل إنعاش الذاكرة، من منَّا لا يذكر الزيارات المكوكيَّة للمبعوث الفرنسي دوكان، الذي أصبح جزءاً من الذاكرة السياسيَّة اللبنانيَّة بين العامين 2018 و2019، للمطالبة بتنفيذ هاتين الخطوتين لتحرير أول دفعة من التزامات مؤتمر سيدر؟!

ومن منّا لا يذكر أيضاً، الضغط الدولي غير المسبوق لإقرار هذا القانون في العام 2021، على الرغم من أنَّه كان يحتاج الى المزيد من النقاش في حينه، وهو ما أدَّى إلى تعديله في العام 2023؟!

فقانون الشراء العام هو إذاً إحدى الخطوات الإصلاحيَّة الرئيسيَّة التي لم يطالب بها المجتمع الدولي فحسب، فلولا الضغط الشعبي مع اندلاع التظاهرات في العام 2019 وصولاً الى العام 2021، لربَّما لم يقر هذا القانون.

وتكمن أهميَّة قانون الشراء العام في أنَّه وحَّد الإطار التشريعي لإنفاق المال العام بعدما كان مبعثراً بين قوانين ومراسيم وقرارات واستثناءات عدة، تُفصَّل على قياس بعض المؤسَّسات، كما وفي اعتماد نظام للشراء أكثر تماشياً مع مبادئ الحوكمة والشفافيَّة بُغية إنفاق المال العام بشكل أكثر فعاليَّة، وتعزيز المنافسة لضمان حصول الدولة اللبنانيَّة وأجهزتها كافَّة على أفضل الخدمات والمنتجات بأفضل سعر، تحقيقاً للقيمة الفُضلى. وذلك بعدما عاث المتربصون بالمال العام فساداً في ظل نظام المناقصات القديم.

اليوم، إذا ما بدأنا ضرب هذا القانون عرض الحائط، ما الرسالة التي نريد توجيهها للمجتمع الدولي، الذي نحن بأمسَّ الحاجة إلى مساعدته في إطلاق عجلة التعافي الاقتصادي والمالي والنقدي؟! بخاصَّة في ظل توازي مساري سحب السلاح غير الشرعي والإصلاحات كما يُبيِّن دائماً الموفدون الدوليون إلى لبنان في كل زيارة يقومون بها.

ضمن هذا السياق والمسار الإصلاحي، أُقرّ قانون الشراء العام، فمن يُخالفه يُخالف هذا المسار الإصلاحي.

انتهاكات مصرف لبنان لقانون الشراء العام

ردَّت هيئة الشراء العام على السؤال النيابي الذي كان قد تضمن الأسئلة التالية:

هل تشمل مفاعيل قرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، كل عمليَّات الشراء الرضائي التي يجريها مصرف لبنان؟ أم أنَّهُ في كل مرَّة يريد مصرف لبنان إجراء عمليَّة شراء تندرج ضمن خانة المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – عليه طلب التفويض من مجلس الوزراء؟

هل ينطبق على اتفاقيَّة التعاون التي أجراها مصرف لبنان مع شركة “K2 Integrity” وصف الظروف الاستثنائيَّة الواردة في مقدِّمة المادَّة 46؟ ما العناصر الواجب توافرها لاعتبار الحالة مندرجة ضمن خانة الظروف الاستثنائيَّة؟ كيف تنطبق هذه العناصر على اتفاقيَّة التعاون المنوَّه عنها؟

هل ينطبق وصف الخدمات التي مُنح التفويض من أجلها في قرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول، 2024، لمصرف لبنان، على الخدمات التي أُبرمت اتفاقيَّة التعاون من أجلها مع شركة “K2 Integrity”؟

وأوضحت الهيئة أنَّ قرار التعاقد من مصرف لبنان مع الشركة الأميركيَّة بشكل رضائي وسرِّي، مخالف لأحكام قانون الشراء العام للأسباب التالية:

صدر قرار التعاقد بتاريخ 9 تمُّوز/ يوليو، 2025، بالاستناد إلى تفويض من مجلس الوزراء عبر القرار رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول، 2024، أي في ظل الحرب الأخيرة التي مرَّ بها لبنان. وأوضح قرار مجلس الوزراء أنَّه استند إلى المادَّة 46 – الفقرة 4 – من قانون الشراء العام التي تجيز التعاقد بشكل رضائي وسري لغايات الأمن أو الدفاع الوطني في الظروف الاستثنائيَّة فقط، على أن تبيِّن الجهة الشاريَّة التي تطلب التفويض بتعاقد كهذا من مجلس الوزراء “أسباب التعاقد”؛ أي أنَّه في كل مرة أرادت الجهة الشارية أن تقوم بتعاقد رضائي سري بالاستناد إلى هذا النص من القانون، عليها أن تبيِّن أسباب ذلك، إذ لا يُعقل أن تشترك جميع عمليَّات الشراء في أسبابها.

وهذا كان أول انتهاك لقانون الشراء العام، في أنَّ الظروف الاستثنائيَّة انتفت بعد انتهاء الحرب، وثانياً أن أوَّل تعاقد أجراه مصرف لبنان بعد قرار مجلس الوزراء مباشرةً بالاستناد إليه وضمن فترة الحرب، قد أنهى مفعوله ووجب طلب التفويض مرَّة جديدة إن كان له من مقتضى في التعاقد مع الشركة الأميركيَّة.

كان قرار مجلس الوزراء رقم 3 المنوَّه عنه أعلاه، فوَّض المجلس المركزي لدى مصرف لبنان في القيام بالتعاقد الرضائي وليس حاكم مصرف لبنان.

يُذكر أنَّ ولاية نوَّاب حاكم مصرف لبنان الأربعة السابقين انتهت بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2025، ففقد المجلس المركزي لمصرف لبنان نصابه إلى حين تعيين النوَّاب الجدد، متضمناً ذلك إعادة تعيين اثنين من النوَّاب السابقين بتاريخ 11 تمُّوز 2025.

للمصادفة، أصدر حاكم مصرف لبنان قبل يومين من تعيين النوَّاب الأربعة، بتاريخ 9 تمُّوز، قرار التعاقد مع الشركة الأميركيَّة، مبرراً ذلك بحجة “تسيير المرفق العام”، فلم يكن بالإمكان أن ينتظر تسيير المرفق العام يومين آخرين أو إلى حين استلام النواب المعيَّنين مهامهم، لإقرار التعاقد بملايين الدولارات مع الشركة الأميركيَّة؛ وبذلك، يكون قرار التعاقد صدر عن “غير صاحب اختصاص” كما جاء في تقرير هيئة الشراء العام.

وهنا، لا بُدَّ من التأكيد مجدداً أنَّ قرار مجلس الوزراء رقم 3 انتهى مفعوله بعد أول تعاقد قام به مصرف لبنان بعد صدور القرار أو مع انتفاء الظروف الاستثنائيَّة؛ أي انتهاء الحرب بتاريخ 27 تشرين الثاني (بحسب أيّهما حلَّ أولاً)، وبذلك يكون حاكم مصرف لبنان جمع الانتهاك الثاني للقانون.

عدم شمول وصف الخدمات في قرار مجلس الوزراء للخدمات المقدًّمة من الشركة الأميركيَّة.

حدَّد قرار مجلس الوزراء الذي فوَّض المجلس المركزي لدى مصرف لبنان القيام بالتعاقد الرضائي السرّي، الخدمات التي يُمكن أن يشملها هذا التعاقد على الشكل التالي:

“ندارك المواضيع السريَّة أو الأمنيَّة لا سيَّما الأمن السيبراني منها، وتأمين أعلى معايير الأمان في ما خصّ الأنظمة والتطبيقات المعلوماتيَّة، والحفاظ على سريَّة المعايير والمعلومات لإجراء عقود صيانة الأنظمة والتطبيقات المعلوماتيَّة وحمايتها والنظام المعلوماتي والنظام المُحاسبي الرئيس Core Banking، وأنظمة الحماية والأمان وأنظمة الشبكات وبُنية المفاتيح العامَّة والخاصَّة Public & Private Key Infrastructure وغيرها من الحاجات والخدمات والصيانات الضروريَّة اللازمة للمصرف ذات الطابع السري أو الأمني التي لا يجوز الإفصاح عن مواصفاتها بشكل علني”.

بينما أوضح مصرف لبنان في ردِّه على سؤال نيابي سابق تقدَّمت به النائبة بولا يعقوبيان، أنَّ العقد مع الشركة الأميركيَّة هو للقيام بالمهام التالية:

“١. رسم خريطة “للاقتصاد النقدي” في لبنان من خلال جمع البيانات وإجراء التحليلات الميدانيَّة المناسبة لتصنيف هذا الاقتصاد حسب المخاطر الماليَّة والأمنيَّة المستنتجة، ويتبع ذلك فرض تطبيق آليَّات حديثة، منها معتمد على الذكاء الاصطناعي لمعرفة الجهة الأصليَّة المتداولة للنقود.

٢. إنشاء إطار وطني موحَّد لتطبيق “إجراءات العناية المعزَّزة” (Enhanced due diligence and KYC measures) لدى المصارف اللبنانيَّة”. بالإضافة إلى إفادة مصرف لبنان بأنَّ التعاقد مع الشركة الأميركيَّة يندرج ضمن سياق وطني وإقليمي ودولي أوسع، يهدف إلى استعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني وتلبية المتطلبات التقنيَّة والرقابيَّة التي أعدَّتها مجموعة العمل المالي للخروج من “اللائحة الرماديَّة”.

لن ندخل في مواءمة مدى انطباق الخدمات المذكورة في قرار مجلس الوزراء مع الخدمات التي بيّنها مصرف لبنان في ردِّه على السؤال النيابي السابق، بل نترك لمخيِّلة القارئ، ذلك نظراً الى عدم قدرتنا على فهم كيفيَّة انطباق هذه الخدمات مع بعضها البعض.

وهنا لا بُدَّ من الإشارة أيضاً، الى أنَّ الطريقة التي أُقرَّ بها قرار مجلس الوزراء فيه محاولة للتحايل على قانون الشراء العام، فجاء التفويض مطلقاً يتضمَّن خدمات متعدِّدة، ويُخفي تنازلاً من مجلس الوزراء عن صلاحيَّات لصيقة به لصالح جهة شارية، وهو ما لا يجوز دستوريّاً. في حين أنَّ المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – من قانون الشراء العام تنصُّ صراحةً على وجوب تبيان أسباب التعاقد في كل مرَّة تطلب أي جهة شارية هذا التفويض. ومن الضروري أن تصدر هيئة الشراء العام تعميماً لجميع الجهات الشارية، متضمناً نموذجاً يُبيِّن المعلومات الواجب توفيرها لطلب التفويض، كما وضرورة تبنِّي رئاسة مجلس الوزراء هذا التعميم وتعميمه على الجهات الشارية كافة.

بذلك، يكون قرار حاكم مصرف لبنان بالتعاقد مع الشركة الأميركية مشوبًا بعيب عدم الاختصاص، ويشكّل تجاوزًا لحد السلطة لمخالفته مبدأ المشروعية، إذ لم يصدر سند قانوني يجيز له إبرام عقد رضائي سرّي خارج نطاق آليَّات الشراء العام العاديَّة. وفي أي حال من الأحوال، تكون هذه الإجازة عادةً للمجلس المركزي وليس لحاكم مصرف لبنان. هذا فضلًا عن أن التفويض، وبفرض التسليم بوجوده، غير ساري المفعول أصلًا، كما أن قرار مجلس الوزراء لم يتناول في أي حال موضوع العقد الموقَّع مع الشركة الأميركية.

وبذلك، يكون كل من قرار حاكم مصرف لبنان بإبرام العقد والعقد ذاته مشوبين بعيب عدم الاختصاص ومخالفة قواعد الشفافية والعلنية في التعاقدات الإدارية، ما يجعلهما قابليْن للإبطال من مجلس شورى الدولة في حال الطعن بهما.

التأهيل المسبق

طبعاً السؤال مشروع، ماذا لو كان مصرف لبنان فعلاً بحاجة الى التعاقد بشكل سرِّي – مهما كانت الأسباب الموجبة لذلك – لاستجرار بعض الخدمات؟

أوضحت هيئة الشراء العام أنَّهُ في حال كان للتعاقد السري من مقتضى لحماية أعمال مصرف لبنان، وجب على الأخير سلوك مسار معيَّن لضمان أقصى قدر ممكن من الشفافيَّة والحوكمة والمنافسة مع حماية المصلحة العامَّة، التي تستوجب أحياناً حماية البيانات بالسرية.

ويتلخص هذا المسار بالاستناد إلى المادَّة 19 من قانون الشراء العام، التي تحدِّد إجراءات ما يُعرف بـ “التأهيل المسبق” المصمَّمة للحالات كالحالة التي أمامنا اليوم في تعاقد مصرف لبنان مع الشركة الأميركيَّة. عبر هذا المسار، وبسبب وجود معلومات سريَّة ضمن تعاقد ما – إذا ما سلَّمنا جدلاً بذلك –، يُمكن للجهة الشاريّة (مصرف لبنان مثلاً) نشر دعوة للتأهيل المسبق متضمنة ملخصاً لأهم الأحكام والشروط المطلوبة، عبر دفتر شروط ينشر على موقع الشراء الإلكتروني وموقع الجهة الشارية من دون الدخول في التفاصيل السريَّة.

بعد أن تتقدَّم الشركات المهتمة بالتعاقد، تتأكد الجهة الشارية من مؤهلات هذه الشركات؛ فتتأهل الشركات التي تتوافر فيها المؤهلات اللازمة، وتخرج من المنافسة تلك التي لا تتوافر فيها هذه المؤهلات. بعد ذلك، توقع الجهة الشارية مع الشركات المؤهلة للمرحلة الثانية اتفاقيَّات “عدم إفصاح”، ومن ثمَّ تشارك معها التفاصيل السريَّة للصفقة لتتقدَّم بعدها الشركات بعروضها المفصَّلة، فتختار الجهة الشارية عندها الشركة الفائزة بالعقد، ويكون العقد سريّاً إذا ما توافرت شروط هذه السريَّة؛ علماً أنَّ هذه الأخيرة حدودها ضيِّقة جداً ويجب أن تطبَّق على العقد المادَّة 17 من القانون رقم 28/2017؛ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، التي تقول إنَّهُ في حال تضمَّن العقد بعض المعلومات السريَّة يجب حجب هذه المعلومات فقط وتسليم نسخة عن باقي العقد في حال طُلب من أي جهة كانت. كما يجب أن يقرأ ذلك مع المادَّة الخامسة من القانون نفسه، التي تنص صراحةً على أنَّهُ “لا تحول بنود السريَّة المدرجة في العقود التي تجريها الإدارة، دون الحق في الوصول إليها…”.

تجدر الإشارة هنا، الى أنَّ هذا النص الأخير كان أضيف إلى المادَّة الخامسة من القانون رقم 28/2017 في التعديل الذي أقرَّه مجلس النوَّاب تحت الرقم 233/2021. وكنت شاركت شخصيّاً في لجنة فرعيَّة منبثقة من لجنة الإدارة والعدل في حزيران/ يونيو من العام 2020 برئاسة النائب جورج عقيص، وأُضيف هذا النص بعد فضيحة شركة “سوناطراك” وتسريب العقد الموقع معها، الذي تبيَّن أنَّ فيه شروطاً مجحفة بحق الدولة اللبنانيَّة، وأنَّ المادَّة 17 من العقد نصَّت على سرّيته مع عدم جواز نشره سواء من الدولة اللبنانيَّة أو من الشركة. فوُضع هذا التعديل على المادَّة الخامسة لضمان عدم التذرّع بسريَّة العقد، وهو ما يوضح نيَّة المشرِّع بعدم جواز سريَّة العقود التي تجريها الإدارة إلَّا في حدود ضيِّقة؛ إذ لا يجب أن يكون العقد سريّاً كونه ليس من الطبيعي أن يتضمَّن أيَّة معلومات سريَّة، لا سيَّما لجهة التزامات كل فريق سواء الماليَّة أو الخدماتيَّة. وفي حال كانت بعض مواد و/أو بنود العقد تستوجب السريَّة كاسم منهجيَّة معيَّنة تستخدمها الشركة كما في حالتنا هذه، أو أنظمة أو مؤشّرات معيَّنة لا يجوز الإفصاح عنها، فتطبَّق عندها أحكام المادَّة 17 من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، فتحجب المعلومات السريَّة فقط وتتم إتاحة باقي العقد.

وبالعودة إلى التأهيل المسبق، نُشر في أحد مقالات جريدة “نداء الوطن” بتاريخ 2 أيلول/ سبتمبر 2025، أنَّ مصرف لبنان:

“وبغية تعزيز مبدأ المنافسة المنصوص عنه في قانون الشراء العام، قام مصرف لبنان بتاريخ 1/5/2025 بمقاربة سبع شركات عالميَّة متخصّصة في مجال إدارة المخاطر العالميَّة والامتثال والتحقيقات الماليَّة، وذلك على رغم الطابع السرّي والأمني لنوع كهذا من العقود.

نتيجة هذه المقاربة، تبيَّن أنَّ شركة “K2 Integrity” تتمتَّع بأوسع خبرة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والاقتصاد النقدي، وأيضاً بخبرة ميدانيَّة واسعة في منطقة الشرق الأوسط. مع الإشارة إلى أنَّ الشركة المعنيَّة هي صاحبة أنظمة خاصَّة بها، حديثة ومتطورة في هذا المجال، وهي تعمل على تقديم المشورة للمصارف المركزيَّة، والحكومات، والمصارف التجاريَّة والاستثماريَّة وشركات الخدمات الماليَّة والتكنولوجيا الماليَّة بأفضل الطرق”.

أولاً، لماذا لم يُعلم مصرف لبنان هيئة الشراء العام بهذه الخطوة في حينه؟ بخاصّة أنَّهُ تمَّت مراسلات عدة بين الجهتين في ما يتعلَّق تحديداً بالتعاقد مع الشركة الأميركيَّة؟

ثانياً، ما المقصود بتعبير “قام مصرف لبنان … بمقاربة سبع شركات…”؟!

 يتألَّف قانون الشراء العام من 116 مادَّة في 70 صفحة، لا تشتمل أي مادَّة أو صفحة على تعبير و/أو آليَّة “المقاربة”، فما هي هذه الآليَّة التي لم يسمع بها أي متخصِّص بالشراء العام أو الخاص؟ وما السند القانوني لها إن كان لا يوجد نص ضمن قانون الشراء العام؟

من الأجدى لمصرف لبنان الالتزام بأحكام قانون الشراء العام من دون مواربة، والكف عن تسريب المعلومات التي إن كان لها من أي أثر فهو في تقويض مصداقيَّة المصرف وتعزيز انعدام الثقة به، بدلاً من تبرير ما ارتكبه من انتهاكات لقانون الشراء العام، والذهاب لتصحيح الخلل الحاصل سواء من خلال الركون إلى آليَّة التأهيل المسبق أو إجراءات الشراء العاديَّة.

أسطورة الاستقلاليَّة

إحدى النظريات الخارقة التي تعمّمها الجوقة “الإعلاميَّة” المدافعة عن قرار التعاقد مع الشركة الأميركيَّة، هي أنَّ مصرف لبنان يتمتَّع بالاستقلاليَّة، وبالتالي لا يجوز التدخّل في عمله.

صحيح أنَّ مصرف لبنان يتمتَّع بالاستقلاليَّة، إلَّا أنَّ الإضاءة على انتهاك مصرف لبنان نصاً قانونياً، ليس تدخلاً في عمله. ثمَّ إنَّ استقلاليَّة المصارف المركزيَّة عالميّاً ترتبط فقط بما يتصل بالسياسة النقديَّة لإخراج هذه الأخيرة من دائرة التجاذب السياسي، وتنسحب هذه الاستقلاليَّة فقط على الأعمال العادية المتعارف عليها التي تقوم بها المصارف المركزيَّة (Central Bank Functions)، كوضع السياسة النقديَّة وتنفيذها، الحفاظ على سعر الصرف، وإدارة الاحتياط، ولا تمتد إلى غيرها من الأعمال التي ليست في الأصل من مهام المصارف المركزيَّة، كمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب التي هي من مهام وحدات التحري المالي وهيئات الرقابة على المصارف؛ وارتباط لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصَّة بمصرف لبنان لدينا، لا يعني امتداد استقلاليَّة مصرف لبنان في ما يتعلَّق بالسياسة النقديَّة إلى هذه الجهات، علماً أنَّ اللجنة مستقلَّة تشغيليّاً عن مصرف لبنان بحسب قانون إنشائها، والهيئة أيضاً مستقلَّة في أعمالها عنه، ولو كان الحاكم هو الرئيس الحكمي لها. علماً أنَّ هذا الارتباط بين هذه الجهات ومصرف لبنان هو من الإخفاقات النظاميَّة التي أوصلت لبنان إلى الأزمة النظاميَّة الاقتصاديَّة والماليَّة والنقديَّة التي استفحلت في العام 2019، ولها موضع بحث آخر لاحقاً.

بالعودة إلى الاستقلاليَّة، لا تعني في أي حال من الأحوال أنَّ المصارف المركزيَّة فوق القانون وفوق أي مساءلة أو محاسبة، بل على العكس من ذلك هنالك ضرورة لوجود ضوابط تمنع التعسّف في ممارسة هذه الاستقلاليَّة ومنعها من أن تكون استقلاليَّة مطلقة؛ وفي حالتنا هذه، وجود إجراءات مفصَّلة لعمليَّات الشراء سواء عبر التأهيل المسبق أو إجراءات الشراء العاديَّة بنص القانون الواضح والصريح، هو التطبيق العملي الذي يجب الالتزام به لضمان عدم جنوح سلطة من هم في مصرف لبنان.

وما تجربة الحاكم الأسبق لمصرف لبنان المليئة بالمخالفات وتضارب المصالح واستخدام المعلومات المميزة، سوى نموذج حول أهميَّة وضع القوانين والأنظمة التي ترعى عمل مصرف لبنان على المشرحة التشريعيَّة لتعزيز الضوابط التي تحد من، وتمنع التعسف باستخدام السلطة والجنوح بها. فتجربة الحاكم الأسبق وكل الأجهزة التي سُخّرت له ضمن مصرف لبنان من دون حسيب أو رقيب، هي مدخل ومبرِّر لوجود وصاية تشريعيَّة وإداريَّة لمرحلة انتقاليَّة على مصرف لبنان إلى حين إصلاح أنظمته.

ولا يعني ذلك بأي شكل من الأشكال – ولا هو المقصود – أنَّ الحاكم الحالي يسعى الى إعادة التجربة السابقة، فالحاكم الأسبق عندما بدأ مهامه لم يأتِ للقيام بالممارسات التي قام بها لاحقاً، إلَّا أنَّ عدم وجود الضوابط اللازمة سمح له القيام بالتجاوزات لاحقاً، لعدم وجود أي شكل من أشكال المساءلة؛ فكما تُدرِّس كليّات الحقوق في القانون الدستوري والنظم السياسيَّة، “السلطة تجنح” طالما أن الضوابط القانونيَّة غير موجودة.

مقتضيات الأمن والدفاع الوطني للتعاقد مع الشركة الأميركيَّة

كما سبق وأشرنا، تجيز المادَّة 46 – الفقرة الرابعة – من قانون الشراء العام، للجهات الشارية التعاقد الرضائي السرّي لمقتضيات الأمن والدفاع الوطني، بعد تبيان أسباب التعاقد الرضائي وضرورة سريَّته، وأخذ التفويض اللازم من مجلس الوزراء. يُبرِّر مصرف لبنان التعاقد مع الشركة الأميركيَّة بشكل رضائي وسرّي كونه لمقتضيات الأمن، من دون شرح ذلك، وكيفيَّة انطباقه على العقد المعني لهيئة الشراء العام، وهو وإن كان جائزاً إلَّا أنَّ التعاقد مع أي شركة أميركيَّة سواء بشكل رضائي سري أو من خلال عمليَّة شراء عاديَّة، يُثير تساؤلاً جوهريّاً.

التساؤل الجوهري الذي يُطرح عند التعاقد مع أي شركة أميركيَّة بأي طريقة كانت، يتمثَّل بوجود قانون فيدرالي داخل الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، يُعرف بالـ “Patriot Act”، وهو قانون أقرَّه مجلس الشيوخ الأميركي بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، يجيز فيه لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) – في المادَّة 215 منه التي تعدِّل قانون مراقبة المعلومات الاستخباريَّة الأجنبيَّة – الطلب من أي شركة أميركيَّة كل المعلومات والمستندات والأوراق، طالما أنَّ التحقيق الذي يُجرى هو لجمع المعلومات الاستخباريَّة الأجنبيَّة، كما يُمكن إجبار الشركة الأميركيَّة على عدم إعلام الجهة الأجنبيَّة صاحبة المعلومات بأنَّهُ قد تم الحصول عليها من مكتب التحقيقات الفيدرالي.

من هنا، يثار التساؤل عن أي مقتضيات أمنيَّة يتحدث مصرف لبنان كمبرِّر للقيام بهذا العقد بشكل رضائي سرّي، في حين أنَّ التعاقد مع أي شركة أميركيَّة بأي طريقة كانت، يشكل مخاطرة أمنيَّة بالمعلومات السريَّة التي يُمكن أن تتحصَّل عليها بمناسبة عملها؟ فكل المعلومات التي ستحصل عليها الشركة الأميركيَّة، لا سيَّما المعلومات المصرفيَّة، معرَّضة لخطر الحصول عليها من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي.

طبعاً، نعرف أنَّ وزارة الخزانة الأميركيَّة إذا ما أرادت الحصول على أيَّة معلومات من لبنان، لا أحد يجرؤ سواء في مصرف لبنان أو أي جهة أخرى في الدولة اللبنانيَّة، على رفض الطلب، إلَّا أنَّهُ على الأقل نكون قد عرفنا ما الذي حصلوا عليه. لكن مع وجود شركة أميركيَّة تجمع كل هذه المعلومات لا يمكن أن يكون لدى الجهات المختصَّة اللبنانيَّة أي قدرة على مراقبة ما يُمكن أن يُسرَّب من معلومات سريَّة لأي جهة خارجيَّة.

والقول إنَّ ذلك يُساعد في محاصرة “حزب الله”، وبالتالي وجب القيام به ومن يرفض ذلك يقف في صف الحزب، هو قول مردود على أصحابه. فمن قال إنَّنا ندافع عن الحزب؟! فالأخير هو الإشكاليَّة الرئيسيَّة في لبنان في وجه قيام أي دولة حقيقيَّة، وتتوازى أهميَّة تفكيك شبكته الماليَّة مع أهميَّة سحب سلاحه. إلَّا أنَّ لكشف لبنان بهذه الطريقة أمام دولة أجنبيَّة، تبعات أبعد من تفكيك الحزب، ويُحكم سيطرة هذه الدولة الأجنبيَّة على مفاصل الاقتصاد والإدارة كافة في لبنان وهو ما يقوِّض الأمن القومي اللبناني بالدرجة نفسها التي يقوِّضه فيها “حزب الله”.

أيضاً، القول إنَّ كل من يرفض هذا التعاقد يقف في صفّ الحزب، هو إدانة لمصرف لبنان ذاته، إذ يُبيِّن مدى سوء إدارته لهذا الملف من دون أدنى اعتبار لمصالح الأمن القومي اللبناني، إذ من غير المعلوم عندما يقول مصرف لبنان إنَّ هذا التعاقد مع الشركة الأميركيَّة هو تحقيق للأمن القومي، إذا ما كان يقصد الأمن القومي اللبناني أم الأميركي. 

وهنا لا بُدَّ من دعوة مصرف لبنان والجوقة “الإعلاميَّة” المدافعة عن هذا التعاقد، الى الاطلاع على مجلَّد الراحل الكبير القاضي الدكتور يوسف سعدالله الخوري – رئيس مجلس شورى الدولة الأسبق- تحت عنوان “الانتظام العام في الاجتهاد الإداري”، الذي يتضمَّن شرح مفاهيم الأمن العام والأمن القومي في القانون والاجتهاد اللبناني، فليتفضلوا بقراءته، مشكورين، قبل الخروج علينا بقُصاصة ورق مكتوب عليها “الأمن القومي” للدفاع عن انتهاك مصرف لبنان للقانون.

كما لا بُدَّ من التأكيد هنا على أمر أساسي في ظل الصراع الحاصل لبنانيّاً حول ضرورة سحب سلاح “حزب الله” في إطار مشروع بناء الدولة. الفخ الذي وقعت فيه حركة “14 آذار” كان التركيز على مسألة السيادة والتغاضي عن الإصلاح، ما أوصلنا الى حركة “17 تشرين” التي ركَّزت على الإصلاح وتغاضت عن السيادة، ففشلت الحركتين؛ إذ لا سيادة من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون سيادة. هما كذلك، مترابطان لا يُمكن النجاح في مجال من دون الآخر، فمن تضرّه السيادة سيمنع الإصلاح، ومن يضرّه الإصلاح سيمنع السيادة.

ماذا الآن؟!

بعدما صدر تقرير هيئة الشراء العام رداً على السؤال النيابي المقدَّم من النائبة بولا يعقوبيان وعدد من النوَّاب الآخرين، وأوضح أنَّ التعاقد مع الشركة الأميركيَّة هو تعاقد غير قانوني تمَّ من خارج الإطار القانوني المنظِّم لعمليَّات الشراء العام، أصبح مصرف لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول يتلخص بمضي مصرف لبنان في تنفيذ العقد من دون الالتفات الى الإطار المؤسَّسي العام، الذي يحكم عمل الدولة اللبنانيَّة ومؤسَّساتها وأجهزتها كافة، ويكون بذلك يضرب ما تبقَّى من مصداقيَّة وثقة بالمصرف، وأي إجراء يُمكن أن يقوم به مستقبلاً سيكون عرضة للتشكيك والمساءلة.

السيناريو الثاني يتلخص بأن يتحلَّى حاكم مصرف لبنان بالجرأة والشجاعة لتصحيح المسار من دون تدخل أي طرف من خارج مصرف لبنان لتصحيح الخطأ الذي أوقعته فيه “دائرة رياض سلامة القانونيَّة” لدى مصرف لبنان، وبذلك يكون وَضع مصرف لبنان على بداية السكة الصحيحة للبدء باستعادة الثقة به وبمصداقيَّته.

السيناريو الثالث، أن يتقدَّم النوَّاب الذين يتابعون إجراءات التعاقد عبر الأسئلة النيابيَّة وطلبات المعلومات منذ أيَّار/ مايو 2025، بدعوى إبطال قرار حاكم مصرف لبنان بالتعاقد وإبطال العقد لتجاوز حد السلطة ومخالفة مبدأ المشروعيَّة أمام مجلس شورى الدولة، والذي بطبيعة الحال سيوقف تنفيذ العقد إلى حين البت بالدعوى، وبذلك تتعمَّق الأزمة الحاليَّة وتقوَّض الثقة بمصرف لبنان وإجراءاته بشكل أكبر، وهو الأمر غير المرجو؛ بخاصَّة في ظل قدومنا على مرحلة حسَّاسة لمصرف لبنان دور رئيسي فيها لإصلاح وضع المصارف ومعالجة أزمة الودائع.

في ظل ذلك كله، هل يتدخل رئيس الجمهوريَّة، الذي خاض معركة إيصال الحاكم الحالي الى حاكميَّة مصرف لبنان، ما كاد يفرط عقد مجلس الوزراء والتضامن الوزاري، لضمان احترام مؤسَّسات الدولة وأجهزتها كافة القوانين والأنظمة المرعيَّة الإجراء في إطار ممارسته دوره في السهر على احترام الدستور وبالتبعيَّة القوانين؟