بدأت قصة وداد قبل اندلاع الثورة في سوريا، إذ اشترى زوجها قطعة أرض في دوما بالشراكة مع أخيه الكبير، وسُجِّلت باسم الأخير. وبعد اندلاع الثورة قُتل زوج وداد، وبقيت الأرض باسم الأخ الأكبر، الذي قرر أثناء الحصار الذي خضعت له دوما بين 2013 و2018، نقل حصة أخيه المتوفي إلى ولديه بعدما فقدا والدها. سارت الأمور على ما يرام، لكن الوضع تغير بعد وفاة العم، ودخول جيش الأسد الى دوما عام 2018.
كانت دوما دائماً واحدة من المناطق التي تعرّضت للقصف والتقتيل، وخضعت لحصار فرضه النظام، وهُجّر جزء كبير من أهلها، في حين بقي البعض فيها، ما تسبب في انخفاض عدد السكان إلى نحو 125 ألف شخص، مقارنةً بنحو 300 ألف قبل بدء الحصار. وداد وابناها من الذين بقوا في المدينة.
إلى جانب القتل والحصار، عمد الأسد إلى استراتيجية العقاب الجماعي عبر المؤسسات القانونيّة والمراسيم التشريعيّة، لحرمان السكان من منازلهم وأراضيهم، أبرزها المرسوم رقم 11 عام 2016، الذي أوقف بموجبه عمليات تسجيل الحقوق العينية العقارية في الجهات المخوّلة قانوناً مسك سجلات ملكية، وذلك في الدوائر العقارية المغلقة بسبب الأوضاع الأمنية الطارئة.
هذا المرسوم الذي أصدره الأسد، إلى جانب مراسيم أخرى، تصفه الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير صادر عام 2020، بأنه جزء من استراتيجية “السطو على الممتلكات”. ويضيف التقرير أن هذه المراسيم “ترقى إلى عملية إخلاء قسري ومحاولة تلاعب بالتركيبة السكانية والاجتماعية”.
السجل العقاري تحت الحصار
خلال فترة الحصار، سيطر على دوما فصيل “جيش الإسلام”، “وكانوا حريصين منذ بدء سيطرتهم على حفظ السجلات العقارية”، بحسب عدنان طه، الذي شغل منصب مدير السجل العقاري في دوما في فترة سيطرة الفصائل المعارضة.
وثق السجل العقاري في دوما منذ تأسيسه عام 2013 وحتى سيطرة النظام على الغوطة عام 2018، نحو 11 ألف معاملة عقارية، من بينها تسعة آلاف عقد بيع وشراء، كما يوضح المحامي سمير طعمة، القاضي المدني في دوما في فترة الثورة، إذ استمرت عمليات البيع والشراء على رغم الحصار، في تجاهل لمرسوم الأسد.
بعد سيطرة النظام على دوما، استغلت زوجة العم، الأخ الأكبر، المرسوم رقم 11، وأنكرت عملية التنازل التي قام بها زوجها لأولاد وداد، وباعت الأرض. عجزت وداد حينها، كما تقول، عن الاعتراض في المحاكم التابعة: “اتبعوا معي أسلوب التشبيح وأرهبوني”، خصوصاً أنها زوجة من كان يوصف حينها بـ”الإرهابي”، لتجد نفسها في منزل أهلها، عوضاً عن بيع الأرض لشراء منزل حسب تعبيرها.
يخبرنا نايف (أبو محمد) الكحال، صاحب مكتب عقاري في دوما، عاش فترة الثورة والحصار ثم لاحقاً دخول قوات الأسد إلى المدينة، أن عمليات بيع العقارات وشرائها بقيت مستمرة، ويقول: “الحياة تستمر. في ناس باعوا كي يعيشوا في فترة الحصار القاسية”. ويضيف: “كثير من الناس لم يبيعوا، نسبة من باع 10 في المئة والذين احتفظوا برزقهم 90 في المئة”.
يشرح عدنان طه، تفاصيل ما حدث خلال فترة سيطرة المعارضة على الغوطة، وكيف تمت حماية هذه السجلات والتسجيل عليها، موضحاً: “أخذنا سجلات الطابو الأساسية التي كانت موجودة أيام النظام واحتفظنا بها في مكان آمن”، وقد تعرض السجل لمحاولات إحراق عدة، إذ وُجهت له صواريخ عدة.
يتابع طه: “كثيراً ما كنا نرى الباب يمشي أو الحائط يمشي”، في إشارة إلى شدة القصف، ويضيف:”كان مقرنا عند الجامع الكبير، وهو أخطر مكان في العالم، لكننا حصّنا أرشيفنا جيداً ووضعناه في قبو تحت الجامع”، ويشرح: “صنعنا حفرة ووضعنا فيها ملحاً لسحب الرطوبة. وهذه الطريقة هي التي حمت أوراقنا. ولاحقاً بعد عام 2017، أرشف العاملون بالطابو كل ما لديهم بشكل إلكتروني، وما زالوا يحتفظون به إلى الآن”.
بالإضافة الى حماية السجلات فيزيائياً، كان القائمون على “الطابو” حريصين على التعامل معها بحذر. إذ كانت العقود الجديدة في البداية ترفق “خرزاً” مع الصحيفة العقارية بدلاً من الكتابة عليها مباشرة، لأن الموظفين العاملين حينها لم يكن معترفاً بهم من أي جهة خارج دوما، بحسب ما يشرح طه. ويضيف: “كنا نقول إنه سيأتي أحد بعدنا حينما ننتصر ليدقق خلفنا ويثبتها، ولكن لاحقاً حبرنا كل شيء على السجل العقاري، لأن موظفي النظام قد ينزعون الورقة بسهولة مقابل رشوة”. وكذلك “لنقول [من] هنا مرت الثورة”.
بالتوازي، حرص الكحال، مثلاً، على أرشفة كل العقود التي نظمها مكتبه. فكان ينظم ثلاث نسخ للعقود؛ نسخة تُعطى للبائع، وأخرى للمشتري، أما الثالثة فتبقى في المكتب. وقد استفاد من هذا التنظيم حينما عاد المهجرون، إذ منح نسخة لمن فقد تلك الخاصة به خلال رحلة التهجير.
صدر المرسوم رقم 11 لعام 2016 خلال حصار الغوطة الشرقية وضمنها دوما. ولم يكن يخص المدينة وحدها بل كل المناطق التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد. وينص على وقف عمليات تسجيل الحقوق العينية العقارية في الجهات المخولة قانونًا مسك سجلات ملكية، وذلك في الدوائر العقارية المغلقة “بسبب الأوضاع الأمنية الطارئة”. وبحسب المرسوم أيضاً، فإن تاريخ البدء بتطبيق ما ذكر وتاريخ انتهائه يتم بقرار من الوزير المختص بناء على اقتراح المحافظ بعد استطلاع رأي المديرية المعنية. كما لا يعتد بأي تسجيل أو قيد يسجل في السجلات العقارية خلال مدة توقيف عمليات التسجيل.
شكّل المرسوم نوعاً من الصدمة للمقيمين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وقرر القائمون على السجلات العقارية في دوما تغيير خطتهم. فبعدما كانت العقود الجديدة ترفق خرزاً في الصحيفة العقارية، بدأ الموظفون في السجل بكتابة العقد الجديد على الصحيفة مباشرة، بحسب ما ذكر عدنان طه.
عودة “النظام” إلى دوما
بعد دخول قوات الأسد إلى دوما، بات الوضع العقاري مضطرباً، عدد من أهل المنطقة أفرحهم المرسوم حينما عادت الملكية لهم، وأعادوا بيع عقاراتهم أو أراضيهم لأشخاص جدد مستغلين إما غياب أصحابه الجدد اعتقالاً أو تهجيرًا، وإما تعرضهم للضغط من أتباع الأسد الذين نشطوا في المناطق العائدة لسيطرة النظام.
لكن بحسب طعمة، فإن “ما لا يقل عن 8000 من أصحاب العلاقة المالكين، بادروا بأنفسهم إلى حل الموضوع وسعوا إلى تثبيت عملية البيع، في حين أن البعض من حوالي ألف حالة، اعترض على أنه باع بسعر قليل فحصل على مبلغ كتعويض، وآخرون استغلوا هذه الثغرة القانونية ورفضوا البيع. وهنا حدث ترويج من أزلام النظام، بأن كل البيوع باطلة، على رغم أن المرسوم ينص على أنه لا يعتد بأي تسجيل على الصحيفة العقارية”، ويضيف: “هذه الشريحة محدودة، إذا نفذنا إحصاء دقيقاً لا يصلون للألف حالة، وهذه تقديراتي الشخصية”.
وبالفعل، وبموجب القانون السوري، كما أوضح المحامي محمد علي تقي الدين، لا يعتبر التسجيل بالطابو شرطاً لصحة عقد البيع، بل إن الأصل في الأشياء الإباحة، ما يعني أن البيوعات تعتبر صحيحة طالما لم يصدر حكم قضائي متعلق بدعاوى فسخ تسجيل بأن البيع كان نتيجة لتزوير أو إكراه أو ابتزاز.
وبموجب ما سبق، كان المرسوم يشترط إعادة عمليات تثبيت الملكية. ويشرح هذه الإجراءات المحامي طعمة، موضحاً أنه “إذا كان البائع والشاري في دوما، يُحضر الشاري نسخة من المعاملة التي كان البائع بصم عليها في المجلس المحلي، أو ينظم عقداً جديداً، ويقوم بدعوى تثبيت بيع في المحكمة، وتنتقل الملكية بشكل سلس وبسيط للمشتري، حتى لو تمت العملية خلال فترة الحصار”. لكن الإشكالية ظهرت مع وجود أشخاص يعانون من مشاكل أمنية بسبب الاعتقال أو التهجير، فضلاً عن الضعفاء ممن تعرضوا للتخويف من أزلام النظام، “إذ نشط محامون عدة في دوما ابتزّوا من باع ليقوموا بالإفراغ لهم، بدلاً من تعرضهم لتهم التعامل مع إرهابيين”.
وسقط النظام
بعد سقوط النظام، قرر عدد من الشخصيات في دوما تأسيس “مجلس الصلح” واختاروا مقراً لهم في ساحة البلدية، وهو واحد من مجالس صلح عدة تشكلت خلال الثورة وبعد التحرير، يبلغ عددها نحو الخمسمائة مجلس موجودة في مناطق كثيرة بسوريا، وتشرف عليها إدارة مركزية تضم دوائر قانونية وشرعية وعلاقات عامة ومكاتب اختصاصية متعددة. ويعمل فيها أكثر من 7 آلاف متطوع في المدن والبلدات.
والمجلس جهة معنية بحل الخلافات صلحاً بعيداً عن أروقة المحاكم، ومن بينها الخلافات العقارية والمشاكل الأسرية والمالية. ويرأسه في دوما المهندس المعماري الاستشاري نزار صمادي، ابن المدينة الذي عمل في المجال الهندسي لسنوات طويلة ثم غادر مدينته تهجيراً إلى الشمال ومنها إلى تركيا، وعاد بعد التحرير. لكن إحدى مشاكل المجلس، بحسب أحد أعضائه، المحامي طعمة، هي عدم امتلاكه قوى إلزامية أو تنفيذية بحيث يجبر من أخطأ على الالتزام بالحضور أو تنفيذ الاتفاق.
في المقابل، يعتبر صمادي أنه على رغم عدم امتلاك “المجالس قوة تنفيذية لكنها تملك قوة أدبية، لأن الطرفين المتخاصمين يأتيان بإرادتهما لحل النزاع، وهذا يعني أن الطرفين يقبلان بالحل، وبالتالي يكون التنفيذ أدبيًا وأخلاقيًا. ولكن بعض الناس قد يغيرون رأيهم لاحقاً، فيلجاً الطرف الثاني الى القضاء، والقضاء يأخذ بوثيقة الصلح، ويستعين بها لإصدار الحكم”.
ويضيف أن المجلس لا يملك السلطة لإحضار من يرفض المشاركة والصلح، كما لا يمكنه الإرغام على تطبيق القرار الصادر عنه، لهذا يأخذ المجلس كل الاحتياطات كي يتم التنفيذ في حال حضر الأطراف وتم الاتفاق. يقول:”إذا كان الموضوع ماليا مثلاً، يمكن أن يوقع المدين على سندات أمانة تبقى في مجلس الصلح ضمانة للحق”.

من جانبه، يلفت المحامي طعمة إلى تعقيد ملف العقارات. إذ إن بعض تلك التي بيعت في فترة الحصار، تعرضت للقصف، وقد يكون الشاري الجديد دفع تكاليف كبيرة للترميم وإعادة تأهيل البيت، وقد تكون مبالغ تعادل قيمته. وهنا يتم تقييم العقار المقصوف بمبلغ معين، وتُقدر التكاليف التي دفعت وتوزع المبالغ على الأطراف الثلاثة (المالك الأساسي، والمشتري الذي اشترى في الحصار، والمشتري الجديد).
يقول طعمة: “نمون عليهم لحل الأمر. فعندي حالة شقة مثلاً تم بيعها بفترة الحصار، ثم باع الورثة العقار لشخص ثان ثم ثالث، كساها الأخير وتكلف عليها، وبات ثمنها اليوم 400 مليون [ليرة] قدرنا قيمة الإكساء بـ 100 مليون [ليرة]، وأقنعنا المشتري الأول بالتنازل عن 25 مليون [ليرة] فبات المبلغ 275 [مليون ليرة]، تم توزيعه على المشتريين الإثنين الجدد، وعلى ورثة المتوفى كل بنسبة معينة. وهنا حُلّت القصة لأن المشترين قبلوا الدفع، وبالتالي توزعت الخسارة على أطراف عدة”.
يجتمع مجلس الصلح بشكل دائم مع أصحاب القضايا العالقة، وعلى رأسها العقارات. وقد اختارت وداد التوجه إليه على أمل أن تُحل مشكلتها. جُمعت الأطراف المشتركة ببيع الأرض، فاعترفت زوجة الأخ في مجلس الصلح، بعملية البيع معلنة عن رغبتها في تسديد مبلغ الخمسة ملايين التي قبضتها كثمن للأرض، على رغم أن هذا السعر تغير كثيراً في الوقت الحالي. تقول وداد: “لا أحد اشترى عقاراً إلا ويعرف قصته، لأن الكل حتى الشهود أكدوا أنهم أخبروا الشاري الجديد بأن له قصة. كما أنني أخبرته بذلك، لكن لم أستفد شيئاً”.
لم يتمكن المجلس حتى الآن من “حل مشكلة” وداد بشكل كامل، بسبب تعقيد ملفها، كما يوضح عدنان طه، العضو في المجلس، لكن يلفت إلى أن المجلس نجح في أخذ قرار بأن يعيد الشاري حصة وداد من الأرض، لكن الأخير لم يحدد مكانها بالضبط، إذ إن حصة أولاد وداد كانت مصونة، ولكن اليوم لا ملامح محددة لها، لهذا ما زالت وداد تتابع القضية في مجلس الصلح الى حين الحصول على حصتها الحقيقية.
إرث الأسد القانوني والعدالة الانتقالية
في مقر المجلس ذاته، تجلس سيدة أرملة، تحاول حل قضيتها العالقة منذ سنوات. فزوجها اشترى عقارات عدة (ثلاثة بيوت ومحلان) في أحد الأبنية، وتوفي خلال الثورة. وبعد انتهاء الحصار حاولت السيدة استعادة العقارات ونجحت باستعادة بيتين منها من خلال دعوى تثبيت الملكية، لكن المالك الأساسي للعقارات لم يرق له الأمر وقرر التسلح بالمرسوم رقم 11، وامتنع عن إفراغ بقية العقارات.
يعلق طه: “يوجد خطأ، ربما أننا دخلنا بالصلح منذ البداية، لو ما دخلنا بهذه الطريقة ربما خاف من زور، ولكن حينما وجدوا أننا دخلنا بالصلح منحهم ذلك طمأنينة بأن الناس ستصبر وستتحمل”. ويتابع طه أن مجالس الصلح كانت تنفيساً لغضب الناس، ولكن لم تنجح بذلك على حد تعبيره، موضحاً أنها حلت نحو 10 حالات عقارية لا أكثر.
ومن القصص التي أخفق المجلس في حلها، قصة محمد راتب الشيخ (53 عاماً)، الذي يعمل معتمداً للغاز، وهو من أبناء دوما. عاش فترة قصيرة من حصار مدينته، ومن بعدها نزح إلى منطقة التل (في ريف دمشق). خلال فترة الحصار التي أمضاها في الغوطة، اشترى قطعة أرض في منطقة تل الصوان. ويوضح الشيخ أنه كان يملك بعض المال فخاف أن يفقده خلال الحرب، ودفع يومها مبلغ ثلاثة ملايين وخمسمئة ألف ليرة، (كان سعر الدولار بحدود 200 ليرة سورية قديمة) ثمناً للأرض البالغة مساحتها دونماً ونصف الدونم. ويصف بأنه كان لها سياج وغرفة وبئر ماء. ووثق الشيخ العقد في المجلس المحلي، وبصم صاحب الأرض بأنه استلم كامل عقده، وشهد أيضاً شهود على ذلك.
الأرض بقيت في المناطق المحاصرة، وكانت في نقطة خطرة أمنياً. لكن في عام 2018، وبعد دخول جيش الأسد إلى الغوطة، ذهب الشيخ الى الأرض فهاجمه أشخاص من المنطقة وطردوه، كما يقول، بحجة أنهم هم أصحاب الأرض، على رغم أنه أخبرهم بأنه سبق واشتراها، لكنهم أكدوا مستخدمين السلاح، أنهم اشتروها من المالك الأصلي عام 2016.
لم يتمكن الشيخ من المقاومة، واتجه الى القضاء. وحتى الآن لم يحصل على حقه. كما اتجه إلى مجلس الصلح وعرض قضيته، لكن أصحاب الأرض الجدد رفضوا الحضور، وطلبوا الاستمرار في المحاكم. يقول: “أطالب بحقي بالأرض وآمل بأن يساعدنا أي أحد، سأبقى أطالب بحقي حتى أعرف أين هو… اليوم أنا بأمس الحاجة للأرض لأن وضعنا المادي سيئ للغاية، خسرت الكثير من الأموال لإخراج أخوتي من الاعتقال وتعرضت كثيراً للابتزاز والاستغلال”.
يعلق المهندس الصمادي على أسباب عدم نجاح حل كل القضايا العقارية بالقول: “حقيقة لا تحل صلحاً، والقضايا التي نجحنا بحلها قليلة، لكن البقية تحتاج إلى قضاء وإلى إلغاء المرسوم، لأن القضية ليست صغيرة”. وتابع: “يجب أن نكون واقعيين، لا يمكن الحل صلحاً لأن القانون معهم”.
معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمؤسسة اليوم التالي، يقول إن الناس لجأت الى مثل هذه المجالس لأن عدد القضايا والخلافات كبير جداً، في حين أن المؤسسات القانونية تعيش مراحل انتقالية وبعضها قيد التشكل، وبالتالي هي “ضعيفة الإمكانيات ومحدودة الموارد البشرية والمالية، وتحتاج الى استكمال الأطر التشريعية اللازمة للعمل”. ولهذا “يمكن الوصول إلى تسويات بين الأطراف بحلول ودية، أو حلول ملزمة مجتمعياً، وهذا يسهل عمل المحاكم ويختصر الإجراءات القانونية أو الإجراءات الاعتيادية التي يسير عبرها القضاء ويكون أسرع للناس وأوفر للدولة، ولا يفاقم المشاكل في الوقت نفسه، لأن العقوبات القاسية عبر القانون يمكن أن تنتج منها آثار وقد تسبب زعزعة الاستقرار الاجتماعي”.
فوق ذلك، يلفت السيوفي إلى “أن مجالس الصلح إيجابية طالما أنها تصبح ملزمة بعد تثبيتها في القضاء، كما أن عدم الوصول الى حل لا يعني إغلاق سبل الخيار القضائي، وهي لا تحقق مخالفة للقانون أو ظلماً بسبب الضغط الاجتماعي، كأن تتنازل النساء عن حقوقهن بسبب الضغط الاجتماعي”.
يعتبر العاملون في الشأن العقاري وكذلك أصحاب العقارات المسلوبة، أن استمرار نفاذ المرسوم رقم 11 لعام 2016 هو عبارة عن استمرار لـ”نظام الأسد”، فإضافة الى ما سببه لهم من أذية تمثلت بضياع الحقوق، إلا أنه في الوقت عينه دليل على استمرار قرارات العهد البائد على رغم انتصار الثورة.
ويوضح المهندس صمادي، أنه الى الآن لم يصدر من وزارة العدل مرسوم مضاد له، ولهذا تقدم القائمون على مجلس الصلح في دوما بطلب إلى وزارة العدل، وآخر إلى وزارة الإدارة المحلية، وثالث إلى محافظة ريف دمشق، وسيوجهون طلبًا رابعًا لرئيس الجمهورية، أحمد الشرع، طلبوا فيه حل هذه المشكلة لكن لم يحصل المجلس على أي إجابة حتى الآن، باستثناء إجابة من المحافظة التي اقترحت تشكيل لجان قضائية تبتعد عن روتين المحاكم وتبت بالقضايا بسرعة، وهي تختلف عن مجلس الصلح باكتسابها قوة تنفيذية في حال تحقق الأمر.
تواصلت معدة التحقيق مع مديرية المصالح العقارية للتعليق على ملف نقل الملكيات في دوما، وتأثر أهل المنطقة حتى اليوم بتبعات المرسوم رقم 11، ولكنها لم تحصل على إجابة بسبب “وجود دراسات وترتيبات خاصة تُحضر للموضوع”، كما أبلغها المسؤول الإعلامي، وبناء عليه “لا يرغبون في الحديث عن الموضوع حالياً الى حين انتهاء عمل اللجان”.
لم ترد وزارة العدل على الاستفسارات ذات العلاقة بالموضوع حتى موعد النشر، في حين أجاب المحامي رديف مصطفى، عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومدير إدارة المساءلة والمحاسبة، عن أسئلتنا قائلاً إن الهيئة تنظر إلى هذه الممارسات ضمن إرث الانتهاكات التي ينبغي معالجتها في إطار العدالة الانتقالية، من خلال كشف الحقيقة، وتوثيق الوقائع، ورد الحقوق وجبر الضرر، والمساءلة متى توافرت شروطها القانونية”.
وأضاف: “الاعتداء على الملكية لا يُنظر إليه بصورة منفصلة عن سياقه؛ فإذا ثبت ارتباطه بنمط من الانتهاكات الجسيمة أو بالتهجير القسري أو الاضطهاد الجماعي، وكان من الأفعال التي ينطبق عليها تعريف الجرائم الاقتصادية الكبرى وفق مشروع قانون العدالة الانتقالية، فإنه يمكن أن يأخذ مساره ضمن العدالة والمساءلة باعتباره جريمة جسيمة، وليس مجرد نزاع على ملكية عقارية”.
وتابع: “دور الهيئة يتمثل في توثيق هذه الانتهاكات، وجمع الأدلة والوثائق، والاستماع إلى الضحايا وأصحاب الحقوق، وتحليل أنماط الانتهاكات وتحديد المسؤوليات، ثم توجيه كل حالة إلى المسار القانوني المناسب ضمن منظومة العدالة الانتقالية”.
وأردف مصطفى:”إذا كشفت الأدلة عن فعل يشكل جريمة جسيمة تدخل ضمن نطاق العدالة الانتقالية، فيمكن أن تنتقل المعالجة إلى مسار المساءلة والمحاسبة، إلى جانب رد الحقوق وجبر الضرر، وفقاً لما سيقرره الإطار القانوني الناظم للعدالة الانتقالية. والقاعدة الأساسية التي ننطلق منها هي أن وجود قرار أو مرسوم صادر في عهد النظام البائد لا يمنح تلقائياً حصانة لأي تصرف، كما أن إلغاء أثر إجراء إداري لا يعني تلقائياً ثبوت جريمة على صاحبه. المعيار هو الوقائع والأدلة وطبيعة المسؤولية، مع الحفاظ على اختصاص القضاء وحقوق جميع الأطراف”.
إقرأوا أيضاً:












