في اللغة، لا تعمل كلمة “هنا” وحدها. معناها يتبدّل بتبدّل الجسد الذي ينطقها، واللحظة التي تُقال فيها، والأذن التي تستقبلها. ولعلها المفتاح الأعمق لكتاب السيرة الذاتية “هنا” لعبد الرحمن الجندي، الذي يبدأ من زنزانة مصرية شديدة الضيق، ثم يواصل توسيع مدلول الكلمة حتى تشمل علاقة السجين بأبيه، وصداقة رجلين خلف القضبان، والمنفى، وغزة، وحياة مهاجر يراقب باب شقته الأميركية، مترقباً طرقة رجال الهجرة.
هنا لم تعد مكاناً واحداً، بل أصبحت سؤالاً يمتد بطول الكتاب: أين يستطيع الإنسان أن يقيم حين تصادر السلطة المكان، وتسلبه زمنه، ثم تطارده حتى خارج السجن؟
صدر كتاب “هُنا: مذكرات عن الثورة والسجن والتشكل” (Huna: A Memoir of Revolution, Prison, and Becoming) لعبد الرحمن الجندي باللغة الإنكليزية عن دار هوغارث، إحدى دور مجموعة بنغوين راندوم هاوس. وفي 16 أيلول/ سبتمبر، أعلنت المؤسسة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة إدراجه ضمن القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطني لعام 2026، في فئة الكتب غير الروائية. وتضمّ القائمة الطويلة عشرة كتب، قبل أن تُختزل إلى خمسة مرشحين للقائمة القصيرة أو المرحلة النهائية، وحتى كتابة هذه المراجعة، ظل الجندي مدرجًا في القائمة الطويلة.
يُعد هذا الإدراج إنجازًا أدبيًا بارزًا؛ فالجائزة من أرفع الجوائز الأميركية في مجال الكتابة، وتقارب جائزة بوليتزر من حيث المكانة والاعتراف المؤسسي. وبلوغ قائمتها الطويلة يمنح الكتاب حضورًا نقديًا وتوزيعيًا معتبرًا في السوق الأميركية، خصوصًا في الأدب والكتب الفكرية والمذكرات والبحث غير الروائي.
وُلد الجندي في القاهرة، وهو كاتب ومترجم ومحرر أدبي. فاز عام 2024 بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، وحصل لاحقًا على ماجستير في الكتابة غير الروائية من جامعة بيتسبرغ، ثم ماجستير في حقوق الإنسان والسياسة من كلية لندن للاقتصاد. غير أن المسار الذي صنع كتابه بدأ في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشرة. خرج مع والده من البيت، توقفا بالسيارة من دون تعمد قرب مسيرة في رمسيس، وصوّر الجندي هجوم الشرطة بهاتفه. سحبه الجنود من السيارة واقتادوه إلى مبنى سنترال رمسيس؛ تبعهم الأب مطالبًا بإطلاقه، فاعتُقل هو أيضًا.
حُكم على الاثنين في قضية جماعية بالسجن خمسة عشر عامًا أمام دائرة خُصصت لقضايا الإرهاب. أمضى الابن ست سنوات وثلاثة أشهر، وأكمل في السجن بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة عين شمس. خرج في مطلع 2020 بعدما اكتُشف، عبر مسار بيروقراطي يكاد يبدو مصادفة وأقرب الى معجزة، أنه حوكم بوصفه بالغًا مع أنه كان قاصرًا لحظة القبض عليه. وبعد الإفراج، أدت كتاباته عن السجون إلى تحذيره من احتمال اعتقاله مجددًا، فغادر مصر. وصل إلى الولايات المتحدة عام 2022 بمنحة كاملة لدراسة الكتابة، ثم اضطر إلى مغادرتها في 2025 قبل تخرجه، بعد إدراج اسمه وصورته في موقع للتشهير بالناشطين المؤيدين لفلسطين، ومع بدء إلغاء تأشيرات طلاب واعتقال ناشطين على يد سلطات الهجرة. تبدو المفارقة حادة: كتاب كتبه صاحبه وهو يهرب من دولتين، صار، بعد عام، واحدًا من عشرة كتب تحتفي بها مؤسسة ثقافية أميركية كبرى. لهذا تبدو التجربة الأميركية في الكتاب امتدادًا طبيعيًا لحكاية السجن في مصر: خرج الجندي من الزنزانة، لكن حياة المطاردة استمرت، واضطر إلى الرحيل كلما ظن أنه وجد مكانًا يستطيع الاستقرار فيه.
دولة تتحكم في الأسماء والمسافات
في اليوم الذي قُبض فيه على الجندي، احتاجت الشرطة إلى ساعات قليلة كي تمحو الفتى الذي كان يصور اعتداءها في الشارع، وتضع مكانه في المحضر “إرهابيًا” و”عضوًا في الإخوان” و”عدوًا للدولة”. ثم اتُّهم المتظاهرون بقتل رفاقهم الذين أطلقت الشرطة النار عليهم. كان المحقق يملي قصة جاهزة، وكل ما استطاع الجندي أن يقوله: “ما حصلش”. لم تكف الجملة لدفع الاتهام أو تغيير المحضر، لكنها أبقت صوته خارج الرواية التي أرادوا إجباره على قبولها. وحين بدأ يكتب في السجن، عاد إلى الوقائع التي قلبها التحقيق، وروى ما حدث فعلًا قبل أن تصبح أوراق القضية هي النسخة الوحيدة مما حدث، سجلاً مضاداً للسجل الرسمي.
لهذا يُطلَق على جهاز السلطة اسمان متكرران: “عائلة النسر”، في إحالة ساخرة إلى الشعار الرسمي، و”الأذرع”. الضابط والحارس والمخبر والقاضي لا يظهرون دائماً كوحوش متطابقة؛ بعضهم يَرِقّ للحظة، وبعضهم يقبل رشوة، وآخر يتيح مكالمة أو يخفف قيداً. لكن تبدّل الوجوه لا يعطّل الجسد الكبير للآلة.
الذراع التي تضرب يمكن أن تحمل كيس زيارة في اليوم التالي، ثم تعود إلى انتزاع السجين من أمه. يفهم القارئ كيف تستمر المؤسسة على رغم التفاوت الأخلاقي بين أفرادها: المسؤولية موزعة، والطاعة تحوّل البشر إلى أطراف قابلة للاستبدال.
الحكم نفسه يكشف أن الغاية تتجاوز معاقبة متهم بعينه. في المحكمة يطلب الادعاء الإعدام، ثم يُحشر المتهمون داخل صندوق زجاجي عازل للصوت. لا يحتاج النظام إلى سماعهم، لأن القضية صيغت كي تُسمع خارج القاعة. الأجساد تصبح رسائل تهديد إلى جمهور آخر. يصل الجندي إلى هذه الفكرة بعد تثبيت حكم الخمسة عشر عامًا: القمع لا يكتفي بإيلام الفرد، بل يستخدم ألمه لغة عامة.
مع ذلك، يرفض الجندي رسم جماعة السجناء ككتلة نقية في مواجهة شر مطلق. هناك انقسامات بين إسلاميين ويساريين ومستقلين، ونزاعات على إدارة الزنزانة، وممارسات طبقية لا تختفي خلف الأسوار. يعترف بأنه كان يلعب بهويته الاجتماعية على الجانبين: ابن العباسية بين السجناء، وابن القاهرة الجديدة أمام الضباط. المال والسجائر والصلات العائلية تشتري زيارة وهاتفًا ومساحة تفاوض لا تتاح للجميع. هذا الاعتراف يمنح الكتاب صدقه السياسي؛ السجن يضغط الفوارق ولا يمحوها، والتضامن عمل شاق ينشأ بين المصالح والخصومات، لا فضيلة تلقائية يمنحها الاضطهاد لضحاياه.
يكشف الكتاب كيف تتحكم السلطة حتى في المسافة التي تفصل السجين عن الآخرين، كل نقل من قسم إلى سجن، ومن زنزانة إلى أخرى، يقطع ما بناه السجين من عادات وصلات ووسائل صغيرة للعيش. الطريق إلى الزيارة عقوبة أخرى تقع على الأسرة، حتى الأوراق القانونية تتحرك بإيقاع تختاره المؤسسة: حقيقة أن الجندي كان قاصرًا ظلت موجودة في الملف سنوات، لكنها بقيت بلا أثر إلى أن قررت السلطة أنها حجة صالحة لإعادة الحكم، ولا يعرف السجين أي وجه سيقابله من القانون.
الأب الذي عجز عن البقاء أبًا فقط
تقوم أقوى طبقات الكتاب على علاقة الجندي بأبيه. يفتتح الجندي بمشهد اعترافي قاس: كان ينظر إلى جسد أبيه المنهار في الزنزانة، ثم تعلم أن يمحو هذا الجسد من كتابته كي يستطيع أن يحتمل. رؤية الأب تفتح جرح الذنب؛ الابن يعتقد أنه السبب في اعتقال الرجل الذي خرج لحمايته. والأسوأ أن الأب، رمز الأمان الأول في ذاكرة الطفل، حاضر ولا يستطيع أداء الوظيفة التي يعلقها الابن عليه. الجنود يضربون الابن أمامه، ويضربونه أمام ابنه. كل واحد منهما يرى عجز الآخر.
يعيد السجن توزيع أدوارهما. يبقى “بابا” الاسم الذي يستعمله السارد، لكنه يصير رفيق زنزانة، يمرض ويخاف ويبكي ويحتاج إلى من يسنده. ينزعج من الهتاف والتمرد أحيانًا، يخطئ، يغضب، ويحاول عقد صفقات صغيرة مع الحراس. والابن الذي كان ينتظر منه الإنقاذ يكتشف أنه مضطر إلى حمايته، مع علمه أن حمايته مستحيلة. يتيح هذا التحول للكتاب الابتعاد عن صورتين مستهلكتين: الأب البطل الذي لا ينكسر، والأب الضحية الذي لا وظيفة له سوى تعظيم مأساة الابن.
أدقّ ما يقوله “هنا” عن الحب أن السلطة تستطيع تحويله إلى موضع إصابة وجراح. الأم تحمل الطعام لثلاثين سجينًا، وتنهار صحتها بين زيارتين منفصلتين للأب والابن. الزيارة التي يفترض أن تكون عزاءً تنتهي كل مرة بأذرع تسحب الجندي إلى الخلف، فيما يلوح هو وأمه حتى تختفي الأصابع. يصير التلويح وحدة زمنية تقيس ثبات الفراق وسط تبدل السجون. العائلة تنقذ السجين، وهي أيضًا الحبل الذي يشد عليه السجان كلما أراد مضاعفة الألم.
بعد خروج الأب، يستعيد دوره بطريقة مختلفة. يتتبع شكوى الابن عبر رقم واتسآب نشرته النيابة ضمن حملة دعائية، ويصر على مقابلة مسؤول، ثم يعيد ملف القاصر إلى مساره القانوني. هذه ليست خاتمة تنتصر فيها العدالة. مصير ست سنوات يتغير لأن إعلانًا صغيرًا ظهر في صحيفة، ولأن مسؤولًا قرر في صباح ما أن يستمع، بينما كانت الحقائق نفسها مدونة منذ البداية. الأب ينجح من خلال صدع عارض في الآلة؛ والآلة تظل قائمة. لذلك تبدو لحظة الإفراج مزيجًا من المعجزة والفضيحة: يستعيد الجندي عمره الصحيح في الأوراق، بينما تظل براءته غائبة عنها.
علاقة الأب والابن تمنح السيرة مقياسها الإنساني الأدق، لأنها تقاوم الترتيب المريح للأدوار. الأب الذي رافق ابنه خوفًا عليه يصبح محتاجًا إلى رعايته، والابن الذي يشعر بالذنب يضيق أحيانًا من خوف أبيه ومحاولاته للتهدئة. المحبة هنا لا تنتج انسجامًا دائمًا؛ تحت الضغط تظهر الأنانية والحنق والرغبة في الهرب من رؤية الآخر. لذلك تكتسب عودة الأب إلى متابعة الملف قيمتها من تراكم العجز السابق. يعثر الرجل أخيرًا على فعل يقدر عليه، بعدما عجز طويلًا عن حماية ابنه داخل السجن. أما كتابة الابن، التي بدأت بمحو الأب من الصفحات، فتصبح في النهاية الوسيلة التي يعيده بها إلى مركز الحكاية من دون أن يحوله إلى قديس.
أدب التفاصيل الصغيرة
يعرف الجندي أن الأرقام الكبيرة تخدر الحقيقة وقسوتها. خمسة عشر عامًا، عشرات الآلاف من المعتقلين، عشرات المتهمين في قضية واحدة؛ كلها حقائق ضرورية، لكن الكتاب يراهن على الأشياء الصغيرة: فرشة لا يتجاوز عرضها الثلاثين سنتيمترًا، تقويم أسنان ظل معلقًا في الفم ثلاث سنوات ثم نزعه طبيب بكماشة، علبة عصير تتحول إلى إناء للقهوة، هاتف يُخفى في ماسورة المرحاض، وشبكتان من السلك لا يرى السجين السماء إلا إذا ضغط جبهته بين فتحاتهما حتى يترك الحديد نقوشًا ماسية على الجلد. الدولة تملك المساحات الكبرى: المحكمة، السجن، السيارة المصفحة، والمدة المكتوبة في الحكم. أما السجين فينتزع سيادة مؤقتة على كل ثقب إبرة متاح. يصنع من زاوية ضيقة “فرشة”، ومن علبة تالفة مطبخًا، ومن فتحة الباب بريدًا وصالونًا ومسرحًا، يصنع حياة بدلا من تلك التي تقتلها الدولة، وتقتل معها أي خيال وأمل. حتى ابتسامة جماعية أمام كاميرا ملفات السجن تصبح عصيانًا؛ يطلب الحارس وجهًا منضبطًا، فيبتسم الجندي، ثم ينتقل الفعل من سجين إلى آخر. فعل صغير لكنه يخيف الحارس ويصنع ثغرة في الآلة القاتلة.
إقرأوا أيضاً:
ينظّم الكتاب زمنه بالطريقة نفسها. السرد يتقدم زمنيًا في خطوطه العامة، لكنه يتشظى إلى مقاطع تحمل أسماء عربية وإنكليزية، ورسائل، وأغانيَ، وذكريات طفولة، ومشاهد قصيرة تفصل بينها مساحات بيضاء. هذا التقطيع يحاكي خبرتين متعارضتين في السجن: الركود الطويل، واحتمال الاقتلاع المفاجئ من زنزانة استقرت فيها الحياة. قد يستيقظ السجين ليجد أن كل ما يملكه يختفي بعد نقله من سجن إلى آخر بلا إنذار. لذا لا تبني الفصول طريقًا مستقيمًا نحو الحرية؛ إنها دوائر تتّسع، ثم تعود إلى صورة أو جملة وقد تغيّر معناها.
يمنح هذا البناء كل فصل مركزًا حسيًا قبل أن ينفتح منه المعنى السياسي. يبدأ الجندي غالبًا بشيء يمكن لمسه أو سماعه: سلك، رائحة، نداء، قطعة طعام، صورة، ثم تتجمع الحكايات حول هذا الشيء. لا تأتي الفصول كوحدات مكتفية بذاتها، لأن السجن نفسه يمنع اكتمال أي تجربة؛ فالزيارات تنقطع والرسائل تتأخر، والصداقة تنتهي بنقل مفاجئ. ما يبدو في البداية تفككًا يكشف بالتدريج نظامًا دقيقًا من الاستعادات. الطعام يعود مرة كحاجة جسدية ومرة كعلاقة، والصورة تنتقل من دليل اتهام إلى وسيلة مقاومة، والباب يفصل الأحبة ثم يحمل الرسائل.
تأتي عناوين الأقسام العربية من قصيدة “العنبرة” لأحمد فؤاد نجم، التي صارت نداء السجون الذي يطلب الصمت قبل إعلان يسمعه العنبر كله. أبقاها المؤلف بالعربية داخل كتاب مكتوب بالإنكليزية، وترك عددًا من الكلمات مثل “قهر” و”غربة” و”فرشة” من دون ترجمة. فنيًا، بحسب تفسير الجندي نفسه، يجبر هذا الاختيار القارئ الإنكليزي على التخلي عن وهم الفهم التام. إنه يدخل النص كمن يضع أذنه على شباك باب زنزانة؛ يسمع، لكن موقعه خارج التجربة لا يختفي. وفي القراءة العربية يتغير الأثر: الغموض اللساني يتحول إلى ألفة، بينما يبقى الغموض الأخلاقي والسياسي قائمًا. اللغة هنا تحمل تاريخًا لا تستوعبه المقابلات القاموسية، من دون أن تتحول الكلمات العربية إلى تحف غرائبية للعرض.
الرسائل تؤدي وظيفة أخرى. السجن يريد فصل صاحبه عن الزمن الخارجي، فيما تحمل رسالة أخته رائحة عشب رُوي عند الفجر أو مطر الإسكندرية على الأسفلت. الرائحة والأغنية والنكتة تعيد وصل الحاضر بطفولة لم تعد متاحة. وفي الاتجاه المعاكس، تخرج كتابات الجندي مهربة في الملابس، فتمنحه ردود القراء دليلًا على أنه لم يتحول إلى محض رقم. كأن الكتابة وسيلة لتنظيم الفوضى، وطريقة اجتماعية لإبقاء الشخص حاضرًا في ذاكرة الآخرين.
للضحك مكان حاسم داخل هذا الاقتصاد الدقيق. يواجه أيمن، أحد السجناء، السجن بابتسامة “جوز الهند” وقصائد رديئة يتعمد رداءة نظمها. لا تخفف الطرافة حقيقة العنف ولا تقدم للقارئ استراحة محسوبة؛ إنها تربك توزيع الأدوار. يريد الحارس من السجين أن يكون خائفًا أو مطيعًا أو غاضبًا بالطريقة المتوقعة، بينما تخلق النكتة إيقاعًا لا يضبطه. لهذا يتذكر الجندي من جعلوه يضحك بقدر ما يتذكر من ضربوه. الضحك يحفظ للشخص قدرة على إنتاج معنى لا يبدأ عند الجلاد.
وتكشف خريطة الحضور النسائي حدًا آخر في السرد. فضاء السجن الذي يرويه الكتاب ذكوري على نحو شبه كامل، فيما تحمل النساء العالم الخارجي إلى أبوابه: الأم تطهو وتتنقل وترشو الحراس وتخاطر بصحتها، وسلمى تهرب الردود وتمنح أخاها لغة للرائحة والصوت، وفريدة تحفظ الرسائل، وندى تفتح في البداية باب التحول السياسي.
توزيع الأدوار نابع من واقع التجربة، تبدو بعض النساء أقرب إلى وسائط في رحلة تكون السارد. ندى، خصوصًا، تدخل بوصفها الفتاة التي قاد حبه لها إلى السياسة، ثم ينكمش حضورها بعد أن تصبح فاجعة أبيها شرارة وعيه. لا يكفي ضيق زاوية الراوي لمحو هذا الأثر تمامًا. في المقابل، تتجاوز الأم وظيفة الرمز؛ عملها اليومي يفضح كلفة السجن التي تُدفع خارج الأسوار. تمتد العقوبة إلى ساعات الطهو والانتظار والتفتيش، وإلى جسد امرأة ينهار على مقعد الزيارة بينما تمنع الأذرع ابنها من الوصول إليها. بذلك يرسم الكتاب السجن كمؤسسة توزع الأذى على الأسرة، حتى عندما لا تمنح كل أفرادها مساحة سردية متساوية.
هنا بوصفها علاقة
يسمع عبد الرحمن الجندي أغنية “سوف نبقى هنا” في الليلة الثالثة من سجنه الأول، وسط خمسة وستين جسدًا متلاصقًا. تثير الكلمات استغرابه؛ لا أحد يريد البقاء في تلك الزنزانة. يبدأ الكتاب من هذا التناقض، ثم ينقل “هنا” تدريجيًا من الجغرافيا إلى العلاقة. تظهر حين يتقاسم السجناء طعام الزيارة، وحين يحمل الجندي وأيمن صديقهما توحة بعد انهياره في إضراب الجوع، وحين تقيم الزنزانة دائرة حزن حول المحكومين بخمسة عشر عامًا، وحين تلتقي أصابع صديقين عبر سلك الباب بدل عناق أخير.
يكتب الجندي عن تدهور الجسد، ونوبات الخوف، والأفكار القهرية، والمهانة الجنسية، والتكيف الذي يخيفه لأنه يجعل الزنزانة تبدو طبيعية. حين يتنافس السجناء على أفضل موضع للنوم، أو يجمعون المال لطلاء الجدران، يشعر أن تحسين الحياة قد ينقلب إلى قبول غير معلن ببقائها. هنا تكمن معضلة الكتاب الأخلاقية: كيف يصنع المرء بيتًا مؤقتًا من دون أن يمنح السجن شرعية البيت؟ إجابته عملية وهشة. البقاء عنده تفاوض يومي مع مقدار الذات الذي يجب حمايته ومقدارها الذي ينبغي تخديره.
صداقة أيمن هي الاختبار الأوضح. ينتهي الكتاب والجندي في الخارج، بينما يكون السجن قد التهم عشرينيات أيمن كاملة. لا يستطيع الكاتب منح صديقه الأمل من دون أن يكذب، ولا اليأس من دون أن يشارك السجن في قتله. فيرسل إليه أخبار الأغاني والكتب والحفلات؛ فتات حياة، لكنه يناديه باسمه ويعيد إليه فرديته. يعرف الجندي أن الكتابة لن تُخرج أيمن من السجن. ما يستطيع فعله هو أن يظل يذكره باسمه وحكايته، وألا يتركه يتحول إلى رقم آخر في قوائم المعتقلين.
الحرية التي لا تصل إلى نهايتها
يتجنب “هنا” مشهد التحرر التقليدي. حين يحصل الجندي على بكالوريوس الهندسة لا يشعر بالنشوة المنتظرة. وحين يصدر قرار الإفراج، يضحك كمن تلقى خبرًا يخص شخصًا آخر. وبعد أن يلمس الأسفلت، تظل عضلاته تتصرف وفق هندسة الزنزانة: يتردد أمام مقابض الأبواب، يراقب الضوضاء، ويفزع من سيارة بيضاء ظنها تابعة للأمن. الجسد يحتاج زمنًا أطول كي يصدق أن حريته ليست فخًا.
تمنح هذه الفكرة خاتمة الولايات المتحدة قوتها. يحمل الجندي حياته في حقيبة إلى بيتسبرغ، ويبني بيتًا صغيرًا، ثم يرى اعتقال محمود خليل وحملات ملاحقة الطلبة المتضامنين مع فلسطين. تظهر صورته في موقع تشهير التقطها برنامج تعرف إلى الوجوه بالذكاء الاصطناعي: وهو يمسك هاتفًا ويصور. تستدعي الصورة لحظة رمسيس الأولى بصرامة فنية نادرة؛ الأداة نفسها، ووضعية الشاهد نفسها، وخوف السلطة من عين تسجل ما يحدث. قبل أن تطرق الهجرة بابه، يختار سترة جامعة بيتسبرغ لأنه يحسب، بلا وعي، ما ينبغي أن يرتديه إن اعتُقل ذلك اليوم. ثم يحجز تذكرة الرحيل.
ربط مصر بفلسطين والولايات المتحدة امتداد منطقي لرؤية الجندي السياسية عن تمويل السلطوية وانتقال تقنيات المراقبة والتصنيف.
أقوى ما يحققه “هنا” أنه لا يعرض النجاة كفضيلة فردية. صدور الكتاب ووصوله إلى قائمة جائزة كبرى قد يغريان بقراءة صعود مألوفة: فتى سجين يصبح كاتبًا معترفًا به. السيرة نفسها تهدم هذا القوس. الأب خرج قبله، وأيمن بقي خلفه، وأصدقاء آخرون خرجوا أو ماتوا أو ظلوا معلقين، والكاتب غادر وطنًا ثم غادر المنفى الذي كاد يصير وطنًا. حتى الجائزة الأميركية تأتي بينما صاحب الكتاب يعيش غربة جديدة.
“هنا” كتاب سياسي لأن مادته تكشف عمل الدولة في الجسد واللغة والعائلة، وتظهر قيمته الفنية في بنائه؛ فالسجن يتجاوز جدران الزنزانة إلى علاقة السجين بأهله ورفاقه، وأثر سنوات السجن يُروى من خلال ما تتركه في أجسادهم وحياتهم. وحين ينتهي، لا يطلب من القارئ أن يشفق على سجين بعيد. يضعه أمام سؤال أصعب: من أي “هنا” يقرأ، وماذا سيفعل بما عرفه بعد أن يغلق الكتاب؟












