ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هندسة الخوف: استراتيجية إخضاع النساء تحت الحكم “الانتقالي”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تبدو المراحل التي يتم انتهاجها واضحة نسبياً، تبدأ بمرحلة السيطرة المبكرة، قوانين “ناعمة” وإرشادات تبدأ بتعاميم أو مراسيم “غير صارمة”، تشجّع على “القيم الأخلاقية” من منظور هذه السلطات، وفي بعض الحالات إصدار توصيات بدلاً من قوانين ملزمة. الهدف تهيئة المجتمع نفسياً لفكرة أن القيود ستصبح طبيعية، مثل تجربة إيران بعد بدء سيطرة الملالي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شكّل نضال السوريات من أجل العدالة القانونية، مساراً طويلاً امتدّ الى عقود، سعين خلاله إلى تفكيك بنية القوانين التمييزية، خصوصاً قانون الأحوال الشخصية بوصفه أحد أكثرها ترسيخاً لعدم المساواة. تركّزت النضالات على إلغاء التمييز، رفع سن الزواج وحق الولاية وغيرها، لكن التحدّيات كانت كبيرة بسبب التداخل الموضوعي بين النصوص القانونية والتشريع الإسلامي والأعراف الاجتماعية. 

قانون الأحوال الشخصية، بصيغته السابقة التي حكمت حياة ملايين النساء، حرم المرأة من الولاية على أبنائها، ومن حق منح جنسيتها لهم، وقيّد حقّها في الطلاق بشروط معقّدة، مقابل سلطة مطلقة للرجل في إنهاء الزواج بإرادته المنفردة، فضلاً عن تكريسه أشكالاً متعدّدة من التمييز القانوني والاجتماعي. سوريا التي وقّعت العام 2003 على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، تحفّظت على المواد المتعلّقة بالمساواة في منح الجنسية للأطفال، وفي كل ما يتعلق بالزواج ونسب الأولاد والعلاقات الأسرية، وعلى حرية الحركة واختيار الإقامة، وكذلك الفقرة 2 التي تنصّ على بطلان زواج القاصرات (فقد اعتُبرت متناقضة مع أحكام الشريعة الإسلامية). 

كان على السوريات الانتظار حتى العام 2019 كي يُعدَّل قانون زواج القاصرات وبموجبه تحديد سن الزواج بـ 18 سنة للجنسين، مع صلاحية القاضي في تزويج من أتمّ الـ15 سنة بشرط موافقة الولي ومصلحة القاصر. كما تمّ التدرج في إلغاء قانون “جرائم الشرف” حتى الإلغاء الكامل للمادة 548 العام 2020، أي إلغاء العذر المخفّف لمرتكبي “جرائم الشرف” واعتبارها كأي جريمة قتل عادية أمام القانون.

على الرغم من التطورات الإيجابية تلك، فقد كانت الحاجة والضرورة ملحّتين لاستكمال تغيير القوانين، لكن المفارقة المؤلمة أن سقوط نظام الأسد، الذي راهنت عليه قطاعات واسعة بوصفه لحظة محتملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس أكثر عدالة، لم يفتح أفقاً حقيقياً لتحسين أوضاع النساء، بل على العكس كشف عن تراجع مقلق في مكتسباتهن المحدودة أصلاً. الحكومة المؤقتة التي أدّت اليمين في آذار/ مارس 2025، ضمّت امرأة واحدة من أصل ثلاثة وعشرين وزيراً، في مؤشر واضح إلى استمرار إقصاء النساء من مواقع صنع القرار. كما تبدّت محاولات السلطات الجديدة السيطرة على أجساد النساء وحضورهن في الفضاء العام عن طريق توجيهات وقرارات وتصريحات وتعميمات عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، التعميم رقم 284 الصادر عن مدير مستشفى المواساة بدمشق، والذي يقضي بفصل أماكن الجلوس بين الذكور والإناث داخل المستشفى، بحيث يجلس الرجال في الأمام والنساء في الخلف مهما كانت صفاتهم الوظيفية أو الطبية، وذلك “بناء على مقتضيات المصلحة العامة” حسب نص القرار المتداول.

في ظل هذا الواقع، لا يزال غياب قانون شامل لحماية النساء من العنف، من الزواج القسري ومن التمييز، واحداً من أكثر أوجه الخلل فداحة. هكذا، تجد النساء السوريات أنفسهن اليوم في مواجهة العودة إلى بدايات النضال، إذ تُعاد صياغة الدولة من دونهن وتُدار المرحلة الانتقالية على حساب حقوقهن الأساسية وتمثيلهنّ وفاعليتهنّ.

إقصاء النساء من الفضاء العام

عموماً، يُنظر إلى النساء الموجودات اليوم في مواقع صنع القرار خلال المرحلة الانتقالية، وعلى قلّتهن بل ندرتهنّ، بوصفهنّ أدوات عليها الترويج لسياسات الحكومة الانتقالية، يلتزمن بتنفيذ المطلوب منهنّ مقابل البقاء ضمن هذه المنظومة وبما يخدم خطابها الدعائي. على سبيل المثال، أدلت مديرة مكتب شؤون المرأة، عائشة الدبس، بتصريحات دعت فيها المرأة السورية إلى عدم تجاوز ما اعتبرته “أولويات فطرتها التي فطرها الله، وهي دورها التربوي في أسرتها”، وحصر دورها في الإطار التربوي والأسري، كما أكدت في مقابلة إعلامية أن عمل المنظمات النسوية مستقبلاً يجب أن يدعم “النموذج” الذي تعمل الحكومة على بنائه.

وفيما تصاعد الحديث عن ملف المختطفات العلويات وتمّ تداوله على نطاق واسع، سارعت الحكومة الانتقالية، عبر لجنة شكّلتها وزارة الداخلية، إلى نفي كل هذه الانتهاكات وادّعت عدم وجود حالات اختطاف للنساء، بل واتهمت المختطفات بشرفهن الاجتماعي والتزاماتهن الأسرية، مدّعية أنهن يهربن مع عشاقهن أو يغادرن أسرهن لأسباب اقتصادية، وذلك في تقرير العار الذي أصدرته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. 

وعلى الرغم من أن هذا الملف بشكل خاص يدخل ضمن صلاحياتها المباشرة، لم تصدر وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، أي موقف علني أو تصريح معارض لما يُرتكب بحق نساء سوريات. حدث الأمر ذاته كذلك في ما يخص ملف المختطفات الدرزيات إثر المجازر الإبادية بحق السويداء في تموز/ يوليو 2025. جوّ من التواطؤ، الصامت أحياناً والجهري السافر أحياناً أخرى، يجعل السلطة تتحوّل إلى شريك فعليّ في إنتاج سطوة الخوف. خطف ممنهج للعلويات تحت مرأى ومسمع السلطات المؤقتة ومشاركتها، سواء أكان ذلك بإنكار عمليات الاختطاف أو مشاركة عناصرها في كثير من الحالات، غضّ النظر عن أفراد أو مجموعات مسلّحة محسوبة عليها، إنكار أو تجاهل بلاغات الخطف، أو بالصمت أو بعدم جديتها الواضحة في التعامل مع ملف خطير كهذا. 

في سوريا اليوم، تُسلب النساء حقوقَهن مرّتين: مرّة عند تغييب أجسادهن قسراً وإجبار الأهل على الصمت، ومرّة حين تُسلب منهن صفة الضحية، ويُجبَرن على سردية مهينة ويتم تحميلهن مسؤوليّة الاختفاء. مرحلة جديدة من العنف، لا تتوقف عند الجسد، بل تنتقل إلى صناعة سردية الضحية ذاتها بحسب رواية الجلاد.

استراتيجية التدرّج في قمع النساء

أسلوب التدرّج النفسي والاجتماعي للسلطات الدينية القمعية يقوم على تجريع المجتمع تدريجياً أشكال قيده، يبدأ في المؤسسات الرسمية ثم يمتد الى المجتمع، ثم يصبح قانونياً ودستورياً، هدفه التحكّم بالنساء وتثبيت هيمنة السلطة الدينية على المجتمع. تبدو المراحل التي يتم انتهاجها واضحة نسبياً، تبدأ بمرحلة السيطرة المبكرة، قوانين “ناعمة” وإرشادات تبدأ بتعاميم أو مراسيم “غير صارمة”، تشجّع على “القيم الأخلاقية” من منظور هذه السلطات، وفي بعض الحالات إصدار توصيات بدلاً من قوانين ملزمة. الهدف تهيئة المجتمع نفسياً لفكرة أن القيود ستصبح طبيعية، مثل تجربة إيران بعد بدء سيطرة الملالي 1979 وتشجيع الموظفات في القطاع العام على ارتداء الحجاب قبل فرضه قانونياً، وكذا طالبان في أفغانستان 1996 حين بدأت مع التعليم في المدارس والمؤسسات الرسمية قبل منع النساء من العمل بالكامل. 

إصدار القرار أو القانون بشكل أولي، قرار تجريبي، يهدف إلى تطبيق القانون بدون صدام مباشر مع المجتمع. وعلى هدى تجارب البلاد الأخرى، يبدو أن الحكومة الانتقالية في سوريا اليوم تنتهج النهج ذاته. على سبيل المثال: التعميم الذي يحمل توقيع محافظ اللاذقية بتاريخ 25 كانون الثاني/ يناير 2026 الموجّه إلى جميع الجهات العامة بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال أوقات الدوام الرسمي، كما أصدرت وزارة السياحة السورية في حزيران/ يونيو 2025، توجيهات رسمية تتعلق بلباس النساء في الشواطئ والمسابح العامة، حيث يُطلب منهن ارتداء لباس سباحة محتشم يغطّي الجسم بشكل أكبر مثل “البوركيني”، وشدّدت التوجيهات على احترام “الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”.

هنا تأتي مرحلة رصد ردود الفعل على السوشيال ميديا والإعلام المحلي والدولي، ويبدأ التبرير وإعادة الصياغة و”شرح” القرار بطريقة مخفّفة لإعطائه بعداً أخلاقياً أو دينياً وظيفياً، بمعنى أن “هدفنا هو حماية القيم الأخلاقية” أو “هذا مجرد تنظيم لبيئة العمل”، والنتيجة تقلّ الانتقادات نسبياً، الناس تبدأ في التكيف النفسي مع القرار. الهدف هنا معرفة نقاط الرفض والقبول، وقياس مقاومة المجتمع، لكن التعميم أو القرار نفسه يظل معمولاً به، وتتعوّد الناس على وجوده بشكل تدريجي.

ثم تأتي مرحلة التصعيد أو التشديد التدريجي، بعد فترة قد يأتي القرار الأصعب أو الأوسع، لكن الناس تكون مهيأة نفسياً لقبوله بسبب التدرج السابق، أي القوانين الصريحة بعد تثبيت السلطة، تبدأ الحكومة أو اللجنة الدينية بإصدار قوانين واضحة: إلزاميات محددة ومنع بعض الأنشطة أو السلوكيات “غير اللائقة”، وهنا من الممكن أن تكون السلوكيات “غير اللائقة” طبيعية واعتيادية في حياة النساء اليومية. مثلما عملت سلطة الملالي في إيران عبر قانون “إلزام الحجاب” العام 1981 مع عقوبات على المخالفات، وفي أفغانستان تحت حكم طالبان. البداية كانت مع مدارس البنات وقطاعات محددة، ثم توسع لاحقاً ليشمل جميع النساء. هذه المرحلة تجلّت في الحاضر السوري بإصدار التعميم رقم (17) بتاريخ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 عن وزارة العدل السورية، وبدأ تطبيقه مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025، وينصّ على حصر الولاية على “نفس القاصر” في الأمور الشخصية والقانونية بالعصبة من جهة الأب، الأب أولًا، ثم الجد من جهة الأب، ثم الأخ الشقيق، وهكذا.. أما الأم فهي غير مذكورة كوليّة على القاصر نفسه حتى لو كانت الحاضنة أو المعنية برعاية الطفل، ما يعني عملياً أن الأم لا تحصل تلقائياً على الولاية القانونية على أطفالها!  

ثم تأتي مرحلة تثبيت القرار، فالقرار نفسه يظل معمولاً به بدون تراجع، حتى لو انتقده البعض، عبر آليات نشر تعليمات رسمية، متابعة الالتزام، فرض عقوبات خفيفة. النتيجة، يبدأ المجتمع في تقبّل وجود القانون بشكل تدريجي. ثم تأتي مرحلة العقوبات والمراقبة بعد التأقلم التدريجي، مثل الغرامات، حرمان من الوظائف أو منع من الأماكن العامة. الهدف تطبيع السيطرة اليومية على حياة النساء في الفضاء العام وإجبارهن على الالتزام بالقواعد. يكون المجتمع هنا مهيئأ نفسياً لقبول القيود الأكبر بسبب التدرج السابق، وتصبح القيود جزءاً من الحياة اليومية.

ثم تأتي المرحلة الرمزية والدستورية، إدخال القوانين في الدستور أو السياسات الوطنية لتصبح رمزاً لهوية الدولة. الهدف هو جعل القيود مقدسة قانونياً ودينياً، وأي انتقاد لها يصبح انتقاداً للدين أو الدولة. كما جعل الدستور الإيراني بعد 1989 الالتزام بالحجاب جزءاً من القيم الوطنية والدينية، وثمة تجارب كثيرة لدول تحت حكم ديني متشدّد تُدرج “أخلاق المجتمع” في المواد الدستورية أو قوانين العمل باعتبارها بديهيات “مقدّسة”.

العملية ليست اعتباطية ولا طارئة، بل استراتيجية نفسية واجتماعية مدروسة ملخصها التهيئة النفسية والاجتماعية للمجتمع عبر الإرشاد والتشجيع، ثم قوانين جزئية تجريبية عبر مراسيم وتعاميم، ثم عقوبات ومراقبة يومية ثم تثبيت دستوري ورمزي لجعلها جزءاً من الهوية الوطنية والدينية.

نهاية، يبدو أن نضالات النساء السوريات في سبيل صنع حاضر ومستقبل أفضل على الصعيد القانوني والاجتماعي، ستمرّ بتحدّيات كبيرة مقبلة، ليس أولها مقارعة سلطة تحاول تجذير نفسها في البلاد بالمعنى السياسي والقانوني والثقافي، متكئة على الدين والشريعة وعلى مجتمع هشّ خارج من حرب طويلة الأمد، وعلى بروباغندا تزداد عتاوة، وليس آخرها الحرب ضد قطاعات كبيرة من المجتمعات السورية تجد الفرصة سانحة الآن لتكريس الهيمنة على النساء وأجسادهن وحضورهن في الفضاء العام. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…

تبدو المراحل التي يتم انتهاجها واضحة نسبياً، تبدأ بمرحلة السيطرة المبكرة، قوانين “ناعمة” وإرشادات تبدأ بتعاميم أو مراسيم “غير صارمة”، تشجّع على “القيم الأخلاقية” من منظور هذه السلطات، وفي بعض الحالات إصدار توصيات بدلاً من قوانين ملزمة. الهدف تهيئة المجتمع نفسياً لفكرة أن القيود ستصبح طبيعية، مثل تجربة إيران بعد بدء سيطرة الملالي.

شكّل نضال السوريات من أجل العدالة القانونية، مساراً طويلاً امتدّ الى عقود، سعين خلاله إلى تفكيك بنية القوانين التمييزية، خصوصاً قانون الأحوال الشخصية بوصفه أحد أكثرها ترسيخاً لعدم المساواة. تركّزت النضالات على إلغاء التمييز، رفع سن الزواج وحق الولاية وغيرها، لكن التحدّيات كانت كبيرة بسبب التداخل الموضوعي بين النصوص القانونية والتشريع الإسلامي والأعراف الاجتماعية. 

قانون الأحوال الشخصية، بصيغته السابقة التي حكمت حياة ملايين النساء، حرم المرأة من الولاية على أبنائها، ومن حق منح جنسيتها لهم، وقيّد حقّها في الطلاق بشروط معقّدة، مقابل سلطة مطلقة للرجل في إنهاء الزواج بإرادته المنفردة، فضلاً عن تكريسه أشكالاً متعدّدة من التمييز القانوني والاجتماعي. سوريا التي وقّعت العام 2003 على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، تحفّظت على المواد المتعلّقة بالمساواة في منح الجنسية للأطفال، وفي كل ما يتعلق بالزواج ونسب الأولاد والعلاقات الأسرية، وعلى حرية الحركة واختيار الإقامة، وكذلك الفقرة 2 التي تنصّ على بطلان زواج القاصرات (فقد اعتُبرت متناقضة مع أحكام الشريعة الإسلامية). 

كان على السوريات الانتظار حتى العام 2019 كي يُعدَّل قانون زواج القاصرات وبموجبه تحديد سن الزواج بـ 18 سنة للجنسين، مع صلاحية القاضي في تزويج من أتمّ الـ15 سنة بشرط موافقة الولي ومصلحة القاصر. كما تمّ التدرج في إلغاء قانون “جرائم الشرف” حتى الإلغاء الكامل للمادة 548 العام 2020، أي إلغاء العذر المخفّف لمرتكبي “جرائم الشرف” واعتبارها كأي جريمة قتل عادية أمام القانون.

على الرغم من التطورات الإيجابية تلك، فقد كانت الحاجة والضرورة ملحّتين لاستكمال تغيير القوانين، لكن المفارقة المؤلمة أن سقوط نظام الأسد، الذي راهنت عليه قطاعات واسعة بوصفه لحظة محتملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس أكثر عدالة، لم يفتح أفقاً حقيقياً لتحسين أوضاع النساء، بل على العكس كشف عن تراجع مقلق في مكتسباتهن المحدودة أصلاً. الحكومة المؤقتة التي أدّت اليمين في آذار/ مارس 2025، ضمّت امرأة واحدة من أصل ثلاثة وعشرين وزيراً، في مؤشر واضح إلى استمرار إقصاء النساء من مواقع صنع القرار. كما تبدّت محاولات السلطات الجديدة السيطرة على أجساد النساء وحضورهن في الفضاء العام عن طريق توجيهات وقرارات وتصريحات وتعميمات عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، التعميم رقم 284 الصادر عن مدير مستشفى المواساة بدمشق، والذي يقضي بفصل أماكن الجلوس بين الذكور والإناث داخل المستشفى، بحيث يجلس الرجال في الأمام والنساء في الخلف مهما كانت صفاتهم الوظيفية أو الطبية، وذلك “بناء على مقتضيات المصلحة العامة” حسب نص القرار المتداول.

في ظل هذا الواقع، لا يزال غياب قانون شامل لحماية النساء من العنف، من الزواج القسري ومن التمييز، واحداً من أكثر أوجه الخلل فداحة. هكذا، تجد النساء السوريات أنفسهن اليوم في مواجهة العودة إلى بدايات النضال، إذ تُعاد صياغة الدولة من دونهن وتُدار المرحلة الانتقالية على حساب حقوقهن الأساسية وتمثيلهنّ وفاعليتهنّ.

إقصاء النساء من الفضاء العام

عموماً، يُنظر إلى النساء الموجودات اليوم في مواقع صنع القرار خلال المرحلة الانتقالية، وعلى قلّتهن بل ندرتهنّ، بوصفهنّ أدوات عليها الترويج لسياسات الحكومة الانتقالية، يلتزمن بتنفيذ المطلوب منهنّ مقابل البقاء ضمن هذه المنظومة وبما يخدم خطابها الدعائي. على سبيل المثال، أدلت مديرة مكتب شؤون المرأة، عائشة الدبس، بتصريحات دعت فيها المرأة السورية إلى عدم تجاوز ما اعتبرته “أولويات فطرتها التي فطرها الله، وهي دورها التربوي في أسرتها”، وحصر دورها في الإطار التربوي والأسري، كما أكدت في مقابلة إعلامية أن عمل المنظمات النسوية مستقبلاً يجب أن يدعم “النموذج” الذي تعمل الحكومة على بنائه.

وفيما تصاعد الحديث عن ملف المختطفات العلويات وتمّ تداوله على نطاق واسع، سارعت الحكومة الانتقالية، عبر لجنة شكّلتها وزارة الداخلية، إلى نفي كل هذه الانتهاكات وادّعت عدم وجود حالات اختطاف للنساء، بل واتهمت المختطفات بشرفهن الاجتماعي والتزاماتهن الأسرية، مدّعية أنهن يهربن مع عشاقهن أو يغادرن أسرهن لأسباب اقتصادية، وذلك في تقرير العار الذي أصدرته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. 

وعلى الرغم من أن هذا الملف بشكل خاص يدخل ضمن صلاحياتها المباشرة، لم تصدر وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، أي موقف علني أو تصريح معارض لما يُرتكب بحق نساء سوريات. حدث الأمر ذاته كذلك في ما يخص ملف المختطفات الدرزيات إثر المجازر الإبادية بحق السويداء في تموز/ يوليو 2025. جوّ من التواطؤ، الصامت أحياناً والجهري السافر أحياناً أخرى، يجعل السلطة تتحوّل إلى شريك فعليّ في إنتاج سطوة الخوف. خطف ممنهج للعلويات تحت مرأى ومسمع السلطات المؤقتة ومشاركتها، سواء أكان ذلك بإنكار عمليات الاختطاف أو مشاركة عناصرها في كثير من الحالات، غضّ النظر عن أفراد أو مجموعات مسلّحة محسوبة عليها، إنكار أو تجاهل بلاغات الخطف، أو بالصمت أو بعدم جديتها الواضحة في التعامل مع ملف خطير كهذا. 

في سوريا اليوم، تُسلب النساء حقوقَهن مرّتين: مرّة عند تغييب أجسادهن قسراً وإجبار الأهل على الصمت، ومرّة حين تُسلب منهن صفة الضحية، ويُجبَرن على سردية مهينة ويتم تحميلهن مسؤوليّة الاختفاء. مرحلة جديدة من العنف، لا تتوقف عند الجسد، بل تنتقل إلى صناعة سردية الضحية ذاتها بحسب رواية الجلاد.

استراتيجية التدرّج في قمع النساء

أسلوب التدرّج النفسي والاجتماعي للسلطات الدينية القمعية يقوم على تجريع المجتمع تدريجياً أشكال قيده، يبدأ في المؤسسات الرسمية ثم يمتد الى المجتمع، ثم يصبح قانونياً ودستورياً، هدفه التحكّم بالنساء وتثبيت هيمنة السلطة الدينية على المجتمع. تبدو المراحل التي يتم انتهاجها واضحة نسبياً، تبدأ بمرحلة السيطرة المبكرة، قوانين “ناعمة” وإرشادات تبدأ بتعاميم أو مراسيم “غير صارمة”، تشجّع على “القيم الأخلاقية” من منظور هذه السلطات، وفي بعض الحالات إصدار توصيات بدلاً من قوانين ملزمة. الهدف تهيئة المجتمع نفسياً لفكرة أن القيود ستصبح طبيعية، مثل تجربة إيران بعد بدء سيطرة الملالي 1979 وتشجيع الموظفات في القطاع العام على ارتداء الحجاب قبل فرضه قانونياً، وكذا طالبان في أفغانستان 1996 حين بدأت مع التعليم في المدارس والمؤسسات الرسمية قبل منع النساء من العمل بالكامل. 

إصدار القرار أو القانون بشكل أولي، قرار تجريبي، يهدف إلى تطبيق القانون بدون صدام مباشر مع المجتمع. وعلى هدى تجارب البلاد الأخرى، يبدو أن الحكومة الانتقالية في سوريا اليوم تنتهج النهج ذاته. على سبيل المثال: التعميم الذي يحمل توقيع محافظ اللاذقية بتاريخ 25 كانون الثاني/ يناير 2026 الموجّه إلى جميع الجهات العامة بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال أوقات الدوام الرسمي، كما أصدرت وزارة السياحة السورية في حزيران/ يونيو 2025، توجيهات رسمية تتعلق بلباس النساء في الشواطئ والمسابح العامة، حيث يُطلب منهن ارتداء لباس سباحة محتشم يغطّي الجسم بشكل أكبر مثل “البوركيني”، وشدّدت التوجيهات على احترام “الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”.

هنا تأتي مرحلة رصد ردود الفعل على السوشيال ميديا والإعلام المحلي والدولي، ويبدأ التبرير وإعادة الصياغة و”شرح” القرار بطريقة مخفّفة لإعطائه بعداً أخلاقياً أو دينياً وظيفياً، بمعنى أن “هدفنا هو حماية القيم الأخلاقية” أو “هذا مجرد تنظيم لبيئة العمل”، والنتيجة تقلّ الانتقادات نسبياً، الناس تبدأ في التكيف النفسي مع القرار. الهدف هنا معرفة نقاط الرفض والقبول، وقياس مقاومة المجتمع، لكن التعميم أو القرار نفسه يظل معمولاً به، وتتعوّد الناس على وجوده بشكل تدريجي.

ثم تأتي مرحلة التصعيد أو التشديد التدريجي، بعد فترة قد يأتي القرار الأصعب أو الأوسع، لكن الناس تكون مهيأة نفسياً لقبوله بسبب التدرج السابق، أي القوانين الصريحة بعد تثبيت السلطة، تبدأ الحكومة أو اللجنة الدينية بإصدار قوانين واضحة: إلزاميات محددة ومنع بعض الأنشطة أو السلوكيات “غير اللائقة”، وهنا من الممكن أن تكون السلوكيات “غير اللائقة” طبيعية واعتيادية في حياة النساء اليومية. مثلما عملت سلطة الملالي في إيران عبر قانون “إلزام الحجاب” العام 1981 مع عقوبات على المخالفات، وفي أفغانستان تحت حكم طالبان. البداية كانت مع مدارس البنات وقطاعات محددة، ثم توسع لاحقاً ليشمل جميع النساء. هذه المرحلة تجلّت في الحاضر السوري بإصدار التعميم رقم (17) بتاريخ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 عن وزارة العدل السورية، وبدأ تطبيقه مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025، وينصّ على حصر الولاية على “نفس القاصر” في الأمور الشخصية والقانونية بالعصبة من جهة الأب، الأب أولًا، ثم الجد من جهة الأب، ثم الأخ الشقيق، وهكذا.. أما الأم فهي غير مذكورة كوليّة على القاصر نفسه حتى لو كانت الحاضنة أو المعنية برعاية الطفل، ما يعني عملياً أن الأم لا تحصل تلقائياً على الولاية القانونية على أطفالها!  

ثم تأتي مرحلة تثبيت القرار، فالقرار نفسه يظل معمولاً به بدون تراجع، حتى لو انتقده البعض، عبر آليات نشر تعليمات رسمية، متابعة الالتزام، فرض عقوبات خفيفة. النتيجة، يبدأ المجتمع في تقبّل وجود القانون بشكل تدريجي. ثم تأتي مرحلة العقوبات والمراقبة بعد التأقلم التدريجي، مثل الغرامات، حرمان من الوظائف أو منع من الأماكن العامة. الهدف تطبيع السيطرة اليومية على حياة النساء في الفضاء العام وإجبارهن على الالتزام بالقواعد. يكون المجتمع هنا مهيئأ نفسياً لقبول القيود الأكبر بسبب التدرج السابق، وتصبح القيود جزءاً من الحياة اليومية.

ثم تأتي المرحلة الرمزية والدستورية، إدخال القوانين في الدستور أو السياسات الوطنية لتصبح رمزاً لهوية الدولة. الهدف هو جعل القيود مقدسة قانونياً ودينياً، وأي انتقاد لها يصبح انتقاداً للدين أو الدولة. كما جعل الدستور الإيراني بعد 1989 الالتزام بالحجاب جزءاً من القيم الوطنية والدينية، وثمة تجارب كثيرة لدول تحت حكم ديني متشدّد تُدرج “أخلاق المجتمع” في المواد الدستورية أو قوانين العمل باعتبارها بديهيات “مقدّسة”.

العملية ليست اعتباطية ولا طارئة، بل استراتيجية نفسية واجتماعية مدروسة ملخصها التهيئة النفسية والاجتماعية للمجتمع عبر الإرشاد والتشجيع، ثم قوانين جزئية تجريبية عبر مراسيم وتعاميم، ثم عقوبات ومراقبة يومية ثم تثبيت دستوري ورمزي لجعلها جزءاً من الهوية الوطنية والدينية.

نهاية، يبدو أن نضالات النساء السوريات في سبيل صنع حاضر ومستقبل أفضل على الصعيد القانوني والاجتماعي، ستمرّ بتحدّيات كبيرة مقبلة، ليس أولها مقارعة سلطة تحاول تجذير نفسها في البلاد بالمعنى السياسي والقانوني والثقافي، متكئة على الدين والشريعة وعلى مجتمع هشّ خارج من حرب طويلة الأمد، وعلى بروباغندا تزداد عتاوة، وليس آخرها الحرب ضد قطاعات كبيرة من المجتمعات السورية تجد الفرصة سانحة الآن لتكريس الهيمنة على النساء وأجسادهن وحضورهن في الفضاء العام.