“طفي الكاميرا وشو ما بدك إعمل”…
جملة تناقلتها غروبات “واتساب” سورية، في حين نقلت لنا فيديوهات مشاهد مروّعة من السويداء.
محاولات البعض تفادي توثيق الانتهاكات من قِبل مرتكبيها غالباً ما تفشل، فهؤلاء المرتكبون يريدوننا أن نرى ما يقترفون. ليست المرّة الأولى التي يتباهى فيها غزاة طائفيون بتصوير أفعالهم، ومع سهولة التسجيل والنشر بات الأمر وكأنه هو جوهر القتل والتنكيل، أي أن نتباهى بما نرتكب.
مشاهد القتل والإذلال الطائفي ليست جديدة في هذا الجزء المنكوب من العالم، لكنّها في كلّ مرّة تزداد قسوة وعبثية. في الأيّام الأخيرة تعرّضت قرى درزية في السويداء لهجوم من مسلّحين من عشائر البدو، يرافقهم عناصر موالون للنظام الحاكم في دمشق، أسفر عن مجازر وانتهاكات وعمليّات نهب تخلّلتها شعارات طائفية فجّة.
توسّعت دائرة العبث لتسجّل عمليّات تنكيل طالت مجموعات من أبناء عشائر البدو، لا تختلف كثيراً في قسوتها عن البدايات. ما بدأ كاجتياح مدعوم من السلطة، انتهى إلى دورة انتقام متجدّدة بين جماعات تستدرج بعضها بعضاً إلى الجحيم.
في النزاعات الطائفية، يصبح العنف وسيلة لإثبات الولاء للجماعة، والتفوّق على العدو، وحتى نيل “الشرعية”. هنا، لا يُنظر إلى القتل كجريمة، بل كطقس عبور إلى عضوية كاملة في الجماعة. التباهي بالقتل يصبح شكلاً من أشكال عرض الولاء.
حين يترسّخ الانقسام وتفشل السياسة وتذوي المواطنة، يُعاد تعريف العدوّ كـ”شيء” لا كـ”إنسان”، ويُمحى الشعور بالذنب. التباهي هنا ليس مجرّد استعراض، بل يعكس قناعة داخلية بأن ما يُرتكب هو “بطولة”. هذه آلية نفسية تُعرف بـ”نزع الإنسانية عن الآخر”، وتُسهّل القتل والتنكيل، ثم التفاخر به دون تردّد.
هؤلاء الغزاة لا يوثّقون فقط للذكرى، بل لبثّ الرعب، لقول “نحن من نقرّر من يعيش ومن يُهان”. نشر مقاطع التعذيب أو الإذلال يشبه الرسائل الموجّهة إلى الجماعات الأخرى: نحن الأقوى، ويجب أن تخضعوا.
في هذه المساحات شبه المغلقة، ينشأ ما يشبه “الاقتصاد الرمزي للعنف” – كلّ مقطع جديد، كلّ صورة ضحية جديدة، ترفع من شأن المقاتل ضمن منطق “الأكثر شراسة”. يتم إنتاج “شهرة داخلية” واعتراف ضمن الجماعة، مما يشجّع على المزيد.
حين يختفي القانون، ويصبح السلاح هو الحاكم، لا يعود هناك دافع لإخفاء الجريمة. بل العكس: الجريمة المعلنة تصبح دليلاً على القوّة. الإفلات من العقاب لا يشجّع فقط على ارتكاب الفظائع، بل يجعل إعلانها وسيلة لتعزيز المكانة.
ليس صعباً التحقّق من الخلفيّات التي وصل منها الغزاة الذين شاهدنا فيديوهاتهم مؤخّراً. كثير منهم عاشوا التهميش، والفقر، والإذلال، وقد يكون التباهي بما يفعلونه شكلاً من أشكال “الانتقام” من شعورهم القديم بالضعف. يُمارسون العنف كطريقة لاستعادة السيطرة على مصيرهم، ولكن بثمن مرعب.
هي دوامة موت وانتقام، من كان ضحيّة اليوم يصبح جلّاداً في الغد، وهكذا تستمرّ دواليب القتل على نحو بالغ العبثية. أصوات الغضب، والكراهية، والإذلال، لا تُخطئها الأذن، وهي تُحيل المشهد السوري من جديد إلى لحظة انحطاط تتكرّر بلا نهاية، تتبدّل فيها الأدوار بسرعة، لكن تبقى الهوّيات المسلّحة سيّدة الموقف، والكرامة مدفونة تحت ركام الثأر.
هذه الحلقة الجهنمية من العنف، التي تتكرّر بنسخ متطابقة تقريباً في سوريا ولبنان والعراق وأماكن أخرى، تكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها المشرق العربي: أزمة هوّيات لم تعد مجرّد انتماءات ثقافية أو دينية، بل تحوّلت إلى أدوات قتل، ومشاريع سياسية بديلة للدولة، ونُظُم “عدالة” ثأرية لا تنتهي.
الهوّية حين تُختزل تصبح قاتلة.
في كتابه “الهوّيات القاتلة”، يقول أمين معلوف: “حين يُطلب من الإنسان أن يختزل ذاته إلى انتماء واحد، فذلك هو الطريق الأقصر نحو القتل”.
وهذا تماماً ما يحدث، لا يُنظر إلى الشخص باعتباره إنساناً، أو حتى مواطناً، بل يُختزل إلى “درزي” أو “بدوي” أو “سنّي” أو “شيعي”، فيُحمَّل وزر جماعته كاملة، ويُعاقب على هوّيته، لا على أفعاله.
في هذه البيئات، لم تعد الهوّية مأوى نفسياً أو ثقافياً، بل تحوّلت إلى نظام تعبئة وإقصاء وتحريض. إنها ليست مجرّد سردية انتساب، بل مشروع للنجاة من الانهيار، حتى لو كان الثمن هو إعدام الآخر المختلف، أو إذلاله. وبينما تُنهك المجتمعات اقتصادياً، ويفقد الأفراد ثقتهم بأي مؤسّسة رسمية، تصبح العصبية الطائفية ملاذاً أخيراً للانتماء… وسلاحاً.
ما حدث في السويداء ليس إلا امتداداً لنهج تتقنه الأنظمة والجماعات المسلّحة في سوريا والعراق ولبنان: إضعاف الدولة بوصفها هوّية جامعة عادلة لأبناء البلد بصرف النظر عن هوّياتهم، لصالح تقوية الهوّيات الفرعية.
في العراق، شكّل حكم البعث ولاحقاً الاحتلال الأميركي نقطة تحوّل كبرى، حين أُعيد بناء النظام السياسي على أساس المحاصصة الطائفية، مما أسّس لعقود من الاحتراب الأهلي المتكرّر: من تفجيرات “القاعدة” في الأحياء الشيعية، إلى اجتياح “الحشد الشعبي” للقرى السنّية بحجج الثأر. والنتيجة؟ لا عدالة، لا ذاكرة مشتركة، بل شعور جماعي بالظلم يغذّي مزيداً من العنف.
أما في لبنان، فالحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً لم تنتهِ فعلياً، بل جُمِّدت باتّفاق سياسي كرّس الزعامات الطائفية وشرعن المحاصصة. انتهت الحرب لتكرّس منطق الغلبة والهيمنة المسلّحة، التي ضخّمها نظاما طهران ودمشق فجعلا سلاح “حزب الله” سلاحا مذهبياً وأداة حكم تدور حولها الطوائف الأخرى. أي خلاف سياسي أو أمني، حتى لو كان محلّياً أو مطلبياً، لا يلبث أن يُترجم إلى صدام طائفي. كلّ شيء قابل للانفجار عند أي تصدّع في توازن الخوف.
في كتابه “الهوّيات القاتلة”، يطرح أمين معلوف رؤيته بأن الهوّية ليست كياناً جامداً أو معطى فطرياً، بل هي نسيج متعدّد الطبقات، وهي لا تتحوّل إلى “قاتلة” إلا حين يتمّ اختزالها في بُعد واحد—كالانتماء الديني أو الطائفي أو القومي— فيصبح الإنسان أسيراً لهذا البُعد، ويبدأ في النظر إلى الآخر كتهديد وجودي، “حين يشعر الناس أن انتماءهم مهدّد، يتشبّثون به حتى يتحوّل إلى سلاح”.
أي لا مشكلة في الانتماء بحدّ ذاته، من حقّ أي كان أن يفخر بدرزيته وسنّيته وعلويته وشيعيته ومسيحيته، لكنّ الحدّ هو كيف لا يتحوّل هذا الانتماء الى جدار فصل سلوكي ونفسي بين الناس. من الرائع أن ندرك تعدّدية الهوّيات داخل كلّ منّا، كي لا تتحوّل هذه التعدّدية إلى وقود للصراع.
في مقالاته ومداخلاته الفكرية، يناقش صادق جلال العظم خاصّة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، مسألة الطائفية لا بوصفها موروثاً دينياً، بل بوصفها بنية سياسية تُنتَج ويتمّ استخدامها لتقاسم السلطة. يرى العظم أن الطائفة تصبح خطرة حين تتحوّل إلى كيان سياسي، وأن الخطر الأكبر يتمثّل في تطييف الدولة ذاتها، “كلّما ضعفت الدولة الوطنية، عاد الناس إلى الطائفة، لا لأنهم يحبونها، بل لأنها تحميهم”.
في لبنان غرقنا في وحول المصالح التي جعلت من الطائفية بديهة ثقافية واجتماعية، تصوغ الولاءات والعلاقات اليومية، وتُقصي فكرة المواطنة لصالح الانتماء “الأولي”. في السياق اللبناني لا تحتاج السلطات دائماً إلى القمع، فهي تنجح أكثر عندما تجعل الناس يعتقدون أن ما هو قائم هو طبيعي، أو قدَر.
تكمن خطورة هذا النمط في قابليته للتكرار دون نهاية، لأنه لا يعتمد فقط على الظرف السياسي، بل يغرس نفسه في التربية، في الإعلام، في الذاكرة الجماعية. وكأننا أمام مجتمعات لا تنتج سردية وطنية مشتركة، بل روايات متوازية، تتصارع بدلاً من أن تتحاور.
الأخطر أن هذا العنف لا يُنتج فقط الموت، بل يُنتج أجيالاً كاملة ترى في الانتقام العدالة، وفي الانتماء الطائفي هوّية أبدية.
لا خلاص لهذا المشرق إذا استمرّت الشعوب تعيش داخل سجون هوّياتها. فالانتماء الديني أو العشائري لا ينبغي أن يكون تذكرة عبور نحو السلطة أو مبرّراً للقتل، ولا أداة لحماية النفس. لا بدّ من مشروع سياسي جديد يُعيد الاعتبار للمواطنة لا باعتبارها مجرّد ورقة قانونية، بل كعقد أخلاقي مشترك.
الصراع في السويداء، كما في كلّ بقعة أخرى، لن يُحلّ عبر التفوّق العسكري أو الردع الطائفي أو الضغط الدولي والاقليمي، بل فقط حين ندرك أن الهوّيات التي تُختزل تُصبح قاتلة، وأن العدالة ليست في قصّ شاربي شيخ درزي أو في التنكيل بحقّ عشائر بدوية، بل في كسر هذا الإرث من الإذلال، وإعادة بناء إنسان نراه أولاً كإنسان، لا كعدوّ محتمل.
ربما يكون الأمل الوحيد وسط هذا النفق المظلم، هو أن جيلاً جديداً سيواجه المستقبل من دون الاحتماء بظلّ الطائفة، أو على الأقل هكذا نأمل.
في هذا السياق، تصبح الطائفية ليس فقط نتيجة للضعف أو الجهل، بل نتيجة لاستثمار طويل المدى في الخطاب والمؤسّسات والتعليم والدين والإعلام. ما يبدو طائفياً يصبح “عادياً” لأنه جزء من الحياة اليومية.
الهوّية لا تَقتل بذاتها، إلا حين تتحوّل إلى أداة اختزال وقمع وإقصاء، ونحن في بلاد غنيّة بالهوّيات، ولا قيامة لها من دون استعادة الإنسان بصفته كائناً تعدّدياً، لا مجرّد حامل لطائفة أو دم أو لغة.
إقرأوا أيضاً:









