ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هيئة الانتخابات التونسيّة تتمرّد على القضاء الإداري.. لا قرار يعلو على قراري!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أثار قرار هيئة الانتخابات جدلاً كبيراً في تونس ونزاعاً قانونياً وصداماً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية التي ردت على تعلّل الهيئة بعدم احترام الموعد المحدد قانونياً بتسليم الأحكام بتأكيدها إرسال نسخة من منطوق الحكم في الآجال القانونية إلى طرفي النزاع حتى قبل الإعلان عنها للعموم، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصل 24 من قرار الهيئة.  

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

امتنعت هيئة الانتخابات في تونس عن تنفيذ قرارات القضاء الإداري بإرجاع ثلاثة مرشحين لسباق الانتخابات الرئاسية المقبلة، كانت الهيئة أسقطتهم سابقاً بدعوى نقص التزكيات.

 خطوة أثارت جدلاً كبيراً في البلاد وجدّدت التهم الموجّهة الى الهيئة بشأن تعبيد الطريق أمام الرئيس قيس سعيد لولاية ثانية، حتى وإن اقتضى ذلك الدوس على القوانين وعلى مؤسسات الدولة. لكن يبدو أن الهيئة قد أوقعت نفسها في مأزق كبير عندما اختارت مواجهة المحكمة الإدارية التي لا تعد فقط أعلى هيئة قضائية في البلاد، بل وهي أيضاً المؤسسة الوحيدة التي ظلّت دائماً في منأى عن السجالات السياسية حتى في سنوات حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وتحظى بمصداقية كبيرة على نطاق واسع في تونس.  

وأعلنت هيئة الانتخابات في 2 أيلول/ سبتمبر الحالي استحالة تنفيذ القرارات التي أعلنت عنها المحكمة الإدارية، واعتبار القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة تشمل الرئيس الحالي قيس سعيد والأمين العام المستقيل من حركة “عازمون” العياشي زمال، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، أي القائمة الأولى التي اعتمدتها الهيئة في 10 آب/ أغسطس الماضي قبل أن تقرر المحكمة الإدارية إعادة قبول طعون بعض الأسماء الى سباق الرئاسة.

وكانت المحكمة الإدارية قبلت في 29 آب الماضي، طعن المرشح منذر الزنايدي وإعادته الى سباق الانتخابات الرئاسية المقررة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر، في ثاني حكم من نوعه خلال أسبوع.

كما قررت المحكمة ذاتها الجمعة في 30 آب/ أغسطس الماضي، قبول طعن المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، عماد الدايمي. وقبل ذلك وتحديداً يوم 27 من الشهر نفسه، قررت المحكمة أيضاً إعادة عبد اللطيف المكي الى السباق.

وقال رئيس الهيئة فاروق بوعسكر في ندوة صحافية، إنه “تعذر الاطلاع على نسخ الأحكام الصادرة أخيراً، عن الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية وعدم إعلام هيئة الانتخابات بها طبق القانون، خلال مدة 48 ساعة من تاريخ التصريح بها من طرف كتابة المحكمة الإدارية، وذلك تطبيقاً للفقرة الأخيرة من الفصل 47 من القانون الانتخابي، على رغم مراسلة المحكمة رسمياً وطلب موافاة الهيئة بتلك الأحكام في الآجال القانونية”.

“اتضح أن الهيئة غير مستقلة وتخدم مرشحاً واحداً، والقرار الذي اتخذته سياسي بامتياز، كان لدينا بصيص أمل بأن الهيئة سترضخ لقرار المحكمة الإدارية وستعيد المرشحين إلى السباق الرئاسي، ولكنها أثبت عدم استقلاليتها”.

صراع وجدل قانوني 

أثار قرار هيئة الانتخابات جدلاً كبيراً في تونس ونزاعاً قانونياً وصداماً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية التي ردت على تعلّل الهيئة بعدم احترام الموعد المحدد قانونياً بتسليم الأحكام بتأكيدها إرسال نسخة من منطوق الحكم في الآجال القانونية إلى طرفي النزاع حتى قبل الإعلان عنها للعموم، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصل 24 من قرار الهيئة.  

ويقضي قرار هيئة الانتخابات عدد 18 لسنة 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات الرئاسية، في الفصل 24 بأن “تتولى الهيئة تنفيذ القرارات الصادرة عن الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية شرط توصّلها بالقرار أو بشهادة في منطوقه”، وفي الفصل 25 بأن “يكون تنفيذ الأحكام أو القرارات بإدراج المترشح في قائمة المترشحين المقبولين نهائياً أو بشطبه منها”.

وردت الهيئة بدورها في 3 أيلول/ سبتمبر/ الحالي، أنها قد تلقت الأحكام الثلاثة الصادرة عن المحكمة الإدارية، بعد انعقاد مجلسها ومصادقته على القائمة النهائية للمترشحين المقبولين نهائياً للانتخابات الرئاسية صباح اليوم ذاته. 

وما زال السجال مستمراً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً، ومن المرجح أن تكون له تبعات وخيمة على مسار العملية الانتخابية في ظل الرفض الواسع لقرار الهيئة التي حاولت الخروج من مأزقها الأول بالوقوع في مأزق أخطر.

بدأ مأزق الهيئة منذ صدور أحكام القضاء الإداري التي أنصفت مرشحين أقصتهم لأسباب واهية. وبات عليها إما القبول بقرارات المحكمة الإدارية وتثبيت الاتهامات الموجّهة المتعلّقة بعدم استقلاليتها وضرب المرشحين الوازنين لتعبيد الطريق أمام قيس سعيد للفوز بولاية ثانية، وبالتالي السماح بعودة مترشحين لهم شعبيتهم السباق وقادرين على منافسة قيس سعيد بقوة، أو إيجاد بعض المخارج لرفض أحكام القضاء الإداري ورفض عودة المترشحين والإصرار على القائمة الأولية التي أعلنت عنها في 10 آب/ أغسطس. 

ويبدو أن الهيئة اختارت المخرج الثاني متعلّلة بعدم الالتزام بالتوقيت المحدد لإرسال الأحكام، وذلك لاعتبارات عدة أوّلها، أنها تدرك أن اللعب على وتر النصوص القانونية وخلق السجال حولها سيجدان آذاناً منصتة، كما حدث فعلاً لا سيما في ظل غياب المحكمة الدستورية التي كان بإمكانها الفصل في هذا السجال سريعاً وبشكل حاسم. ثانياً، إدراكها مدى تعطش المرشحين المختارين الى مواصلة السباق مع سعيد للوصول الى السلطة، ورغبتهما الكبيرة في دخول سباق الرئاسة حتى وإن كان على شاكلة مسرحية هزلية كما هو الحال اليوم، ويقينها بعدم إقدامهما أو أحدهما على الانسحاب من السباق احتجاجاً على تمرّدها على المحكمة الإدارية، ونعني هنا المغزاوي وزمال. وبالتالي ضمان استمرار المسار الذي رسمته منذ البداية بتأييد من الرئيس قيس سعيد، الطرف الذي اختار أعضاء الهيئة وعيّنهم. 

ثالثاً والأهم، استغلال الهيئة انقسام المعارضة التي تأبى التوحد حتى أمام تجرؤ هيئة إدارية على الدوس على قرارات أعرق مؤسسة قضائية في البلاد، واستمرارها في صراعها بدل التوحد للضغط على الهيئة ومن ورائها السلطة لاحترام مؤسسات البلاد. وقد استغلت الهيئة هذا العامل، لا سيما أن الانقسام في المعارضة ليس بين الأحزاب السياسية المختلفة فكرياً فقط بل أيضاً بين التيارات السياسية ذاتها على غرار ما يجري منذ فترة بين أحزاب اليسار التونسي، التي تشن حملات ضد بعضها البعض بسبب اختلاف رؤاها حول ما يجري في البلاد، ما يؤكد أن أفرادها مشغولون بصراعات أخرى جانبية، وأن ما يجري، على رغم خطورته، لن يوحّدهم.  

وربما تكون هيئة الانتخابات استطاعت أن تفرض قراراتها وتركل أحكام أهم قلاع دولة القانون في تونس، أي المحكمة الإدارية، ولكنها في المقابل أثبتت عن وعي أو عن سوء تقدير، أنها ليست هيئة تحكيم للمنافسة الانتخابية بل هي أحد أجهزة الحكم التي تقوم بمهمة توصيل مرشح السلطة إلى كرسي الرئاسة لا غير. وقد أسقطت عن نفسها كل صفات الاستقلالية التي تدعيها، لا سيما أن أعضاءها أنفسهم كانوا يقرون بعلوية قرارات المحكمة الإدارية ووجوب تنفيذها من دون شروط قبل أن ينضموا الى الهيئة الحالية.   

ومن بين هؤلاء، الناطق الحالي باسم الهيئة محمد التليلي المنصري، الذي كان يشدد عام 2019 عندما كان يترأس الهيئة حينها، على ضرورة احترام قرارات القضاء الإداري، ويقر بأنها ضمانة لنزاهة الانتخابات والديمقراطية، بل وتم تنفيذ كل الأحكام الصادرة عنها من دون أي اعتراضات من الهيئة. ليأتي الآن ويشارك في مجلس يرفض قرارات المحكمة الإدارية ولا يعترف بإلزامية تطبيق أحكامها.

يُذكر أن الفصل 41 من قانون عدد 40 لسنة 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية، ينص صراحة على أن الجهة الإدارية ملزمة بتطبيق قرار المحكمة الإدارية، وهو ما ينطبق على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي يجبرها هذا القانون بالالتزام بقرار المحكمة الإدارية في ما يتعلق بالمترشحين الذين قبلت طعونهم من القضاء العدلي.

نجاة الزموري، نائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، قالت لـ”درج” تعليقاً على ما أقدمت عليه هيئة الانتخابات: “اتضح أن الهيئة غير مستقلة وتخدم مرشحاً واحداً، والقرار الذي اتخذته سياسي بامتياز، كان لدينا بصيص أمل بأن الهيئة سترضخ لقرار المحكمة الإدارية وستعيد المرشحين إلى السباق الرئاسي، ولكنها أثبت عدم استقلاليتها”.

وأضافت، “أن المناخ الانتخابي لا يمكن أن يكون مناخاً ديمقراطياً ونزيهاً وتعددياً وضامناً للانتقال السلمي للسلطة، ما لم يمارس القضاء ممثلاً في الجلسة العامة للمحكمة الإدارية، رقابته القانونية من دون أي ضغط مهما كان تأثيره على المسار الانتخابي ككل. كل المؤشرات تؤكد أن الانتخابات الرئاسية المقبلة لن تكون نزيهة وشفافة، ولن تضمن تعددية حقيقية ولا مساواة حقيقية بين مختلف المترشحين”.

وتجدر الإشارة الى أن منظمات عدة في تونس نددت بقرار هيئة الانتخابات بعدم تطبيق أحكام المحكمة الإدارية بحق عدد من المترشحين للانتخابات الرئاسية، معتبرة أنها سابقة غير قانونية، داعية الى للتحرك السريع. ومن بين هذه المنظمات، “أنا يقظ”، التي قالت في بيان لها، إن “التاريخ سيذكر يوم 2 أيلول/ سبتمبر 2024، كتاريخ أقدمت فيه هيئة الانتخابات على الاعتداء على دولة القانون والمؤسسات بامتناعها عن تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية الصادرة عن الجلسة العامة، والقاضية بإرجاع عدد من المترشحين إلى السباق الانتخابي. لقد بات من الواضح أن الاجتهاد المفرط للهيئة في اختلاق الحجج والأسباب الرامية إلى إخراج المنافسين الجديين من السباق الانتخابي ليس فقط دليلاً على انحيازها الى السلطة التي عينتها ومنحتها مجالاً واسعاً من الصلاحيات، بل أيضاً هي دليل على أنها تخوض آخر معارك بقائها تحت حماية السلطة الحالية”.

04.09.2024
زمن القراءة: 6 minutes

أثار قرار هيئة الانتخابات جدلاً كبيراً في تونس ونزاعاً قانونياً وصداماً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية التي ردت على تعلّل الهيئة بعدم احترام الموعد المحدد قانونياً بتسليم الأحكام بتأكيدها إرسال نسخة من منطوق الحكم في الآجال القانونية إلى طرفي النزاع حتى قبل الإعلان عنها للعموم، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصل 24 من قرار الهيئة.  

امتنعت هيئة الانتخابات في تونس عن تنفيذ قرارات القضاء الإداري بإرجاع ثلاثة مرشحين لسباق الانتخابات الرئاسية المقبلة، كانت الهيئة أسقطتهم سابقاً بدعوى نقص التزكيات.

 خطوة أثارت جدلاً كبيراً في البلاد وجدّدت التهم الموجّهة الى الهيئة بشأن تعبيد الطريق أمام الرئيس قيس سعيد لولاية ثانية، حتى وإن اقتضى ذلك الدوس على القوانين وعلى مؤسسات الدولة. لكن يبدو أن الهيئة قد أوقعت نفسها في مأزق كبير عندما اختارت مواجهة المحكمة الإدارية التي لا تعد فقط أعلى هيئة قضائية في البلاد، بل وهي أيضاً المؤسسة الوحيدة التي ظلّت دائماً في منأى عن السجالات السياسية حتى في سنوات حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وتحظى بمصداقية كبيرة على نطاق واسع في تونس.  

وأعلنت هيئة الانتخابات في 2 أيلول/ سبتمبر الحالي استحالة تنفيذ القرارات التي أعلنت عنها المحكمة الإدارية، واعتبار القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة تشمل الرئيس الحالي قيس سعيد والأمين العام المستقيل من حركة “عازمون” العياشي زمال، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، أي القائمة الأولى التي اعتمدتها الهيئة في 10 آب/ أغسطس الماضي قبل أن تقرر المحكمة الإدارية إعادة قبول طعون بعض الأسماء الى سباق الرئاسة.

وكانت المحكمة الإدارية قبلت في 29 آب الماضي، طعن المرشح منذر الزنايدي وإعادته الى سباق الانتخابات الرئاسية المقررة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر، في ثاني حكم من نوعه خلال أسبوع.

كما قررت المحكمة ذاتها الجمعة في 30 آب/ أغسطس الماضي، قبول طعن المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، عماد الدايمي. وقبل ذلك وتحديداً يوم 27 من الشهر نفسه، قررت المحكمة أيضاً إعادة عبد اللطيف المكي الى السباق.

وقال رئيس الهيئة فاروق بوعسكر في ندوة صحافية، إنه “تعذر الاطلاع على نسخ الأحكام الصادرة أخيراً، عن الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية وعدم إعلام هيئة الانتخابات بها طبق القانون، خلال مدة 48 ساعة من تاريخ التصريح بها من طرف كتابة المحكمة الإدارية، وذلك تطبيقاً للفقرة الأخيرة من الفصل 47 من القانون الانتخابي، على رغم مراسلة المحكمة رسمياً وطلب موافاة الهيئة بتلك الأحكام في الآجال القانونية”.

“اتضح أن الهيئة غير مستقلة وتخدم مرشحاً واحداً، والقرار الذي اتخذته سياسي بامتياز، كان لدينا بصيص أمل بأن الهيئة سترضخ لقرار المحكمة الإدارية وستعيد المرشحين إلى السباق الرئاسي، ولكنها أثبت عدم استقلاليتها”.

صراع وجدل قانوني 

أثار قرار هيئة الانتخابات جدلاً كبيراً في تونس ونزاعاً قانونياً وصداماً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية التي ردت على تعلّل الهيئة بعدم احترام الموعد المحدد قانونياً بتسليم الأحكام بتأكيدها إرسال نسخة من منطوق الحكم في الآجال القانونية إلى طرفي النزاع حتى قبل الإعلان عنها للعموم، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصل 24 من قرار الهيئة.  

ويقضي قرار هيئة الانتخابات عدد 18 لسنة 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات الرئاسية، في الفصل 24 بأن “تتولى الهيئة تنفيذ القرارات الصادرة عن الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية شرط توصّلها بالقرار أو بشهادة في منطوقه”، وفي الفصل 25 بأن “يكون تنفيذ الأحكام أو القرارات بإدراج المترشح في قائمة المترشحين المقبولين نهائياً أو بشطبه منها”.

وردت الهيئة بدورها في 3 أيلول/ سبتمبر/ الحالي، أنها قد تلقت الأحكام الثلاثة الصادرة عن المحكمة الإدارية، بعد انعقاد مجلسها ومصادقته على القائمة النهائية للمترشحين المقبولين نهائياً للانتخابات الرئاسية صباح اليوم ذاته. 

وما زال السجال مستمراً بين هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً، ومن المرجح أن تكون له تبعات وخيمة على مسار العملية الانتخابية في ظل الرفض الواسع لقرار الهيئة التي حاولت الخروج من مأزقها الأول بالوقوع في مأزق أخطر.

بدأ مأزق الهيئة منذ صدور أحكام القضاء الإداري التي أنصفت مرشحين أقصتهم لأسباب واهية. وبات عليها إما القبول بقرارات المحكمة الإدارية وتثبيت الاتهامات الموجّهة المتعلّقة بعدم استقلاليتها وضرب المرشحين الوازنين لتعبيد الطريق أمام قيس سعيد للفوز بولاية ثانية، وبالتالي السماح بعودة مترشحين لهم شعبيتهم السباق وقادرين على منافسة قيس سعيد بقوة، أو إيجاد بعض المخارج لرفض أحكام القضاء الإداري ورفض عودة المترشحين والإصرار على القائمة الأولية التي أعلنت عنها في 10 آب/ أغسطس. 

ويبدو أن الهيئة اختارت المخرج الثاني متعلّلة بعدم الالتزام بالتوقيت المحدد لإرسال الأحكام، وذلك لاعتبارات عدة أوّلها، أنها تدرك أن اللعب على وتر النصوص القانونية وخلق السجال حولها سيجدان آذاناً منصتة، كما حدث فعلاً لا سيما في ظل غياب المحكمة الدستورية التي كان بإمكانها الفصل في هذا السجال سريعاً وبشكل حاسم. ثانياً، إدراكها مدى تعطش المرشحين المختارين الى مواصلة السباق مع سعيد للوصول الى السلطة، ورغبتهما الكبيرة في دخول سباق الرئاسة حتى وإن كان على شاكلة مسرحية هزلية كما هو الحال اليوم، ويقينها بعدم إقدامهما أو أحدهما على الانسحاب من السباق احتجاجاً على تمرّدها على المحكمة الإدارية، ونعني هنا المغزاوي وزمال. وبالتالي ضمان استمرار المسار الذي رسمته منذ البداية بتأييد من الرئيس قيس سعيد، الطرف الذي اختار أعضاء الهيئة وعيّنهم. 

ثالثاً والأهم، استغلال الهيئة انقسام المعارضة التي تأبى التوحد حتى أمام تجرؤ هيئة إدارية على الدوس على قرارات أعرق مؤسسة قضائية في البلاد، واستمرارها في صراعها بدل التوحد للضغط على الهيئة ومن ورائها السلطة لاحترام مؤسسات البلاد. وقد استغلت الهيئة هذا العامل، لا سيما أن الانقسام في المعارضة ليس بين الأحزاب السياسية المختلفة فكرياً فقط بل أيضاً بين التيارات السياسية ذاتها على غرار ما يجري منذ فترة بين أحزاب اليسار التونسي، التي تشن حملات ضد بعضها البعض بسبب اختلاف رؤاها حول ما يجري في البلاد، ما يؤكد أن أفرادها مشغولون بصراعات أخرى جانبية، وأن ما يجري، على رغم خطورته، لن يوحّدهم.  

وربما تكون هيئة الانتخابات استطاعت أن تفرض قراراتها وتركل أحكام أهم قلاع دولة القانون في تونس، أي المحكمة الإدارية، ولكنها في المقابل أثبتت عن وعي أو عن سوء تقدير، أنها ليست هيئة تحكيم للمنافسة الانتخابية بل هي أحد أجهزة الحكم التي تقوم بمهمة توصيل مرشح السلطة إلى كرسي الرئاسة لا غير. وقد أسقطت عن نفسها كل صفات الاستقلالية التي تدعيها، لا سيما أن أعضاءها أنفسهم كانوا يقرون بعلوية قرارات المحكمة الإدارية ووجوب تنفيذها من دون شروط قبل أن ينضموا الى الهيئة الحالية.   

ومن بين هؤلاء، الناطق الحالي باسم الهيئة محمد التليلي المنصري، الذي كان يشدد عام 2019 عندما كان يترأس الهيئة حينها، على ضرورة احترام قرارات القضاء الإداري، ويقر بأنها ضمانة لنزاهة الانتخابات والديمقراطية، بل وتم تنفيذ كل الأحكام الصادرة عنها من دون أي اعتراضات من الهيئة. ليأتي الآن ويشارك في مجلس يرفض قرارات المحكمة الإدارية ولا يعترف بإلزامية تطبيق أحكامها.

يُذكر أن الفصل 41 من قانون عدد 40 لسنة 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية، ينص صراحة على أن الجهة الإدارية ملزمة بتطبيق قرار المحكمة الإدارية، وهو ما ينطبق على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي يجبرها هذا القانون بالالتزام بقرار المحكمة الإدارية في ما يتعلق بالمترشحين الذين قبلت طعونهم من القضاء العدلي.

نجاة الزموري، نائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، قالت لـ”درج” تعليقاً على ما أقدمت عليه هيئة الانتخابات: “اتضح أن الهيئة غير مستقلة وتخدم مرشحاً واحداً، والقرار الذي اتخذته سياسي بامتياز، كان لدينا بصيص أمل بأن الهيئة سترضخ لقرار المحكمة الإدارية وستعيد المرشحين إلى السباق الرئاسي، ولكنها أثبت عدم استقلاليتها”.

وأضافت، “أن المناخ الانتخابي لا يمكن أن يكون مناخاً ديمقراطياً ونزيهاً وتعددياً وضامناً للانتقال السلمي للسلطة، ما لم يمارس القضاء ممثلاً في الجلسة العامة للمحكمة الإدارية، رقابته القانونية من دون أي ضغط مهما كان تأثيره على المسار الانتخابي ككل. كل المؤشرات تؤكد أن الانتخابات الرئاسية المقبلة لن تكون نزيهة وشفافة، ولن تضمن تعددية حقيقية ولا مساواة حقيقية بين مختلف المترشحين”.

وتجدر الإشارة الى أن منظمات عدة في تونس نددت بقرار هيئة الانتخابات بعدم تطبيق أحكام المحكمة الإدارية بحق عدد من المترشحين للانتخابات الرئاسية، معتبرة أنها سابقة غير قانونية، داعية الى للتحرك السريع. ومن بين هذه المنظمات، “أنا يقظ”، التي قالت في بيان لها، إن “التاريخ سيذكر يوم 2 أيلول/ سبتمبر 2024، كتاريخ أقدمت فيه هيئة الانتخابات على الاعتداء على دولة القانون والمؤسسات بامتناعها عن تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية الصادرة عن الجلسة العامة، والقاضية بإرجاع عدد من المترشحين إلى السباق الانتخابي. لقد بات من الواضح أن الاجتهاد المفرط للهيئة في اختلاق الحجج والأسباب الرامية إلى إخراج المنافسين الجديين من السباق الانتخابي ليس فقط دليلاً على انحيازها الى السلطة التي عينتها ومنحتها مجالاً واسعاً من الصلاحيات، بل أيضاً هي دليل على أنها تخوض آخر معارك بقائها تحت حماية السلطة الحالية”.