استهلّت لجنة التحقيق في البرلمان الفرنسي، المعنيّة بتقصّي آثار اتفاقيات «توكيه» (Touquet) في الإجراءات القضائية ومدى احترام الحرّيات والحقوق الأساسية للمهاجرين، تقريرها الصادر في الأول من تمّوز/ يوليو من العام الجاري بالقول:
«من يتذكّر دينا البالغة من العمر 21 عاماً، ومنصور البالغ من العمر عامين، اللذين توفيا في عام 2024 بسبب الاختناق، بعد أن حُصروا تحت ثقل ركاب آخرين؟ من يتذكّر ماريا التي توفيت في 3 أيّار/ مايو 2026 في الظروف نفسها؟ هل سنتذكّر تلك المرأة المجهولة التى عُثر عليها ميتة في قاع قارب قبالة السواحل الإنجليزية في اللحظة ذاتها التي تُكتب فيها هذه السطور؟ يبدو أن الضجّة التي أثارها جسد إيلان كردي الصغير الهامد على أحد شواطئ تركيا قد أصبحت بعيدة، بل تكاد تكون غير واقعية اليوم، نظراً لما يتعرّض له اللاجئون يومياً من تجريد من الإنسانية وإخفاء لوجودهم والتمييز ضدهم في جميع أنحاء العالم.
منذ نقل الحدود البريطانية إلى السواحل الفرنسية عقب توقيع اتفاقيات توكيه في 4 شباط/ فبراير 2003، تتراكم الوفيات على هذه الحدود البحرية، لكنّ هذه المآسي لم تعد تتصدّر عناوين صحفنا الوطنية. يُترك الناس «ليموتوا» على الحدود، وسط لا مبالاة عامّة. هذه السياسة تُنكر قيمة حياة المهاجرين، وفي الوقت نفسه تهمّش جثثهم وذكرياتهم».
جاء هذا التقرير في سياق نقاش متزايد حول فاعلية وفعّالية سياسة الهجرة الفرنسية، ولا سيّما في مواجهة العبور غير النظامي للقناة الإنجليزية (بحر المانش). وقد تناول التقرير بصورة موسّعة سياسات الدولة في مجال الهجرة وحماية الحدود، والتعاون مع الشركاء الأوروبيين والدوليين. كما خصّصت اللجنة جزءاً كبيراً من عملها لجلسات الاستماع، وجمع الوثائق والمعلومات، وإجراء مقابلات مع مسؤولين وفاعلين معنيّين بقضايا الهجرة والحدود، وذلك لتقييم الاتفاق الفرنسي– البريطاني المعروف للعامّة بآليّة «واحد مقابل واحد» (One In One Out).
تاريخ الاتفاقية و تطوّرها
لم يظهر اتفاق «واحد مقابل واحد» بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة سنوات من التعاون الفرنسي– البريطاني في مجال مراقبة الحدود وتأمينها. وتعود جذور هذا الاتفاق إلى بروتوكول «سانغات» المؤرّخ في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، الذي يحدّد طرائق التفتيش الحدودي، وينصّ على أن عمليّات التفتيش الخاصّة بالأشخاص المتّجهين إلى المملكة المتّحدة يجب أن تُجرى قبل الصعود إلى الطائرة، أي على الأراضي الفرنسية، والعكس صحيح.
ومن ثم تلاها معاهدة «توكيه» (Touquet) المتعلّقة بتنفيذ إجراءات المراقبة الحدودية في الموانئ البحرية على قناة المانش وبحر الشمال في البلدين، التي دخلت حيّز التنفيذ في 1 كانون الثاني/ يناير 2004، وأعطى ذلك كل من الدولتين الحقّ لموظّفيها بأداء مهامهم على أراضي الدولة الأخرى. وبما يخصّ الهجرة غير النظامية عنى ذلك إمكانية نقل الحدود البريطانية إلى نقطة انطلاق اللاجئين المحتملين على السواحل الفرنسية عبر التعاون، ثم جاء اتفاق «ساندهيرست» في عام 2018 الهادف إلى تعزيز تعاون البلدان في ردع الهجرة غير النظامية، ولا سيّما عبر القناة الإنجليزية.
وأمام عدم قدرة هذه الاتفاقيات على الحدّ من عبور قوارب طالبي اللجوء من فرنسا إلى بريطانيا، اتّجه البلدان في تمّوز/ يوليو 2025 إلى تجربة آليّة جديدة فوقّعا على اتفاق منع الرحلات الخطرة ( la prévention des traversées périlleuses)، الذي عُرف لاحقاً بمبدأ «واحد مقابل واحد». وتقوم هذه الاتفاقية على إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى بريطانيا، بطرق غير نظامية، إلى فرنسا، وفي المقابل تسمح المملكة المتّحدة «لأشخاص مؤهّلين» موجودين في فرنسا بالدخول إلى بريطانيا عبر مسار قانوني؛ ودخل الاتفاق حيّز التنفيذ في آب/ أغسطس 2025.
ويعكس هذا الاتفاق انتقال التعاون من مجرّد منع العبور إلى محاولة الجمع بين الردع وفتح مسارات قانونية محدودة. غير أن طابعه التجريبي ومحدودية أعداد المستفيدين يطرحان سؤالاً أساسياً حول قدرته على التأثير في ظاهرة تتجاوز بكثير نطاق هذه الآليّة. ومن هنا يبرز النقاش حول ما إذا كان «واحد مقابل واحد» يمثل تحوّلاً فعلياً في سياسة الهجرة أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة من الإجراءات الثنائية؟
آليّة العمل و الإحصائيات
من الناحية القانونية، الاتفاق يحدّد معايير معيّنة للأشخاص الذين سيتمّ إعادتهم. مثل أن الشخص قد وصل إلى بريطانيا بعد عبور القناة بقارب مطاطي انطلاقاً من فرنسا. فإمّا أن يكون قد طلب الحماية الدولية بعد وصوله، وإمّا أن تكون السلطات قد أوقفته خلال العبور، وإمّا أنه وصل إلى بريطانيا بعد عمليّة إنقاذ بحرية. بالإضافة إلى أن يكون بالغاً أو قاصراً برفقة شخص بالغ؛ فالقاصر غير المصحوب مستثنى من الاتفاق، وأن يكون وصوله إلى بريطانيا حديثاً؛ فطلب الترحيل لا يُقبل في فرنسا إذا ثبت أنه وصل قبل أكثر من 14 يوماً من طلب إعادته، وألّا تكون لديه، وقت الإعادة، إجراءات قضائية أو حقوقية معلّقة تمنع نقله، وألّا تكون لديه مطالبة حماية ما زالت قائمة بالشكل الذي يمنع الإعادة.
بشكل عملي، تقوم بريطانيا أولاً بتقديم طلب إلى السلطات الفرنسية مع بيانات الشخص وبصماته وأدلّة تُثبت أنه عبر من فرنسا، ثم تقوم فرنسا بدورها بفحوص أمنية قبل الموافقة على الإعادة. في المقابل مَن يدخل بريطانيا عبر الاتفاقية يجب عليه أن يتقدّم بطلب ضمن برنامج نقل المتقدّمين من المملكة المتّحدة وأوروبا (UK/European Applicant Transfer Scheme)، وأن يكون موجوداً في فرنسا عند تقديم الطلب، وتتحقّق السلطات البريطانية من الهويّة والجنسية والأهلية والأمن قبل الموافقة.
وتوجد أيضاً شروط محدّدة، منها أن يكون المتقدّم، كقاعدة عامّة، بلغ 18 سنة أو أكثر، مع استثناء أفراد الأسرة القاصرين، ألّا يكون قد دخل بريطانيا بشكل غير نظامي سابقاً، ألّا يكون من مواطني المنطقة الاقتصادية الأوروبية، أن يثبت هويّته وجنسيته، وألّا يكون قد حصل على حماية دولية في دولة أخرى بعد تقديم طلبه. وهناك أيضاً معايير أولوية وضعتها بريطانيا داخل عمليّة الاختيار. فالإرشادات الحالية تأخذ في الاعتبار جنسيات ذات معدّلات مرتفعة من منح الحماية في بريطانيا، مع هدف معلن يتعلّق باستهداف الأشخاص الأكثر عرضة للاستغلال من شبكات التهريب والاتّجار.
إن عدد الأشخاص الخاضعين للترحيل و القبول منصوص عليه صراحة في الاتفاق، فيجب أن يتوازن عدد الأشخاص الذين أُعيدوا فعلياً إلى فرنسا، مع عدد الأشخاص الذين أُدخلوا فعلياً إلى بريطانيا بصورة منتظمة. وبحسب آخر إحصائيات وزارة الداخلية البريطانية، بين 4 آب/ أغسطس 2025 حتى 30 حزيران/ يونيو 2026، نُقل 1,117 شخصاً إلى بريطانيا وأُعيد 1,087 شخصاً إلى فرنسا منذ بدء التطبيق في آب/ أغسطس 2025.
هل الاتفاق حلّ لملفّ الهجرة أم حلقة مفرغة؟
بالنظر إلى آليّة عمل الاتفاق و نتائجه الإحصائية، تظهر جلياً إحدى مفارقاته، فالطرفان لا يختاران من مجموعة واحدة و بالمعايير نفسها. فـالترحيل «OUT» مرتبط أساساً بطريقة وصول الشخص إلى بريطانيا ومكان انطلاقه ووضعه القانوني، بينما الدخول «IN» مرتبط بمعايير الهجرة والأمن والأهلية البريطانية وبعمليّة تقديم الطلب من فرنسا وشروطه. لذلك، عندما محاولة فهم فعّالية الاتفاق، من الأفضل ألّا ينظر فقط إلى عدد الأشخاص الذي تمّ نقلهم، بل أيضاً إلى من هم الأشخاص الذين تشملهم الآليّة أصلاً، و لماذا يتمّ استبعاد آخرين.
فعلى سبيل المثال، ترى المنظّمات المعنيّة بدعم الأشخاص المهاجرين في المنطقة الساحلية الشمالية في فرنسا، أن أحد شروط دخول بريطانيا هو إثبات الجنسية، في حين أن عدداً كبيراً من طالبي اللجوء يفقدون أوراقهم الثبوتية قبل أو خلال رحلتهم إلى أوروبا. علاوة على ذلك، فإن من يستوفي الشروط لا يعرف كيف يُقدّم الطلب وإلى أي جهة عليه أن يمتثل. وهذا بدوره يوضح لماذا بقيت أعداد البرنامج محدودة مقارنة بإجمالي العبور بالقوارب الذي قد يتجاوز المئات في اليوم الواحد.
ويرى البعض أن هذا الاتفاق يُقدَّم على أنه «مسار قانوني وآمن»، لكنّه في الواقع يختزل مسارات حياة الأفراد الفريدة إلى مجرّد عمليّة حسابية. فلم يعد يُنظر إلى الأشخاص في المنفى على أنهم أصحاب حقوق، مع ما يتّسمون به من ضعف وتفرّد، بل كوحدات قابلة للاستبدال في لعبة سياسية، كما تُحوّل هذه الآليّة حقّ اللجوء إلى ورقة مساومة، وتعزّز عمليّة إسناد مسؤولية مراقبة الحدود إلى جهات خارجية، وتقوّض جوهر اتفاقية جنيف المتعلّقة بوضع اللاجئين.
في حين يرى آخرون أن هذه الاتفاقية لا تحوّل فقط طالبي اللجوء إلى أرقم إحصائية، بل أيضاً تُظهر إلى الدافع وراء طلب اللجوء و معالجته كعبء اقتصادي وليس قضيّة إنسانية. فحين تمّ سؤال وزيرة الداخلية في المملكة المتّحدة عن تكلفة عمليّة إرجاع الفرد إلى فرنسا، أجابت «نحو 56,000 جنيه إسترليني»، ودافعت لاحقاً عن هذه التكلفة، قائلةً إنها «لا تزال أرخص، أو تقريباً ما يكلّف إقامة شخص ما في فندق لمدّة عام».
أما من الناحية التطبيقية للاتفاق، فذكر موظّفو وزارة الداخلية البريطانية أنه كان هناك خلاف حول أعمار 304 شخص تمّ احتجازهم ضمن هذا البرنامج خلال تسعة أشهر، وتبيّن في النهاية أن 94 حالة (31%) كانت لأطفال قاصرين. ومن المفترض أن يُستثنى الأطفال من هذا الاتفاق. كما انتظر بعض الأشخاص المحتجزين أكثر من ستّة أشهر، على الرغم من أنه من المفترض أن يتمّ احتجازهم لمدّة لا تتجاوز 14 يوماً فقط، أو 28 يوماً «في الحالات الاستثنائية».
وبحسب تقرير خدمة المساعدة الطبّية الطارئة المتنقّلة «سامو سوشيال» (SSP)، المكلّفة بتقديم الرعاية الصحّية لطالبي اللجوء الذين أُعيدوا إلى فرنسا، المقدّم إلى لجنة التحقيق في البرلمان الفرنسي: «تكشف الفحوصات عن علامات تدلّ على تعرّض طالبي اللجوء الذين أُعيدوا إلى فرنسا مؤخّراً لعنف جسدي ونفسي، فضلاً عن عواقب الاحتجاز المطوّل في ظروف وُصفت بأنها مهينة».
وجاء في تقرير طبّي من قسم الطوارئ عن أحد المُعادين إلى فرنسا ما يلي: «اتّسمت الحالة العامّة للمريض بمعاناة شديدة وصدمة عند وصوله، ممّا استلزم إحالته إلى قسم الطوارئ بالمستشفى. وتشير الشهادة الطبّية إلى وجود تقارير عن تعرّضه للعنف الجسدي في إنجلترا، بما في ذلك كدمات منتشرة، وإصابات تتوافق مع استخدام وسائل التقييد (جروح ناجمة عن الأصفاد)، وآلام في البطن ناتجة عن الضرب المتكرّر».
كما أن نِهال عثمان، منسّقة البرامج المعنيّ بتقديم الرعاية الصحّية للمهاجرين في منظّمة «أطبّاء بلا حدود»، قالت خلال الجلسة البرلمانية في لندن إن طالبي اللجوء الذين أُعيدوا إلى فرنسا من المملكة المتّحدة في حالة «مقلقة للغاية»، حيث أظهر الكثيرون منهم أعراضاً نفسية حادّة مثل القلق، النزعة لإيذاء النفس، الأفكار الانتحارية والانهيار النفسي.
مستقبل الاتفاق والأزمة الإنسانية
لا يُعدّ ملفّ الهجرة والقناة مجرّد قضيّة تعاون بين باريس ولندن، بل له بعد سياسي داخلي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية للعام 2027. ففي 4 أيلول/ سبتمبر 2026، وقّع جوردان بارديلا رئيس حزب “التجمع الوطني” (RN)، ونايجل فاراج زعيم حزب “إصلاح بريطانيا” (Reform UK)، بروتوكول تفاهم حول الهجرة غير النظامية. ويتضمّن التصوّر، في حال وصول الحزبين إلى السلطة، إعادة بريطانيا إلى فرنسا الأشخاص الذين يتمّ اعتراضهم بعد انطلاقهم من السواحل الفرنسية، قبل أن تتولّى فرنسا إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، ويختلف هذا البروتوكول عن الاتفاق الحكومي الحالي، لأنه اتفاق سياسي بين حزبين وليس اتفاقاً بين الحكومتين.
في المقابل، أثار الاتفاق انتقادات في فرنسا وتحوّل إلى جزء من الحملات الانتخابية، خصوصاً بسبب البند المتعلّق بإعادة الأشخاص إلى فرنسا. وكان جان- لوك ميلونشون، مؤسّس حزب “فرنسا الأبية” ومرشّحه في الانتخابات المقبلة، من أبرز المنتقدين؛ ففي تجمّعه في مدينة ليل في 5 أيلول/ سبتمبر 2026 في سياق حملته الانتخابية، هاجم ميلونشون بارديلا بسبب الاتفاق مع فاراج، ووصف بارديلا بأنه «فاشي بلا سمعة ولا تأثير». وبذلك تحوّلت قضيّة القناة الإنجليزية والهجرة من ملفّ إنساني يحصد به البحر أرواح العشرات إلى جزء من خطاب سياسي يتجاوز التعاون بين الدول، ليصبح أيضاً وسيلة لإبراز التقارب بين اليمين القومي في كل من إنجلترا و فرنسا، وجزءاً من صراع سياسي فرنسي داخلي أوسع حول الهجرة والحدود والسيادة مع اقتراب انتخابات 2027.
يبقى مستقبل اتفاق «واحد مقابل واحد» مفتوحاً، خصوصاً مع تمديده حتى 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، والمطالبات الفرنسية بتمديده وتوسيعه ليشمل دولاً أوروبية أخرى. وحتى حزيران/ يونيو 2026، كان عدد الأشخاص المعادين إلى فرنسا قريباً جداً من عدد المقبولين في بريطانيا، ما يعكس نجاح الآليّة في تحقيق التوازن العددي الذي صُمّمت من أجله. لكنّ هذا التوازن لا يعكس فعّالية الاتفاق على أرض الواقع؛ فبالإضافة إلى تأثيره السلبي على من يتمّ إعادتهم، كشفت صحيفة الغارديان (The Guardian) أن أشخاصاً قد اختفوا بعد إعادتهم إلى فرنسا، فيما حاول بعضهم العبور مجدّداً إلى بريطانيا.
وهنا تبرز مفارقة أُخرى للاتفاق: قد ينجح في موازنة الأرقام، دون أن ينجح بالضرورة في معالجة الجانب الإنساني للمسألة، لتتحوّل العمليّة في بعض الحالات إلى حلقة مفرغة من العبور والإعادة ثم محاولة العبور من جديد.










