ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

واشنطن باشرت عقوباتها على “خبز العراقيين” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يبدو ملف الموانئ والتهريب في العراق مجرد قضية فساد إداري أو خلل تقني يمكن احتواؤه عبر حملات ضبط مؤقتة، بل يعكس بنية اقتصادية وسياسية معقدة تشكلت على مدى سنوات طويلة. فالموانئ التي يفترض أن تكون بوابات سيادية لتمويل الدولة وتعزيز اقتصادها، تحولت تدريجياً إلى مساحات تتقاطع فيها التجارة الرسمية مع اقتصاد الظل، وتتشابك فيها المصالح الحزبية والأمنية مع شبكات التهريب العابر للحدود.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تعد أزمة النفط في العراق مرتبطة فقط بسعر البرميل أو بحجم الصادرات اليومية، بل تحولت إلى ملف يتقاطع فيه الاقتصاد مع الأمن والسياسة والنفوذ الإقليمي. فكل شحنة نفط تخرج من الموانئ العراقية باتت محاطة بأسئلة تتجاوز الأسواق والطاقة، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة وشبكات النفوذ، وحدود قدرة بغداد على حماية موردها الاقتصادي الأهم من الضغوط والتشابكات العابرة للحدود.

ومع تصاعد الضغوط الأميركية على إيران، دخل العراق بصورة أكثر وضوحاً إلى قلب معركة العقوبات والالتفاف عليها، خصوصاً بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي، متهمةً إياه باستغلال منصبه لتسهيل تهريب النفط الإيراني وخلطه بالنفط العراقي، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية باعتباره نفطاً عراقياً.

القرار الأميركي لم يكن عادياً، إذ نادراً ما تفرض واشنطن عقوبات على مسؤول عراقي لا يزال يشغل منصباً حكومياً رفيعاً. لكن الخطوة تعكس، توجهاً أميركياً متصاعداً نحو تضييق مسارات الالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران، ومنع استخدام العراق بوصفه ممراً اقتصادياً ومالياً لتخفيف أثر الحصار على إيران.

اقتصاد أحادي هشّ أمام الصدمات

يعتمد العراق على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات العامة، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير أو الأسعار العالمية. هذا الواقع لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد مباشرة إلى حياة الدولة اليومية، من تمويل الرواتب إلى المشاريع الخدمية والبنية التحتية.

وفي ظل هذا النموذج الاقتصادي الأحادي، تصبح أي أزمة مرتبطة بإدارة القطاع النفطي قادرة على التحول سريعاً إلى أزمة مالية وسياسية داخلية، خصوصاً مع تكرار العجز المالي وغياب البدائل الاقتصادية الحقيقية.

شبكة نفط موازية

بحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن علي معارج البهادلي تورط في مخطط تم بالتعاون مع شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران، يهدف إلى تمويل طهران عبر خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي الخام ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.

وقالت الوزارة إن عمليات الخلط كانت تتم داخل منشآت في خور الزبير جنوب البصرة، بعد نقل شحنات من حقل القيارة النفطي، قبل تصديرها على أنها “نفط عراقي خالص”. كما اتهمت واشنطن البهادلي بمنح شركات مرتبطة برجل الأعمال العراقي سالم أحمد سعيد حقوق تصدير النفط، وتسهيل عمليات نقل يومية بملايين الدولارات.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على سالم أحمد سعيد، متهمةً إياه بإدارة شبكة شركات تعمل على بيع النفط الإيراني الممزوج بالنفط العراقي للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران. وتقول وزارة الخزانة إن الشبكة اعتمدت على الوصول إلى النفط العراقي وتوفير وثائق مزورة تمنح الشحنات غطاءً قانونياً يسمح بمرورها إلى الأسواق العالمية.

وشملت العقوبات أيضاً مصطفى هاشم البهادلي المعروف باسم “السيد عون”، وهو قيادي في “عصائب أهل الحق”، إضافة إلى نائب الأمين العام السابق لـ”كتائب سيد الشهداء” أحمد خضير، ومحمد عيسى كاظم الشويلي، بتهم تتعلق بالتعاون مع شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” وتهريب الأسلحة والأنشطة المالية غير المشروعة.

وفي واحدة من أكثر التصريحات الأميركية حدة، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن “النظام الإيراني ينهب، مثل عصابة خارجة عن القانون، الموارد التي تعود بحق الى الشعب العراقي”، مضيفاً أن واشنطن لن تسمح باستخدام النفط العراقي لتمويل أنشطة تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها.

نفي رسمي وتشكيك في الرواية الأميركية

في المقابل، تنفي الجهات العراقية الرسمية هذه الاتهامات، مؤكدة أن عمليات تصدير النفط تخضع لرقابة شركة “سومو” والمؤسسات الحكومية المختصة، وأن ما يُطرح من اتهامات لا يستند، بحسب الرواية الرسمية، إلى أدلة قضائية عراقية مثبتة.

كما يرى مراقبون داخل العراق أن بعض هذه الاتهامات يرتبط أيضاً بالسياق السياسي للصراع الأميركي – الإيراني، إذ يتحول النفط إلى أداة ضغط ضمن معركة العقوبات والنفوذ الإقليمي، لا سيما مع تصاعد سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه طهران.

البعد الجيوسياسي للنفط العراقي

لا يمكن فصل ملف النفط العراقي عن البيئة الجيوسياسية المحيطة به، فالعراق يقع في منطقة تشكل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، كما يرتبط اقتصادياً وجغرافياً بإيران بصورة تجعل الفصل الكامل بين المصالح الاقتصادية والسياسية أمراً شديد التعقيد.

ومع تشديد الحصار الأميركي على إيران، تحاول واشنطن تضييق أي مسارات بديلة يمكن أن تتيح لطهران الاستمرار في تصدير النفط أو الوصول إلى العملات الأجنبية. وهنا يصبح العراق، بحكم الجغرافيا والتداخل الاقتصادي، جزءاً من معركة العقوبات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كما تتهم الإدارة الأميركية إيران باستخدام شبكات مالية وتجارية معقدة، تشمل شركات وواجهات نقل وشحن، لتجاوز العقوبات المفروضة عليها، فيما تؤكد واشنطن أنها تستهدف ما تصفه بـ”مصدر الإيرادات الرئيس” للنظام الإيراني عبر الحصار البحري وتشديد العقوبات على شبكات النفط والنقل.

إيران تحت ضغط “امتلاء الخزانات” 

تواجه إيران أزمة متفاقمة في تخزين النفط نتيجة تراجع قدرتها على التصدير تحت ضغط الحصار البحري والعقوبات. ووفق بيانات شركة “كبلر”، انخفض متوسط تحميل النفط الإيراني من نحو 2.1 مليون برميل يومياً مطلع نيسان/ أبريل إلى قرابة 567 ألف برميل فقط بعد تشديد القيود البحرية، مقارنة بمعدل يقارب المليوني برميل يومياً قبل اندلاع التوترات الأخيرة. كما ارتفعت المخزونات البرية الإيرانية إلى نحو 49 مليون برميل، من أصل طاقة تخزينية إجمالية تُقدّر بـ86 مليون برميل، قد ترتفع إلى 95 مليوناً عند احتساب الخزانات الإضافية. وتلجأ طهران، بحسب تقارير دولية، إلى استخدام ناقلات نفط كخزانات عائمة بسعة تصل إلى 15 مليون برميل، إلى جانب إعادة تشغيل مواقع تخزين قديمة ومتهالكة في مناطق مثل الأهواز وعسلوية، فضلاً عن نقل النفط بالسكك الحديد إلى الصين، في محاولة لتفادي الوصول إلى مرحلة “امتلاء الخزانات” التي قد تضطرها إلى خفض الإنتاج بصورة أوسع خلال الأسابيع المقبلة.

هشاشة الرقابة وتعدّد مراكز النفوذ

تعكس هذه القضية حجم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في فرض رقابة كاملة على قطاع النفط، خصوصاً مع تعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويخلق وجود اقتصاد موازٍ وشبكات نفوذ مرتبطة بمصالح سياسية وفصائل مسلحة، بيئة معقدة يصعب فيها الفصل الكامل بين النشاط الرسمي وغير الرسمي، بخاصة في القطاعات ذات العوائد المالية الضخمة مثل النفط والنقل والتجارة الحدودية.

ويؤدي ضعف منظومات الإدارة والحوكمة، إلى جانب تعدد الجهات المتداخلة في إدارة الملف النفطي، إلى جعل القطاع أكثر عرضة للاختراق والاستغلال، سواء في عمليات التهريب أو في مسارات إعادة التصدير والالتفاف على العقوبات.

اقتصاد الظل البحري

لا يبدو ملف الموانئ والتهريب في العراق مجرد قضية فساد إداري أو خلل تقني يمكن احتواؤه عبر حملات ضبط مؤقتة، بل يعكس بنية اقتصادية وسياسية معقدة تشكلت على مدى سنوات طويلة. فالموانئ التي يفترض أن تكون بوابات سيادية لتمويل الدولة وتعزيز اقتصادها، تحولت تدريجياً إلى مساحات تتقاطع فيها التجارة الرسمية مع اقتصاد الظل، وتتشابك فيها المصالح الحزبية والأمنية مع شبكات التهريب العابر للحدود.

وتكشف الأرقام المتداولة عن فجوة هائلة بين الإيرادات الفعلية للمنافذ وبين ما كان يمكن أن تحققه للخزينة العراقية؛ فبينما أعلنت هيئة المنافذ الحدودية والهيئة العامة للجمارك تحقيق أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي من الإيرادات الجمركية خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى ما بين 2.4 و2.7 تريليون دينار بنهاية العام، تشير تقديرات صادرة عن أعضاء في اللجنة المالية النيابية خلال السنوات الماضية، إلى أن العراق كان يمكن أن يحقق ما يصل إلى 12 مليار دولار سنوياً من المنافذ، في حين لم يكن يدخل إلى الخزينة سوى أقل من مليار دولار بسبب الفساد والتهريب. كما تحدثت تقارير رقابية وبرلمانية عن أن مستويات الهدر في بعض المنافذ وصلت إلى نحو 90 في المئة من الإيرادات المحتملة، فيما كشفت تحقيقات دولية عن شبكات تهريب لزيت الوقود تحقق ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً عبر خلط الوقود العراقي والإيراني وتصديره بطرق ملتوية.

كما أن ارتباط بعض مسارات التهريب بملف العقوبات على إيران منح القضية بعداً إقليمياً ودولياً، وجعل الموانئ العراقية جزءاً من صراع أكبر يتجاوز الاقتصاد المحلي إلى حسابات النفوذ والطاقة والعقوبات. 

وعلى رغم أن الضبطيات الأخيرة والإجراءات التي تقودها هيئة المنافذ الحدودية ودائرة التحقيقات في الهيئة العامة للجمارك والأجهزة الأمنية تعكس محاولة لاستعادة السيطرة وتقليص الفساد، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق بعدد الحاويات المضبوطة أو بحجم الإيرادات المعلنة فقط، بل بقدرة الدولة على تفكيك البنية التي سمحت بظهور اقتصاد موازٍ داخل المنافذ، وفرض إدارة موحدة وشفافة تخضع فيها جميع خطوط التجارة والرسوم والموارد لسلطة القانون وحده، بعيداً عن نفوذ المكاتب الاقتصادية وشبكات المصالح التي جعلت من الموانئ العراقية ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ والثروة خارج الأطر الرسمية.

دولة تختبر سيادتها الاقتصادية

لا تتوقف تداعيات هذه الملفات عند حدود النفط أو العقوبات، بل تمتد إلى جوهر فكرة الدولة نفسها. فاستمرار الجدل حول شبكات التهريب وضعف الرقابة وتعدد مراكز النفوذ يطرح تساؤلات أوسع حول قدرة العراق على حماية موارده الاستراتيجية وفرض سيادته الاقتصادية بصورة كاملة.

وفي ظل اعتماد البلاد شبه المطلق على النفط، يصبح أي خلل في إدارة هذا المورد قادراً على التحول إلى أزمة تتجاوز الاقتصاد، لتلامس الاستقرار السياسي والثقة بالمؤسسات وقدرة الدولة على إنتاج حلول طويلة الأمد.

وبين ضغوط العقوبات الأميركية، والتشابكات الإقليمية، والاقتصاد الموازي، يجد العراق نفسه أمام اختبار معقد يتعلق بقدرته على منع تحول النفط من مصدر قوة وسيادة إلى نقطة ضعف مفتوحة أمام صراعات النفوذ والضغوط الدولية.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
11.05.2026
زمن القراءة: 7 minutes

لا يبدو ملف الموانئ والتهريب في العراق مجرد قضية فساد إداري أو خلل تقني يمكن احتواؤه عبر حملات ضبط مؤقتة، بل يعكس بنية اقتصادية وسياسية معقدة تشكلت على مدى سنوات طويلة. فالموانئ التي يفترض أن تكون بوابات سيادية لتمويل الدولة وتعزيز اقتصادها، تحولت تدريجياً إلى مساحات تتقاطع فيها التجارة الرسمية مع اقتصاد الظل، وتتشابك فيها المصالح الحزبية والأمنية مع شبكات التهريب العابر للحدود.

لم تعد أزمة النفط في العراق مرتبطة فقط بسعر البرميل أو بحجم الصادرات اليومية، بل تحولت إلى ملف يتقاطع فيه الاقتصاد مع الأمن والسياسة والنفوذ الإقليمي. فكل شحنة نفط تخرج من الموانئ العراقية باتت محاطة بأسئلة تتجاوز الأسواق والطاقة، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة وشبكات النفوذ، وحدود قدرة بغداد على حماية موردها الاقتصادي الأهم من الضغوط والتشابكات العابرة للحدود.

ومع تصاعد الضغوط الأميركية على إيران، دخل العراق بصورة أكثر وضوحاً إلى قلب معركة العقوبات والالتفاف عليها، خصوصاً بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي، متهمةً إياه باستغلال منصبه لتسهيل تهريب النفط الإيراني وخلطه بالنفط العراقي، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية باعتباره نفطاً عراقياً.

القرار الأميركي لم يكن عادياً، إذ نادراً ما تفرض واشنطن عقوبات على مسؤول عراقي لا يزال يشغل منصباً حكومياً رفيعاً. لكن الخطوة تعكس، توجهاً أميركياً متصاعداً نحو تضييق مسارات الالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران، ومنع استخدام العراق بوصفه ممراً اقتصادياً ومالياً لتخفيف أثر الحصار على إيران.

اقتصاد أحادي هشّ أمام الصدمات

يعتمد العراق على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات العامة، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير أو الأسعار العالمية. هذا الواقع لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد مباشرة إلى حياة الدولة اليومية، من تمويل الرواتب إلى المشاريع الخدمية والبنية التحتية.

وفي ظل هذا النموذج الاقتصادي الأحادي، تصبح أي أزمة مرتبطة بإدارة القطاع النفطي قادرة على التحول سريعاً إلى أزمة مالية وسياسية داخلية، خصوصاً مع تكرار العجز المالي وغياب البدائل الاقتصادية الحقيقية.

شبكة نفط موازية

بحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن علي معارج البهادلي تورط في مخطط تم بالتعاون مع شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران، يهدف إلى تمويل طهران عبر خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي الخام ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.

وقالت الوزارة إن عمليات الخلط كانت تتم داخل منشآت في خور الزبير جنوب البصرة، بعد نقل شحنات من حقل القيارة النفطي، قبل تصديرها على أنها “نفط عراقي خالص”. كما اتهمت واشنطن البهادلي بمنح شركات مرتبطة برجل الأعمال العراقي سالم أحمد سعيد حقوق تصدير النفط، وتسهيل عمليات نقل يومية بملايين الدولارات.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على سالم أحمد سعيد، متهمةً إياه بإدارة شبكة شركات تعمل على بيع النفط الإيراني الممزوج بالنفط العراقي للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران. وتقول وزارة الخزانة إن الشبكة اعتمدت على الوصول إلى النفط العراقي وتوفير وثائق مزورة تمنح الشحنات غطاءً قانونياً يسمح بمرورها إلى الأسواق العالمية.

وشملت العقوبات أيضاً مصطفى هاشم البهادلي المعروف باسم “السيد عون”، وهو قيادي في “عصائب أهل الحق”، إضافة إلى نائب الأمين العام السابق لـ”كتائب سيد الشهداء” أحمد خضير، ومحمد عيسى كاظم الشويلي، بتهم تتعلق بالتعاون مع شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” وتهريب الأسلحة والأنشطة المالية غير المشروعة.

وفي واحدة من أكثر التصريحات الأميركية حدة، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن “النظام الإيراني ينهب، مثل عصابة خارجة عن القانون، الموارد التي تعود بحق الى الشعب العراقي”، مضيفاً أن واشنطن لن تسمح باستخدام النفط العراقي لتمويل أنشطة تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها.

نفي رسمي وتشكيك في الرواية الأميركية

في المقابل، تنفي الجهات العراقية الرسمية هذه الاتهامات، مؤكدة أن عمليات تصدير النفط تخضع لرقابة شركة “سومو” والمؤسسات الحكومية المختصة، وأن ما يُطرح من اتهامات لا يستند، بحسب الرواية الرسمية، إلى أدلة قضائية عراقية مثبتة.

كما يرى مراقبون داخل العراق أن بعض هذه الاتهامات يرتبط أيضاً بالسياق السياسي للصراع الأميركي – الإيراني، إذ يتحول النفط إلى أداة ضغط ضمن معركة العقوبات والنفوذ الإقليمي، لا سيما مع تصاعد سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه طهران.

البعد الجيوسياسي للنفط العراقي

لا يمكن فصل ملف النفط العراقي عن البيئة الجيوسياسية المحيطة به، فالعراق يقع في منطقة تشكل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، كما يرتبط اقتصادياً وجغرافياً بإيران بصورة تجعل الفصل الكامل بين المصالح الاقتصادية والسياسية أمراً شديد التعقيد.

ومع تشديد الحصار الأميركي على إيران، تحاول واشنطن تضييق أي مسارات بديلة يمكن أن تتيح لطهران الاستمرار في تصدير النفط أو الوصول إلى العملات الأجنبية. وهنا يصبح العراق، بحكم الجغرافيا والتداخل الاقتصادي، جزءاً من معركة العقوبات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كما تتهم الإدارة الأميركية إيران باستخدام شبكات مالية وتجارية معقدة، تشمل شركات وواجهات نقل وشحن، لتجاوز العقوبات المفروضة عليها، فيما تؤكد واشنطن أنها تستهدف ما تصفه بـ”مصدر الإيرادات الرئيس” للنظام الإيراني عبر الحصار البحري وتشديد العقوبات على شبكات النفط والنقل.

إيران تحت ضغط “امتلاء الخزانات” 

تواجه إيران أزمة متفاقمة في تخزين النفط نتيجة تراجع قدرتها على التصدير تحت ضغط الحصار البحري والعقوبات. ووفق بيانات شركة “كبلر”، انخفض متوسط تحميل النفط الإيراني من نحو 2.1 مليون برميل يومياً مطلع نيسان/ أبريل إلى قرابة 567 ألف برميل فقط بعد تشديد القيود البحرية، مقارنة بمعدل يقارب المليوني برميل يومياً قبل اندلاع التوترات الأخيرة. كما ارتفعت المخزونات البرية الإيرانية إلى نحو 49 مليون برميل، من أصل طاقة تخزينية إجمالية تُقدّر بـ86 مليون برميل، قد ترتفع إلى 95 مليوناً عند احتساب الخزانات الإضافية. وتلجأ طهران، بحسب تقارير دولية، إلى استخدام ناقلات نفط كخزانات عائمة بسعة تصل إلى 15 مليون برميل، إلى جانب إعادة تشغيل مواقع تخزين قديمة ومتهالكة في مناطق مثل الأهواز وعسلوية، فضلاً عن نقل النفط بالسكك الحديد إلى الصين، في محاولة لتفادي الوصول إلى مرحلة “امتلاء الخزانات” التي قد تضطرها إلى خفض الإنتاج بصورة أوسع خلال الأسابيع المقبلة.

هشاشة الرقابة وتعدّد مراكز النفوذ

تعكس هذه القضية حجم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في فرض رقابة كاملة على قطاع النفط، خصوصاً مع تعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويخلق وجود اقتصاد موازٍ وشبكات نفوذ مرتبطة بمصالح سياسية وفصائل مسلحة، بيئة معقدة يصعب فيها الفصل الكامل بين النشاط الرسمي وغير الرسمي، بخاصة في القطاعات ذات العوائد المالية الضخمة مثل النفط والنقل والتجارة الحدودية.

ويؤدي ضعف منظومات الإدارة والحوكمة، إلى جانب تعدد الجهات المتداخلة في إدارة الملف النفطي، إلى جعل القطاع أكثر عرضة للاختراق والاستغلال، سواء في عمليات التهريب أو في مسارات إعادة التصدير والالتفاف على العقوبات.

اقتصاد الظل البحري

لا يبدو ملف الموانئ والتهريب في العراق مجرد قضية فساد إداري أو خلل تقني يمكن احتواؤه عبر حملات ضبط مؤقتة، بل يعكس بنية اقتصادية وسياسية معقدة تشكلت على مدى سنوات طويلة. فالموانئ التي يفترض أن تكون بوابات سيادية لتمويل الدولة وتعزيز اقتصادها، تحولت تدريجياً إلى مساحات تتقاطع فيها التجارة الرسمية مع اقتصاد الظل، وتتشابك فيها المصالح الحزبية والأمنية مع شبكات التهريب العابر للحدود.

وتكشف الأرقام المتداولة عن فجوة هائلة بين الإيرادات الفعلية للمنافذ وبين ما كان يمكن أن تحققه للخزينة العراقية؛ فبينما أعلنت هيئة المنافذ الحدودية والهيئة العامة للجمارك تحقيق أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي من الإيرادات الجمركية خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى ما بين 2.4 و2.7 تريليون دينار بنهاية العام، تشير تقديرات صادرة عن أعضاء في اللجنة المالية النيابية خلال السنوات الماضية، إلى أن العراق كان يمكن أن يحقق ما يصل إلى 12 مليار دولار سنوياً من المنافذ، في حين لم يكن يدخل إلى الخزينة سوى أقل من مليار دولار بسبب الفساد والتهريب. كما تحدثت تقارير رقابية وبرلمانية عن أن مستويات الهدر في بعض المنافذ وصلت إلى نحو 90 في المئة من الإيرادات المحتملة، فيما كشفت تحقيقات دولية عن شبكات تهريب لزيت الوقود تحقق ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً عبر خلط الوقود العراقي والإيراني وتصديره بطرق ملتوية.

كما أن ارتباط بعض مسارات التهريب بملف العقوبات على إيران منح القضية بعداً إقليمياً ودولياً، وجعل الموانئ العراقية جزءاً من صراع أكبر يتجاوز الاقتصاد المحلي إلى حسابات النفوذ والطاقة والعقوبات. 

وعلى رغم أن الضبطيات الأخيرة والإجراءات التي تقودها هيئة المنافذ الحدودية ودائرة التحقيقات في الهيئة العامة للجمارك والأجهزة الأمنية تعكس محاولة لاستعادة السيطرة وتقليص الفساد، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق بعدد الحاويات المضبوطة أو بحجم الإيرادات المعلنة فقط، بل بقدرة الدولة على تفكيك البنية التي سمحت بظهور اقتصاد موازٍ داخل المنافذ، وفرض إدارة موحدة وشفافة تخضع فيها جميع خطوط التجارة والرسوم والموارد لسلطة القانون وحده، بعيداً عن نفوذ المكاتب الاقتصادية وشبكات المصالح التي جعلت من الموانئ العراقية ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ والثروة خارج الأطر الرسمية.

دولة تختبر سيادتها الاقتصادية

لا تتوقف تداعيات هذه الملفات عند حدود النفط أو العقوبات، بل تمتد إلى جوهر فكرة الدولة نفسها. فاستمرار الجدل حول شبكات التهريب وضعف الرقابة وتعدد مراكز النفوذ يطرح تساؤلات أوسع حول قدرة العراق على حماية موارده الاستراتيجية وفرض سيادته الاقتصادية بصورة كاملة.

وفي ظل اعتماد البلاد شبه المطلق على النفط، يصبح أي خلل في إدارة هذا المورد قادراً على التحول إلى أزمة تتجاوز الاقتصاد، لتلامس الاستقرار السياسي والثقة بالمؤسسات وقدرة الدولة على إنتاج حلول طويلة الأمد.

وبين ضغوط العقوبات الأميركية، والتشابكات الإقليمية، والاقتصاد الموازي، يجد العراق نفسه أمام اختبار معقد يتعلق بقدرته على منع تحول النفط من مصدر قوة وسيادة إلى نقطة ضعف مفتوحة أمام صراعات النفوذ والضغوط الدولية.