تزايد الحضور الأميركي في ليبيا مؤخراً على أكثر من صعيد، مستفيداً من حالة الانسداد السياسي التي تواجهها عملية التسوية في البلاد، وأزمة مصرف ليبيا المركزي التي ما زالت تداعياتها قائمة حتى اليوم. وبعد أن تجنّبت لسنوات الانخراط المباشر في الأزمة الليبية، عادت واشنطن في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ تولّي جو بايدن الرئاسة، لتكون لاعباً هاماً في المشهد السياسي الليبي، في خطوة يبدو أنها اتُخذت أساساً لمواجهة النفوذ الروسي الكبير في ليبيا، وضمان نصيب من الثروات الكبيرة لهذا البلد. ولكن مع عودة ترامب إلى الحكم مجدداً مطلع السنة القادمة قد تقلّص هذا الحضور وتُعيد ترتيب الأوراق من جديد، لا سيما وأن ترامب من السياسيين الذين لا يرغبون في الانخراط الأميركي المباشر والمكلف في الأزمات الخارجية.
وعملت واشنطن على استغلال الخلافات القائمة بين الفرقاء الليبيين والأزمات المتتالية، لاقتحام المشهد السياسي والمالي وحتى العسكري في ليبيا، وتلافي غيابها السابق وضمان موطئ قدم يمكّنها من مزاحمة الفاعلين الدوليين في بلاد النفط والغاز. وكانت أزمة مصرف ليبيا المركزي بوابة جديدة وهامة للولايات المتحدة الأميركية حتى تنخرط فعلياً في ليبيا، بعد أن عبدت الطريق دبلوماسياً لهذه المهمة قبل فترة.
ويُذكر أنه في منتصف آب/ أغسطس الماضي، أصدر المجلس الرئاسي الليبي قراراً يقضي بعزل محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير، وتعيين محمد الشكري ثم عبد الفتاح غفار مكانه. وقوبل القرار برفض مجلسي النواب والأعلى للدولة، بتعلة أن هذا الهيكل غير مختص بالنظر بالمناصب السيادية، وأنه اختصاص أصيل لمجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة، وفق الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية عام 2015.
وأدّى ذلك إلى انفجار أزمة كبيرة، أعلنت خلالها فصائل مسلحة جاهزيتها لمواجهات مسلحة، خاصة تلك المتمركزة في طرابلس (غرب البلاد) برعاية رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبد الحميد الدبيبة، التي هددت بخطف بعض موظفي البنك للضغط من أجل تنفيذ القرار. وتقول أوساط ليبية إن القرار اتُخذ بمباركة الدبيبة الذي تجمعه علاقات هامة مع رئيس المجلس الرئاسي، والذي لم يعد يرغب في استمرار الصديق على رأس البنك المركزي، بسبب تقاربه مع سلطات شرق البلاد، التي تخضع لحكم المشير خليفة حفتر وجيشه.
وفي شرق البلاد، أعلن رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، حالة القوة القاهرة على قطاع النفط ووقف إنتاج الخام وتصديره، مما تسبب في انخفاض صادرات البلاد من النفط، بنسبة تزيد عن 80 في المئة، علماً أن النفط هو أكبر مصدر لإيرادات الدولة.
ومع تفاقم الأزمة ومع استمرار تعنّت الطرفين، ووسط تحذيرات دولية وأممية من التأثيرات الوخيمة للأزمة على الاقتصاد الليبي، خاصة وأن بنوكاً دولية أوقفت التعامل مع البنك المركزي الليبي، أطلقت بعثة الأمم المتحدة مبادرة لعقد اجتماع طارئ، تحضره الأطراف المعنية بأزمة البنك المركزي للتوصل إلى توافق، وأيّدها مجلس الأمن.
وبعد ثلاثة أسابيع من المباحثات داخل مقر البعثة الأممية في طرابلس بين ممثلي مجلسي النواب والدولة من جهة، وممثل المجلس الرئاسي من جهة أخرى، وقّع المتباحثون في 26 أيلول/ سبتمبر اتفاقاً نهائياً يقضي بترشيح ناجي عيسى لتولّي منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي ومرعي البرعصي نائباً له، وأن يتم تشكيل مجلس إدارة جديد يتكون من ستة أعضاء.
وفي الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر أعلن رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، رفع حالة “القوة القاهرة” عن جميع الموانئ والمنشآت والحقول النفطية، واستئناف عمليات الإنتاج والتصدير بشكل طبيعي.
ويبدو أن الأزمة لم تنتهِ بعد، في ظل السجال القائم حول عملية اختيار أعضاء مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، الذي يُعتبر وفق القانون الليبي اختصاصاً أصيلاً للمحافظ ونائبه. إلا المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد دبيبة يريدان إدخال أسماء بعينها لضمان وجود أطراف محسوبة عليهما داخل أهم هيكل مالي في ليبيا، تمكنهما من الحصول على الإمدادات المالية كلما رغبا في ذلك، لا سيما وأن الدبيبة تعوّد كسب تأييد الليبيين برصد بعض المبالغ لفائدة الشباب بعناوين مختلفة، فضلاً عن التزامه المالي أمام بعض المليشيات، مقابل حمايته وتمديد فترة بقائه على رأس الحكومة المؤقتة.
وتثير هذه الخلافات المخاوف على صعيد واسع في ليبيا، من أن ينجر البنك المركزي مجدداً إلى أزمة جديدة، في حين تتصيّد واشنطن الفرصة من أجل تولّي قيادة شؤون المصرف ووضع السياسات المالية والإشراف على تنفيذها، حتى وإن ادّعت أن دورها استشاري لا غير، وقد بدأت تحركاتها في هذا الإطار فعلاً.
إذ عقدت سفارة واشنطن لدى ليبيا بتنظيم من وزارة الخزانة الأميركية، قبل أيام، اجتماعاً في تونس، ضم القائم بأعمال السفير الأميركي وممثلاً للخزانة، ومن ليبيا محافظ المصرف المركزي الجديد ناجي عيسى ورئيس لجنة المالية في مجلس النواب ورئيس ديوان المحاسبة، بهدف مناقشة استقلالية المصرف المركزي وعدم التدخل في قراراته، وتخفيض ضريبة النقد الأجنبي، وملف الميزانية الموحدة، وكيفية تعامل المركزي مع الحكومتين. وأثار هذا الاجتماع جدلاً واسعاً في ليبيا، وطُرحت تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تخطط لفرض وصاية على المصرف وعلى الميزانية، وتتالت الدعوات إلى نبذ الخلافات الداخلية، لقطع الطريق أمام الأطراف الخارجية والحيلولة دون تدخلها في شؤون البلاد الداخلية.
إقرأوا أيضاً:
أميركا لا تفلت الكعكة الليبية
ويبدو أن واشنطن لا تكترث كثيراً لمخاوف الليبيين، وستواصل مساعيها لوضع يدها على مصرف ليبيا وموازنتها أيضاً لعدة اعتبارات منها:
أولا، أميركا وحلفاؤها الغربيون لا يثقون بالسلطات الحالية في ليبيا، ولا بآلياتهم المعتمدة في التصرف بإيرادات النفط والغاز، بخاصة أنها قد تحوّلت منذ الثورة إلى بؤرة صراع بين القوى الدولية والإقليمية، من أجل الفوز بنصيب من الكعكة الليبية. ومن بين هذه القوى التي تُثير قلق واشنطن هي روسيا، التي اتّسع نفوذها في ليبيا وفي شمال إفريقيا عموماً وغربها أيضاً. ولهذا سعت الولايات المتحدة مع إدارة بايدن لوضع يدها على البنك المركزي والإشراف على العمليات المالية، حتى تضع حداً للإيرادات التي تذهب لصالح موسكو، والتي تدعم نفوذها في القارة الإفريقية وليس حصراً في ليبيا. وهذا هدف استراتيجي لأميركا.
ثانيا، تعلم واشنطن أن هناك صراعاً قائماً بين فرنسا وإيطاليا وتركيا وروسيا، غايته الأساسية الاستفادة من ثروات النفط والغاز الهائلة في ليبيا، وهي لا ترغب في أن تكون خارج دائرة المستفيدين، بل إنها تعدّ العدة لتكون أهمهم. كيف لا وليبيا تقف على أكبر احتياطي نفط في إفريقيا بمعدل 48 مليار برميل، وتحتل المركز الخامس عالمياً في احتياطي النفط الصخري بل إن تقارير أميركية أكدت أن ليبيا موطن للنفط الصخري المترسب منذ العصر السيلوري، ويمكن أن ينتج ضعف ما تنتجه الرواسب المماثلة في المكسيك وفنزويلا مجتمعة، فضلاً عن احتياطي الغاز الصخري الذي أوضحت تقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية أنه يقارب 942 تريليون قدم مكعب. وبالتالي فإن واشنطن لن تترك المجال مفتوحاً لبقية القوى فيما تكتفي بالمتابعة من بعيد، لا سيما في ظل استمرار الأزمة الليبية.
المحلل السياسي الليبي محمد بويصير يقول لـ”درج”: “إن واشنطن تبدي اهتماماً كبيراً خاصة في السنوات الأخيرة بليبيا، بسبب الاقتراب الروسي من التخوم الجنوبية لأوروبا. ولأن الأميركيين يعملون بمقولة في السياسة إبحث عن المال، فإن مصرف ليبيا المركزي ومؤسسة النفط سيكونان محط الاهتمام الأميركي. وستحاول واشنطن إيجاد مداخل لاقتحام هذه المؤسسات ولو بعناوين مختلفة، من قبيل دعم الليبيين والحفاظ على مصالحهم وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء وغيرها. ولا ننسى أن أميركا غير راضية عن التمويل الذي تحصل عليه بعض المجموعات الروسية على غرار الفيلق الأفريقي، والمتأتي أساساً من عائدات النفط المودعة في المصرف المركزي. ولهذا فإن استمرار الأزمة والخلاف في ليبيا سيجعل أميركا تبادر بافتكاك زمام الأمور من الليبيين وتشرف بنفسها على مسار العملية المالية في ليبيا، حتى وإن ادّعت أنها تقدّم فقط الاستشارات، فإن الواقع سيكون غير ذلك”.
تحركات سابقة
ويبدو أن واشنطن لا تتحرك باتجاه هذه الأهداف من دون تعبيد الطريق بشكل مسبق على أكثر من صعيد، إذ عملت على تعميق دورها الدبلوماسي في هذا مباشرة مع قدوم إدارة الرئيس بايدن، الذي سارع إلى تعيين ريتشارد نورلاند سفيراً ومبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي في أيار/ مايو 2021، وجعل الملف الليبي على رأس اهتمامات إدارته. وقد ترجمت الجولات المكوكية التي قام بها كل من المبعوث الأميركي نورلاند والقائم بأعمال السفير جيريمي برنت واللقاءات، التي عقداها مع مختلف الأطراف الفاعلة في الصراع الليبي شرقاً وغرباً، فضلاً عن اللاعبين الدوليين الإقليميين في الملف الليبي، هذه الانعطافة الأميركية نحو ليبيا.
لم تتوقف تحركات واشنطن الدبلوماسية عند السفير، بل امتدت حتى إلى بعثة الأمم المتحدة، حيث دفعت الدبلوماسية الأميركية نحو تعيين ستيفاني خوري، نائبة للممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأممية للدعم في ليبيا، في بداية آذار/ مارس الماضي. وهي خطوة لم تأتِ اعتباطياً، بل أرادت من خلالها واشنطن تجنب الفيتو الصيني أو الروسي داخل الأمن، في حال حاولت أميركا تعيين رئيس للبعثة من مواطنيها. إذ كانت واشنطن تدرك أن المبعوث الأممي عبد الله باتيلي سيقدم استقالته بعد فترة وجيزة، وبالتالي تتولى خوري رئاسة البعثة من دون الحاجة إلى تصويت مجلس الأمن، وهو ما تم فعلاً، حيث استقال الأخير في نيسان/ أبريل الماضي. وبهذا التعيين سيتسنى لواشنطن السيطرة على مجريات التسوية الليبية وفق الرؤية والبرامج والتوجهات الأميركية.
كما لم تغفل واشنطن الجانب العسكري وعقد دبلوماسيوها لقاءات متعددة مع الفاعلين العسكريين والأمنيين الرئيسين في شرق ليبيا وغربها، بل إن الاجتماعات طالت حتى قادة بعض الميليشيات في العاصمة طرابلس. والعنوان الكبير لهذه اللقاءات كان توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا، أي استخدام الأزمات الليبية وتعنّت الفرقاء الليبيين للدخول على أكثر من اتجاه، طالما أن الأهداف المعلنة متوفرة وسهلة التسويق حتى لدى الليبيين أنفسهم.
ترامب والتغيير المحتمل
لكن هذا الانخراط الكبير في الملف الليبي وهذه الخطوات التي رافقت سنوات حكم بايدن قد تتراجع مع فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقد تأخذ أشكالاً أخرى تنسجم مع سياسات هذا الرجل حيال الملفات الخارجية. إذ من المرجح أن يتقلّص دور واشنطن في الوساطة في الملف الليبي، مع ترامب الذي لا يرغب في أن تتحمل بلاده العبء الرئيسي في إدارة الأزمة، انسجاماً مع سياسته “أميركا أولاً” الذي يرفض بمقتضاه الرئيس الأميركي القادم أن تتحمل واشنطن أعباء أزمات الدول الأخرى. وقد تحمل الأيام القادمة معطيات جديدة تظهر خلالها بعض القوى الإقليمية والدولية أكثر انخراطاً في الأزمة الليبية، ولكن هذا لن يمنع الإدراة الأميركية الجديدة من اتخاذ مواقف حادة ضد بعض القوى وخاصة إيطاليا وفرنسا، إذا ما رأت أن انخراطهما قد يضر بالمصالح الأميركية.
ومن العوامل الأخرى التي ترجّح تغيير التعاطي الأميركي مع الملف الليبي، هو عدم التقاء كل من ترامب وبايدن على دعم نفس الأطراف السياسية في ليبيا. ففيما بدت إدارة بايدن أكثر ميلاً إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة، كان ترامب أكثر دعماً للمشير حفتر، حتى إنه قد قام بتهنئته في حرب عام 2019، على النجاحات العسكرية التي حققها ضد الجماعات الإرهابية، وهناك عدة متابعين للشأن الليبي قد أكدوا أن هجوم حفتر على طرابلس كان بضوء أخضر من ترامب. ولهذا فإن شكل التعاطي الأميركي مع الملف الليبي قد يشهد تغييرات كبيرة، ولكن الثابت أن أميركا لن تترك نصيبها من الكعكة الليبية.














