ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

وثائقي “أن تقتل آنا”: كيف استعادت أنصار شحّود وجهها!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تحوّلات أنصار شحّود وما اختبرته والفريق الذي ساعد في كشف مجزرة التضامن، نشاهده في الفيلم الوثائقي: “أن تقتل آنا-Killin Anna”، من إخراج سام بينستيد، الفيلم الذي صُوّر على مدار 4 سنوات، نتتبّع فيه حكاية مجزرة، ومجرم حرب، وبحثاً أكاديمياً، وعملاً صحافياً، نحملق أيضاً بالكيفية التي تلاشت فيها أنصار، وفَطمَتْ آنا التي حدّقت بعيني متّهمين بجرائم حرب، لتختفي لاحقاً مع صور الأسد في الرماد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تعمل الباحثة أنصار شحّود بصمت، هي بعيدة كل البعد عن الأضواء ووسائل التواصل الاجتماعي، أشبه بطيف لا نعرف سوى اسمه، لا صورة لها، ولا وجه، شحّود الأكاديمية المُختصّة في دراسات الإبادة والعنف الجماعي، تتعمّد  “التخفّي” بحكم عملها، هي تتبّع الجناة، مرتكبي الفظائع في القطاعات العسكرية وشبه العسكرية والطبّية في سوريا، وتركّز على مأسسة العنف وتقنينه وهرميته، لفهم “النظام” السوري، الذي قتّل من السوريين ما قتّل، ووثّق، وصنع أرشيفاً للفناء.

ظهر اسم أنصار شحّود إلى العلن في عام 2022 مع الكشف عن مجزرة التضامن وعمليّات العنف الجماعي التي مارسها النظام السوري، إذ نشرت وسيلتا إعلام ومركز أبحاث (الجمهورية، نيو لاينز، ذا غاردين) تفاصيل المقتلة،  وكيف تمّ تتبّع أحد الجناة.

 الجهد الذي قام به كل من أنصار شحّود والأكاديمي التركي أور أوميت أونغور وفريقهما، حينها، أي لحظة النشر،  وجد السوريون و”العالم” أنفسهم أمام مجزرة أُخفيت معالمها أمام الكاميرا، ارتكبها ووثّقها عناصر يرتدون زيّ عناصر نظام الأسد إذ نشهد ا قتلاً جماعياً، العشرات انتهوا في حفرة ضمن حيّ سكني،  وكأنهم في “عمل روتيني” يتخلّله الضحك والقفشات، “عمل” انتهى بقبر جماعي تكدّست فيه الأبدان قبل حرقها.

المهمّ،  يكشف الفيلم كيف وثّقت أنصار اعترافات أمجد يوسف، المتّهم الرئيسي بارتكاب المجزرة، وكيف حدّقت بوجهه وهو “يستجوبها” للتأكّد من “هويّتها”، والأهمّ، كيف وصلت إليه و”عرفته”، لكن، هل هي أنصار فعلاً من حدّقت بعيني مجرم الحرب الذي “انتقم كثيراً”!

أنصار شحود-لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

تحوّلات أنصار شحّود وما اختبرته والفريق الذي ساعد في كشف مجزرة التضامن، نشاهده في الفيلم الوثائقي: “أن تقتل آنا-Killing Anna”، من إخراج سام بينستيد، الذي عُرض للمرّة الأولى هذا العام في “مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقيّة”، وعُرض في “مهرجان شيفيلد للأفلام الوثائقية”، الفيلم الذي صُوّر على مدار 4 سنوات، نتتبّع فيه حكاية مجزرة، ومجرم حرب، وبحثاً أكاديمياً، وعملاً صحافياً، نحملق أيضاً بالكيفية التي تلاشت فيها  أنصار، وفَطمَتْ آنا التي حدّقت بعيني متّهمين بجرائم حرب، لتختفي لاحقاً مع صور الأسد في الرماد.

البَحث عن “رجال الأسد”

يُفتتح الفيلم بحديث أنصار شحّود عن آنا، شخصيّة وهمية اختلقتها في عام 2018 للتواصل مع ضبّاط الأسد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة أدقّ، “اختراق جدار الصمت” لدراسة رجال الأمن السوري والميليشيات الرديفة لجيش الأسد (الدفاع الوطني) وتحليلهم، تحت غطاء باحثة أكاديمية، مؤيّدة لبشّار الأسد، تحاول أن تنقل الحكاية من وجهة نظر أخرى كي يتعرّف عليها “الغرب”!

هذه “المغامرة” الخطرة على المستوى الأكاديمي والنفسي كانت ضرورة بمواجهة نظام الأسد، الذي لا يقتل فقط، بل يُخفي أدلّة القتل، فأسلوب القيادة وبيروقراطيتها وهرميتها لم تُكشف من داخل النظام إلا شذرات، لكنّ المفارقة، أن هذه السرّية لها قرين علني يتمثّل بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث نكتشف حسابات عناصر وضبّاط مع صورهم وكأنهم “أشخاص عاديون”.

أنصار شحود-لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

نتتبّع في الفيلم كيف تواصل أحدهم في عام 2019 مع أونغور والتقى به ليشاهد الفيديو الشهير للمجزرة،  يومها لم يكن أور ولا أنصار يعرفان شيئاً سوى أنهما أمام فيديو من مكان قرب دمشق، يظهر فيه أفراد بزيّ عسكري، يرمون بسوريين إلى حتوفهم، وبعد وصول الفيديوهات إلى الجامعة في أمستردام، وتسليمها إلى السلطات المختصّة لفتح تحقيق (الوحدة المختصّة بجرائم الحرب في مكتب الشرطة الفيدرالية الألمانية)، جلست أنصار أمام الشاشة وبدأت العدّ.

الضحيّة واحد، اثنان، ثلاثة… وهكذا تحصي أنصار موتاً يلتهم عقل من يحدّق به، 288 شخصاً وثّقت الفيديوهات قتلهم، تقول أنصار في الفيلم إن “الأقسى كان الصوت…”، صوت الرصاص، وأنفاس الحياة الأخيرة تغادر الوجوه المعصوبة التي تستقرّ جثثاً في قعر حفرة أو بناء في التضامن.

وخرجت “آنا” من قحف الرأس…

طارد الوجه ذو الندبة فوق حاجبه الأيسر، صحو  أنصار ونومها، حينها كان أمجد يوسف وجهاً بلا اسم، لكن كما اختبرت أنصار أثناء عملها الأكاديمي، أن رجالات الأسد نشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، رجال بالزيّ الرسميّ والعتاد الكامل يبتسمون بوجه الكاميرا، وهنا بدأت رحلة البحث بين الأوجه، هامت أنصار ساعات وأيّاماً وشهوراً بحثاً عن ملامح ذلك الذي يظهر في الفيديو، تتدفّق أمامنا وأمام أنصار صور رجال يتموضعون بعتادهم ويصطفّون بعد أداء “مهمّة” لا نعرفها أمام تحديقة العدسة، أصدقاء في السلاح  يدلّل مُحيّا كل واحد منهم احتمالات الشكّ الذي يهدّد اليقين.

تخفّف رجالات الأسد وضبّاطه أمام الكاميرا يثير الرعب، وهنا يحضر السؤال حول هؤلاء، لِمَ التصوير والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي؟ من ذاك وراء عدسة الكاميرا الذي يصوّر وينشر عبر فايس بوك، وكأنهم ليسوا بخائفين، وكأن الأبد الأسدي سرمدي ولا ينتهي! كل هذه التساؤلات يطرحها  أنصار وأور، إلى أن ظهر فجأة الحساب المنشود: أمجد يوسف.

حساب أمجد يوسف على فايسبوك

ضبط مساحة الجريمة  والفاعلين فيها تطلّب  أيضاً مصادر على الأرض، لتحديد مكان المجزرة بدقّة، صحيح أننا أمام ضحايا وجناة، لكن لا بدّ من معرفة التراب الذي احتضن الأجسام التي قُتلت،  وهذا ما تمكّن الفريق من القيام به.

 لكن يبقى السؤال، هل يمكن أن ندفع متّهماً بجريمة حرب بأن يعترف؟ بأن يتحدّث؟ أو على الأقلّ أن نخوض معه حواراً؟

قيمة السؤال عن “الحوار” تمثّل لحظة نادرة في تاريخ دراسات العنف الجماعي، عادة الاعترافات والحوار مع مجرمي الحرب يتمّان إما على لسان الناجين أو في سياق المحاكم والطبّ النفسي، وقليلة جداً هي الحالات التي يتمّ فيها “حديث” خارج هذه السياقات،  ومن هذه المفارقة، بدأت تتلاشى أنصار شحّود، يتغيّر شكلها ونبرتها كما نتلمّس في الفيلم إلى أن بُعثت آنا، تلك التي اكتسبت قائمة طويلة من “الأصدقاء” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائمة تكشف سلسلة الجناة والمتهمين وهرميتهم، دائرة مغلقة، دخلت فيها آنا كي تصل إلى اللحظة الحاسمة، هل يمكن أن يردّ أمجد يوسف على اتصال فيديو؟ باختصار: نعم!

حساب “آنأ” عبر فايسبوك

نتتبّع في الفيلم تحوّل أنصار شحّود إلى طيف لتحلّ مكانها آنا، تلك التي تقتبس من أنصار وتصادرها أحياناً، واللافت أن كلتيهما محاطة بالرجال، في الشاشة وأمام الكاميرا، وكأن لا قرين لأنصار سوى آنا وجثث النساء في الفيديوهات، وهنا تظهر آنا كوسيط بين عالمين، إذ استعانت آنا بشبكة علاقاتها الافتراضية في تتبّع الجناة والمتّهمين، لتخوض معهم حوارات مضبوطة ومنهجية، لاكتشاف ماكينة القتل التي قادها النظام السوري من وجهة نظر “مشغّليها”، ما أوصلها إلى كسب “ثقتهم”، التي انتهت بحوار طويل مع أمجد يوسف، ثم اعترافه بأنه “انتقم… وقتل كثيراً”، وتأكيده أنه هو الظاهر في الفيديو.

نتتبّع في الفيلم طبقات مريعة من العنف والموت، فناء يحبس الأرواح في البيكسيلات،  فهناك من صوّر القتل، وهناك تحديقة آنا بوجه القاتل عبر الكاميرا، وتحديقة صانع الفيلم نفسه، حملقة تضاف إليها عينا المشاهد، وبينها تطفو أرواح الضحايا، والمرعب، هناك عين القاتل نفسه، ففي إحدى اللقطات نرى أنفسنا نحدّق بوجه آنا من وجهة نظر أمجد يوسف، لحظة تثير القشعريرة في البدن! ذاك الذي استغنت عنه أنصار لصالح آنا واختفت وراء حدقة عينها.

في الوقت ذاته، نلاحظ كيف تتغيّر أنصار نفسها، آنا تأخذ مساحة أوسع وأشد “حياةً”، هي التي لا تهاب أن تواجه أحد الجناة، وتتّهمه والدفاع الوطني بالسرقة والتعفيش، نحن أمام تمارين خطرة على التلاشي أمام الكاميرا، خصوصاً أن مساحة حياة آنا كانت محصورة بكادر عدسة اللابتوب الذي يحبس وجهها وجه الجاني، بينما أنصار تحدّق بصمت.

تقنيات التنكّر واللعب التي تمارسها أنصار لتضمن “الأنا” الخاصّة بها، أتاحت مساحة بحثية نادرة في الشأن السوري، لكن في الوقت ذاته أنصار تتلاشى، تموت مجازياً حدّ أن اسمها نفسه يصبح محطّ التباس، آنا تحاول مغادرة الكادر المضبوط الذي يتحكّم بـ”وجودها”، لكن، متى تُبعث أنصار وتستعيد “الأنا”؟

ثم استعادت أنصار شحّود وجهها…

بعد نشر التحقيق والكشف عن المجزرة وهويّة أمجد يوسف، تتعرّض أنصار لسلسلة من التهديدات، أبرزها من أمجد يوسف نفسه، الذي وعدها بقتلها، ما يفسّر أيضاً اختفاء أنصار من الفضاءات الرقمية على الأقلّ، ونشر حينها كل من أنصار وأور بياناً أشارا فيه إلى كيفية تواصل أهالي ضحايا المجازر المرتكبة في التضامن، مع “هيئة الشرطة الدولية الألمانية المتخصّصة في جرائم الحرب”، كوننا أمام مسار قضائي دولي.

لكن، بقي  تهديد آنا التي ما زالت تحاول احتلال مساحة الوعي والحضور خارج سياق حسابها الوهمي على فايسبوك، وهنا يأتي القرار الحاسم في عام 2022، أنصار ستستعيد “حضورها”، لكنّ هذا الحسم استغرق سنوات، وفي عام 2025،  تجمع أغراض آنا، وزاوية “اللعب” التي كانت “حيّة” فيها حيث صور الأسدين ليحترق كل شيء، بينما تُعيد أنصار امتلاك “نَفْسَها” و”نَفَسَهَا”.

لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

ما زال أمجد وقادته أحياء وأحراراً، وتهديداتهم حاضرة، ووصلت إلى عائلة إنصار، لكنّ سطوة الفضيحة بعد انتشار التقارير الصحافية هدّدت النظام السوري وصورته، فنحن أمام مجزرة موثّقة بالمكان والزمان والجناة، واعترافات على لسان الجناة أنفسهم وهرميتهم، ورغم “الفضيحة”، انتهى جهد أنصار وأور إلى الأرشيف، إذ لا مساحة لمحاسبة أمجد يوسف ولا قادته في ظلّ وجود النظام السوري، إلا من وصل منهم إلى أوروبا كـ”سائق تراكس التضامن” التابع لميليشيات الدفاع الوطني، والذي حوكم في هامبورغ.

يوثّق الفيلم صيغة “التحقيق” التي اتّبعها فريق العمل، من  متابعة متّهمين وأدلّة ومحاولات رصد الجناة والكشف عن جريمة حرب، لكن نحن أمام فجيعة فاحشة تهدّد تماسك من يشهدها بالمعنى الحرفي، وهذا ما يتّضح من علاقة فريق العمل مع “موضوع” عملهم نفسه، العنف الشديد في التسجيلات من التضامن تطلب آليّة عمل مضبوطة، كل فرد في الفريق الذي يحوي صحافيين وباحثين ومصادر ميدانية ومحقّقي مصادر مفتوحة، يعمل ضمن جزء محدّد، إذ لم يشاهد “الجميع” التسجيلات التي يضرب التعرّض لها تماسك”الأنا”، خصوصاً لدى السوريين، حين يشاهدون سوريين يقتلون سوريين آخرين ليس فقط كأنهم أعداء، بل كأنهم أقلّ من بشر، أقرب إلى Abject؛ الكلمة عصيّة على الترجمة إلى العربية.

 هذا العنف ربما هو الذي أتاح لآنا وحمى أنصار نفسها، فـآنا تواصلت مع الجناة ونظرت في وجوههم يستعرضون “بطولاتهم”، لذا في النهاية، كان لا بدّ لها من الاختفاء، هي حضور شبحيّ مؤقّت، قرين تلاشى بمجرّد أن قرّرت أنصار أن تخرج من وراء عين آنا وتحدّق بها.

“اعترافات” أمجد يوسف

نشاهد في الفيلم لحظات سقوط النظام السوري وفتح السجون والمعتقلات، لكنّ أنصار لم تنجُ، فالتهديد ما زال حاضراً ، ولا أثر لأمجد يوسف، الذي يوثّق الفيلم شهادة أحد الناجين من المجازر التي ارتكبها، ويكشف المشاركين في تحديد مكانها عن أوجههم بعد أن تخفّوا وراء أقنعة طوال الفيلم، إلا أنصار، ما زالت خفيّة، فرحة سقوط النظام والشعور بالارتياح الذي عمّ جميع السوريين لم يكن النهاية بالنسبة إليها،  فالكثير من القتلة ما زالوا خارج السجن. 

لكن فجأة، انتشر خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف، الذي تقول أنصار إنها شعرت بالارتياح حينها، على الأقلّ، ذهب التهديد المباشر، لكنّ، قادة أمجد ما زالوا موجودين، وبعضهم ضمن الحكومة الجديدة في دمشق.

إلقاء القبض على أمجد يوسف فتح باباً جديداً من التساؤلات، خصوصاً أن وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة بثّت اعترافاته، ولاحقاً، نشرت الجمهورية ومتحف سجون سوريا تحقيقاً بعنوان “الإضبارة الداخلية لمجزرة التضامن”، الذي يكشف عن التحقيق الذي أجرته المخابرات السورية  مع أمجد يوسف بعد انتشار خبر المجزرة.

ما يحصل الآن، أننا أمام أنواع متعدّدة من الاعترافات في سياقات مختلفة: اعتراف أمجد لـآنا، اعتراف أمجد أمام المخابرات السورية في عهد الأسد، واعترافات أمام عدسة كاميرا وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة، كل واحدة من هذه “الاعترافات” تختلف في تفاصيلها عن الأخرى، خصوصاً تلك الرسمية التي يقول فيها أمجد يوسف أنه تصرّف على هواه دون تلقّي أوامر من أحد!

تداعيات مجزرة التضامن لم تنتهِ بإلقاء القبض على أمجد يوسف، إذ تمكّنت “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا، بعد حصولها على تسجيلات المجزرة من التعرّف على هويّة أطفال رانيا العباسي،  وإعلان وفاتهم رسمياً بعد سنوات من البحث عنهم، في حين أن الجهود ما زالت مستمرّة لتحديد باقي الضحايا والبحث عن رفاتهم، خصوصاً أننا أمام قبور جماعية متعدّدة في التضامن، وليس فقط تلك التي تظهر في التسجيلات التي نُشرت سابقاً.

20.06.2026
زمن القراءة: 8 minutes

تحوّلات أنصار شحّود وما اختبرته والفريق الذي ساعد في كشف مجزرة التضامن، نشاهده في الفيلم الوثائقي: “أن تقتل آنا-Killin Anna”، من إخراج سام بينستيد، الفيلم الذي صُوّر على مدار 4 سنوات، نتتبّع فيه حكاية مجزرة، ومجرم حرب، وبحثاً أكاديمياً، وعملاً صحافياً، نحملق أيضاً بالكيفية التي تلاشت فيها أنصار، وفَطمَتْ آنا التي حدّقت بعيني متّهمين بجرائم حرب، لتختفي لاحقاً مع صور الأسد في الرماد.

تعمل الباحثة أنصار شحّود بصمت، هي بعيدة كل البعد عن الأضواء ووسائل التواصل الاجتماعي، أشبه بطيف لا نعرف سوى اسمه، لا صورة لها، ولا وجه، شحّود الأكاديمية المُختصّة في دراسات الإبادة والعنف الجماعي، تتعمّد  “التخفّي” بحكم عملها، هي تتبّع الجناة، مرتكبي الفظائع في القطاعات العسكرية وشبه العسكرية والطبّية في سوريا، وتركّز على مأسسة العنف وتقنينه وهرميته، لفهم “النظام” السوري، الذي قتّل من السوريين ما قتّل، ووثّق، وصنع أرشيفاً للفناء.

ظهر اسم أنصار شحّود إلى العلن في عام 2022 مع الكشف عن مجزرة التضامن وعمليّات العنف الجماعي التي مارسها النظام السوري، إذ نشرت وسيلتا إعلام ومركز أبحاث (الجمهورية، نيو لاينز، ذا غاردين) تفاصيل المقتلة،  وكيف تمّ تتبّع أحد الجناة.

 الجهد الذي قام به كل من أنصار شحّود والأكاديمي التركي أور أوميت أونغور وفريقهما، حينها، أي لحظة النشر،  وجد السوريون و”العالم” أنفسهم أمام مجزرة أُخفيت معالمها أمام الكاميرا، ارتكبها ووثّقها عناصر يرتدون زيّ عناصر نظام الأسد إذ نشهد ا قتلاً جماعياً، العشرات انتهوا في حفرة ضمن حيّ سكني،  وكأنهم في “عمل روتيني” يتخلّله الضحك والقفشات، “عمل” انتهى بقبر جماعي تكدّست فيه الأبدان قبل حرقها.

المهمّ،  يكشف الفيلم كيف وثّقت أنصار اعترافات أمجد يوسف، المتّهم الرئيسي بارتكاب المجزرة، وكيف حدّقت بوجهه وهو “يستجوبها” للتأكّد من “هويّتها”، والأهمّ، كيف وصلت إليه و”عرفته”، لكن، هل هي أنصار فعلاً من حدّقت بعيني مجرم الحرب الذي “انتقم كثيراً”!

أنصار شحود-لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

تحوّلات أنصار شحّود وما اختبرته والفريق الذي ساعد في كشف مجزرة التضامن، نشاهده في الفيلم الوثائقي: “أن تقتل آنا-Killing Anna”، من إخراج سام بينستيد، الذي عُرض للمرّة الأولى هذا العام في “مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقيّة”، وعُرض في “مهرجان شيفيلد للأفلام الوثائقية”، الفيلم الذي صُوّر على مدار 4 سنوات، نتتبّع فيه حكاية مجزرة، ومجرم حرب، وبحثاً أكاديمياً، وعملاً صحافياً، نحملق أيضاً بالكيفية التي تلاشت فيها  أنصار، وفَطمَتْ آنا التي حدّقت بعيني متّهمين بجرائم حرب، لتختفي لاحقاً مع صور الأسد في الرماد.

البَحث عن “رجال الأسد”

يُفتتح الفيلم بحديث أنصار شحّود عن آنا، شخصيّة وهمية اختلقتها في عام 2018 للتواصل مع ضبّاط الأسد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة أدقّ، “اختراق جدار الصمت” لدراسة رجال الأمن السوري والميليشيات الرديفة لجيش الأسد (الدفاع الوطني) وتحليلهم، تحت غطاء باحثة أكاديمية، مؤيّدة لبشّار الأسد، تحاول أن تنقل الحكاية من وجهة نظر أخرى كي يتعرّف عليها “الغرب”!

هذه “المغامرة” الخطرة على المستوى الأكاديمي والنفسي كانت ضرورة بمواجهة نظام الأسد، الذي لا يقتل فقط، بل يُخفي أدلّة القتل، فأسلوب القيادة وبيروقراطيتها وهرميتها لم تُكشف من داخل النظام إلا شذرات، لكنّ المفارقة، أن هذه السرّية لها قرين علني يتمثّل بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث نكتشف حسابات عناصر وضبّاط مع صورهم وكأنهم “أشخاص عاديون”.

أنصار شحود-لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

نتتبّع في الفيلم كيف تواصل أحدهم في عام 2019 مع أونغور والتقى به ليشاهد الفيديو الشهير للمجزرة،  يومها لم يكن أور ولا أنصار يعرفان شيئاً سوى أنهما أمام فيديو من مكان قرب دمشق، يظهر فيه أفراد بزيّ عسكري، يرمون بسوريين إلى حتوفهم، وبعد وصول الفيديوهات إلى الجامعة في أمستردام، وتسليمها إلى السلطات المختصّة لفتح تحقيق (الوحدة المختصّة بجرائم الحرب في مكتب الشرطة الفيدرالية الألمانية)، جلست أنصار أمام الشاشة وبدأت العدّ.

الضحيّة واحد، اثنان، ثلاثة… وهكذا تحصي أنصار موتاً يلتهم عقل من يحدّق به، 288 شخصاً وثّقت الفيديوهات قتلهم، تقول أنصار في الفيلم إن “الأقسى كان الصوت…”، صوت الرصاص، وأنفاس الحياة الأخيرة تغادر الوجوه المعصوبة التي تستقرّ جثثاً في قعر حفرة أو بناء في التضامن.

وخرجت “آنا” من قحف الرأس…

طارد الوجه ذو الندبة فوق حاجبه الأيسر، صحو  أنصار ونومها، حينها كان أمجد يوسف وجهاً بلا اسم، لكن كما اختبرت أنصار أثناء عملها الأكاديمي، أن رجالات الأسد نشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، رجال بالزيّ الرسميّ والعتاد الكامل يبتسمون بوجه الكاميرا، وهنا بدأت رحلة البحث بين الأوجه، هامت أنصار ساعات وأيّاماً وشهوراً بحثاً عن ملامح ذلك الذي يظهر في الفيديو، تتدفّق أمامنا وأمام أنصار صور رجال يتموضعون بعتادهم ويصطفّون بعد أداء “مهمّة” لا نعرفها أمام تحديقة العدسة، أصدقاء في السلاح  يدلّل مُحيّا كل واحد منهم احتمالات الشكّ الذي يهدّد اليقين.

تخفّف رجالات الأسد وضبّاطه أمام الكاميرا يثير الرعب، وهنا يحضر السؤال حول هؤلاء، لِمَ التصوير والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي؟ من ذاك وراء عدسة الكاميرا الذي يصوّر وينشر عبر فايس بوك، وكأنهم ليسوا بخائفين، وكأن الأبد الأسدي سرمدي ولا ينتهي! كل هذه التساؤلات يطرحها  أنصار وأور، إلى أن ظهر فجأة الحساب المنشود: أمجد يوسف.

حساب أمجد يوسف على فايسبوك

ضبط مساحة الجريمة  والفاعلين فيها تطلّب  أيضاً مصادر على الأرض، لتحديد مكان المجزرة بدقّة، صحيح أننا أمام ضحايا وجناة، لكن لا بدّ من معرفة التراب الذي احتضن الأجسام التي قُتلت،  وهذا ما تمكّن الفريق من القيام به.

 لكن يبقى السؤال، هل يمكن أن ندفع متّهماً بجريمة حرب بأن يعترف؟ بأن يتحدّث؟ أو على الأقلّ أن نخوض معه حواراً؟

قيمة السؤال عن “الحوار” تمثّل لحظة نادرة في تاريخ دراسات العنف الجماعي، عادة الاعترافات والحوار مع مجرمي الحرب يتمّان إما على لسان الناجين أو في سياق المحاكم والطبّ النفسي، وقليلة جداً هي الحالات التي يتمّ فيها “حديث” خارج هذه السياقات،  ومن هذه المفارقة، بدأت تتلاشى أنصار شحّود، يتغيّر شكلها ونبرتها كما نتلمّس في الفيلم إلى أن بُعثت آنا، تلك التي اكتسبت قائمة طويلة من “الأصدقاء” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائمة تكشف سلسلة الجناة والمتهمين وهرميتهم، دائرة مغلقة، دخلت فيها آنا كي تصل إلى اللحظة الحاسمة، هل يمكن أن يردّ أمجد يوسف على اتصال فيديو؟ باختصار: نعم!

حساب “آنأ” عبر فايسبوك

نتتبّع في الفيلم تحوّل أنصار شحّود إلى طيف لتحلّ مكانها آنا، تلك التي تقتبس من أنصار وتصادرها أحياناً، واللافت أن كلتيهما محاطة بالرجال، في الشاشة وأمام الكاميرا، وكأن لا قرين لأنصار سوى آنا وجثث النساء في الفيديوهات، وهنا تظهر آنا كوسيط بين عالمين، إذ استعانت آنا بشبكة علاقاتها الافتراضية في تتبّع الجناة والمتّهمين، لتخوض معهم حوارات مضبوطة ومنهجية، لاكتشاف ماكينة القتل التي قادها النظام السوري من وجهة نظر “مشغّليها”، ما أوصلها إلى كسب “ثقتهم”، التي انتهت بحوار طويل مع أمجد يوسف، ثم اعترافه بأنه “انتقم… وقتل كثيراً”، وتأكيده أنه هو الظاهر في الفيديو.

نتتبّع في الفيلم طبقات مريعة من العنف والموت، فناء يحبس الأرواح في البيكسيلات،  فهناك من صوّر القتل، وهناك تحديقة آنا بوجه القاتل عبر الكاميرا، وتحديقة صانع الفيلم نفسه، حملقة تضاف إليها عينا المشاهد، وبينها تطفو أرواح الضحايا، والمرعب، هناك عين القاتل نفسه، ففي إحدى اللقطات نرى أنفسنا نحدّق بوجه آنا من وجهة نظر أمجد يوسف، لحظة تثير القشعريرة في البدن! ذاك الذي استغنت عنه أنصار لصالح آنا واختفت وراء حدقة عينها.

في الوقت ذاته، نلاحظ كيف تتغيّر أنصار نفسها، آنا تأخذ مساحة أوسع وأشد “حياةً”، هي التي لا تهاب أن تواجه أحد الجناة، وتتّهمه والدفاع الوطني بالسرقة والتعفيش، نحن أمام تمارين خطرة على التلاشي أمام الكاميرا، خصوصاً أن مساحة حياة آنا كانت محصورة بكادر عدسة اللابتوب الذي يحبس وجهها وجه الجاني، بينما أنصار تحدّق بصمت.

تقنيات التنكّر واللعب التي تمارسها أنصار لتضمن “الأنا” الخاصّة بها، أتاحت مساحة بحثية نادرة في الشأن السوري، لكن في الوقت ذاته أنصار تتلاشى، تموت مجازياً حدّ أن اسمها نفسه يصبح محطّ التباس، آنا تحاول مغادرة الكادر المضبوط الذي يتحكّم بـ”وجودها”، لكن، متى تُبعث أنصار وتستعيد “الأنا”؟

ثم استعادت أنصار شحّود وجهها…

بعد نشر التحقيق والكشف عن المجزرة وهويّة أمجد يوسف، تتعرّض أنصار لسلسلة من التهديدات، أبرزها من أمجد يوسف نفسه، الذي وعدها بقتلها، ما يفسّر أيضاً اختفاء أنصار من الفضاءات الرقمية على الأقلّ، ونشر حينها كل من أنصار وأور بياناً أشارا فيه إلى كيفية تواصل أهالي ضحايا المجازر المرتكبة في التضامن، مع “هيئة الشرطة الدولية الألمانية المتخصّصة في جرائم الحرب”، كوننا أمام مسار قضائي دولي.

لكن، بقي  تهديد آنا التي ما زالت تحاول احتلال مساحة الوعي والحضور خارج سياق حسابها الوهمي على فايسبوك، وهنا يأتي القرار الحاسم في عام 2022، أنصار ستستعيد “حضورها”، لكنّ هذا الحسم استغرق سنوات، وفي عام 2025،  تجمع أغراض آنا، وزاوية “اللعب” التي كانت “حيّة” فيها حيث صور الأسدين ليحترق كل شيء، بينما تُعيد أنصار امتلاك “نَفْسَها” و”نَفَسَهَا”.

لقطة من الفيلم حصلنا عليها بموافقة شركة الإنتاج

ما زال أمجد وقادته أحياء وأحراراً، وتهديداتهم حاضرة، ووصلت إلى عائلة إنصار، لكنّ سطوة الفضيحة بعد انتشار التقارير الصحافية هدّدت النظام السوري وصورته، فنحن أمام مجزرة موثّقة بالمكان والزمان والجناة، واعترافات على لسان الجناة أنفسهم وهرميتهم، ورغم “الفضيحة”، انتهى جهد أنصار وأور إلى الأرشيف، إذ لا مساحة لمحاسبة أمجد يوسف ولا قادته في ظلّ وجود النظام السوري، إلا من وصل منهم إلى أوروبا كـ”سائق تراكس التضامن” التابع لميليشيات الدفاع الوطني، والذي حوكم في هامبورغ.

يوثّق الفيلم صيغة “التحقيق” التي اتّبعها فريق العمل، من  متابعة متّهمين وأدلّة ومحاولات رصد الجناة والكشف عن جريمة حرب، لكن نحن أمام فجيعة فاحشة تهدّد تماسك من يشهدها بالمعنى الحرفي، وهذا ما يتّضح من علاقة فريق العمل مع “موضوع” عملهم نفسه، العنف الشديد في التسجيلات من التضامن تطلب آليّة عمل مضبوطة، كل فرد في الفريق الذي يحوي صحافيين وباحثين ومصادر ميدانية ومحقّقي مصادر مفتوحة، يعمل ضمن جزء محدّد، إذ لم يشاهد “الجميع” التسجيلات التي يضرب التعرّض لها تماسك”الأنا”، خصوصاً لدى السوريين، حين يشاهدون سوريين يقتلون سوريين آخرين ليس فقط كأنهم أعداء، بل كأنهم أقلّ من بشر، أقرب إلى Abject؛ الكلمة عصيّة على الترجمة إلى العربية.

 هذا العنف ربما هو الذي أتاح لآنا وحمى أنصار نفسها، فـآنا تواصلت مع الجناة ونظرت في وجوههم يستعرضون “بطولاتهم”، لذا في النهاية، كان لا بدّ لها من الاختفاء، هي حضور شبحيّ مؤقّت، قرين تلاشى بمجرّد أن قرّرت أنصار أن تخرج من وراء عين آنا وتحدّق بها.

“اعترافات” أمجد يوسف

نشاهد في الفيلم لحظات سقوط النظام السوري وفتح السجون والمعتقلات، لكنّ أنصار لم تنجُ، فالتهديد ما زال حاضراً ، ولا أثر لأمجد يوسف، الذي يوثّق الفيلم شهادة أحد الناجين من المجازر التي ارتكبها، ويكشف المشاركين في تحديد مكانها عن أوجههم بعد أن تخفّوا وراء أقنعة طوال الفيلم، إلا أنصار، ما زالت خفيّة، فرحة سقوط النظام والشعور بالارتياح الذي عمّ جميع السوريين لم يكن النهاية بالنسبة إليها،  فالكثير من القتلة ما زالوا خارج السجن. 

لكن فجأة، انتشر خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف، الذي تقول أنصار إنها شعرت بالارتياح حينها، على الأقلّ، ذهب التهديد المباشر، لكنّ، قادة أمجد ما زالوا موجودين، وبعضهم ضمن الحكومة الجديدة في دمشق.

إلقاء القبض على أمجد يوسف فتح باباً جديداً من التساؤلات، خصوصاً أن وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة بثّت اعترافاته، ولاحقاً، نشرت الجمهورية ومتحف سجون سوريا تحقيقاً بعنوان “الإضبارة الداخلية لمجزرة التضامن”، الذي يكشف عن التحقيق الذي أجرته المخابرات السورية  مع أمجد يوسف بعد انتشار خبر المجزرة.

ما يحصل الآن، أننا أمام أنواع متعدّدة من الاعترافات في سياقات مختلفة: اعتراف أمجد لـآنا، اعتراف أمجد أمام المخابرات السورية في عهد الأسد، واعترافات أمام عدسة كاميرا وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة، كل واحدة من هذه “الاعترافات” تختلف في تفاصيلها عن الأخرى، خصوصاً تلك الرسمية التي يقول فيها أمجد يوسف أنه تصرّف على هواه دون تلقّي أوامر من أحد!

تداعيات مجزرة التضامن لم تنتهِ بإلقاء القبض على أمجد يوسف، إذ تمكّنت “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا، بعد حصولها على تسجيلات المجزرة من التعرّف على هويّة أطفال رانيا العباسي،  وإعلان وفاتهم رسمياً بعد سنوات من البحث عنهم، في حين أن الجهود ما زالت مستمرّة لتحديد باقي الضحايا والبحث عن رفاتهم، خصوصاً أننا أمام قبور جماعية متعدّدة في التضامن، وليس فقط تلك التي تظهر في التسجيلات التي نُشرت سابقاً.