سربت مجموعة من القراصنة العراقيين، كمية من الوثائق والملفات الخاصة بالجيش الحر عبر تلغرام: صور وملفات ووورد وإكسل وبي دي أف، تكشف عن البنية الداخلية وطبيعة الأوامر والتقارير والتدريبات التي كانت تدور في هيئة أركان الجيش الحر.
الوثائق بقيت متاحة للعلن ومجاناً لأيام عدة، قمنا في “درج” بتحميلها، والتأكد من تواريخ إنشائها الأصلية، ومقاطعة ما ورد فيها من معلومات مع المصادر المفتوحة لضبط الأحداث وتسلسلها.
الوثائق في غالبيتها تغطي عام 2013 منذ منتصفه حتى نهايته، وهناك ما يعود الى تاريخ 2012 و2014، وتقسم إلى ثلاثة أنواع، صور مسحوبة عبر الماسح الضوئي، ملفات وورد بعضها لتقارير وأوامر وجداول حول كمية السلاح وتوزيعه ومستودعاته، ملفات إكسيل وبي دي أف تحوي أيضاً ما سبق، وهي في معظمها مراسلات تعود الى هيئة الأركان العامة للجيش الحر التي تأسست آخر عام 2012.
ميلاد الجيش الحر
عام 2011 في 29 تموز/ يوليو، وبعد أشهر من اشتعال الثورة السورية، وتزايد الانشقاقات من جيش الأسد، خرج العقيد المنشق، رياض الأسعد، في تسجيل يعلن فيه “تشكيل الجيش السوري الحر” ، هذا التشكيل العسكري، كان بارقة أمل لكثير من السوريين الذين وجدوا أنفسهم بمواجهة ماكينة القتل الأسديّة، إذ انتظمت الكتائب في ظل الجيش الحر في مختلف أنحاء سوريا، في محاولة لتشكيل قوة عسكرية بمواجهة جيش الأسد ومخابراته.
اختلفت بنية الجيش الحر وتركيبته، ووجد نفسه في مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة (أحرار الشام، جبهة النصرة، تنظيم داعش) التي بدأت تتشكل وتتسع رقعة سيطرتها، مع تطور هيكلية الجيش الحر وخروج بعض المناطق من سيطرة النظام السوري. تسلم سليم إدريس هيئة أركان الجيش الحر من كانون الأول/ ديسمبر عام 2012 حتى إقالته في شباط/ فبراير 2014، لكن بقيت تفاصيل قيادة الجيش الحر على المستوى العملياتي-العسكري، وطبيعة البنية الداخلية غير واضحة وتتجلى في مراكز الأبحاث التي ليست على تماس مباشر مع كل الهرمية، خصوصاً في ظل وجود نظام الأسد ومخابراته.
الهرمية والبنية التنظيميّة
تكشف إحدى الوثائق هرمية أركان الجيش الحر العامة، المقسمة إلى خمس قيادات حسب المنطقة:(الجنوبية، الشمالية، الوسطى، الشرقية، حمص) التابعة لرئاسة الأركان، والتي يعلوها”مجلس القيادة العسكرية المشتركة العليا”، وأعلى منها هيئة القوى العسكرية المشتركة للثورة السوريّة.
القيادات في هذه البنية تتضح في نموذج نشره “معهد دراسات الحرب”، ويتبين فيه أن أهم الإدارات هي تلك الخاصة بـ”إدارة الشؤون الإدارية والمالية” و”إدارة الإمداد والتجهيز”، إذ توضح الوثائق أيضاً هرمية الضباط وأسماءهم وتوزعهم على الإدارات والجبهات.
تعكس الهرميّة والعمليات الإدارية آلية توزيع السلاح واستلامه، مثلاً تكشف مجموعة وثائق أن هيئة الأركان أرسلت في تاريخ 3/7/ 2013 سلاحاً وذخيرة لكل من “الجسد الواحد، أنصار الشام، لواء الإسلام، الجبهة الشمالية، لواء التوحيد، الحبيب المصطفى، جيش المسلمين”، وقبلها بيوم أرسلت إلى “لواء الحق في حمص، صقور الشام، الجبهة الشرقية، لواء داوود، مجلس حمص، مجلس حلب، ألوية الصحابة”.
السلاح الذي تم توزيعه خفيف: كلاشينكوف ودوشكا وذخائرها، بالإضافة إلى قنابل يدويّة وهاون وذخائر، بالإضافة إلى قناصات وذخائرها. اللافت مثلاً أن نقرأ عن أمر صرف ذخيرة لصالح “مجموعة حماية رئيس الائتلاف الشيخ أحمد جربا”، والتي تتألف من 2 كلاشيكنكوف، 5 قذائف أر بي جي، ألف رصاصة بي كي سي، و”قناصة ناتوا” مع 100 طلقة.
مصادر السلاح والمواد الطبيّة
مع اتساع رقعة المعارك مع النظام، أكدت قيادة الأركان في بيان منتصف تموّز/ يوليو 2013، أنها توزع السلاح الذي يصلها، لكن الكميات غير كافية، وأن المعركة مستمرة وعلى المراسلين الإعلاميين توخي “الصدق والموضوعية” لأن ما يصل الأركان من سلاح “قليل ولا يكفي جميع المتطلبات وعلى الجميع التعامل مع هذه الحقيقة بموضوعية وصدق وأمانة”. وبعد أقل من شهر نشر بيان آخر ينفي تقاعس الأركان وعدم توزيعها السلاح على بعض الجبهات خصوصاً جبهتي حمص والساحل.

لا تخفي الوثائق التعاون الاستخباراتي مع البريطانيين والفرنسيين والأميركان والإيطاليين، إلى جانب ما يسمى “الأجهزة العربيّة” في غرفة أنقرة، إذ تشير مسودة تقرير صادر في الشهر السادس من عام 2013، وبعد إعلان النظام عن عملية (عاصفة الشمال) في شمال حلب وريفها بمساندة حزب الله، إلى تدخل حزب الله في سوريا وتقديم أعداد لا يمكن التأكد منها لمقاتليه وهي: “في سوريا /11 / ألف مقاتل منهم /7 / آلاف من النخبة وسيصبح العدد / 50 / ألف مقاتل في غضون أيام والتجنيد يشمل كل من هو فوق /18/ عاماً من غير موافقة الأهل”.
وتضيف الوثيقة أن القرار ينص أيضاً على أن حزب الله يعتبر من قتلوا في حرب تموز/ يوليو 2006 شهداء بدر، وأن من قُتل في معركة القصير هم شهداء كربلاء”، في إشارة إلى ما انتشر حينها على لسان خامنئي بأن قتلى القصير هم “شهداء كربلاء”.
يكشف ملف أنشئ في 28 آب/ أغسطس 2013 بالتزامن مع إعلان باراك أوباما عن ضربة عسكرية متوقعة للنظام السوري، عن تداول سيناريوهات الضربة، والمشترك بينها “هو ضرب الدفاعات الجوية والقواعد الجوية المهمة (المطارات). أي أنه سيتم تدمير هذه المنشآت تحت أي سيناريو، لماذا؟ لأن تدميرها سيجعل من أي سيناريو قادم قابلاً للتنفيذ، وستكون السماء غير محمية لا بالدفاع الجوي ولا بالطيران. هذا يعني أن قوات التحالف تستطيع العودة في أي يوم مستقبلاً لتنفيذ أي مهمة ضد أي جهة، سواء قبل سقوط الأسد أو بعده”.
وتشير الكلمة التي تخاطب كتائب الجيش الحرّ إلى أن مهمتهم الآن هي أن “يجهزوا سيناريو اقتحام سريع للمناطق المقصوفة فور توقف العمليات، الذي سيعلن عنه الرئيس أوباما بكلمة رسمية. لا تنتظروا الكلمة بل انتظروا خبر بث الكلمة. اعرفو عندها أن القصف إما توقف أو على وشك الوقوف”.
بالطبع لم تحصل الضربة الأميركية، لكن اللافت أن الأركان كانت على تواصل مع عدد من الدول، ليس فقط استخباراتياً، بل أيضاً على مستوى السلاح والتدريب، مثلاً، تشير أحدى الوثائق إلى المبالغ المحولة من رئيس هيئة الأركان إلى المالية، منذ تأسيسها إلى تاريخ 11 حزيران/ يونيو 2013، والتي بلغت نحو مليون ونصف المليون دولار، و83 ألف يورو، من دون ذكر مصدرها.
يتسع الدعم ليكشف عن السلاح، إذ يتضح أن السعودية هي المانح الأكبر. ونرى في الجدول أدناه كميات السلاح وتدفقها:

لكن أبرز الأسلحة القادمة من السعودية، والتي شكلت فرقاً في المعارك الميدانية، هو صاروخ “السهم الأحمر”، وتشير الوثائق الى أن الكميات المستلمة منه بالعشرات، ففي وثيقة تعود إلى 16 أيلول/ سبتمبر 2013، طلب من الأركان 10 صواريخ من أجل معركة “قادمون”، لفك الحصار عن حمص.
تكشف وثيقة ثانية أنه بين شهري 6 و10 من عام 2013، سُلمت للغرف العسكرية 206 صواريخ من نوع “السهم الأحمر” من أصل 273، وهو صاروخ مضاد للدبابات، لعب دوراً في المعارك ضد النظام. وتقول رويترز حينها إنه وصل سوريا عبر الأردن، ومن أبرز المخاوف حينها كان وصوله وباقي السلاح إلى أيدي المتشددين.
مفهوم “الدعم الخارجي” لم يقتصر على السلاح الخفيف في تلك الفترة، إذ نقرأ عن رحلة تدريبية إلى قطر، منتصف عام 2013، باختصاص “دفاع جوي”، وقد تمت الرحلة من تركيا بإشراف أميركي، فنُقلت مجموعة من الضباط بطائرة عسكرية نحو الدوحة، حيث تم التدريب على صاروخ FN-6XL عبر أجهزة محاكاة، وهو صاروخ صيني مضاد للطائرات، وأشارت تقارير صحافية عدة إلى استخدامه في سوريا.
تكشف الوثائق أيضاً عن كميات من الأدوية المرسلة من الجانب الألماني والأميركيّ، إلى جانب مساعدات غذائية من تركيا.
إسقاط النظام وتعاظم نفوذ الإسلاميين!
لم تكن تشكيلات الجيش الحر هي الوحيدة التي تقاتل النظام السوري وحلفاءه، إذ ظهرت التنظيمات الجهادية بأطيافها المتعددة، والتي تحولت العلاقة معهم إلى مواجهة مباشرة، انتهت بانتصار أكبر تنظيمين، داعش وجبهة النصرة، التي تحول قائدها إلى رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية بعد تشكيل هيئة تحرير الشام.
نقرأ في رسالة من رئيس الأركان إلى المجلس القيادة العسكرية المشتركة، سؤالاً موجهاً إلى أعضاء المجلس الأعلى من الجبهة الشرقية مفاده: “ما وضع الرقة وسيطرة دولة العراق والشام عليها هناك؟ وما وضع الكتائب والألوية فيها؟ وهل صحيح أن الناس تبايع الدولة هناك؟ نريد منهم دوراً فعالاً هناك؟”، وتلته رسالة يجب أن توجه لهم مفادها: “أبلغهم أننا موعودين بدعم كبير خلال المرحلة القادمة للعمليات العسكرية”.
نقرأ في الوثاق، بيانات إدانة لمجزرة المدمومة التي وقعت في معرة النعمان في ريف إدلب، نهاية آب/ أغسطس عام 2013، والتي تتهم فصائل متشددة بارتكابها، خصوصاً أحرار الشام، التي أصدر أبو يزن الشامي بياناً يتعهد فيه بـ”النظر في قضية المدمومة” و “أن نقدم من يثبت عليه التورط في هذه القضية من عناصر الحركة وأن نساعد في كشف المجرم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً إذا كان من غيرنا”. نقرأ أيضاً بيانات إدانة للمجزرة في المصادر المفتوحة، في حين توجه التهم لشخص محدد، نتحفظ عن ذكر اسمه، لكنه الآن يشغل منصباً قيادياً في وزارة الدفاع السوريّة.

اللافت أنه في الشهر التالي للمجزرة، نشر بيان أعلن فيه الجيش الحر “حالة الحرب” مع جبهة النصرة وداعش، واعتبار أحرار الشام ولواء الإسلام وأحفاد الرسول “أعداء يجب محاربتهم”.
هذه العداوة مع جبهة النصرة، سبقها تخوف من التنظيم الجديد، إذ يشير تقرير استخباراتي مرفوع إلى هيئة الأركان عن تأسيس جبهة النصرة، التي يصفها التقرير وتاريخها الجهادي بـ”أبرز قوى الثورة وأقساها على جيش النظام المجرم لخبرة رجالها وتمرسهم على القتال” ، ويشير إلى سيطرتهم على “الغنائم” واستثمارها “لصالحهم الشخصي وجمع الأموال وتكديسها وشراء السلاح لزيادة القوة”، كما يلفت التقرير إلى انقطاع العلاقة بين أبو محمد الجولاني وداعش. واللافت أن التقرير يشير إلى توزع عناصر الجبهة في سوريا عام 2013 بالشكل التالي :
1ــ ريف دمشق حوالي /1500/ عنصر
2ــ حمص وريفها حوالي /300/ عنصر
3ــ ريف حماه حوالي /200/ عنصر
4ــ حلب وريفها حوالي /500/ عنصر
5ــ ريف إدلب حوالي /200/ عنصر
6ــ اللاذقية وريفها حوالي /300/ عنصر
7ــ ريف دير الزور حوالي /400/ عنصر
تحوي الوثائق محاولة لتفسير ما حصل بتاريخ 5 كانون الأول/ ديسمبر 2013، أو ما يسمى فضيحة مخازن بابا الهوى أو “حادثة مداهمة الكتيبة الأولى”، إذ رفع بسام عبد المنعم إدريس تقريراً إلى قيادة الأركان، عن اجتماع بين أحد المبعوثين من لواء الإسلام، يسأله عن محتويات المستودع من سلاح ، طالباً الحصول على حصة من الذخيرة، وفي اليوم الثاني جاء مبعوث من جبهة النصرة، وطالب أيضاً بذخيرة لقتال النظام مجاناً، كونها كانت تشتريها من هيئة الأركان، فرفض بسام حينها.
في اليوم التالي، يذكر التقرير دخول 6 أشخاص يحملون أحزمة ناسفة، والسبب أن “الأمير الجولاني” سيقوم بزيارة للتعاون في “درء الأخطار التي تهدد المنطقة”، في إشارة إلى تنظيم داعش، وتحت تهديد السلاح، “أفصحوا عن هدفهم الحقيقي وأنهم يريدون السلاح والذخيرة ولا يريدون سفك أي دم مسلم. في تلك الأثناء دخل الرتل المزعوم و الذي يفترض وجود الجولاني فيه وأنه مجرد مرافقة، وعندما أخبرني الحرس عن قدومه لم يكن باليد سوى السماح لهم بالمرور، وأخبرتهم بعدم التعرض للرتل وأنه رتل صديق”.
يصف التقرير أيضاً ما حصل نتيجة الاقتحام، إذ نقرأ: “بعد أن قاموا بنهب كل ما فًي الكتيبة حتى الحوائج الشخصية للعناصر من موبايلات وجزادين وأموال خاصة، أقتادوني معهم كرهينة إلى مقر لهم لم أتمكن من تحديد موقعه، ولكن أقدر أنه يقع في منطقة الأتارب، وعند مرورهم على حواجز الجبهة الإسلامية كانوا يتبادلون التهاني بتمام العمل بنجاح”.
التقرير مرفوع من بسام إدريس، قائد الكتيبة الأولى، التي تكشف تقارير صحافية، أنه ابن عم سليم إدريس، قائد الأركان، ويُتهم الاثنان بأنهما سهلا هذه العملية، في تناقض مع تقرير بسام نفسه الذي يقول إن ما حصل كان تحت تهديد السلاح.
أقيل سليم إدريس من منصبه عام 2014، ثم انتخب وزيراً للدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، حتى عام 2016، وفي 2019 عاد الى وزارة الدفاع، وبعد سقوط النظام ، عُيّن ضمن الهيئة الاستشارية في الوزارة نفسها.
التسلسل الزمني للأحداث وطبيعة الدعم المقدم، يكشفان كيف تآكلت قوة الجيش الحر على يد النظام من جهة والتنظيمات الإسلامية من جهة أخرى، ناهيك بأن الدعم المقدم من السلاح، لا يتجاوز دعم ميليشيا محلية. نموذج الأركان لم ينجح في ضبط هذه التشكيلات، ليهمش دور الجيش الحر مع مرور السنوات، وبعد سقوط النظام، يمكن رصد كيفية توزيع بعض القيادات كمستشارين، من دون سلطة حقيقة في القطاع العسكري الذي تسيطر عليه الفصائل المنضوية تحت هيئة تحرير الشام سابقاً.
إقرأوا أيضاً:










