ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

وثيقة مسرّبة لـ«درج» بأسماء مئات من تونسيات مخيم الهول تعيد فتح ملف عودة عائلات “داعش” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يزال مئات النساء والأطفال التونسيين عالقين في مخيمات شمال سوريا منذ سقوط تنظيم داعش. وثيقة مسرّبة حصل عليها “درج” تكشف بالأسماء والأعداد حجم هذا الملف المُعلّق منذ سنوات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“يكاد أحفادي الثلاثة يموتون من البرد في المخيم، بخاصة بعد العاصفة الثلجية الأخيرة التي هبّت هذا الشهر على شمال سوريا. أُطالع وجوههم على شاشة الهاتف، فأراهم يرتجفون من البرد، وشفاههم الصغيرة زرقاء”.

تقول تحية السبوعي، بحسرة، وهي جدة لثلاثة أطفال يعيشون في “المخيم القطري” في أعزاز شمال سوريا، قرب الحدود التركية، مع والدتهم السورية، بعد مقتل زوجها الأول التونسي، أوس الخشيني، الذي كان مقاتلاً في صفوف تنظيم داعش.

لا تملك الجدة، المقيمة في تونس، ما تقدّمه لهم سوى الحديث ومحاولة المواساة، في ظل عجزها عن السفر لجلبهم، وعدم حصولها حتى اللحظة على أي مساندة من الدولة التونسية لاسترجاعهم وإخراجهم من البيئة القاسية التي يعيشون فيها. ولا تستطيع حالياً سوى الدعاء ألا يلقوا المصير نفسه الذي لقيه شقيقان لهما من الأب ذاته (ولد وبنت)، توفّيا في المخيم نتيجة سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية.

“في كل مكالمة هاتفية يقولون لي: نحن نحبك يا جدتي، أنتِ وجدي. أرجوكِ تعالي وخذينا من هنا. نريد أن نراك وأن نتعرّف على بلدنا تونس”، تتابع تحية بألم، ويزداد وجعها حين تتذكر أن هؤلاء الأطفال بلا جنسية، وتتراوح أعمارهم بين 9 و12 سنة، فلا هم سوريون ولا تونسيون، ولا يعترف بهم أي من البلدين.

قصة تحية وأحفادها الثلاثة تعيد فتح ملف شائك، هو ملف عودة زوجات مقاتلي داعش وأبنائهم الموجودين في مخيمات شمال سوريا إلى بلدانهم الأصلية، لا سيما بعد التطورات الدولية الأخيرة والاشتباكات التي وقعت في منتصف كانون الثاني/ يناير 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والجيش السوري. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن انسحاب الأكراد من حلب والحسكة في شمال سوريا، ومن السجون والمخيمات التي كانوا يشرفون عليها، وسيطرة القوات السورية على أحد أكبر المخيمات التي تؤوي زوجات مقاتلي داعش وأبناءهم منذ سقوط التنظيم في عام 2019، وهو مخيم الهول.

ويبلغ عدد قاطني مخيم الهول أكثر من 24 ألف شخص، بينهم 15 ألفاً من الجنسية السورية، و3500 من الجنسية العراقية، و6200 من جنسيات أخرى، من بينها الجنسية التونسية.

ترافق دخول الجيش السوري إلى المخيم مع حالات فوضى وفرار لنساء وأطفال، لتطفو  إلى السطح مجدداً مسألة مصير زوجات مقاتلي داعش وأبنائهم وعلاقتهم ببلدانهم الأصلية، خصوصاً مع شروع بعض الدول فعلياً في نقل مواطنيها، مثل العراق. وفي هذا السياق، يُطرح اليوم في تونس سؤال التعامل مع هذا الملف المعقّد، وما إذا كانت السلطات التونسية تنوي استرجاع مواطنيها من النساء والأطفال، سواء للمحاسبة أو لإعادة التأهيل.

في وثيقة مسرّبة، حصل “درج” على قائمة اسمية تتضمن أعداد التونسيات المقيمات في مخيمي الهول والروج، وأبنائهن من مقاتلي داعش منذ عام 2019. وتفيد الوثيقة بوجود 158 امرأة وطفلة تونسية في مخيم الهول، من بينهن 70 امرأة تتراوح أعمارهن بين 17 و66 عاماً، و88 طفلة تتراوح أعمارهن بين 0 و15 عاماً (حتى عام 2019)، منهن من وُلدن قبل الوصول إلى المخيم، وأخريات وُلدن داخله. أما الذكور، فيبلغ عددهم 91 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 0 و13 سنة (في 2019). وقد سُجّل دخول جميع هؤلاء، ذكوراً وإناثاً، إلى المخيم في الفترة الممتدة بين 26 شباط/ فبراير 2018 و23 آذار/ مارس 2019.

وفي مخيم الروج، الذي يضم نحو 3000 شخص من عائلات مقاتلي داعش، 65 في المئة منهم من الأطفال وفق أرقام الأمم المتحدة، تُظهر القائمة التي حصلنا عليها وجود 68 امرأة وطفلة تونسية، إضافة إلى 23 من الذكور، معظمهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ12 سنة (في 2019). وقد تم تسجيل وصولهم إلى المخيم في الفترة بين 2017 و2019.

يطرح اليوم سؤال مصير هذا العدد من النساء والأطفال التونسيين في المخيمين، وسط ظروف إقامة قاسية يفتقر فيها المقيمون إلى أبسط مقومات الحياة من غذاء وماء ودواء، وفي ظل ظرفية دولية معقّدة تتسم بتجدّد الصراعات في المنطقة.

سبع سنوات وتحية تنتظر عودة أحفادها من سوريا: مأساة في انتظار الحل

إضافة إلى ظروف العيش القاسية والفقر السائد في المخيم، تخشى تحية السبوعي على حفيدتها البالغة من العمر حالياً 9 سنوات من خطر آخر، هو تزويجها قاصراً، لا سيما أن عائلة والدتها السورية لا تجد حرجاً في ذلك، إذ تزوجت الأم نفسها في سن الثالثة عشرة، وتمت تسمية الطفلة لتكون عروساً لابن خالها. تخشى الجدة ألا تتمكن من إنقاذها من هذا المصير القاتم.

من جهة أخرى، تحثّ الأم السورية الجدة على إيجاد حل سريع لاسترجاع الأطفال الثلاثة، معتبرة أن ذلك هو الأفضل لهم، في ظل تدهور وضع العائلة وعجزها عن تلبية حاجياتهم. فالأم تعيش في المخيم منذ عام 2018، بعد مقتل زوجها التونسي على يد مقاتلي داعش أنفسهم في حزيران/ يونيو 2018. وقد هربت حينها لتعيش قرب والدتها داخل المخيم، وبقيت هناك طوال هذه السنوات من دون تسجيل رسمي لها ولأطفالها ضمن القاطنين فيه.

في الفترة الأخيرة، ازدادت الأمور تعقيداً بعدما طردتها والدتها مع أطفالها من الخيمة، فوجدوا ملجأ مؤقتاً في خيمة منحهم إياها زوج خالتهم. وعلى رغم ذلك، تبقى ظروفهم بالغة الصعوبة، وفق تحية السبوعي، إذ يحتاج الابن الأكبر (12 سنة) إلى عملية جراحية في الرأس، وهو يعاني من إعاقة، فيما تعيش العائلة بكاملها على مساعدات متقطعة من الأخوال، لا تكفي لسد حاجياتها، في ظل الوضع الاقتصادي الهش لعائلة الأم، التي تعود أصولها إلى مدينة إدلب.

كانت تحية ترسل من وقت إلى آخر بعض الأموال لأحفادها عبر شبكة من الأشخاص والعلاقات، إلى أن تم استدعتها، قبل عامين، فرقة مكافحة الإرهاب في العوينة، للتحقيق معها بتهمة “تمويل الإرهاب”.

“أتذكر كيف أجبت حاكم التحقيق عندما وجّه لي هذه التهمة: هل المئة أو المئتا يورو التي أرسلها من حين لآخر لأحفادي تساهم فعلاً في تمويل الإرهاب؟”، تقول الجدة مستنكرة.

في نهاية المطاف، اقتنعت السلطات بعدم تورط تحية في هذه المسألة، لكنها طلبت منها عدم إرسال مبالغ مالية كبيرة، وهو ما التزمت به، خصوصاً أن إمكاناتها المادية لا تسمح بذلك أصلاً.

منذ عام 2019، لا تزال تحية تحاول استرجاع أحفادها الذين تقلّص عددهم من خمسة إلى ثلاثة، في مسعى يائس لإنقاذهم من الضياع وربما من الموت. ففي عامي 2019 و2022، سافر زوجها وابنها الأكبر إلى تركيا، وطلبا المساعدة من القنصلية التونسية هناك لاستعادة الأطفال. وقيل لهما حينها إن عليهما إيجاد وسيلة لإحضار الأطفال إلى القنصلية، لتتولى هذه الأخيرة إجراءات ترحيلهم. غير أن العقبة الأساسية كانت إخراجهم من المخيمات داخل سوريا، ما استلزم التواصل مع مهرّبين طلبوا مبلغ 3500 يورو عن كل طفل، وهو ما لم يكن في مقدور العائلة دفعه. من جهتها، رفضت القنصلية التدخل، بحجة أنها “لا تتعامل مع أشخاص غير نظاميين”.

مع سقوط النظام في سوريا العام الماضي، تجدد أمل تحية بإيجاد حل، وفكّرت مرة أخرى في إرسال زوجها وابنها لإعادة المحاولة، لكنها تراجعت خوفاً عليهما، في ظل عدم الاستقرار الأمني. وفي المقابل، تواصلت مع سفارة تونس في دمشق، طالبة التدخل لاسترجاع الأطفال، لكن أُبلغت بأن الأمر يتطلب “تعليمات من وزارة الخارجية التونسية”.

قبل شهر، تواصل معها الصليب الأحمر التونسي لطلب إذنها بتحويل ملف أحفادها إلى وزارة الخارجية للنظر فيه. ومنذ ذلك الحين، لا تزال تنتظر أي رد من الإدارة. “قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بسبب البيروقراطية، وفي الأثناء لا أدري ما الذي قد يحصل لأحفادي… لكن لا خيار أمامي سوى الانتظار”، تختم تحية كلامها بمزيج من الألم والأمل.

حالة أحفاد تحية ليست معزولة، فهناك مئات من أطفال مقاتلي داعش وأمهاتهم ينتظرون السماح لهم بالعودة. لكن السؤال يبقى: ماذا تنوي السلطات التونسية فعله لمعالجة هذا الملف؟

حاولنا التواصل مع وزارة الخارجية التونسية حول الموضوع، لكننا لم نحصل على أي إجابة.

بالعودة إلى تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس واتش في 2019، هناك حوالي 200 امرأة و100 طفل محتجزون في السجون والمخيمات في ليبيا وسوريا والعراق. تحركت السلطات التونسية لاسترجاع عدد قليل منهم منذ ذلك الوقت، ففي 2020 استرجعت ستة أطفال من أبناء مقاتلي داعش كانوا محتجزين في السجون الليبية، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الحدود السورية-التركية، حسب منظمة هيومن رايتس واتش. وفي 2023، تمت استعادة خمسة أطفال وأربع نساء من أفراد عائلات الدواعش كانوا في ليبيا. ولكن لا يوجد إلى الآن رقم رسمي حول العدد الإجمالي للنساء والأطفال من أسر مقاتلي التنظيم من التونسيين، المحتجزين في مناطق النزاع المسلح.

وللتذكير، فإن تونس تُعتبر من أكثر البلدان التي صدرت عددا كبيرا من المقاتلين، انضموا إلى صفوف تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا و ليبيا والعراق، وتم تسهيل خروجهم وقتها من قبل الدولة في عهد الترويكا بقيادة حزب النهضة الإخواني. ويقدر عددهم ب 12 ألف مقاتل. وتُعدّ إمكانية عودتهم اليوم إلى الأراضي التونسية خطرا حقيقيا على الأمن القومي.

جدير بالذكر أيضا أن تونس أعادت منذ 2022 فتح ملفات تسفير المقاتلين التونسيين لإثبات تورط جهات تابعة للدولة وخاصة من حزب “النهضة” في تسهيل ذلك. وتتم حاليا محاكمة العديد من قياداتها، سواء الذين كانوا في السلطة أو في الحزب، على أساس مشاركتهم في تمويل الإرهاب وتسفير الشباب التونسي للالتحاق بجبهات القتال مع التنظيمات الإرهابية.

ما ذنب الأطفال فيما اقترفه أولياؤهم سواء كانوا من النساء أو الرجال؟

يرى عمر الوسلاتي، القاضي المختص في قضايا حقوق الإنسان أن “حماية أي طفل تونسي في أي مكان كان، هو واجب على الدولة، وذلك طبقا لقانون حماية الطفل وللإتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها تونس”، مضيفا أن “أطفال مقاتلي داعش ليسوا مجرمين، وليس لديهم أي ذنب فيما ارتكبه والديهم. ومن الخطأ اعتبارهم قنابل موقوتة، وبالتالي التخلي عنهم”. لذلك، يعتبر أن على الدولة استقبالهم وتقديم الدعم النفسي لهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المدارس. أما فيما يخص الأولياء، فوحده القضاء هو الذي سيحدد مدى تورطهم في الجرائم الإرهابية من عدمه. وبالتالي، لابد من خضوعهم للمحاكمة العادلة كما يقول الوسلاتي.

يشاطره الرأي منير الشرفي، رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة والذي كان أصدر في 2024 بيانا حذر فيه من خطر عودة المقاتلين التونسيين الذين أطلق سراحهم من السجون السورية بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024 وما يمكن أن يمثله ذلك من خطر على الأمن القومي، حيث يرى هذا الأخير أن “المنضمين إلى صفوف داعش، من نساء أو رجال، هم مواطنون تونسيون ولا يمكن لأحد أن يمنعهم من الرجوع إلى بلدهم الأصلي”. ولكن بالمقابل، ” يجب محاسبتهم ومحاكمتهم بتهمة الإرهاب، إذا ثبت تورطهم. ويجب أن يتمتعوا بظروف محاكمة عادلة وشفافة أمام هيئة مختصة تنظر في ملفاتهم وتشمل قضاة وحقوقيين ومنظمات من المجتمع المدني”. أما فيما يخص أطفالهم، فمن الضروري، حسب رأيه، توفير إحاطة خاصة بهم ومرافقة نفسية وإيداعهم في مراكز رعاية خاصة أو تسليمهم إلى ذويهم مع مراقبتهم بصفة مستمرة لضمان عدم أدلجتهم أو إعادتهم للحاضنة الإرهابية من جديد. ويختتم حديثه بالقول: “لابد من حل المشكلة من جذورها وإلا من الممكن أن يحصل ضرر كبير على تماسك وأمن المجتمع التونسي”.

جدير بالذكر أن الدولة التونسية وضعت منذ 2016 استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف تمتد على خمس سنوات وتهدف إلى “دعم المجهود الوطني للتصدي للتنظيمات الإرهابية وتطوير القدرات الوطنية لمجابهتها”.

جاء فيها أن هذه الإستراتيجة تعمل على اعتماد خطة وطنية للتعامل مع العائدين من مناطق النزاع المسلح وتتعهد “بوضع برامج للتأهيل النفسي والإجتماعي والإقتصادي للعائدين وأسرهم لتيسير إعادة إدماجهم في المجتمع”.

يبقى التأكد من مدى تطبيق هذه الإستراتيجية على أرض الواقع، في ظل تكتم إعلامي حول ذلك. ” أنا متأكد من أن السلطات التونسية تُتابع عن كثب ملف عودة المقاتلين التونسيين وعوائلهم ولكن لا يتم إعلامنا كجمهور وكمجتمع مدني، بالإجراءات المتخذة في حقهم. لذلك نطالب بمزيد من الشفافية حول هذا الملف” يُعلّق منير الشرفي، رئيس المرصد

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
30.01.2026
زمن القراءة: 8 minutes

لا يزال مئات النساء والأطفال التونسيين عالقين في مخيمات شمال سوريا منذ سقوط تنظيم داعش. وثيقة مسرّبة حصل عليها “درج” تكشف بالأسماء والأعداد حجم هذا الملف المُعلّق منذ سنوات.

“يكاد أحفادي الثلاثة يموتون من البرد في المخيم، بخاصة بعد العاصفة الثلجية الأخيرة التي هبّت هذا الشهر على شمال سوريا. أُطالع وجوههم على شاشة الهاتف، فأراهم يرتجفون من البرد، وشفاههم الصغيرة زرقاء”.

تقول تحية السبوعي، بحسرة، وهي جدة لثلاثة أطفال يعيشون في “المخيم القطري” في أعزاز شمال سوريا، قرب الحدود التركية، مع والدتهم السورية، بعد مقتل زوجها الأول التونسي، أوس الخشيني، الذي كان مقاتلاً في صفوف تنظيم داعش.

لا تملك الجدة، المقيمة في تونس، ما تقدّمه لهم سوى الحديث ومحاولة المواساة، في ظل عجزها عن السفر لجلبهم، وعدم حصولها حتى اللحظة على أي مساندة من الدولة التونسية لاسترجاعهم وإخراجهم من البيئة القاسية التي يعيشون فيها. ولا تستطيع حالياً سوى الدعاء ألا يلقوا المصير نفسه الذي لقيه شقيقان لهما من الأب ذاته (ولد وبنت)، توفّيا في المخيم نتيجة سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية.

“في كل مكالمة هاتفية يقولون لي: نحن نحبك يا جدتي، أنتِ وجدي. أرجوكِ تعالي وخذينا من هنا. نريد أن نراك وأن نتعرّف على بلدنا تونس”، تتابع تحية بألم، ويزداد وجعها حين تتذكر أن هؤلاء الأطفال بلا جنسية، وتتراوح أعمارهم بين 9 و12 سنة، فلا هم سوريون ولا تونسيون، ولا يعترف بهم أي من البلدين.

قصة تحية وأحفادها الثلاثة تعيد فتح ملف شائك، هو ملف عودة زوجات مقاتلي داعش وأبنائهم الموجودين في مخيمات شمال سوريا إلى بلدانهم الأصلية، لا سيما بعد التطورات الدولية الأخيرة والاشتباكات التي وقعت في منتصف كانون الثاني/ يناير 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والجيش السوري. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن انسحاب الأكراد من حلب والحسكة في شمال سوريا، ومن السجون والمخيمات التي كانوا يشرفون عليها، وسيطرة القوات السورية على أحد أكبر المخيمات التي تؤوي زوجات مقاتلي داعش وأبناءهم منذ سقوط التنظيم في عام 2019، وهو مخيم الهول.

ويبلغ عدد قاطني مخيم الهول أكثر من 24 ألف شخص، بينهم 15 ألفاً من الجنسية السورية، و3500 من الجنسية العراقية، و6200 من جنسيات أخرى، من بينها الجنسية التونسية.

ترافق دخول الجيش السوري إلى المخيم مع حالات فوضى وفرار لنساء وأطفال، لتطفو  إلى السطح مجدداً مسألة مصير زوجات مقاتلي داعش وأبنائهم وعلاقتهم ببلدانهم الأصلية، خصوصاً مع شروع بعض الدول فعلياً في نقل مواطنيها، مثل العراق. وفي هذا السياق، يُطرح اليوم في تونس سؤال التعامل مع هذا الملف المعقّد، وما إذا كانت السلطات التونسية تنوي استرجاع مواطنيها من النساء والأطفال، سواء للمحاسبة أو لإعادة التأهيل.

في وثيقة مسرّبة، حصل “درج” على قائمة اسمية تتضمن أعداد التونسيات المقيمات في مخيمي الهول والروج، وأبنائهن من مقاتلي داعش منذ عام 2019. وتفيد الوثيقة بوجود 158 امرأة وطفلة تونسية في مخيم الهول، من بينهن 70 امرأة تتراوح أعمارهن بين 17 و66 عاماً، و88 طفلة تتراوح أعمارهن بين 0 و15 عاماً (حتى عام 2019)، منهن من وُلدن قبل الوصول إلى المخيم، وأخريات وُلدن داخله. أما الذكور، فيبلغ عددهم 91 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 0 و13 سنة (في 2019). وقد سُجّل دخول جميع هؤلاء، ذكوراً وإناثاً، إلى المخيم في الفترة الممتدة بين 26 شباط/ فبراير 2018 و23 آذار/ مارس 2019.

وفي مخيم الروج، الذي يضم نحو 3000 شخص من عائلات مقاتلي داعش، 65 في المئة منهم من الأطفال وفق أرقام الأمم المتحدة، تُظهر القائمة التي حصلنا عليها وجود 68 امرأة وطفلة تونسية، إضافة إلى 23 من الذكور، معظمهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ12 سنة (في 2019). وقد تم تسجيل وصولهم إلى المخيم في الفترة بين 2017 و2019.

يطرح اليوم سؤال مصير هذا العدد من النساء والأطفال التونسيين في المخيمين، وسط ظروف إقامة قاسية يفتقر فيها المقيمون إلى أبسط مقومات الحياة من غذاء وماء ودواء، وفي ظل ظرفية دولية معقّدة تتسم بتجدّد الصراعات في المنطقة.

سبع سنوات وتحية تنتظر عودة أحفادها من سوريا: مأساة في انتظار الحل

إضافة إلى ظروف العيش القاسية والفقر السائد في المخيم، تخشى تحية السبوعي على حفيدتها البالغة من العمر حالياً 9 سنوات من خطر آخر، هو تزويجها قاصراً، لا سيما أن عائلة والدتها السورية لا تجد حرجاً في ذلك، إذ تزوجت الأم نفسها في سن الثالثة عشرة، وتمت تسمية الطفلة لتكون عروساً لابن خالها. تخشى الجدة ألا تتمكن من إنقاذها من هذا المصير القاتم.

من جهة أخرى، تحثّ الأم السورية الجدة على إيجاد حل سريع لاسترجاع الأطفال الثلاثة، معتبرة أن ذلك هو الأفضل لهم، في ظل تدهور وضع العائلة وعجزها عن تلبية حاجياتهم. فالأم تعيش في المخيم منذ عام 2018، بعد مقتل زوجها التونسي على يد مقاتلي داعش أنفسهم في حزيران/ يونيو 2018. وقد هربت حينها لتعيش قرب والدتها داخل المخيم، وبقيت هناك طوال هذه السنوات من دون تسجيل رسمي لها ولأطفالها ضمن القاطنين فيه.

في الفترة الأخيرة، ازدادت الأمور تعقيداً بعدما طردتها والدتها مع أطفالها من الخيمة، فوجدوا ملجأ مؤقتاً في خيمة منحهم إياها زوج خالتهم. وعلى رغم ذلك، تبقى ظروفهم بالغة الصعوبة، وفق تحية السبوعي، إذ يحتاج الابن الأكبر (12 سنة) إلى عملية جراحية في الرأس، وهو يعاني من إعاقة، فيما تعيش العائلة بكاملها على مساعدات متقطعة من الأخوال، لا تكفي لسد حاجياتها، في ظل الوضع الاقتصادي الهش لعائلة الأم، التي تعود أصولها إلى مدينة إدلب.

كانت تحية ترسل من وقت إلى آخر بعض الأموال لأحفادها عبر شبكة من الأشخاص والعلاقات، إلى أن تم استدعتها، قبل عامين، فرقة مكافحة الإرهاب في العوينة، للتحقيق معها بتهمة “تمويل الإرهاب”.

“أتذكر كيف أجبت حاكم التحقيق عندما وجّه لي هذه التهمة: هل المئة أو المئتا يورو التي أرسلها من حين لآخر لأحفادي تساهم فعلاً في تمويل الإرهاب؟”، تقول الجدة مستنكرة.

في نهاية المطاف، اقتنعت السلطات بعدم تورط تحية في هذه المسألة، لكنها طلبت منها عدم إرسال مبالغ مالية كبيرة، وهو ما التزمت به، خصوصاً أن إمكاناتها المادية لا تسمح بذلك أصلاً.

منذ عام 2019، لا تزال تحية تحاول استرجاع أحفادها الذين تقلّص عددهم من خمسة إلى ثلاثة، في مسعى يائس لإنقاذهم من الضياع وربما من الموت. ففي عامي 2019 و2022، سافر زوجها وابنها الأكبر إلى تركيا، وطلبا المساعدة من القنصلية التونسية هناك لاستعادة الأطفال. وقيل لهما حينها إن عليهما إيجاد وسيلة لإحضار الأطفال إلى القنصلية، لتتولى هذه الأخيرة إجراءات ترحيلهم. غير أن العقبة الأساسية كانت إخراجهم من المخيمات داخل سوريا، ما استلزم التواصل مع مهرّبين طلبوا مبلغ 3500 يورو عن كل طفل، وهو ما لم يكن في مقدور العائلة دفعه. من جهتها، رفضت القنصلية التدخل، بحجة أنها “لا تتعامل مع أشخاص غير نظاميين”.

مع سقوط النظام في سوريا العام الماضي، تجدد أمل تحية بإيجاد حل، وفكّرت مرة أخرى في إرسال زوجها وابنها لإعادة المحاولة، لكنها تراجعت خوفاً عليهما، في ظل عدم الاستقرار الأمني. وفي المقابل، تواصلت مع سفارة تونس في دمشق، طالبة التدخل لاسترجاع الأطفال، لكن أُبلغت بأن الأمر يتطلب “تعليمات من وزارة الخارجية التونسية”.

قبل شهر، تواصل معها الصليب الأحمر التونسي لطلب إذنها بتحويل ملف أحفادها إلى وزارة الخارجية للنظر فيه. ومنذ ذلك الحين، لا تزال تنتظر أي رد من الإدارة. “قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بسبب البيروقراطية، وفي الأثناء لا أدري ما الذي قد يحصل لأحفادي… لكن لا خيار أمامي سوى الانتظار”، تختم تحية كلامها بمزيج من الألم والأمل.

حالة أحفاد تحية ليست معزولة، فهناك مئات من أطفال مقاتلي داعش وأمهاتهم ينتظرون السماح لهم بالعودة. لكن السؤال يبقى: ماذا تنوي السلطات التونسية فعله لمعالجة هذا الملف؟

حاولنا التواصل مع وزارة الخارجية التونسية حول الموضوع، لكننا لم نحصل على أي إجابة.

بالعودة إلى تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس واتش في 2019، هناك حوالي 200 امرأة و100 طفل محتجزون في السجون والمخيمات في ليبيا وسوريا والعراق. تحركت السلطات التونسية لاسترجاع عدد قليل منهم منذ ذلك الوقت، ففي 2020 استرجعت ستة أطفال من أبناء مقاتلي داعش كانوا محتجزين في السجون الليبية، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الحدود السورية-التركية، حسب منظمة هيومن رايتس واتش. وفي 2023، تمت استعادة خمسة أطفال وأربع نساء من أفراد عائلات الدواعش كانوا في ليبيا. ولكن لا يوجد إلى الآن رقم رسمي حول العدد الإجمالي للنساء والأطفال من أسر مقاتلي التنظيم من التونسيين، المحتجزين في مناطق النزاع المسلح.

وللتذكير، فإن تونس تُعتبر من أكثر البلدان التي صدرت عددا كبيرا من المقاتلين، انضموا إلى صفوف تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا و ليبيا والعراق، وتم تسهيل خروجهم وقتها من قبل الدولة في عهد الترويكا بقيادة حزب النهضة الإخواني. ويقدر عددهم ب 12 ألف مقاتل. وتُعدّ إمكانية عودتهم اليوم إلى الأراضي التونسية خطرا حقيقيا على الأمن القومي.

جدير بالذكر أيضا أن تونس أعادت منذ 2022 فتح ملفات تسفير المقاتلين التونسيين لإثبات تورط جهات تابعة للدولة وخاصة من حزب “النهضة” في تسهيل ذلك. وتتم حاليا محاكمة العديد من قياداتها، سواء الذين كانوا في السلطة أو في الحزب، على أساس مشاركتهم في تمويل الإرهاب وتسفير الشباب التونسي للالتحاق بجبهات القتال مع التنظيمات الإرهابية.

ما ذنب الأطفال فيما اقترفه أولياؤهم سواء كانوا من النساء أو الرجال؟

يرى عمر الوسلاتي، القاضي المختص في قضايا حقوق الإنسان أن “حماية أي طفل تونسي في أي مكان كان، هو واجب على الدولة، وذلك طبقا لقانون حماية الطفل وللإتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها تونس”، مضيفا أن “أطفال مقاتلي داعش ليسوا مجرمين، وليس لديهم أي ذنب فيما ارتكبه والديهم. ومن الخطأ اعتبارهم قنابل موقوتة، وبالتالي التخلي عنهم”. لذلك، يعتبر أن على الدولة استقبالهم وتقديم الدعم النفسي لهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المدارس. أما فيما يخص الأولياء، فوحده القضاء هو الذي سيحدد مدى تورطهم في الجرائم الإرهابية من عدمه. وبالتالي، لابد من خضوعهم للمحاكمة العادلة كما يقول الوسلاتي.

يشاطره الرأي منير الشرفي، رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة والذي كان أصدر في 2024 بيانا حذر فيه من خطر عودة المقاتلين التونسيين الذين أطلق سراحهم من السجون السورية بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024 وما يمكن أن يمثله ذلك من خطر على الأمن القومي، حيث يرى هذا الأخير أن “المنضمين إلى صفوف داعش، من نساء أو رجال، هم مواطنون تونسيون ولا يمكن لأحد أن يمنعهم من الرجوع إلى بلدهم الأصلي”. ولكن بالمقابل، ” يجب محاسبتهم ومحاكمتهم بتهمة الإرهاب، إذا ثبت تورطهم. ويجب أن يتمتعوا بظروف محاكمة عادلة وشفافة أمام هيئة مختصة تنظر في ملفاتهم وتشمل قضاة وحقوقيين ومنظمات من المجتمع المدني”. أما فيما يخص أطفالهم، فمن الضروري، حسب رأيه، توفير إحاطة خاصة بهم ومرافقة نفسية وإيداعهم في مراكز رعاية خاصة أو تسليمهم إلى ذويهم مع مراقبتهم بصفة مستمرة لضمان عدم أدلجتهم أو إعادتهم للحاضنة الإرهابية من جديد. ويختتم حديثه بالقول: “لابد من حل المشكلة من جذورها وإلا من الممكن أن يحصل ضرر كبير على تماسك وأمن المجتمع التونسي”.

جدير بالذكر أن الدولة التونسية وضعت منذ 2016 استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف تمتد على خمس سنوات وتهدف إلى “دعم المجهود الوطني للتصدي للتنظيمات الإرهابية وتطوير القدرات الوطنية لمجابهتها”.

جاء فيها أن هذه الإستراتيجة تعمل على اعتماد خطة وطنية للتعامل مع العائدين من مناطق النزاع المسلح وتتعهد “بوضع برامج للتأهيل النفسي والإجتماعي والإقتصادي للعائدين وأسرهم لتيسير إعادة إدماجهم في المجتمع”.

يبقى التأكد من مدى تطبيق هذه الإستراتيجية على أرض الواقع، في ظل تكتم إعلامي حول ذلك. ” أنا متأكد من أن السلطات التونسية تُتابع عن كثب ملف عودة المقاتلين التونسيين وعوائلهم ولكن لا يتم إعلامنا كجمهور وكمجتمع مدني، بالإجراءات المتخذة في حقهم. لذلك نطالب بمزيد من الشفافية حول هذا الملف” يُعلّق منير الشرفي، رئيس المرصد