ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

وجع الماضي 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في رفح بعد انتهاء أحد الأحداث الأمنية الصعبة، جلست برفقة آلاء وياسر ابنيْ أخويْ، خفت بعد إجابة منهما “نخشى أن ما عشناه كان حلماً وأن هذه الحقيقة والواقع”، برغم أنني قلت بعد انقضاء الأسبوع الثالث من أيام الحرب “يبدو أننا مقبلون على أسلوب حياة لسنوات حرب”، إلا أنه في داخلي إنكار لكل هذا. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“جميلة” هي شخصية عرفتها من خلال أحد المسلسلات الثلاثية قبل هذا الخراب، نصحتني به صديقتي “آمنة” قالت لي يومها: 

اسمه “وجع الماضي” ثلاث حلقات. 

قلت: الاسم كليشيه وكتير! 

ضحكنا لكنني قبلت وتحمست حين قالت: منى واصف البطلة.

ثلاثية لسيدة واسمها جميلة تقيم في “مصحة نفسية”، إذ اختارت مسار النسيان كي لا يظهر الماضي أمامها موجعاً لحاضرها الذي صار واقعاً. تعيش جميلة حالة إنكار دائمة لصورة الحاضر المتغير المتمثل بصورة ابنها الشاب، الذي يحمل صورة عن ذاكرتها التي توجعها، يأتي إليها يومياً يذكرها ليشكل ذاكرة حنينها الموجعة، يحكي لها القصة ذاتها كل يوم، “جميلة” الجميلة التي تزوجت عن حب وأنجبت طفلاً لا تريد من الماضي شيئاً، ففيه من الوجع ما يجعلها مضطرة لقبول أثره في الحاضر، تؤثر جميلة أن تعيش بلا ذاكرة كي لا توجعها هذه الذاكرة في حاضرها هذا. 

أول مشاهد الثلاثية يسألها الابن: حاسة إنك بتعرفيني؟ 

تجيب: بشوف وجوه غريبة عني، بحس فيها شيء مألوف. 

وتنهي النقاش بانتفاضة غير مبررة.

وتقول: خلص!

تنتبه بعدها لعلبة تسأل عنها فيجيب الابن “معمول”. 

تعترض: معمول، أنا ما بحب المعمول! 

ليجيب الابن: بس هدول من الشام! 

فتقول: يعني فيهن ريحة الشام، طعمة الشام! 

وتلتقط إحدى حبات المعمول تقربها نحو أنفها، وعيناها كلهما غصة وحسرة، مترددة بشكل يشعرك بأنها سوف تتذكر وتعود ذاكرتها إليها، تقربها من فمهما تقضم قضمة واحدة ثم تغرق في البكاء. 

الحالة شبه ميؤوس منها! يقول الحاضر. 

لكن ابنها عنده أمل؟ أي أن صورة الماضي تأتي لأنها تملك كل الأمل بالعودة! 

أذكر أن سبب حماسة آمنة لتقنعني بهذا المسلسل كان هذا المشهد، يومها تحدثنا عن حاجتنا إلى النسيان أو الاضطرار للنسيان 

ماذا نريد أن ننسى؟ 

وهل النسيان اختيار، أم اضطرار؟ 

ثم ما هذه القوة التي تجعل من جميلة تُنكر كل شيء حتى الأمل؛ حاجتها الأساسية كي تعود، لكنه على أية حال ليس حاجتها بقدر حاجة ابنها، المتمثل بصورة الحاضر صاحب ذاكرة الماضي الموجع، فما إن يأتي الماضي بوجعه فعلينا أن ننكر أننا عشناه. 

يومها قلت لآمنة: ربما نحب من الماضي اللحظة التي جعلتنا سعداء، لكننا غالباً قد لا نحنّ إلى وجع! 

أيكون الماضي موجعاً إلى هذا الحد؟ 

ربما لأنه يذكرنا باغتراب ما فعله الحاضر. 

الآن فيما تمر جميلة في خاطري حيث أرى الحاجة ذاتها، إذ استيقظت في أيام الحرب المستمرة “أربعاء” أعتقد أنه الخامس أو السابع بعد المائة الرابعة وفق تقويم الحرب. لدي خوف لا يمكن فهمه أو تفسيره.. 

أنني أعتاد شكل هذا الحاضر الذي أعيشه في نزوحي المستمر، أذكر أنني قلقت من تعاطي مع الأشياء، وكأنني نشأت في الحي الذي نزحت إليه في خانيونس، جادلت البائع وكأنني زبونة منذ سنوات، عدت إلى بيت النزوح ولم أخرج منه كثيراً سوى لحاجة الإخلاء. 

كنت أخاف التعود على هذه الذاكرة، وعلى صناعة مسار لحواسي غير هذا الذي أمتلك! 

أحتفظ بذاكرة حواسي عن الأشياء في غزة المدينة، ولا أريد لهذه الفضيحة أن تحدث، الأمر أشبه بأن تسقط من علو شاهق فيحدث في ذاكرتك ثقب، فتسيل ذاكرتك وتفضحك! 

وتمضي إلى حاضرك بلا ذاكرة. 

كان يقلقني ذاك الأمر أنني أضطر لاستبدال كل ذاكرة حواسي، واجعلها تشعر باغتراب عن مسارها اليومي المعتاد. 

في رفح بعد انتهاء أحد الأحداث الأمنية الصعبة، جلست برفقة آلاء وياسر ابنيْ أخويْ، خفت بعد إجابة منهما “نخشى أن ما عشناه كان حلماً وأن هذه الحقيقة والواقع”، برغم أنني قلت بعد انقضاء الأسبوع الثالث من أيام الحرب “يبدو أننا مقبلون على أسلوب حياة لسنوات حرب”، إلا أنه في داخلي إنكار لكل هذا. 

فمضيت أيام نزوحي في رفح بميكانيزم دفاع “إطفاء الحواس”.

وفي داخلي أرفع صوت ضجيج شارع النصر في لحظة زحام، وصوت عرس وزفة في شارع الرشيد، ورائحة فلافل ابو طلال، وتذمري من زحام مفترق السرايا… المهم ألا يقنعني ذاك الصبي الذي يبيع “ساليزون” وينادي عليها أمام بسطة في رفح 

“ساندويشات الاتكيت”، أن هذا صار أمراً واقعاً، وأن “الساليزون” صار يباع على بسطة، وغبار الحرب والزحام والنزوح حوله. 

اليوم أقف بملامح جميلة تلك، أمام خوفي المستجد في دير البلح موطن النزوح الأخير والمستمر منذ مايو 2024، وأقرأ رسالة من صديقة “جاي ع بالي حمص زهران”؛ أحد أشهر محلات الحمص في المدينة. محطة الصباح تبدأ من هناك، على مدى ما عشناه من أيام في غزة، لم تعرف حواسنا مساراً سواها، تجدنا نتوحد حتى مع شكل روتينها وصباحاتها، ولا يمكن لك أن تطفىء حواسك في يوم عن هذا. 

إذ كان من الممكن أن يكون هذا الصباح عادياً جداً، كأن تمر حواسك في رحلة من شارع النصر محطة الصباح الأساسية، جرس الإيذان ببدء الحياة، مكتوب أمامي على لوحة “حمص زهران”، لكنني لا أستطيع استحضار رائحة بداية هذا اليوم، رائحة تختلط فيها كل غزة وصباحها. 

حاولت 

حاولت 

لكنني فشلت. 

بدأت أسخر من شعوري فقلت لنفسي: وانتظرها. 

لكنها؛ ولم تأتِ، ولن تأتي! 

كان محقاً درويش حين فقد الأمل ولكن انتظرها على أية حال.

أشغلت نفسي بالسخرية لكنني فشلت. 

ووقفت بباب المحل بلا ذاكرة أجبت صديقتي: معقول رح يظل نفس الطعم؟ معقول طعم الحمص متذكرنا؟ 

ومضيت أبحث عن عادية يوم عادي في حواسي، صنعت خارطة لحواسي التائهة. 

حاسة البحر…  هي رديف حاسة السمع المتشكل الأول في ذاكرة الجنين، لكنها حاسة الغزي الأولى المتشكلة لدى مولود قرب البحر. فالبحر في مفهومه العادي شيء بسيط يتكرر موجة خلف موجة، لكن الأشياء الأكثر بساطة في الطبيعة لا تُفهم من دون أن يكون لها الكثير من الأشكال والأسباب، وذلك ما يعينه أن تولد قرب البحر 

التأويل! 

فالموجة القادمة من بعيد، من دون عراقيل، من دون عتاب لأول مرة تأتي راكضة لتجد من تتحدث إليه، جاءت لترتاح على قدم راكض إليها أيضاً، من ذا الذي عرف سحر أن تضرب الماء قدم المشتاق سوى المولود قربه؟ إذ يحمل كل منا اعتقاد أنه يتجه نحو الآخر. 

يأتي هادراً أسمعه كل ليلة هدره مخيف جداً، لم يكن هذا الهدر ذاته سابقاً حين كان البيت، هادراً يكبح جماح جنونه قرب الشاطئ الذي تقف عليه الأقدام، لكنه اليوم يأتي هادراً وكأنه مثلي يرفض الخيمة يرفض لعنة وجودها ويجرفها، الفارق أنني أريد عصا سحرية تُنهي هذه اللعنة، لكنه هادر يعزّ عليه أن يسكنه مشتاقاً جائعاً خائفاً فيقتله! 

حاسة الصباح 

الصباح الذي يبدأ من شباك الغرفة الشمالي تقف به عصافير تنقر مراياه، يزعجني فيما مضى تطفلها المتحجج بأنها تمارس عادتها الصباحية، اليوم العصافير تطير في سقف المدينة ولا تقترب من الشبابيك، الشبابيك المهشمة تخشاها العصافير مثلي. 

يعرفني الأصدقاء بأنني صديقة الصباح، أحب فكرة الصباح حين تحدث، وكأن يداً من نور تشق الباب على عتمة ممتدة في الجسد والبال، ما زلت أحب الصباح، الصباح فكرتي التي لا أريد أن تقتلها الحرب، لكن فكرتي عن الصباح بلا حواس، كأنني بدأت أنسى شكل الصباح الذي ينادي فيه البائع: كعك طازج! 

سمك بحرنا!

برتقال بياراتنا!

حليب 

فيروز من شباك الشاب الوسيم 

صوت عبد الباسط عبد الصمد بسورة الرحمن من شباك الجارة الفضولية 

حبل الغسيل المنتظم بالألوان 

غاب كل هذا… 

حاسة السوق! 

سوق الزاوية هو تدريب للحواس واختبارها، هذه رائحة كمون، تلك قرفة، لا من هناك رائحة المردقوش طلب خالتي لأغراض حمية غذائية، وأختي ستضيفه في خبز معجناتها، تذكرت إحداهن طلبت زيت اللافندر تضعه في المبخرة يمنح البيت عطراً مختلفاً، اشتريت بعض المخللات، لكن المخللات من سوق الزاوية لها طعم لن تجده في أفضل المحلات، رائحة ماء المخلل هي رائحة غزة، من هناك الفلفل الأحمر كالجبل يظهر  يتوسط تلال الدقة والزعتر، يمنحك الشعور اختباراً لحواسك، الألوان تدغدغ شعورك بالجوع 

عربات “الفستقية، والسمسمية، والجوزية”، يوجد في غزة مصنع يبيعها مغلفة، لكن هل يصح أن يكون المشوار من دون أن توقف مسير أمك أو أبيك في السوق، وتطلب من عربة الفستقية والسمسمية والجوزية قليلاً. 

حتى حينما تذهب إلى هناك وأنت أكبر من طفل، ستقف أمام العربة بفرحة طفل وافق أبوه على طلبه، وخضعت أمه لصراخه واشترت له حلوى الفستق والسمسم وجوز الهند. 

ضجيج الألوان في السوق يُظهره كأنه احتفال يومي بالألوان، ولحاسة سمعك هل لها أن تمشي اذا سمعت 

فوانيس رمضان من دون أن تقف وتغني أهلا رمضان؟ أو أن تتنازل شهيتك عن صحن سماقية إذا ما لمحت ورق السلق مصطفاً متسلقاً حدود العربة يشدك؟ أو أن تسبح يدك في اختبار محلول ملح كبس الزيتون إذا ما لمحت حبات الزيتون مرصوصة في كيس كحبات ألماس؟ وضجيج اجتماع العائلة في مهرجان رص وكبس ودق الزيتون؟ هل لفمك أن يصمد طويلاً أمام عربة “الخروب” من دون أن يطفئ عطش الحرارة في مشوار التجهيز لموسم رمضان؟ ومن منا لم يتأفف من إلحاح بائع النعناع؟ في أي مكان عدا سوق الزاوية يبتسم لك الولد هناك ويخبرك أنه يليق بكأس الشاي ومقطوف لك؟ تعرف تماماً أنها مجاملة ولكن كيف للشاي أن يكون بلا نعناع؟ رائحته تسكب نفسها كماء يمسح كل تعب من مزاجك. 

تبدع النساء كلهن في صناعة أساليب الضيافة، يستقبلنك في بيوتهن، لكن أبسط أساليب الضيافة وأغناها تلك التي يهديك إياها العم في سوق الزاوية بعطارته الصغيرة، يشق حبة التمر ينزع النواة ويضع مكانها حبة لوز أو كاجو وأحياناً جوز، عليك أن تقبلها وإلا لن تتم بيعة أوقية الميرمية.

مداخل السوق عديدة من جهة المسجد، من جهة الكنيسة، كل الشوارع تسحبك نحوها حواسك. كل ما عليك أن تستجيب لرغبة حواسك بالاحتفال. يقال إن سبب تسمية السوق بهذا الاسم أن مسجداً واسمه الزاوية يتوسط السوق، كان محط تردد الهنود العاملين في غزة فترة الحكم العثماني. هو زاوية فعلاً تدخل إليها لتختبر كل مشاعرك نحو الأشياء. تقودك قدماك، وتحتفل حواسك بمهرجانها. محظوظ كل من مرت حواسه في اختبار السوق هذا. 

غاب هذا… 

قبل أيام صادفني “عكيلة” اسم أحد أشهر محلات السوق القديم، هذا صنع لنفسه مكاناً بلافتة “الطعم ذاته” لكن الواجهة ليست ذاتها. 

يحاول السوق في دير البلح أيضاً أن يصنع تشكيلة جبال الزعتر والدقة والفلفل وغيرها من ملامح محلات العطارة، وبعض البسطات تصنع من نفسها الهوية ذاتها لعربات الفستقية والسمسمية، وبلافتات تحمل الأسماء ذاتها التي كانت هناك. وكأننا نصنع بيوتاً بديلة، لكل شيء. 

قلقة الآن على حواسي من اغترابها، التي بدت وكأنها متصالحة مع قدرتي على اقتناص الفرصة، في الحصول على مكان فارغ في عربة نحو “المشاعلة”، وأن الطريق من النصر (محطة بهلول) صار من جسر المشاعلة نحو البلد (مفترق البركة) وكل وسيلة نقل لها ميكانيزم دفاع خاص توقيت نزولك، طريقة الجلوس، وعلى حواسي أن تتصالح مع هذا الحاضر الواقع. 

الآن أقف أمام جملة صديقتي وأشعر بأنني خذلت حواسي أيضاً، واضطررت لتشكيل مسار آخر لها، وبدأت أراه أمراً واقعاً، لذلك لم تأتِ رائحة إلى خاطري. وكأنني أعيد تشكيل جميلة التي ترفض حاضرها المتشكل باضطرار لا يمكن تفسيره، وأن الماضي ما إن تستحضره حتى يبدو موجعاً لأنه لن يأتي! 

27.11.2024
زمن القراءة: 8 minutes

في رفح بعد انتهاء أحد الأحداث الأمنية الصعبة، جلست برفقة آلاء وياسر ابنيْ أخويْ، خفت بعد إجابة منهما “نخشى أن ما عشناه كان حلماً وأن هذه الحقيقة والواقع”، برغم أنني قلت بعد انقضاء الأسبوع الثالث من أيام الحرب “يبدو أننا مقبلون على أسلوب حياة لسنوات حرب”، إلا أنه في داخلي إنكار لكل هذا. 

“جميلة” هي شخصية عرفتها من خلال أحد المسلسلات الثلاثية قبل هذا الخراب، نصحتني به صديقتي “آمنة” قالت لي يومها: 

اسمه “وجع الماضي” ثلاث حلقات. 

قلت: الاسم كليشيه وكتير! 

ضحكنا لكنني قبلت وتحمست حين قالت: منى واصف البطلة.

ثلاثية لسيدة واسمها جميلة تقيم في “مصحة نفسية”، إذ اختارت مسار النسيان كي لا يظهر الماضي أمامها موجعاً لحاضرها الذي صار واقعاً. تعيش جميلة حالة إنكار دائمة لصورة الحاضر المتغير المتمثل بصورة ابنها الشاب، الذي يحمل صورة عن ذاكرتها التي توجعها، يأتي إليها يومياً يذكرها ليشكل ذاكرة حنينها الموجعة، يحكي لها القصة ذاتها كل يوم، “جميلة” الجميلة التي تزوجت عن حب وأنجبت طفلاً لا تريد من الماضي شيئاً، ففيه من الوجع ما يجعلها مضطرة لقبول أثره في الحاضر، تؤثر جميلة أن تعيش بلا ذاكرة كي لا توجعها هذه الذاكرة في حاضرها هذا. 

أول مشاهد الثلاثية يسألها الابن: حاسة إنك بتعرفيني؟ 

تجيب: بشوف وجوه غريبة عني، بحس فيها شيء مألوف. 

وتنهي النقاش بانتفاضة غير مبررة.

وتقول: خلص!

تنتبه بعدها لعلبة تسأل عنها فيجيب الابن “معمول”. 

تعترض: معمول، أنا ما بحب المعمول! 

ليجيب الابن: بس هدول من الشام! 

فتقول: يعني فيهن ريحة الشام، طعمة الشام! 

وتلتقط إحدى حبات المعمول تقربها نحو أنفها، وعيناها كلهما غصة وحسرة، مترددة بشكل يشعرك بأنها سوف تتذكر وتعود ذاكرتها إليها، تقربها من فمهما تقضم قضمة واحدة ثم تغرق في البكاء. 

الحالة شبه ميؤوس منها! يقول الحاضر. 

لكن ابنها عنده أمل؟ أي أن صورة الماضي تأتي لأنها تملك كل الأمل بالعودة! 

أذكر أن سبب حماسة آمنة لتقنعني بهذا المسلسل كان هذا المشهد، يومها تحدثنا عن حاجتنا إلى النسيان أو الاضطرار للنسيان 

ماذا نريد أن ننسى؟ 

وهل النسيان اختيار، أم اضطرار؟ 

ثم ما هذه القوة التي تجعل من جميلة تُنكر كل شيء حتى الأمل؛ حاجتها الأساسية كي تعود، لكنه على أية حال ليس حاجتها بقدر حاجة ابنها، المتمثل بصورة الحاضر صاحب ذاكرة الماضي الموجع، فما إن يأتي الماضي بوجعه فعلينا أن ننكر أننا عشناه. 

يومها قلت لآمنة: ربما نحب من الماضي اللحظة التي جعلتنا سعداء، لكننا غالباً قد لا نحنّ إلى وجع! 

أيكون الماضي موجعاً إلى هذا الحد؟ 

ربما لأنه يذكرنا باغتراب ما فعله الحاضر. 

الآن فيما تمر جميلة في خاطري حيث أرى الحاجة ذاتها، إذ استيقظت في أيام الحرب المستمرة “أربعاء” أعتقد أنه الخامس أو السابع بعد المائة الرابعة وفق تقويم الحرب. لدي خوف لا يمكن فهمه أو تفسيره.. 

أنني أعتاد شكل هذا الحاضر الذي أعيشه في نزوحي المستمر، أذكر أنني قلقت من تعاطي مع الأشياء، وكأنني نشأت في الحي الذي نزحت إليه في خانيونس، جادلت البائع وكأنني زبونة منذ سنوات، عدت إلى بيت النزوح ولم أخرج منه كثيراً سوى لحاجة الإخلاء. 

كنت أخاف التعود على هذه الذاكرة، وعلى صناعة مسار لحواسي غير هذا الذي أمتلك! 

أحتفظ بذاكرة حواسي عن الأشياء في غزة المدينة، ولا أريد لهذه الفضيحة أن تحدث، الأمر أشبه بأن تسقط من علو شاهق فيحدث في ذاكرتك ثقب، فتسيل ذاكرتك وتفضحك! 

وتمضي إلى حاضرك بلا ذاكرة. 

كان يقلقني ذاك الأمر أنني أضطر لاستبدال كل ذاكرة حواسي، واجعلها تشعر باغتراب عن مسارها اليومي المعتاد. 

في رفح بعد انتهاء أحد الأحداث الأمنية الصعبة، جلست برفقة آلاء وياسر ابنيْ أخويْ، خفت بعد إجابة منهما “نخشى أن ما عشناه كان حلماً وأن هذه الحقيقة والواقع”، برغم أنني قلت بعد انقضاء الأسبوع الثالث من أيام الحرب “يبدو أننا مقبلون على أسلوب حياة لسنوات حرب”، إلا أنه في داخلي إنكار لكل هذا. 

فمضيت أيام نزوحي في رفح بميكانيزم دفاع “إطفاء الحواس”.

وفي داخلي أرفع صوت ضجيج شارع النصر في لحظة زحام، وصوت عرس وزفة في شارع الرشيد، ورائحة فلافل ابو طلال، وتذمري من زحام مفترق السرايا… المهم ألا يقنعني ذاك الصبي الذي يبيع “ساليزون” وينادي عليها أمام بسطة في رفح 

“ساندويشات الاتكيت”، أن هذا صار أمراً واقعاً، وأن “الساليزون” صار يباع على بسطة، وغبار الحرب والزحام والنزوح حوله. 

اليوم أقف بملامح جميلة تلك، أمام خوفي المستجد في دير البلح موطن النزوح الأخير والمستمر منذ مايو 2024، وأقرأ رسالة من صديقة “جاي ع بالي حمص زهران”؛ أحد أشهر محلات الحمص في المدينة. محطة الصباح تبدأ من هناك، على مدى ما عشناه من أيام في غزة، لم تعرف حواسنا مساراً سواها، تجدنا نتوحد حتى مع شكل روتينها وصباحاتها، ولا يمكن لك أن تطفىء حواسك في يوم عن هذا. 

إذ كان من الممكن أن يكون هذا الصباح عادياً جداً، كأن تمر حواسك في رحلة من شارع النصر محطة الصباح الأساسية، جرس الإيذان ببدء الحياة، مكتوب أمامي على لوحة “حمص زهران”، لكنني لا أستطيع استحضار رائحة بداية هذا اليوم، رائحة تختلط فيها كل غزة وصباحها. 

حاولت 

حاولت 

لكنني فشلت. 

بدأت أسخر من شعوري فقلت لنفسي: وانتظرها. 

لكنها؛ ولم تأتِ، ولن تأتي! 

كان محقاً درويش حين فقد الأمل ولكن انتظرها على أية حال.

أشغلت نفسي بالسخرية لكنني فشلت. 

ووقفت بباب المحل بلا ذاكرة أجبت صديقتي: معقول رح يظل نفس الطعم؟ معقول طعم الحمص متذكرنا؟ 

ومضيت أبحث عن عادية يوم عادي في حواسي، صنعت خارطة لحواسي التائهة. 

حاسة البحر…  هي رديف حاسة السمع المتشكل الأول في ذاكرة الجنين، لكنها حاسة الغزي الأولى المتشكلة لدى مولود قرب البحر. فالبحر في مفهومه العادي شيء بسيط يتكرر موجة خلف موجة، لكن الأشياء الأكثر بساطة في الطبيعة لا تُفهم من دون أن يكون لها الكثير من الأشكال والأسباب، وذلك ما يعينه أن تولد قرب البحر 

التأويل! 

فالموجة القادمة من بعيد، من دون عراقيل، من دون عتاب لأول مرة تأتي راكضة لتجد من تتحدث إليه، جاءت لترتاح على قدم راكض إليها أيضاً، من ذا الذي عرف سحر أن تضرب الماء قدم المشتاق سوى المولود قربه؟ إذ يحمل كل منا اعتقاد أنه يتجه نحو الآخر. 

يأتي هادراً أسمعه كل ليلة هدره مخيف جداً، لم يكن هذا الهدر ذاته سابقاً حين كان البيت، هادراً يكبح جماح جنونه قرب الشاطئ الذي تقف عليه الأقدام، لكنه اليوم يأتي هادراً وكأنه مثلي يرفض الخيمة يرفض لعنة وجودها ويجرفها، الفارق أنني أريد عصا سحرية تُنهي هذه اللعنة، لكنه هادر يعزّ عليه أن يسكنه مشتاقاً جائعاً خائفاً فيقتله! 

حاسة الصباح 

الصباح الذي يبدأ من شباك الغرفة الشمالي تقف به عصافير تنقر مراياه، يزعجني فيما مضى تطفلها المتحجج بأنها تمارس عادتها الصباحية، اليوم العصافير تطير في سقف المدينة ولا تقترب من الشبابيك، الشبابيك المهشمة تخشاها العصافير مثلي. 

يعرفني الأصدقاء بأنني صديقة الصباح، أحب فكرة الصباح حين تحدث، وكأن يداً من نور تشق الباب على عتمة ممتدة في الجسد والبال، ما زلت أحب الصباح، الصباح فكرتي التي لا أريد أن تقتلها الحرب، لكن فكرتي عن الصباح بلا حواس، كأنني بدأت أنسى شكل الصباح الذي ينادي فيه البائع: كعك طازج! 

سمك بحرنا!

برتقال بياراتنا!

حليب 

فيروز من شباك الشاب الوسيم 

صوت عبد الباسط عبد الصمد بسورة الرحمن من شباك الجارة الفضولية 

حبل الغسيل المنتظم بالألوان 

غاب كل هذا… 

حاسة السوق! 

سوق الزاوية هو تدريب للحواس واختبارها، هذه رائحة كمون، تلك قرفة، لا من هناك رائحة المردقوش طلب خالتي لأغراض حمية غذائية، وأختي ستضيفه في خبز معجناتها، تذكرت إحداهن طلبت زيت اللافندر تضعه في المبخرة يمنح البيت عطراً مختلفاً، اشتريت بعض المخللات، لكن المخللات من سوق الزاوية لها طعم لن تجده في أفضل المحلات، رائحة ماء المخلل هي رائحة غزة، من هناك الفلفل الأحمر كالجبل يظهر  يتوسط تلال الدقة والزعتر، يمنحك الشعور اختباراً لحواسك، الألوان تدغدغ شعورك بالجوع 

عربات “الفستقية، والسمسمية، والجوزية”، يوجد في غزة مصنع يبيعها مغلفة، لكن هل يصح أن يكون المشوار من دون أن توقف مسير أمك أو أبيك في السوق، وتطلب من عربة الفستقية والسمسمية والجوزية قليلاً. 

حتى حينما تذهب إلى هناك وأنت أكبر من طفل، ستقف أمام العربة بفرحة طفل وافق أبوه على طلبه، وخضعت أمه لصراخه واشترت له حلوى الفستق والسمسم وجوز الهند. 

ضجيج الألوان في السوق يُظهره كأنه احتفال يومي بالألوان، ولحاسة سمعك هل لها أن تمشي اذا سمعت 

فوانيس رمضان من دون أن تقف وتغني أهلا رمضان؟ أو أن تتنازل شهيتك عن صحن سماقية إذا ما لمحت ورق السلق مصطفاً متسلقاً حدود العربة يشدك؟ أو أن تسبح يدك في اختبار محلول ملح كبس الزيتون إذا ما لمحت حبات الزيتون مرصوصة في كيس كحبات ألماس؟ وضجيج اجتماع العائلة في مهرجان رص وكبس ودق الزيتون؟ هل لفمك أن يصمد طويلاً أمام عربة “الخروب” من دون أن يطفئ عطش الحرارة في مشوار التجهيز لموسم رمضان؟ ومن منا لم يتأفف من إلحاح بائع النعناع؟ في أي مكان عدا سوق الزاوية يبتسم لك الولد هناك ويخبرك أنه يليق بكأس الشاي ومقطوف لك؟ تعرف تماماً أنها مجاملة ولكن كيف للشاي أن يكون بلا نعناع؟ رائحته تسكب نفسها كماء يمسح كل تعب من مزاجك. 

تبدع النساء كلهن في صناعة أساليب الضيافة، يستقبلنك في بيوتهن، لكن أبسط أساليب الضيافة وأغناها تلك التي يهديك إياها العم في سوق الزاوية بعطارته الصغيرة، يشق حبة التمر ينزع النواة ويضع مكانها حبة لوز أو كاجو وأحياناً جوز، عليك أن تقبلها وإلا لن تتم بيعة أوقية الميرمية.

مداخل السوق عديدة من جهة المسجد، من جهة الكنيسة، كل الشوارع تسحبك نحوها حواسك. كل ما عليك أن تستجيب لرغبة حواسك بالاحتفال. يقال إن سبب تسمية السوق بهذا الاسم أن مسجداً واسمه الزاوية يتوسط السوق، كان محط تردد الهنود العاملين في غزة فترة الحكم العثماني. هو زاوية فعلاً تدخل إليها لتختبر كل مشاعرك نحو الأشياء. تقودك قدماك، وتحتفل حواسك بمهرجانها. محظوظ كل من مرت حواسه في اختبار السوق هذا. 

غاب هذا… 

قبل أيام صادفني “عكيلة” اسم أحد أشهر محلات السوق القديم، هذا صنع لنفسه مكاناً بلافتة “الطعم ذاته” لكن الواجهة ليست ذاتها. 

يحاول السوق في دير البلح أيضاً أن يصنع تشكيلة جبال الزعتر والدقة والفلفل وغيرها من ملامح محلات العطارة، وبعض البسطات تصنع من نفسها الهوية ذاتها لعربات الفستقية والسمسمية، وبلافتات تحمل الأسماء ذاتها التي كانت هناك. وكأننا نصنع بيوتاً بديلة، لكل شيء. 

قلقة الآن على حواسي من اغترابها، التي بدت وكأنها متصالحة مع قدرتي على اقتناص الفرصة، في الحصول على مكان فارغ في عربة نحو “المشاعلة”، وأن الطريق من النصر (محطة بهلول) صار من جسر المشاعلة نحو البلد (مفترق البركة) وكل وسيلة نقل لها ميكانيزم دفاع خاص توقيت نزولك، طريقة الجلوس، وعلى حواسي أن تتصالح مع هذا الحاضر الواقع. 

الآن أقف أمام جملة صديقتي وأشعر بأنني خذلت حواسي أيضاً، واضطررت لتشكيل مسار آخر لها، وبدأت أراه أمراً واقعاً، لذلك لم تأتِ رائحة إلى خاطري. وكأنني أعيد تشكيل جميلة التي ترفض حاضرها المتشكل باضطرار لا يمكن تفسيره، وأن الماضي ما إن تستحضره حتى يبدو موجعاً لأنه لن يأتي! 

27.11.2024
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية