ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

وحدي أحمل ملامح أمّي… وخالتي هي السبب!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“خالتي التي قتلها القصف الاسرائيليّ، تركتني أحمل ملامح أمّي وحدي!”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بدأ الفقد معي كلعبة مسليّة حين أجلستني أمّي خلف سرير أختي في أواخر صيف 1993 أهزّها، وهي بعمر أربعة شهور، بينما في الغرفة المقابلة في بيت جدّي ستحظى ابنة عمّي بحمّامها الأوّل (حمّام الأسبوع) وعلينا أن نتجهّز كعائلة، كي نجمع بعض أوراق الورد والريحان، وبجوار الغرفة المقابلة يتجهّز أعمامي للاتّفاق مع المغسل الخاصّ بالموتى، ليجهّز جثّة جدّي لوالدي للدفن. 

 الفقد الآن مجرّد لعبة مسليّة اضطرّ فيها جدّي أن يعترض أو يهرب من صراخ الصغيرات في العائلة، فنام وأسكن جسده لنوم طويل، كنت في الخامسة، أحاول فهم ملامح أبي وأعمامي، وأراها غير تلك الملامح التي يجب أن تعتلي وجه العائلة  في حمّام الطفل؛ المشهد الممتلئ بالتسلية، عليّ أن أجتهد في إسكات صوت أختي كي لا تثير الضجيج، أو ألا تشارك ابنة عمّي وهي تصرخ، لأن جسدها يختبر الماء والحمّام الأوّل لها، فينزعج جدّي في نومه.

ثم صار الفقد مجرّد حدث عابر سيكبر، ويمضي نحو طريقه، ويشبّ مع الوقت، توفّي يوسف في شتاء 2007. 

طفل صغير اختبر على جسدي برودة الجثّة، وصقيع الوحدة، وكلما مرّت أمامي سيرة موت، مرّ على فمي خدر الثلج وصقيع المخدّر في الجسد، ليصير الفقد مجرّد شعور بالبرد يمرّ طعمه على فمي فقط، ويسري في مسامات جلدي مسار المخدّر أثناء العمليّة الجراحية، يومها كان وداع يوسف بمجرّد قبلة على جبين طفل صغير بعمر الأربع سنوات، أصغر من أن تراه في كفن، وأثقل من أن تحمله جثّة. 

ليظلّ الفقد متأرجحاً بين إحساسين، اللعبة المسليّة التي تتطلّب ضبط الصراخ، وشعور البرد الذي يتطلّب الانطواء على مسامات الجلد كي تخمد قشعريرتها، ليعود الفقد يوخزني بخاصرة القلب خلال الحرب، بأن تخبرني الرسائل والاتّصالات بالأسماء، فكلّ من فقدتهم لم أحصل على فرصة وداعهم ولقاء وجوههم لآخر مرّة.

قتلت الحرب زوجة عمّي، فعرفت أن وجهها الذي في الصورة، سيظلّ ثابت الملامح في كلّ مناسبة ستتغيّب عنها في العائلة، قُتل معها ابنها محمّد العشريني، فكأن الأمر أشبه بمجرّد تغيّب للشابّ الذي لن يعود لزيارتنا في العيد، حيث انشغل بترتيب مكان آخر له، وكأنني لن أعترف بفكرة غيابهم الأبدي.

سبق ذلك أوّل اختبارات الفقد خلال الحرب بأن سمعت باسم الجار علاء، والصديقة هنادي، أنهم فقط غابوا عن لقائي حين عودتي من رحلة النزوح، ولن يعود معنا علاء لأن العودة ثقيلة على قدميه مسافة المشي، وهنادي ستظلّ عاتبة عليّ أنني نزحت عن مدينتا، وأصابها كسل أن تلتقي بي، فلن تأتي. 

كلّ الوجوه الآن في ذاكرتي، هي تمضي وفق ميكانيزم دفاع خاصّ أبنيه مع ذاتي، حيث علاقتي مع الأشياء التي تضيع مني أجدها بعد حين، فيصير الوداع مجرّد فعل اضطراري، سيعود ويعتذر عن مزحته الساذجة.

سبق أن أضعت سلسلة ذهبية بأوّل حرف من اسمي  في العشرين، أهداني إيّاها أبي بعد نجاحي في الصف السادس، وبعد شهرين وجدتها في كومة غبار خلف سريري في الغرفة، وضاعت مني بطاقة هوّيتي، وبعد عام وجدتها في جيب الروب الشتوي، كلّ شيء أفقده يعود إليّ دون أن أفتّش عنه، أصادفه، وحتى لا يصير الوداع أمراً واقعاً بنيت للوجوه التي فقدتها زاوية في ذاكرتي أزورها كلما جيء على ذكرهم، أراهم بالملامح ذاتها يبتسمون ويمرّون من الطريق ذاتها التي أمرّ فيها. 

أنا أشدّ الناس جبناً بالاعتراف بالفقد والموت والضياع، فيؤنسني الإنكار وأعرف أنه خطر، لكن على أية حال الاعتراف بالمرض أسهل من إنكاره على الدوام، وإلا ما العيب في أن نستعيد كلّ ما فقدنا ومن فقدنا ولو للحظة؟

إنهم ونس المحو الذي تمارسه الحرب على ذاكرتنا.

حتى إنني أستعيد أمّي من موتها، لأنني فعّلت تلك الخاصيّة في شعوري. حين أخبرتني أختي بعد أن أيقظتني، أنكرت على كلّ حواسي مشهد جسد أمّي المسجّى على سريرها، وأبقيت صورة جسدها الذي يتنفّس، وأن صدرها ما زال يعلو ويهبط بالأنفاس، وهذا السكون مجرّد مزحة ستقوم منها أمّي بعد قليل تقول: “عطشانة، بدي مي!”.

حتى جاء الخميس؛ التاسع عشر من حزيران/ يونيو 2025، لتصنع خالتي ظرفاً استثنائياً من فكرة الفقد، وكأن استثنائيتها في علاقتها معنا اختبرتها حتى في موتها، موتها الذي حدث إثر قصف نقطة شحن في أحد شوارع مخيّم الشاطئ، وبالمصادفة الاستثنائية التي تتعلّق بها، كانت طريقها من هناك فقُتلت.

قُتلت!

في الصباح الذي شاركت فيه صورة واحدة من الهدايا التي حصلت عليها، في صباح اليوم ذاته (نقش على فنجان) بعنوان رواية (أرض البرتقال الحزين) لغسان كنفاني شاركت الصورة باقتباس من الرواية ذاتها.

“لأن الناس عادة لا يحبّون الموت كثيراً، فلا بدّ أن يفكّروا بأمر آخر”. 

هذا الاستثناء باليوم، أصرّت خالتي ذات العلاقة الاستثنائية أن تشارك فيه، فأرسلت هديّتها على شكل موت.

ظرفها الاستثنائي الذي جعل من حليب ستّي يجفّ في صدرها، حتى زارت أمّي ستّي وهي تحمل أخي الكبير، الذي ولد وخالتي في العام نفسه (1975) يكبرها أخي بخمسة شهور فقط، صراخ أخي الذي لم يتوقّف، جعل ستّي تُشفق عليه، فهدهدته على صدرها فنزل الحليب من صدر ستّي، وتشارك الاثنان الرضاعة، فصارت خالتي مصادفة أخت أخي. 

خالتي نهاد التي نسمّيها الخالة الأخت والأخت الخالة، تشاركني استثنائية اليوم الذي حصلت فيه على هديّة في أيّام الحرب، ومصادفة أن تدفعني الهديّة لأن أفكّر بأمر آخر غير الموت.

لأركض نحو المستشفى حين وصلني الخبر، تاركة خلفي كلّ الصور والهدايا، وأقف أمام جثّتها في ثلّاجة الموتى في مستشفى الشفاء. جثّتها الممدّدة المكفّنة بجوار ثلاث جثث، كُتب فوق اثنتين منها “مجهول الهوّية”، العبارة التي كنت أشاهدها كصورة في خبر ضمن جروبات الأخبار في الواتساب والتليجرام، تلكم وجهي وتصفع بطني بثقل أجرّبه لأوّل مرّة بداعي التقيّؤ، إذ ظهرت رائحة عفونة تؤكّد لي الموت.

رائحة الموت عفونة، عفونة لا يمكن تحمّلها، إلا لسبب واحد، أن واحدة من الجثث الآن هي جثّة خالتي، ومِن حولها رائحة موت.

ما أبشع رائحة الموت! ما أقسى فكرة الموت!

ورائحة القتل والدم الأزرق على القدم، الذي يظهر من تحت الغطاء الذي يلفّ الجثّة المجاورة. ما أبشع ألوان الغطاء أصلاً رغم ورديتها، هي رمادية بلون دم أزرق محتبس في مسامات الجلد. الدم على عادته في ذاكرتي مرتبط بالنزف، باللون الأحمر القاني، لكنّه صار أزرق، ما أبشع اختبارات الحواس في هذه الأيّام.

إنها المرّة الأولى التي تجبرني خالتي التي زارتني في أوّل أيّام الشهر ذاته حيث (عيد الأضحى) تنافسني في ملامح أمّي، وتقول بمزاح خفيف كعادتها كمدلّلة العائلة (صغيرة الخالات) ستخطو نحو الخمسين بأناقة الصغيرات، والحرب أتلفت صفاء بشرتها بعد تشرّد ونزوح. 

ومع ذلك تمازحني الآن وتقول في أمر ملامح أمّي، التي خطفت منها الكثير “أنا بشبهها أكثر منكن”. كشفت عن وجهها لأصدّق أنها ما زالت تنافسني في ملامح أمّي، لتضعني أمام فكرة جديدة عن الانعكاس والمرايا، أن تلمح ملامحك ميتة! ما هذا الفعل يا خالتي؟!

لتحملها أكتاف أبنائها وإخوتي وأبناء خالاتي الأخريات، الجميع الآن يسير أمامي، يحملونها من بوّابة مستشفى الشفاء، حتى بيتها في شارع عايدية غرب المدينة.

تقول السيّدة التي لمحتني أمشي في الجنازة: “شو صاروا النسوان يمشوا في الجنازات”!

لو أنني أستطيع إخبارك أنني لا أمشي في جنازة، بل أمشي ألاحق ملامح أمّي قبل أن تذهب إلى مستقرّ آخر وتضيع مني!

أرتدي القميص الأبيض، وهناك آثار حمرة على شفتيّ، أوّل شيء فكّرت به حين وصلت، مسح آثار المكياج عن وجهي، لكنّي تذكّرت أن البكاء سيتولّى الأمر، وكلّ ما هو على وجهي سيزول إذ لحقت بالجنازة الآن، وخطفت وحدي ملامح أمّي التي ستدخل فيها خالتي إلى أمّي إذا تصادفتا، أريد ملامح أمّي يا خالتي، انتظري!

كان هذا الصراخ في داخلي، بينما يمشي بجواري أخوالي هائمين بسؤال لا ينفكّ عن أفواه الفاقدين الذين يكبرون المفقودين، كيف تبدّلت الأدوار وصرت يا صغير جثّة؟!

كنت استثنائية بما يكفي لفعل الاستثناء أن يستقرّ يا خالتي، صرت أختي لمصادفة خلل هرموني في صدر ستّي، ومصادفة صرت جثّة محمولة، لأنك اخترت أن تمرّي في طريق صاروخ… ليت الاستثناءات لا تتبدّل! ليتها لا تتبدّل يا خالتي، وظلّ الاستثناء الذي أحبّ، خالتي الأخت التي تزورني في العيد وتغيظني بملامح أمّي التي تحملها أكثر مني.

ليت الاستثناءات لا تتبدّل يا حبيبتي، والمصادفة التي قتلتك بصاروخ كانت نجاة احتفلنا بها، ونحن نقول للموت نحن لا نحبّك يا موت كثيراً، وعلينا أن نفكّر بأمر آخر مثل الحياة… النجاة!

الاستثناء الذي صنعته خالتي دون كلّ الخالات، ليصير موتها اختباراً مؤكّداً في داخلي، أنني بتّ أحمل ملامح أمّي وحدي! وخالتي كانت السبب!

05.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

“خالتي التي قتلها القصف الاسرائيليّ، تركتني أحمل ملامح أمّي وحدي!”

بدأ الفقد معي كلعبة مسليّة حين أجلستني أمّي خلف سرير أختي في أواخر صيف 1993 أهزّها، وهي بعمر أربعة شهور، بينما في الغرفة المقابلة في بيت جدّي ستحظى ابنة عمّي بحمّامها الأوّل (حمّام الأسبوع) وعلينا أن نتجهّز كعائلة، كي نجمع بعض أوراق الورد والريحان، وبجوار الغرفة المقابلة يتجهّز أعمامي للاتّفاق مع المغسل الخاصّ بالموتى، ليجهّز جثّة جدّي لوالدي للدفن. 

 الفقد الآن مجرّد لعبة مسليّة اضطرّ فيها جدّي أن يعترض أو يهرب من صراخ الصغيرات في العائلة، فنام وأسكن جسده لنوم طويل، كنت في الخامسة، أحاول فهم ملامح أبي وأعمامي، وأراها غير تلك الملامح التي يجب أن تعتلي وجه العائلة  في حمّام الطفل؛ المشهد الممتلئ بالتسلية، عليّ أن أجتهد في إسكات صوت أختي كي لا تثير الضجيج، أو ألا تشارك ابنة عمّي وهي تصرخ، لأن جسدها يختبر الماء والحمّام الأوّل لها، فينزعج جدّي في نومه.

ثم صار الفقد مجرّد حدث عابر سيكبر، ويمضي نحو طريقه، ويشبّ مع الوقت، توفّي يوسف في شتاء 2007. 

طفل صغير اختبر على جسدي برودة الجثّة، وصقيع الوحدة، وكلما مرّت أمامي سيرة موت، مرّ على فمي خدر الثلج وصقيع المخدّر في الجسد، ليصير الفقد مجرّد شعور بالبرد يمرّ طعمه على فمي فقط، ويسري في مسامات جلدي مسار المخدّر أثناء العمليّة الجراحية، يومها كان وداع يوسف بمجرّد قبلة على جبين طفل صغير بعمر الأربع سنوات، أصغر من أن تراه في كفن، وأثقل من أن تحمله جثّة. 

ليظلّ الفقد متأرجحاً بين إحساسين، اللعبة المسليّة التي تتطلّب ضبط الصراخ، وشعور البرد الذي يتطلّب الانطواء على مسامات الجلد كي تخمد قشعريرتها، ليعود الفقد يوخزني بخاصرة القلب خلال الحرب، بأن تخبرني الرسائل والاتّصالات بالأسماء، فكلّ من فقدتهم لم أحصل على فرصة وداعهم ولقاء وجوههم لآخر مرّة.

قتلت الحرب زوجة عمّي، فعرفت أن وجهها الذي في الصورة، سيظلّ ثابت الملامح في كلّ مناسبة ستتغيّب عنها في العائلة، قُتل معها ابنها محمّد العشريني، فكأن الأمر أشبه بمجرّد تغيّب للشابّ الذي لن يعود لزيارتنا في العيد، حيث انشغل بترتيب مكان آخر له، وكأنني لن أعترف بفكرة غيابهم الأبدي.

سبق ذلك أوّل اختبارات الفقد خلال الحرب بأن سمعت باسم الجار علاء، والصديقة هنادي، أنهم فقط غابوا عن لقائي حين عودتي من رحلة النزوح، ولن يعود معنا علاء لأن العودة ثقيلة على قدميه مسافة المشي، وهنادي ستظلّ عاتبة عليّ أنني نزحت عن مدينتا، وأصابها كسل أن تلتقي بي، فلن تأتي. 

كلّ الوجوه الآن في ذاكرتي، هي تمضي وفق ميكانيزم دفاع خاصّ أبنيه مع ذاتي، حيث علاقتي مع الأشياء التي تضيع مني أجدها بعد حين، فيصير الوداع مجرّد فعل اضطراري، سيعود ويعتذر عن مزحته الساذجة.

سبق أن أضعت سلسلة ذهبية بأوّل حرف من اسمي  في العشرين، أهداني إيّاها أبي بعد نجاحي في الصف السادس، وبعد شهرين وجدتها في كومة غبار خلف سريري في الغرفة، وضاعت مني بطاقة هوّيتي، وبعد عام وجدتها في جيب الروب الشتوي، كلّ شيء أفقده يعود إليّ دون أن أفتّش عنه، أصادفه، وحتى لا يصير الوداع أمراً واقعاً بنيت للوجوه التي فقدتها زاوية في ذاكرتي أزورها كلما جيء على ذكرهم، أراهم بالملامح ذاتها يبتسمون ويمرّون من الطريق ذاتها التي أمرّ فيها. 

أنا أشدّ الناس جبناً بالاعتراف بالفقد والموت والضياع، فيؤنسني الإنكار وأعرف أنه خطر، لكن على أية حال الاعتراف بالمرض أسهل من إنكاره على الدوام، وإلا ما العيب في أن نستعيد كلّ ما فقدنا ومن فقدنا ولو للحظة؟

إنهم ونس المحو الذي تمارسه الحرب على ذاكرتنا.

حتى إنني أستعيد أمّي من موتها، لأنني فعّلت تلك الخاصيّة في شعوري. حين أخبرتني أختي بعد أن أيقظتني، أنكرت على كلّ حواسي مشهد جسد أمّي المسجّى على سريرها، وأبقيت صورة جسدها الذي يتنفّس، وأن صدرها ما زال يعلو ويهبط بالأنفاس، وهذا السكون مجرّد مزحة ستقوم منها أمّي بعد قليل تقول: “عطشانة، بدي مي!”.

حتى جاء الخميس؛ التاسع عشر من حزيران/ يونيو 2025، لتصنع خالتي ظرفاً استثنائياً من فكرة الفقد، وكأن استثنائيتها في علاقتها معنا اختبرتها حتى في موتها، موتها الذي حدث إثر قصف نقطة شحن في أحد شوارع مخيّم الشاطئ، وبالمصادفة الاستثنائية التي تتعلّق بها، كانت طريقها من هناك فقُتلت.

قُتلت!

في الصباح الذي شاركت فيه صورة واحدة من الهدايا التي حصلت عليها، في صباح اليوم ذاته (نقش على فنجان) بعنوان رواية (أرض البرتقال الحزين) لغسان كنفاني شاركت الصورة باقتباس من الرواية ذاتها.

“لأن الناس عادة لا يحبّون الموت كثيراً، فلا بدّ أن يفكّروا بأمر آخر”. 

هذا الاستثناء باليوم، أصرّت خالتي ذات العلاقة الاستثنائية أن تشارك فيه، فأرسلت هديّتها على شكل موت.

ظرفها الاستثنائي الذي جعل من حليب ستّي يجفّ في صدرها، حتى زارت أمّي ستّي وهي تحمل أخي الكبير، الذي ولد وخالتي في العام نفسه (1975) يكبرها أخي بخمسة شهور فقط، صراخ أخي الذي لم يتوقّف، جعل ستّي تُشفق عليه، فهدهدته على صدرها فنزل الحليب من صدر ستّي، وتشارك الاثنان الرضاعة، فصارت خالتي مصادفة أخت أخي. 

خالتي نهاد التي نسمّيها الخالة الأخت والأخت الخالة، تشاركني استثنائية اليوم الذي حصلت فيه على هديّة في أيّام الحرب، ومصادفة أن تدفعني الهديّة لأن أفكّر بأمر آخر غير الموت.

لأركض نحو المستشفى حين وصلني الخبر، تاركة خلفي كلّ الصور والهدايا، وأقف أمام جثّتها في ثلّاجة الموتى في مستشفى الشفاء. جثّتها الممدّدة المكفّنة بجوار ثلاث جثث، كُتب فوق اثنتين منها “مجهول الهوّية”، العبارة التي كنت أشاهدها كصورة في خبر ضمن جروبات الأخبار في الواتساب والتليجرام، تلكم وجهي وتصفع بطني بثقل أجرّبه لأوّل مرّة بداعي التقيّؤ، إذ ظهرت رائحة عفونة تؤكّد لي الموت.

رائحة الموت عفونة، عفونة لا يمكن تحمّلها، إلا لسبب واحد، أن واحدة من الجثث الآن هي جثّة خالتي، ومِن حولها رائحة موت.

ما أبشع رائحة الموت! ما أقسى فكرة الموت!

ورائحة القتل والدم الأزرق على القدم، الذي يظهر من تحت الغطاء الذي يلفّ الجثّة المجاورة. ما أبشع ألوان الغطاء أصلاً رغم ورديتها، هي رمادية بلون دم أزرق محتبس في مسامات الجلد. الدم على عادته في ذاكرتي مرتبط بالنزف، باللون الأحمر القاني، لكنّه صار أزرق، ما أبشع اختبارات الحواس في هذه الأيّام.

إنها المرّة الأولى التي تجبرني خالتي التي زارتني في أوّل أيّام الشهر ذاته حيث (عيد الأضحى) تنافسني في ملامح أمّي، وتقول بمزاح خفيف كعادتها كمدلّلة العائلة (صغيرة الخالات) ستخطو نحو الخمسين بأناقة الصغيرات، والحرب أتلفت صفاء بشرتها بعد تشرّد ونزوح. 

ومع ذلك تمازحني الآن وتقول في أمر ملامح أمّي، التي خطفت منها الكثير “أنا بشبهها أكثر منكن”. كشفت عن وجهها لأصدّق أنها ما زالت تنافسني في ملامح أمّي، لتضعني أمام فكرة جديدة عن الانعكاس والمرايا، أن تلمح ملامحك ميتة! ما هذا الفعل يا خالتي؟!

لتحملها أكتاف أبنائها وإخوتي وأبناء خالاتي الأخريات، الجميع الآن يسير أمامي، يحملونها من بوّابة مستشفى الشفاء، حتى بيتها في شارع عايدية غرب المدينة.

تقول السيّدة التي لمحتني أمشي في الجنازة: “شو صاروا النسوان يمشوا في الجنازات”!

لو أنني أستطيع إخبارك أنني لا أمشي في جنازة، بل أمشي ألاحق ملامح أمّي قبل أن تذهب إلى مستقرّ آخر وتضيع مني!

أرتدي القميص الأبيض، وهناك آثار حمرة على شفتيّ، أوّل شيء فكّرت به حين وصلت، مسح آثار المكياج عن وجهي، لكنّي تذكّرت أن البكاء سيتولّى الأمر، وكلّ ما هو على وجهي سيزول إذ لحقت بالجنازة الآن، وخطفت وحدي ملامح أمّي التي ستدخل فيها خالتي إلى أمّي إذا تصادفتا، أريد ملامح أمّي يا خالتي، انتظري!

كان هذا الصراخ في داخلي، بينما يمشي بجواري أخوالي هائمين بسؤال لا ينفكّ عن أفواه الفاقدين الذين يكبرون المفقودين، كيف تبدّلت الأدوار وصرت يا صغير جثّة؟!

كنت استثنائية بما يكفي لفعل الاستثناء أن يستقرّ يا خالتي، صرت أختي لمصادفة خلل هرموني في صدر ستّي، ومصادفة صرت جثّة محمولة، لأنك اخترت أن تمرّي في طريق صاروخ… ليت الاستثناءات لا تتبدّل! ليتها لا تتبدّل يا خالتي، وظلّ الاستثناء الذي أحبّ، خالتي الأخت التي تزورني في العيد وتغيظني بملامح أمّي التي تحملها أكثر مني.

ليت الاستثناءات لا تتبدّل يا حبيبتي، والمصادفة التي قتلتك بصاروخ كانت نجاة احتفلنا بها، ونحن نقول للموت نحن لا نحبّك يا موت كثيراً، وعلينا أن نفكّر بأمر آخر مثل الحياة… النجاة!

الاستثناء الذي صنعته خالتي دون كلّ الخالات، ليصير موتها اختباراً مؤكّداً في داخلي، أنني بتّ أحمل ملامح أمّي وحدي! وخالتي كانت السبب!