تقول البحراني أنها أمضت خمسة أشهر من الصمت والمعاناة، كانت كافية لتقرر في النهاية أن تفضح كل شيء، متهمة المخرج الذي عملت معه بمحاولة إجبارها على المبيت في منزله مقابل الاحتفاظ بدورها في المسلسل، مهدداً بإعطاء البطولة لممثلة أخرى إذا رفضت.
لم يكن خيار فسخ العقد سهلاً، فالبحراني تواجه شرطاً جزائياً بقيمة 800 مليون دينار عراقي (600 ألف دولار أميركي) وهو مبلغ لا يمكنها تحمّله. تطور الأمر لاحقاً، وقررت نقابة الفنانين العراقيين إيقاف سارة البحراني عن العمل الفني وعدم تجديد عضويتها، إذ حسمت النقابة الموقف من دون تحقيق أو مساءلة، وأصدرت موقفاً من سارة معتبرة أنها كررت “تجاوزاتها” عبر السوشيال ميديا وأساءت الى النقابة والى زملائها.
لم تلتفت النقابة الى شكاوى سارة البحراني واعتبرتها قدمت “صورة سلبية وغير حقيقية عن الوسط الفني”.
محاولات فاشلة لطلب المساعدة
حاولت سارة التواصل مع أطراف عدة لحمايتها قبل أن تنشر شيئاً، من بينهم المخرج علي فاضل، المسؤول عن شركة الإنتاج المُتعاقدة مع المخرج محور الشكوى التي تقدمت بها الممثلة العراقية.
تقول سارة إن الصمت كان الرد الوحيد على شكاويها، وهذا ما دفعها للخروج إلى العلن، تتساءل الناشطة ندى أحمد في حديثها مع “درج”: “اليوم، تقف البحراني أمام جمهورها، ليس كممثلة تؤدي دوراً، بل كامرأة تحاول الدفاع عن نفسها في مواجهة صناعة تُسكت الضحايا وتجبرهن على الصمت. فهل تجد من ينقذها؟”.
عندما قررت سارة البحراني أن تتحدث، كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. لكنها لم تكن تتوقع أن يتحول الأمر إلى حرب علنية تهدف إلى إسكاتها ومعاقبتها.
تقول الناشطة النسوية ندى أحمد، المتابعة للقضية، أن سارة تعرضت لضغوط وتهديدات لإجبارها على نفي ما تعرضت له، والاعتذار، وسحب شكواها، وعندما رفضت، تعرضت للابتزاز، في حين بقيت نقابة الفنانين صامتة بل وأصدرت قراراً تأديبياً ضدها بدلاً من الاستماع الى الشكوى وإجراء تحقيق فيها.
تقول ندى أحمد: “وسط هذه العاصفة، الوسط الفني ظل هادئاً بشكل مريب. لم تخرج أي فنانة أو فنان لدعمها، حتى بكلمة واحدة، لكن سارة لم تلُم أحداً، بل قالت بوضوح: أنا لا ألومهم، ولا ألومهن بخاصة. هي تعرف جيداً أن ما حدث لها ليس حالة فردية، وأن هناك ممثلات أخريات تعرضن للابتزاز نفسه في مواقع تصوير مسلسلات وبرامج أخرى، لكنها قررت الحديث عن نفسها فقط. اليوم، هي مستعدة لتكون كبش فداء، إذا كان ذلك سيضع حداً لما يحصل خلف الكواليس”.
هل دعم المرأة مشروط بالصمت؟
في العراق – كما في الكثير من المجتمعات – لا تزال المرأة تدفع الثمن مرتين: مرة لأنها تتعرض للتحرش والابتزاز، ومرة أخرى لأنها تجرؤ على الحديث عنه.
ما حدث مع سارة البحراني كشف هذه الحقيقة بوضوح، لا فقط من خلال الطريقة التي هوجمت بها، بل أيضاً عبر الخذلان المجتمعي الذي واجهته عندما قررت أن تستمر بالدفاع عن نفسها علناً.
تؤكد ندى أحمد أنه عندما خرجت سارة لتتحدث، وجدت دعماً كبيراً من الناس، دعماً بدا في ظاهره غير مشروط لكنه سرعان ما انكشف على حقيقته: دعم هش، مرتبط بالصمت والهدوء. بمجرد أن ظهرت تسجيلات مفبركة – من الواضح أنها معدلة بتقنيات الذكاء الاصطناعي –بدأ الكثيرون في التراجع، وبدلاً من الاستمرار في دعمها، ألقوا باللوم عليها، وكأنها هي المذنبة.
تضيف ندى: “المجتمع لا يريد للمرأة أن تتكلم، لأن الكلام يحرج الجميع. التحرش والابتزاز موجودان في كل بيئات العمل، لكن الحديث عنهما يفسد الصورة الهادئة التي يريدها البعض. لذلك، عندما تتحدث امرأة مثل سارة، لا يتم النظر إلى المشكلة التي كشفتها، بل إلى إحراجها للمجتمع نفسه. فجأة، تصبح هي المشكلة، وليس المتحرش”.
إقرأوا أيضاً:
التهديدات امتدّت لمن يدعم سارة
ما يثير القلق أكثر أن الهجوم لم يكن موجهاً ضد سارة فقط، بل استهدف أيضاً الناشطات اللاتي دعمنها، هذا ما تشير إليه (ع.ا) إحدى العاملات في المجال الفني فضّلت عدم ذكر اسمها.
بعض النساء اللواتي دعمن سارة واجهن تعليقات مسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي وتلقين تهديدات مباشرة بعضها من المُخرج الذي تتهمه سارة، ما أجبر بعضهن على مسح تعليقاتهن وحتى إلغاء الإعجاب بمنشورات سارة، ما يفسر سطوة المخرجين في الوسط الفني، وخوف الكثيرات من فقدانهن أعمالهن وعقودهن.
تقول (ع.ا) لـ”درج”: “لم يتحمل شكوى واستنجاداً من ممثلة، فضل فضحها، ترعيبها وجعلها بحالة هستيرية تصرخ، ونشر ضعفها، كله في سبيل أن تقول لهم أنا آسفة وتمسح منشوراتها”.
وتضيف :”هذا ليس مجرد تخويف، إنه إرهاب صريح، هدفه أن تبقى المرأة وحيدة عندما تتحدث عن الظلم الذي تتعرض له. معاقبة كل امرأة تقف مع ضحية، حتى لا تجرؤ أخريات على كسر الصمت”
رفضت سارة أن تتراجع، وعندما وصلتها تهديدات من الفصائل المسلحة، كان ردها واضحاً: “لا مانع لدي، طالما سأموت مدافعة عن جسدي وروحي من الابتزاز”. هذه الجملة وحدها تختصر معركة المرأة في مجتمعات مثل العراق: أن تدافع عن نفسها يعني أن تخاطر بحياتها.
كم امرأة أخرى تمر بالموقف نفسه؟ كم واحدة منهن اختارت الصمت خوفاً من الفضيحة؟ كم واحدة فضّلت أن تخسر كرامتها حتى لا تخسر حياتها؟ تتساءل (ع.ا) وتقول: “لو كنت بمكانها سأفضّل توفير 800 مليون دينار على الدخول بمعركة خاسرة. البحراني ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة”.
النساء بين المساومة والصمت
قبل أقل من شهر، خرجت المهندسة جنى الربيعي في مقطع فيديو تتحدث فيه عن تعرضها للابتزاز من صاحب شركة إسمنت سبق أن تعاقدت معه، وبعد رفضها مساوماته، لجأت إلى القضاء، لكنها لم تحصل على الحماية التي كانت تتوقعها. تقول جنى: “هذا الشخص استمر بالتهجم عليّ وابتزازي، ولم يكتفِ بذلك، بل جلب خمس سيارات مليئة بالمسلحين وهاجموني أمام الشرطة، التي قررت الصمت”.
يوضح المحامي محمد عباس لـ”درج” أن هذه الواقعة تؤكد أن النساء في العراق لا يتعرضن فقط للتحرش في أماكن العمل، بل إنهن يُحارَبن إن حاولن اللجوء إلى القانون. لا توجد حماية حقيقية، ولا توجد آليات مساءلة للمتحرشين، بل على العكس، يتمتع البعض منهم بسلطة تمكنهم من إسكات الضحايا بالقوة.
يقول عباس لـ”درج”: “القانون العراقي يعاني من فجوات خطيرة في ما يخص حماية النساء من التحرش والابتزاز. رغم وجود بعض المواد التي تجرّم هذه الأفعال، إلا أن المشكلة ليست في القوانين فقط، بل في آلية تنفيذها. المرأة التي تلجأ الى القضاء تواجه عراقيل كثيرة، أبرزها عدم الجدية في التعامل مع قضايا التحرش والابتزاز”.
يسترجع عباس أحد تفاصيل حادثة سارة قائلاً: “من الكوارث أنها الآن تتعرض للتهديد والابتزاز العلني، من دون أن تتحرك الجهات القضائية أو الحكومية لفعل أي شيء يحميها. يتصل بها المذيع قبل بث الحلقة ويطلب منها الاعتذار علناً أو أنه سينشر الحلقة التي تحمل فيديوهات إباحية لها. كيف استطاع هذا المذيع فعل شيء إجرامي كهذا وأمام الجميع؟ إنه يعلم كلياً بكونه مسنوداً ومحمياً كما المخرج والمنتج والآخرين”.
تطبيع الاستغلال
يرى المحامي محمد عباس أن ما يقدّمه بعض “صنّاع المحتوى” لا يخلو من خطاب تبريري للمتحرشين والمبتزين، فحينما يُنتج محتوى يقلل من شأن المرأة أو يُظهرها دائماً في دور الضحية التي يجب أن “تتحمّل” أو “تساير الوضع”، هذا يساهم مباشرة في ترسيخ ثقافة الصمت والخضوع.
المشكلة إذاً ليست فقط في أنه شخص يُمارس هذه الانتهاكات خلف الكواليس، بل في أن نتاجه الفني نفسه يخدم هذه العقلية. وهنا يسأل عباس: “هذا ما فعله مع فنانة عتبت عليه، فما الذي يحدث خلف الكواليس مع ممثلات أخريات؟”.












