في واحد من مساءات الفضائيات المصرية، جلس طبيب المسالك البولية وسيم السيسي أمام الكاميرا ليشرح للمشاهدين أن الأمم المتّحدة تُخفي سرّ الأطباق الطائرة، ورفع صورة قال إنها لاجتماع عُقد في مقرّ المنظّمة الدولية صيف العام 1978، ليقول بثقة «طبعاً الأمم المتّحدة مش هيدلسوا علينا». كان المشهد سيمرّ كأيّ دقيقة تلفزيونية تُنسى بعد بثّها بلحظات، لولا توقيته الغريب.
قبل أيّام معدودة من هذا الظهور، كان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد حسم شكوى تقدّم بها عالِم الآثار زاهي حواس ووزير الآثار الأسبق ممدوح الدماطي ضد وسيم السيسي، على خلفية حديثه عن حضارة مصر القديمة بوصفه باحثاً في علم لم يدرسه يوماً.
لم يمنعه المجلس من الكلام، طلب منه فقط أن يستند إلى مراجع علمية موثوقة، وأن يبتعد عن أيّ طرح يفتقر إلى السند، ثم خرج السيسي بعد أيّام قليلة ليقدّم للجمهور كائنات فضائية تزور الأرض وتحيط بالقمر.
الصورة التي رفعها حقيقية إلى حدّ ما، لكنّ الحكاية خلفها أبعد ما تكون عمّا رواه. في تمّوز/ يوليو 1978 طلبت دولة غرينادا الصغيرة إدراج بند على جدول أعمال الجمعية العامّة للأمم المتّحدة يخصّ إنشاء جهاز لدراسة الأجسام الطائرة المجهولة. ناقشت المنظّمة الطلب، ثم اكتفت لاحقاً بدعوة الدول المهتمّة إلى تنسيق أبحاثها الوطنية. لم تُنشئ وكالةً للأطباق الطائرة، ولم تُقرّ بزيارة كائنات فضائية للأرض. أما وكالة ناسا فتقول على موقعها الرسمي إنها لم تعثر حتى اليوم على دليل موثوق على وجود حياة خارج كوكبنا، ولا على أن الأجسام المجهولة قادمة من الفضاء. مناقشة اقتراح قدّمته دولة عضو شيء، والدليل العلمي شيء آخر تماماً.
لم يتوقّف السيسي عند الأمم المتّحدة. فقال إن روّاد رحلة أبولو وجدوا سطح القمر «ممتلئاً بالأطباق الطائرة»، وأن ناسا غيّرت مكان الهبوط بسببها. الوثائق تقول شيئاً آخر. روّاد أبولو 11 رأوا في طريقهم إلى القمر جسماً لامعاً عجزوا عن تحديد ماهيّته، ثم مضوا. رائد الفضاء الذي سمّاه السيسي لم يكن أصلاً ضمن طاقم تلك الرحلة، ولم يهبط على القمر قط. ونقطة الهبوط تغيّرت في دقائقها الأخيرة لأن نيل أرمسترونغ رأى المسار الآلي يتّجه نحو حفرة تحيط بها صخور، فتولّى القيادة يدوياً وتجاوزها. حادثة هندسية صغيرة تحوّلت على لسان الطبيب إلى مؤامرة كونية، وتلك هي صنعته: يأخذ واقعة موثّقة، وينزع عنها سياقها، ويعيد تركيبها كقصّة مثيرة.
ثم انتقل السيسي إلى ادعاء ثالث: أن أطباقاً طائرة أحاطت بالبنتاغون والبيت الأبيض في عام 1952 اثنتي عشرة ساعة كاملة. وهذه الحكاية أيضاً لها أصل واقعي، لكن حرّف عن ذلك الأصل. في صيف ذلك العام رصدت رادارات في واشنطن إشارات غامضة أثارت ضجة في الصحف الأميركية، غير أن دراسة علمية كُلّفت بها القوّات الجوّية خلصت إلى أن الظروف الجوّية في تلك الليالي كانت ملائمة لانحناء موجات الرادار وظهور أهداف وهمية على الشاشات، وأن معظم ما رآه الشهود كان نجوماً متلألئة أو شهباً عابرة. ومشروع «بلو بوك»، الذي حقّق في آلاف البلاغات على مدى سبعة عشر عاماً، لم يعثر على دليل واحد على أن الأجسام التي بقيت «مجهولة» كانت مركبات قادمة من خارج الأرض، وأكّدت مراجعة حكومية أميركية حديثة الخلاصة نفسها. لكنّ هذه التفاصيل الطويلة لا تصلح لفقرة تلفزيونية، بينما تصلح جملة «أطباق طائرة حاصرت البنتاغون» لأن تُقال في ثانية وتُصدَّق في ثانية أخرى.
لكنّ الدقّة هنا تكاد تكون تفصيلاً جانبياً. الحكاية الأهمّ لا تسكن في خطأ السيسي، تسكن في أن رجلاً يحمل لقب «دكتور» يستطيع أن يتنقّل من المسالك البولية إلى علم المصريات إلى الفيزياء الفلكية، وأن يجد في كل محطّة جمهوراً يصدّقه، وقناةً تستضيفه، وميكروفوناً في انتظاره.
الأب المؤسّس
حين نتحدّث عن الطبيب الذي تحوّل إلى حكيم كوني، نتحدّث أولاً عن مصطفى محمود. درس الطبّ في جامعة القاهرة، ثم تركه ليصير كاتباً وفيلسوفاً وداعية. قدّم أكثر من أربعمئة حلقة من برنامجه التلفزيوني «العلم والإيمان»، وهو البرنامج الذي جلست أمامه أجيال كاملة تتلقّى خليطاً من الفلك والتشريح والغيبيات والدين، بصوت رجل واحد يجمع الحقول كلها في راحة يده، وبنى في أواخر السبعينيات مسجده الشهير، وألحق به مراصد فلكية ومتحفاً للجيولوجيا، ليصبح المكان تجسيداً مادّياً لفكرته: العلم والإيمان في بناء واحد.
مصطفى محمود لم يكن دجّالاً. كان مثقّفاً حقيقياً خاض معارك فكرية جادّة، ومُنع أحد كتبه المبكرة من الأسواق، وهاجمه علماء الأزهر حين تناول مسألة الشفاعة، واتُّهم يومها بأنه «مجرّد طبيب لا علاقة له بالعلم الديني»، وهي التهمة نفسها التي ستُوجَّه بعد عقود لكلّ من يمشي على خطاه. الفارق أن مصطفى محمود صنع القالب بجدّية صاحب مشروع، ومن جاء بعده ملأه بمحتوى أرخص بكثير.
وبين مصطفى محمود واليوم لم ينقطع الخيط. ظهر في كل عقد طبيب أو اثنان يقفان على المنبر نفسه، يخلطان العلم بالغيب، ويَعِدان الجمهور بمفتاح واحد يفتح كل الأبواب دفعةً واحدة. تغيرت الوجوه وبقي القالب، لأن الحاجة التي يلبّيها لم تتغيّر: رغبة الناس في صوت واحد يشرح لهم كلّ شيء، من الذرّة إلى الآخرة، بثقة الأب ولغة الطبيب.
القالب بسيط وفعّال: خذ لقب «دكتور»، واستخدمه جوازاً إلى أيّ أرض. الجمهور الذي تربّى على مشهد «الطبيب الذي يفكّر في الله والكون» صار مستعدّاً لتصديق أيّ طبيب يعده بأنه سيكشف له سرّاً مخبوءاً. القالب انتظر من يملأه، واليوم يملأه ثلاثة رجال دفعةً واحدة.
لدينا اليوم ثلاثة رجال يقفون على هذا القالب، كلّ منهم يحمل لقب «دكتور»، وكلّ منهم يبيع نوعاً مختلفاً من الوهم. وإذا رتّبناهم لا بحسب شهرتهم، إنما بحسب الأذى الذي يتركونه خلفهم، ظهر أمامنا تدرّج واضح: أوّلهم يعبث بخيال الناس، والثاني يعبث بصورتهم عن أنفسهم، والثالث يعبث بأجسادهم.
على الدرجة الأولى يقف محمود صلاح، الذي يقدّم نفسه بلقب «دكتور» و«باحث في علوم ما وراء الطبيعة». قدّم برامج في الإذاعة الحكومية وفي التلفزيون عن الماورائيات وقصص الرعب، وفي إحدى حلقاته أعلن أمام الكاميرا أن الأرض مسطّحة، وأن خلف جدار جليدي تعيش كائنات، وأن هناك اتفاقيات سرّية بين أميركا وتلك الكائنات، وأن التواصل مع الأشجار حقيقة. الميتافيزيقا التي يقول إنه يحمل شهادةً فيها، حقل غامض يصعب فيه التحقّق من أيّ لقب، وهذا الغموض نفسه جزء من صنعته، بضاعته الأساسية الدهشة. يبيع للمشاهد إحساساً بأن العالم أوسع وأغرب ممّا يُقال عنه، وأنه أصبح من القلّة المختارة التي تعرف حقيقة الأسرار المخفيّة.
يبدو صلاح، للوهلة الأولى، أقلّ الثلاثة خطراً. حديثه عن الجدار الجليدي لا يقتل أحداً في الحال، غير أن الأمر يتبدّل تماماً حين ينتقل من الفضاء إلى الجسد. في مقطع متداول من برنامجه، أنكر أن السرطان مرض قائم بذاته، ووصفه بأنه مجرّد خلل بسيط في نموّ الخلايا يمكن علاجه بالغذاء، وزعم أن علاجات السرطان هي سبب الوفيات، لا المرض نفسه. عند هذه الجملة يتوقّف الأمر عن كونه لعبة خيال مسليّة. مريض واحد يصدّقها قد يترك علاجه ويموت…
على الدرجة الثانية يقف وسيم السيسي. بضاعته الفخر، حين يقول إن أجدادنا كانوا على اتّصال بحضارات كونية، أو إن الأهرامات أعقد من أن يبنيها بشر عاديون، فهو يخاطب جرحاً قديماً في الوجدان المصري: كيف بنى هؤلاء العظماء كلّ هذا، ولماذا صرنا نحن إلى ما نحن فيه؟ يقدّم السيسي مسكّناً لهذا الوجع، لا يطلب منك أن تتعلّم أو تبحث أو تنقّب، يمنحك عظمةً جاهزة، موروثة، محفورة في الحجر. الأذى هنا أبطأ وأعمق أثراً على المدى البعيد، لأنه يدرّب العقل على الاستغناء عن السؤال، ويستبدل بالدهشة الحقيقية أمام إنجاز الأجداد كسلاً لذيذاً يحيل كلّ شيء إلى قوّة خارجية.
على الدرجة الثالثة، حيث ينتهي السلّم عند حافّة القبر، يقف ضياء العوضي.
كان العوضي استشاري تخدير ورعاية مركّزة وعلاج ألم، وعضو هيئة تدريس سابقاً. تخصّص حقيقي، شهادة حقيقية، خبرة فعلية في غرفة العمليّات. ثم أطلق ما سمّاه «نظام الطيّبات»، وهو نظام غذائي يقوم على فكرة خطيرة: أن كثيراً من الأدوية التقليدية يمكن الاستغناء عنه، وأن الطعام وحده قادر على علاج أمراض مزمنة كالسكّري والضغط وأمراض المناعة والكلى.
اختار العوضي اسماً بارعاً. «الطيّبات» و«الخبائث» مصطلحان قرآنيان، وباستعمالهما ألبس نظامه الغذائي عباءةً شرعية. صار من يشكّك فيه كأنه يشكّك في شيء مقدّس. وهذا ما جعله أخطر الثلاثة: علم زائف يحتمي بالنصّ الديني، حتى يصعب على المريض العادي أن يفرّق بين نصيحة طبّية وآية يظنّها فتوى في الغذاء.
انتشر النظام بسرعة لأنه لمس أوتاراً حقيقية. فيه دعوة إلى الابتعاد عن الأطعمة المصنّعة، وهي دعوة سليمة في جوهرها ويوافق عليها الطبّ الحديث، وفيه حنين إلى «طعام الأجداد» البسيط، في زمن يرتاب فيه كثيرون من شركات الدواء ومن الطعام الصناعي معاً. أخذ العوضي هذه الحقيقة الصغيرة، أن الغذاء مهمّ، ومدّها خارج حدودها حتى صارت أسطورة كبيرة: أن الغذاء وحده بديل من الطبّ كله. وهكذا تعمل أكثر الخرافات الطبّية خطورة، تبدأ بجملة صحيحة نصفها، تنسج حولها كتلة من الأكاذيب.
إقرأوا أيضاً:
النتائج جاءت سريعة وموثّقة. نشرت صحف مصرية شهادات عن مرضى دفعوا الثمن كاملاً. رجل مصاب بالسكّري توقّف عن الأنسولين ورحل، سيّدة تركت علاج الذئبة الحمراء فتدهورت حالتها، مريض وقّع بيده إقراراً برفض الغسيل الكلوي والقسطرة والدواء، ثم مات بعد أيّام. نقابة الأطبّاء أسقطت عضوية العوضي وشطبته من سجلات المهنة، ووزارة الصحّة أغلقت عيادته الخاصّة. المؤسسات تحرّكت متأخّرة، بعد أن كان النظام قد انتشر بالفعل من فم إلى فم، ومن شاشة إلى هاتف.
ثم جاءت المفارقة الأخيرة، كأنها حبكة لشخصيّة درامية في رواية. في نيسان/ أبريل 2026، وبعد أسابيع قليلة من قرار الشطب، توفّي ضياء العوضي نفسه بأزمة قلبية في دبي، عن سبعة وأربعين عاماً. الرجل الذي أقنع مرضاه بأن الجسد يُشفي نفسه بالطعام، خانه جسده في منتصف العمر، ومع ذلك لم يمت نظامه بموته. بقي «نظام الطيّبات» رائجاً على منصّات التواصل، حتى صار موضوعاً لطلب إحاطة برلماني عن مطاعم بدأت ترفع اسمه على واجهاتها وتبيع فكرته صحوناً.
الفضائيون الذين بنوا الأهرامات: خرافة استعمارية في ثوب قومي
حين يربط وسيم السيسي بين الأهرامات والفضائيين، يظنّ أنه يمجّد أجداده. الحقيقة أن الفكرة التي يروّجها وُلدت في الأصل لتهينهم، نظرية أن كائنات فضائية بنت الأهرامات لها أب معروف: الكاتب السويسري إريش فون دانيكن، الذي نشر في عام 1968 كتابه «عربات الآلهة»، وحول الفكرة من هامش خيالي إلى ظاهرة عالمية باعت ملايين النسخ. جوهر النظرية أن الحضارات القديمة كانت أعجز من أن تبني آثارها بنفسها، فلا بدّ أن أحداً من الخارج جاء وساعدها. ولاحظ نقّاده منذ البداية مفارقةً كاشفة في اختياراته: الأمثلة تأتي دائماً من خارج أوروبا. المصريون والمايا والإنكا وسكّان جزيرة الفصح احتاجوا عوناً فضائياً، أما بُناة ستونهنج والبارثينون في أوروبا فبنوا بأيديهم وعقولهم. وفي كتب لاحقة، كتب فون دانيكن عن الأعراق كلاماً يصعب على القارئ اليوم أن يمرّ عليه دون قشعريرة.
الفكرة في أصلها إذاً عنصرية، تقول للمصري إن جدّه كان أعجز من أن يرصف حجراً فوق حجر. لكنّ النسخة القومية المصرية تقلب المعادلة رأساً على عقب. يأخذ السيسي الإهانة نفسها ويحوّلها إلى وسام يعلّقه على صدره: «أجدادنا كانوا على اتّصال بالكون»، بينما يردّد دون أن يدري، الفرضية التي صُمّمت أساساً للنيل منها. الفخر والعنصرية، في هذه الحالة الغريبة، يدوران بالمحرّك نفسه.
وهذه ليست ظاهرة مصرية معزولة. النظرية نفسها تعيش اليوم في برامج تلفزيونية أميركية تُبثّ منذ سنوات طويلة عن «الفضائيين القدامى»، وفي سلسلة وثائقية على نتفليكس أثارت غضب علماء الآثار بترويجها لحضارة مفقودة سبقت المعروف من التاريخ. مصر جزء من موجة عالمية تُغلّف الخرافة بغلاف يبدو محترماً وعلمياً. الفارق الوحيد أن السيسي يقدّمها بلكنة الفخر الوطني، فتمرّ عند جمهوره بسهولة أكبر، وتلبس ثوب الدفاع عن الأمّة بدل ثوب الإثارة.
وللموجة العالمية سمة ثابتة يسمّيها الباحثون «الشكّ الانتقائي». تُوجَّه كلّ الشكوك إلى قدرة المصري القديم أو الأميركي الأصلي على البناء، ولا يُوجّه أيّ شكّ إلى قدرة اليوناني أو الأوروبي. الغريب أن حماسة بعض هواة النظرية بلغ حدّ العبث بالآثار نفسها: في عام 2014 عبث ألمانيان من أنصار فكرة الفضائيين بخرطوش خوفو داخل الهرم الأكبر بحثاً عن دليل يثبت خيالهم. الخرافة التي تبدأ إعجاباً بالحضارة تنتهي أحياناً إلى إتلافها بيديها، لأنها في العمق لا تصدّق أن الحضارة صنعت نفسها.
لماذا تجد هذه البضاعة سوقاً بهذا الاتّساع في مصر تحديداً؟
الجواب لا يكمن في الجهل وحده، يكمن في جرح قديم. عاشت مصر قرنين وهي تحمل سؤالاً موجعاً: نحن الذين بنينا الأهرامات، فكيف انتهينا إلى هذا الحال؟ السؤال ثقيل، وأيّ إجابة تخفّف وطأته تجد مشترين فوراً. الإجابة الحقيقية مؤلمة لأنها تتحدّث عن تعليم متهالك، وبحث علمي دون تمويل، ومؤسّسات فقدت قدرتها على إنتاج المعرفة والثقة معاً. أمّا العلم الزائف فيقدّم إجابة رخيصة وفورية ولذيذة: أنتم عظماء بالوراثة، تملكون أسراراً كونية، وثمّة من يتآمر ليخفيها عنكم.
هذا ما يبيعه السيسي في جوهره. لا يبيع معلومة، يبيع كرامة مستعارة، يمنح جمهوره شعوراً بالعظمة لا يكلّفهم شيئاً، لا مذاكرةً ولا بحثاً ولا اعترافاً موجعاً بالحاضر. والكرامة المستعارة، مثل كل شيء يُستعار، تدفئ صاحبها لحظةً، ثم تتركه حيث كان، أفقر ممّا بدأ لأنه صدّق أنه صار غنياً.
وتحت هذا الجرح جرح آخر أعمق: انهيار الثقة في الخبير الحقيقي. في مصر، تحوّلت الجامعة والمؤسّسة العلمية، في نظر كثيرين، إلى جزء من «النظام»، تُوظَّف وتُطوّع وتصمت في اللحظة التي يجب أن تتكلّم فيها. ومن يفقد ثقته في العالِم الرسمي يبحث عن حكيم خارج السرب، عن صوت يهمس له بما «يخفونه عنك». هنا تكمن حيلة الدجال الكبرى، يرتدي عباءة المنشقّ، بطل الحقيقة المقموعة، الرجل الوحيد الذي يجرؤ على قول ما يخافه الجميع، وكلما زاد عدد الخبراء الذين يفنّدونه، ازداد جمهوره اقتناعاً بصدقه، لأن هجوم المؤسّسة عليه صار في عيونهم شهادة براءة، ودليلاً على أنه يقترب من سرّ خطير.
بهذا المعنى، العلم الزائف عرَض من أعراض مرض أكبر. حين يعجز الخبير الحقيقي عن كسب الثقة، يملأ الدجّال الفراغ الذي تركه خلفه، الدجّال لا ينتصر لأنه أقنع الناس بحجّته، ينتصر لأن خصمه دُفع إلى خارج الميدان دفعاً، وكلّما اتّسعت الهوّة بين المؤسّسة والناس، اتّسع المكان الذي يقف فيه من يبيع اليقين الرخيص، وصار صوته هو الوحيد الذي يصل.
أسواق ثلاثة لجرح واحد
في هذا كلّه خسارة صامتة قلما ينتبه إليها أحد وسط ضجيج التفنيد والسجال.
الحضارة المصرية الحقيقية أكثر إدهاشاً من أيّ طبق طائر. الحساب الفلكي الذي وجّه المعابد نحو نجوم بعينها في لحظات بعينها من السنة، والهندسة التي رفعت ملايين الأطنان في صفوف تكاد تكون كاملة، والطبّ المصري القديم الذي دوّن أوصاف الجروح وطرق علاجها على البردي قبل آلاف السنين. هذه عجائب صنعها بشر بأيديهم وعقولهم وأخطائهم ومحاولاتهم، وفيها من الدهشة ما يكفي لملء ألف برنامج تلفزيوني، ومع ذلك يختار الجمهور دهشةً أرخص وأسرع: كائنات نزلت من السماء وفعلت كلّ شيء نيابة عن الأجداد، فأراحتهم من عناء العبقرية.
في مصر علماء مصريات حقيقيون يقضون أعمارهم في الحفر والقراءة والتدقيق، وأطبّاء حقيقيون يقفون في غرف العمليّات كلّ ليلة دون كاميرا، وباحثون في الفلك يعرفون السماء معرفةً حقيقية. هؤلاء لا يظهرون كثيراً على الشاشة، لأن كلامهم لا يمنح يقيناً سهلاً. النسخة الكرتونية تزاحمهم على المنبر وتسرق منهم الميكروفون، وتسرق من الناس دهشتهم الأصيلة أمام ما صنعه أجدادهم فعلاً، وتضع مكانها وهماً لامعاً سرعان ما ينطفئ ويترك صاحبه أفقر.
وثمّة ثمن أبعد من ضياع الدهشة. حين يتدرّب عقل على تعليق الشكّ أمام حكاية الفضائيين، فإنه يتدرّب على تعليقه أمام حكايات أخرى. القدرة على التسليم من دون دليل مهارة تنتقل من ميدان إلى ميدان. من يصدّق أن ناسا تُخفي كائنات القمر يصبح أقدر على تصديق روايات جاهزة في السياسة والتاريخ والدواء، دون أن يسأل عن مصدرها. الخرافة، بهذا المعنى، تمرين يومي على التسليم بما يُقال، وهو تمرين يتسرّب إلى كل ركن في رأس صاحبه.
يبقى السؤال الذي يصعب الهروب منه، حين نستبدل بعجائب حقيقية عجائب مزيّفة، وما الذي نخسره في الطريق؟ ومن الذي سيقف في النهاية ليدفع الحساب؟
إقرأوا أيضاً:











