تفاقمت حوادث الموت المريب داخل السجون التونسية مؤخّراً، وشهدت وفاة ثلاثة شبّان دفعة واحدة في غضون أسبوعين فقط، خلال شهر تمّوز/ يوليو الماضي، في ظروف غامضة.
حصيلة صادمة تأتي لتؤكّد أن الإفلات من العقاب هو الحقيقة الكبرى في تونس منذ سنوات، وعدم تتّبع المسؤولين ضياع حياة الكثيرين ممن يغادرون السجن في توابيت، حتى دون الكشف عن ملابسات الوفاة، هي النتيجة الحتمية لكلّ قضيّة مماثلة، زد على ذلك منظومة سجنية مهترئة تشكّل أرضية مناسبة لتحويل أيّام السجناء إلى جحيم في أحسن الأحوال.
في 12 تمّوز/ يوليو الماضي تداول التونسيون نبأ وفاة الشاب ّحازم عمارة (25 عاماً) بعد ثلاثة أسابيع من إيداعه السجن في محافظة نابل شمال البلاد، إثر خلاف مع زبون في المقهى الذي يعمل فيه كنادل. أثار النبأ جدلاً واسعاً وغضباً كبيراً لدى شريحة كبيرة من التونسيين، الذين باتوا قلقين أساساً من مسألة الإفراط في الزجّ بالشباب في السجون لأبسط الأسباب.
وتتالت الدعوات لضرورة فتح تحقيق جدّي في ملابسات وفاة عمارة، وعدم السماح لجلّاديه بالإفلات من العقاب، ولكن بدل أن تلقى النداءات تجاوباً رسمياً، عاش شابّان آخران المصير نفسه الذي لاقاه عمارة، بعده مباشرة.
ففي 17 تمّوز/ يوليو الماضي أي بعد أقلّ من أسبوع، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لأمّ تصرخ وتبكي وتقول بمرارة إن ابنها المسجون قد توفي منذ عشرة أيّام في مستشفى شارل نيكول في العاصمة، دون أن يبلّغوها، وأنها اكتشفت ذلك مصادفة، عندما ذهبت لزيارته في السجن.
صرخة الأمّ المدوّية والموجعة، جاءت بعد صرخة أخرى كانت قد أطلقتها في كانون الثاني/ يناير الماضي، وكشفت فيها عن التعذيب والإهمال اللذين يتعرّض لهما ابنها في السجن، وتدهور حالته الصحّية بشكل كبير، ووثّقت معاناته في فيديو أظهره مقيّداً في زنزانته يعاني غيبوبة متقدّمة دون علاج، وطالبت السلطات بالتدخّل لإنقاذه دون جدوى، ليموت دون أن تعلم كيف ومتى.
يدعى هذا الشابّ محمد أمين الجندوبي، ويبلغ من العمر 22 عاماً، وهو مصاب بمرض السكّري، وكان قد صدر بحقّه قرار “عدم سماع الدعوى” منذ أشهر، لكن لم يفرج عنه لأسباب تجهلها العائلة.
مرّة أخرى صُدم التونسيون بهذا الخبر المخيف، وارتفعت الأصوات المندّدة والمطالبة بوضع حدّ لهذا الإجرام، الذي تقوده إحدى أجهزة السلطة الرسمية دون رادع. ومرّة أخرى بدل أن تستنفر هذه الحوادث الدولة وتدفعها للقيام بالخطوات اللازمة لوقف هذا النزيف، استيقظ التونسيون مجدّداً في العشرين من الشهر نفسه، على خبر وفاة شابّ آخر في أحد السجون في محافظة صفاقس في الجنوب.
وسيم بن حافظ الجزيري، شابّ في عمر الـ25 يعاني اضطرابات نفسية مزمنة، أُودع السجن، واشتكى لوالده خلال الزيارة الأخيرة أنه لم يتناول الطعام منذ أربعة أيّام. وفي اليوم التالي تلقّت عائلته نبأ وفاته، دون أي تفاصيل، ولم توضح السلطات حتى الآن سبب الوفاة، وامتنعت عن تقديم رواية رسمية لأسباب الوفاة، ما عمّق حزن عائلته التي وجدت نفسها تستلم جثّة ابنها وهي لا تدري ماذا جرى معه؟ ولا كيف يمكنها أن تثأر له بالقانون. ليكون هؤلاء الضحايا مجرّد حلقة جديدة من مسلسل الإفلات من العقاب، الذي لا ينتهي في تونس، والذي راح ضحيّته العديد من الشبّان دون أن يتمّ استرداد حقوقهم، أو إظهار حقيقة ما جرى معهم داخل السجون من قِبل جلّاديهم.
“انتظر العدالة الإلهية”
التقت “درج” والدة الشابّ الراحل حازم عمارة، وحاولت الوقوف معها على بعض ما جرى مع ابنها، حتى انتهى به المطاف جثّة في أحد المستشفيات بلا أي رعاية كما أوضحت لنا.
تروي والدة حازم: “بعدما علمت بسجن ابني وسارعت إلى اللحاق به، وقد أخذت معي ملفّه الطبّي الذي قمت بتسليمه في مركز الشرطة، حتى يعلموا دقّة وضعه الصحّي وما يحتاجه من أدوية ورعاية، ولكنني قوبلت بالسخرية. ولا أظنّ أن أحداً قد اطّلع عليه، أو أخذه على محمل الجدّ، لا القاضي ولا الباحث ولا طبيب السجن، لأن ما حدث مع ابني يؤكّد ذلك. إذ ظلّ ابني المصاب بالسكّري من المستوى الثاني، لأربعة أيّام دون أن يأخذ الأنسولين. حدث هذا في الأسبوع الأوّل لوجوده في السجن، وعندما زرته في موعد الزيارة الثانية بعد أسبوع أخبرني أنهم لم يقدّموا له دواء القلب الذي يتناوله بشكل دائم، رغم أنهم رفضوا سابقا استلام الدواء مني وأخبروني أنهم سيتولّون تقديم الدواء له”.
وتتابع: “قال لي يا أمّي لقد كان يُغمى عليّ فينادي المساجين الذين يشاركونني الغرفة السجّانين لنجدتي، فيقابلون بالوعيد من الأعوان الذين يجيبون عندما يموت سنأتي لأخذه. وعندما يصرّ المساجين يدخل بعض العناصر يأخذونني إلى طبيب السجن، ويرشّون وجهي ببعض المياه لأستعيد وعيي مؤقتاً، ويعيدونني إلى الغرفة حيث أفقد الوعي مجدّداً. لقد تعاملوا مع ابني بمنتهى انعدام الإنسانية، حتى الأكل الذي آخذه إليه كانوا لا يقدّمونه له، إلا بعد أن يتلف ويصبح غير صالح للأكل، هكذا أخبرني ابني”.
تجدر الإشارة إلى أن حازم عمارة، يعاني منذ طفولته من مرض السكّري وتقلّص عضلة القلب، وقد خضع لخمس عمليّات قلب مفتوح.
تضيف والدة حازم: “علمت بأنهم نقلوه إلى المستشفى فلحقت به لأجده في حال صعبة، متورّم الوجه متعب جدّاً، مربوط من قدميه في أحد أطراف السرير، في غرفة مفتوحة الباب والشباك، دون وجود قارورة أوكسجين إلى جانبه لإنقاذه عند الخطر، ولا جهاز يحدّد معدّل دقّات القلب. لا شيء سوى ابني المتعب مرمي على فراش مهترئ، وعنصري أمن يحرسانه ولا يباليان بحاله الصعبة، ويصبّان تركيزها على هاتفيهما. لم أجد طبيباً يخبرني عن وضع ابني الصحّي، بحثت بلا فائدة، ولجأت إلى إحدى الممرّضات التي أخبرتني أنهم قد أجروا له تحليلاً وينتظرون لإجراء آخر، وتُرك ابني منسياً مهملاً حتى توفي دون أن ينجده أحد بعد أن تقيأ طويلاً. لا أملك شيئاً الآن، لقد دُمّرت حياتي بعد وفاة ابني بهذه الطريقة، ولا أستطيع إلا أقول أرجو أن تنتقم لي العدالة الإلهية من كلّ من حرمني من ابني وجعلني حزينة كلّ العمر”.
أثارت حوادث الوفاة الثلاثة جدلاً كبيراً حول فشل المنظومة السجنية في توفير أدنى الحقوق الإنسانية لنزلائها المرضى، ورجّحت فرضيّة تعرّضهم لسوء المعاملة والتعذيب، لا سيّما أن الشبّان الثلاثة يعانون من أمراض مزمنة، ويحتاجون أدوية دائمة، وحدّاً معيّناً من الرعاية، وثلاثتهم عانوا الإهمال.
إقرأوا أيضاً:
القانون لا يكفي
وتتفاقم حوادث الموت المريب والتعذيب في السجون التونسية، رغم أن الدولة ملزمة قانونياً بمكافحة كلّ أشكال التعذيب، إذ وقعت على اتّفاقية مناهضة التعذيب في 26 آب/ أغسطس 1987، وصادقت عليها في 23 أيلول/ سبتمبر 1988، وصدر أوّل تجريم للتعذيب بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999، الذي أُدرج بمقتضاه الفصل 101 مكرّر في المجلّة الجزائية، وعرّف جريمة التعذيب وفرض عقوبات على مرتكبيها.
وبعد ثورة 2011، صادقت تونس على البروتوكول الاختياري في الثاني من حزيران/ يونيو 2011، وصدر بعدها المرسوم عدد 106 لسنة 2011، الذي عدّل تعريف التعذيب بالفصل 101 مكرّر، ليشمل الألم أو التخويف الناتج عن دوافع التمييز العنصري. كما تمّ إنشاء “الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب” بموجب في سنة 2013، ونصّ الدستور التونسي في نسختيه لسنتي 2014 و2022 بوضوح على حماية كرامة الإنسان ومنع التعذيب وعدم سقوط الجريمة بالتقادم.
ولكن رغم هذا الزخم القانوني، تتزايد جرائم وشبهات التعذيب وسوء المعاملة وحوادث الموت المريب، داخل السجون التونسية ومراكز الاحتجاز دون محاسبة تذكر، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين النصوص القانونية وما يجري في الواقع.
وتمرّ السنوات ومعها تتغيّر الأنظمة والحكومات والرؤساء في البلاد، وما تزال عائلات الضحايا تنتظر عدالة لن تأتي، وحلماً بمعاقبة من أجرم في حقّ أبنائها واستباح كرامتهم، لا يرى النور، في ظلّ غياب أي إرادة سياسية لوضع حدّ لهذه الجرائم قبل الثورة وبعدها.
يقول عضو “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” شادي الطريفي لـ”درج”: “إن حقّ الصحّة داخل السجون التونسية صعب الولوج إليه منذ سنوات نظراً لارتفاع عدد السجناء، ولكون الحقّ في الصحّة بات غير متاح. وقد لاحظنا أن هذا الوضع استفحل منذ بداية 2025، وذلك بسبب الاكتظاظ وسرعة إصدار بطاقات الإيداع. باختصار السجون التونسية لم تعد مكاناً لتنفيذ العقوبة، بل أصبحت مقبرة للسجناء”.
منظومة سجنية مهترئة
وإذا كان الإفلات من العقاب أحد أبرز أسباب تكرار هذه الجرائم في حقّ التونسيين، فإن المنظومة السجنية المهترئة تتحمّل بدورها جزءاً كبيراً من المسؤولية. إذ تعاني السجون في تونس من الاكتظاظ الشديد الذي تخطّى عتبة الـ200 في المئة في بعض السجون، وبلغ حدّ 300 في المئة في بعض الغرف، و150 في المئة في أغلب السجون، مع الزيادة الكبيرة للسجناء والموقوفين خلال العامين الماضيين التي تجاوزت 10 آلاف سجيناً، حسب تقرير “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، حول أوضاع السجون في تونس 2022-2025.
وقفز العدد الإجمالي للسجناء في تونس من 23 ألف سجين سنة 2021، إلى نحو 33 ألف سجين سنة 2025، موزّعين على 30 سجناً في كامل أنحاء البلاد. زيادة كبيرة تأتي في ظلّ ارتفاع التوقيفات التعسفية، وبطء المسار القضائي وتعثّره كما تقول الرابطة، علماً أن طاقة استيعاب السجون لا تتعدّى 18 ألفاً فقط.
ويؤثّر هذا الاكتظاظ آلياً على جودة الخدمات الصحّية والمعيشية والنفسية والاجتماعية للمساجين.
وبحسب “الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب”، فإن غالبية المساجين هم من الشباب الذين لم تصدر بحقّهم أحكام نهائية، ويقضون فترات طويلة في مراكز الاحتجاز، في انتظار البتّ في قضاياهم، وسط ظروف اعتقال مهينة، وغرف خانقة، ونقص حادّ في الخدمات الأساسية وخاصّة الصحّية.
ورغم هذه الأرقام المفزعة والتقارير التي تدركها الدولة بمختلف هياكلها، لا توجد نوايا ولا برامج رسمية لمواجهة هذا الإشكال، على غرار التوجّه للعقوبات البديلة التي تعتمدها الكثير من الدول بدل الذهاب إلى العقوبات السالبة للحرّية، رغم أن هذا الحلّ أثبت في عدّة تجارب أنه قادر على حماية المدانين من الأزمات النفسية والصحّية والاجتماعية، التي يسبّبها السجن. ومردّ كلّ ذلك استسهال القضاة العقوبات التقليدية، وعدم رغبتهم في القيام بأي اجتهادات قد تجعلهم يقومون بجهد إضافي، وعدم وعيهم أو تجاهلهم، أن السجن وحده لا يساهم في الإصلاح في حال لم ترافقه آليات تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للجريمة، وتهيئة السجناء للعودة إلى المجتمع بشكل إيجابي، وسعي الدولة للحفاظ على كلّ القوانين ذات الطابع الزجري.
إقرأوا أيضاً:














