نشر عددٌ من وسائل الإعلام العراقيّة صوراً لجورجينا رودريغيز، صديقة لاعب كرة القدم رونالدو، مع مانشيت طويل؛ مفاده البدء بإجراءات الفيزا لصديقة الدون. وقبل ساعات من مجيء فريقه “النصر” للعب مع نادي الشرطة العراقي، يقرر رونالدو التغيّب، تاركاً الشعب بحيرة وتساؤل، متى؟
الأمل الذي تعلّق به الكثيرون والحلم برؤية رونالدو على أرض العراق، يُذكراني بجاري جسام، الذي حتى بعد الحرب حافظ على حلم كبير، ووحيد؛ أن يرى مارادونا يوماً وهو يجري في أرضية ملعب الشعب/ بغداد. لم يكن يرتدي سوى قميص المنتخب الأرجنتيني الذي وصله هدية تهريب عن طريق عمان/ الأردن أثناء الحصار.
كان جسام يعلم أن القميص شارف على “الفناء”، اهترأ، تمزق، تخيطه زوجته بصورة دوريّة ليعيد ارتداءه. يسخر الجيران منه بقولهم: “على الأقل أترك منه شيئاً لمجيء ماردونا”، لكنه كان رداء الأمل الذي انتظره لينتهي الحصار الكروي بعد انتهاء ذلك الخاص بطعامنا، أحلامنا وحياتنا.
خرج جسام حزيناً من المنزل عند دخول القوات الأميركية، يصرخ: سنتين، سنتين فقط على اعتزاله، لو أن الجيش الأميركي قرر أن يأتي قبل سنتين. وظل يردد: “انفك الحصار، اصبروا قليلا وستأتي المنتخبات العالمية لتلعب في ملاعبنا، ونسافر لرؤيتهم بسهولة. لا عليكم”.
لم يرَ حلم جسام النور، لا لأن مارادونا لم يأت، بل لأن جسام قُتل مع آخرين يوم فوزنا على السعودية في كأس آسيا عام 2007 ونيل العراق اللقب للمرة الأولى، إذ انفجرت سيارة مفخّخة استهدفت المحتفلين. كان الوطن سعيداً للحظات، ونحن نؤجل التفكير بجسام لما بعد انتهائها.
لطالما تخيّلت أحلام جسام والآخرين، معلقة بين السماء والأرض في ذاك اليوم، الذي اعتبره العراقيون الأسعد بتاريخهم، حتى القتلة توقفوا ليشاهدوا المباراة، لكن لم يكن ذلك سوى وسيلة أخرى للاستمرار بترهيبنا، حصل الانفجار، لتتطاير الأسئلة مع أكوام اللحم البشري؛ أسأل، لمَ تحقيق الأحلام في هذه البلاد صعب للغاية، في حين تناثر أشلاء أجساد أبنائه سهل جداً؟
معسكرات عدي صدام حسين لـ”التدريب والترهيب”
لفترة ليست بقليلة بعد حرب 2003، كانت علاقتي الوحيدة بالبلاد عن طريق كرة القدم، كانت العبارة التي يرددها الجمهور:”اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه”.
تردّدت هذه العبارة في تجمّعات احتفالية بفوز للمنتخب في مباريات مختلفة، كرهت كثيراً سماع النشيد الوطني في ساحة المدرسة، لأني كرهت الطريق المؤدي الى مكان دراستي من الأساس، جثث متوزّعة، بعضها متعفّن منذ أيام. لكن رؤية أيادي اللاعبين على قلوبهم وهم ينشدون “موطني” جعلت –لمئات المرات- عينيَّ تدمعان، أنا حقاً أنتظر فوزنا لنيل هدنة مع الموت ولو لساعة.
تلك الفترة وأثناء الحرب الأهلية، برزت أغاني رياضية عدة، دعمت اللاعبين وطلبت منهم حماية البلاد عن طريق الفوز، أعتقد أنها كانت مسؤولية كبيرة، لم يتمكنوا بسهولة وسرعة من تخطّي سلطة عدي صدام، ليجدوا أنفسهم تحت سلطة الشعب الذي يطالبهم بتحرير البلاد من هيمنة الطائفية عبر طريق أقدامهم.
حتى عام 2003 كان عدي صدام مسؤول اللجنة الأولمبية ونشاطات المنتخب الوطني لكرة القدم. المباراة بالنسبة الى اللاعبين ليست مجرد مواجهة رياضية، بل هي امتحان يومي للحياة والموت، الأخطاء البسيطة في الملعب تُقابل بعواقب وخيمة خارجه، من ركلات جزاء ضائعة إلى أهداف تُسجَّل في مرمى الفريق، كان كل تفصيل صغير يُحسب بعناية ويُراقب بدقة، والخطأ لم يكن مجرد فشل رياضي، بل كان تهديداً لسلامتهم الشخصية.
ذكر بعض لاعبي المنتخب العراقي في حوارات سابقة، قصصاً مرعبة عن أساليب الترهيب التي كان يستخدمها عدي صدام حسين. كان يتوعدهم بقطع أرجلهم ورميهم في أقفاص مليئة بالكلاب المفترسة في حال خسارتهم.
وعكست اللائحة التي تحكم الفريق أقسى أشكال العقاب؛ إذ كان غياب أي لاعب عن التدريبات، لأي سبب، يؤدي إلى دخوله السجن فوراً، وبدلاً من ترك اللاعبين يستمدون دوافعهم من حب الوطن والانتماء الى الشعب العراقي، مثلما يحدث مع لاعبي منتخبات أخرى، اختار عدي أن يستخدم التهديد والترهيب لفرض الالتزام، كان يُفضل أن تكون تلك “الدوافع” تحت سيطرته بالكامل.
اللاعبون كانوا يُجبرون على مشاهدة فيديوهات لعدي قبل المباريات، وهو يتوعدهم بعقوبات مرعبة في حال عدم تحقيق الفوز. هذا الضغط النفسي كان له تأثير مدمّر على معنوياتهم.
أحمد راضي، نجم المنتخب الوطني السابق الراحل، أكد في حوارات سابقة، أنه في كثير من الأحيان كان اللاعبون غير قادرين على اللعب بشكل طبيعي، لأن عقولهم كانت مشغولة بما قد يحدث لهم إذا فشلوا في تحقيق الفوز. كان هذا التهديد المستمر يخلق حالة من الرعب التي تجعل الفوز ليس خياراً، بل ضرورة حتمية، وإلا فإن العقوبات كانت تنتظر اللاعبين بشكل لا يُطاق.
كان الجلد بأسلاك الكهرباء جزءاً من “العقاب الروتيني”، حيث تُفتح الجروح على ظهورهم وأطرافهم. لكن الأمر لم يتوقف هنا، فقد كانوا يُجبرون على الغوص في مياه الصرف الصحي الملوّثة بينما جروحهم لم تلتئم بعد.
ومن بين أشكال العقاب التي هدفت إلى إذلال اللاعبين بشكل غير إنساني، حلق رؤوسهم بالكامل، ليصبحوا عرضة للسخرية. أما العقوبة الأكثر إيلاماً وخوفاً، وضمن جلسات السجن، هي إجبار اللاعبين على لعب كرة القدم، ولكن بالطبع، ليست بكرة عادية— بل واحدة مصنوعة من الأسمنت المستخدم في البناء! وقد تسببت للكثيرين بكسور في عظامهم وأقدامهم.
الإنقاذ وقت الحروب
تمكن المنتخب العراقي من مواساة شعبه في أحلك الأيام، فحصد المركز الرابع في أولمبياد أثينا عام 2004، كان العراق ما زال مصدوماً ولا يعرف حقيقة الحرب التي تحصل.
وفي واحدة من أتعس سنوات البلد، أي عام 2007، نال لقب آسيا. ولسنوات وسنوات، دفع المشجعون أرواحهم ثمناً لنيل رضا الفيفا وموافقتها على فك الحظر عن ملاعبنا، والذي حدث أثناء فرض الحصار الدولي على العراق عام 1991.
الفيفا تلعب بنا كما تُلعب الكرة في ملعب، يتوسل الجمهور رفع الحظر ويتظاهر ويبكي. الفيفا تعِد بلقاءٍ مع منتخبٍ من الدرجة العاشرة، ثم تتراجع. كأن العراق بلد لا يستحق أن يفرح بكرة القدم.
عام 2013، شهد ملعب الشعب مباراة ودّية بين منتخبنا الوطني ومنتخب ليبيريا، ضمن محاولات رفع الحظر عن ملاعبنا. لكن الحبيبية، المنطقة التي كان من المقرر أن تستقبل رونالدو قبل أسبوع مع نادي “النصر”، وقع فيها انفجاران خلال المباراة.
هرع الجمهور إلى أطراف الملعب لمشاهدة أعمدة الدخان، أثناء اللعب. فريقنا خسر، وصاح أحد المشجعين: “الموت يطاردنا في الشوارع، وفريقنا يخسر في الملاعب. هل قدرنا أن نخسر في الاثنين؟”.
هنري فلويمو، المسؤول الإعلامي للمنتخب الليبيري، صرّح: “كنا خائفين قبل مجيئنا، لكن كرة القدم كانت لنا طوق النجاة من الأزمات، ونؤمن بأنها كذلك للعراقيين. لقد مرت ليبيريا بحرب أهلية دامت 14 عاماً، وعادت بعدها الى الاتحاد. ونؤمن بأن العراقيين قادرون على ذلك أيضاً”.
حين اتسع “كل العراق” في ملعب واحد!
عشت كغيري من المشجعين، على أمل مشاهدة يونس محمود على الملعب، لا عبر التلفاز، لكن الفيفا كانت ظالمة لمرات عدة. وفي 2018، قررت السعودية لعب مباراة ودية مع العراق بعد قطيعة دامت أكثر من 34 سنة.
تمكنت بصعوبة بالغة من شراء تذاكر مع صديقيّ في العمل، اتجهنا الى البصرة بالقطار، الأجواء الحماسية يومها جعلتنا نبكي، الجميع في المحطة يحمل العلم ويصرخ ويهتف ويرقص.
أجواء لا أريد الخروج منها الى الأبد، أنظر الي صديقتي وأقول: “تخيلي أن هذه الفعاليات روتينية وتتكرر بشكل يومي في بلدان أخرى”.
وصلنا البصرة، ولم نجد فندقاً، كانت جميعها في المدينة ممتلئة، العراق بكامله قادم. اضطررنا الى المشي لأكثر من ستة كيلومترات للوصول الى الملعب الذي كان ممتلئاً قبل بدء المباراة بأكثر من سبع ساعات. كان عليهم دخول موسوعة غينيس بانتظار الحياة، ومن بقي خارج الملعب أضعاف من كان يوم سعده بكرسي صار فجأة يتّسع لثلاثة أشخاص.
اختبرت يوماً فكرة دخولي الملاعب لأول مرة، الجميع كان من حولي غير مصدق، وأنا مثلهم. أقلب رأسي يميناً ويساراً، أستدير الى الخلف، أبتسم لهم ببلاهة، فقط كنت أحاول طباعة ملامحهم في قلبي.
قبل سنتين، اشترينا التذاكر لحضور مبارياتنا مع الإمارات لتصفيات كأس العالم، وقبل يوم واحد فقط، قررت الفيفا نقل اللعبة الى أرض محايدة. لم يمر الموضوع بسهولة، لا علينا ولا على الفيفا التي تلقت سباب الأرض وشتائمها بطريقة غير مسبوقة. أعطيت بيأس تذكرتي لزميل في العمل؛ قال لي إنه سيذهب بكل الأحوال.
لم يكن صديقي وحده، إذ قررت الجماهير العراقية استكمال حضور المباريات من دون كرة قدم، من دون منتخب، وحكم ومدرب أو شباك، كان الملعب مليئاً بكل الحياة الرياضية، إلا كرة القدم الفعلية. ولمؤازرة الشعب على شعوره بالخديعة والغدر، حضر المعلق العماني خليل البلوشي الى الملعب، وشارك بالتعليق على المباريات من شاشة كبيرة كان الجمهور معه، يتابعها والملعب ممتلئ، وكأنها حقيقية، وكأننا مثل دول العالم الأخرى، يعاملوننا كأشخاص حقيقيين، ننكسر ونبني أنفسنا بسبب كرة قدم.
إقرأوا أيضاً:











