ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

وهم الاستقرار في اليمن: حين تصبح العاصمة عدن مجرّد عنوان!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تآكل فكرة الدولة لا يبدأ من الميليشيا وحدها، بل من قابلية الداخل للانقسام والتشظّي، ومن وهمِ الاعتياد على ما لا يُحتمل، ومن فصلِ السياسة عن القوّة، كأنّ السيادة تُستعاد بالتمنّي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

حين تفقد المدنُ مركزيتها بوصفها فضاءً لقرار الدولة، لا تذوي جغرافيتها فحسب، بل تتشظّى رمزيتها وما يفترض أن يمنحها جدارتها السياسية والمعنوية. وعدن، بوصفها عاصمةً مؤقتةً لجمهورية مأزومة، لا تعاني فقط من أعطال الخدمات أو فقدان العملة قيمتَها، بل تعيش تصدّع المعنى ذاته: معنى أن تكون حاضرةً تمثّل الدولة، وأن تكون الدولة قادرةً على التمثّل فيها.

 في عدن، تتكشّف المفارقة المأساوية بين شكلٍ حاضرٍ وجوهرٍ غائب: مؤسسات تُدار عن بُعد، ومواطنون على تماسّ مباشر مع الجوع والعتمة والخذلان. هكذا تغدو المدينة شاهدةً على فراغ السلطة، لا بوصفه فراغًا ماديًّا فحسب، بل مأزقًا بنيويًّا لمشروع دولةٍ لم يتجسّد بعد، في مواجهة ميليشيا مسلّحة تعيد تنظيم صفوفها كما لو أنّ الزمن يعمل لصالحها لا ضدّها.

تتجلّى مفارقةٌ مؤلمةٌ في عدن، بين الصورة المفترضة لعاصمةٍ مركزية وبين الواقع المعيش. لا شيء يسير على نحوٍ طبيعي؛ كأنّ الحياة السياسية والإدارية تنفصل عن اشتراطات الدولة ومعايير وجودها. فرئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضاؤه، على رغم مركزيّتهم في المشهد السياسي، وبغضّ النظر عن تباين جهودهم منذ تصدّرهم هذا المشهد في 7 نيسان/ أبريل 2022، لا يعقدون اجتماعاتهم داخل المقرّ الرئاسي في قصر معاشيق، فيما يواصل الخطاب الرسمي توصيف الأوضاع بأنها “طبيعية”. والمشهد ذاته يتكرّر مع مجلس النواب الذي لا يزال عاجزًا عن الانعقاد داخل المدينة، بينما تمضي المؤسسة التشريعية في مسارٍ منفصلٍ عن معالجة هذا الخلل المستدام على نحوٍ غير مفهوم؛ إلى حدّ أن زيارة رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، لأحد المجمّعات التجارية في عدن تحوّلت إلى حدثٍ للاحتفاء وتداول الصور على وسائل التواصل الاجتماعي.

أما الحكومة فتبدو كأنها تدير الملفات من مسافة: لا حضورَ ميدانيّ حقيقيّ لأعضائها في مؤسسات الدولة، على رغم ما تعانيه عدن من تدهورٍ في الخدمات وتفاقمٍ في معاناة الناس. وعلى الرغم من تحسّنٍ واضحٍ في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، ظلّت معظم الأسعار على حالها. وبينما تتّسع فجوة الفقر على نحوٍ مُفزع وتتراجع الآمال، يطرح بعضُهم تفعيلَ قطاع السياحة كأولويةٍ لا تنسجم مع سياق بلدٍ مُنهَك يرزح تحت تداعيات حربٍ مستمرة لم تُحسَم بعد معركتُها الجوهرية: استعادة الدولة.

هذا التناقض العميق بين الواقع القائم والخطاب المُعلَن ينعكس مباشرةً على معنويات المواطنين الذين يزداد شعورهم بالغربة داخل وطنهم، وتضمحلّ ثقتُهم بقدرة المؤسسات على إحداث تغييرٍ ملموس. فبينما تواصل الميليشيا الحوثية—المنقلبة على الدولة بقوة السلاح—إعادةَ التموضع عسكريًّا، مدعومةً بغطاءٍ إيراني سياسي وعسكري وتقني، تنشغل الشرعية المعترف بها إقليميًّا ودوليًّا بإدارة تفاصيل داخلية مرتبكة، يغيب عنها التوجّهُ الاستراتيجي الوطني الحاسم.

والحقيقة المؤلمة، أنّ استعادة الدولة ممّن انقلب عليها في 21 أيلول/ سبتمبر 2014 لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ هذا الواقع. لا تكفي النوايا ولا المجاملات السياسية؛ بل لا بدّ من مراجعةٍ جذريةٍ واعية تبدأ ببناء مؤسسةٍ عسكرية وطنية موحّدة، ذات عقيدةٍ دفاعيةٍ صلبة، ترتبط بقرارٍ سياسيٍّ مستقلٍّ يستند إلى الدستور لا إلى الحسابات الضيّقة. ولا معنى للحديث عن حماية السيادة أو تحقيق الردع من دون تأسيسٍ جادٍّ لصناعاتٍ دفاعيةٍ وطنية تُنهي حالة الاعتماد على الخارج وتمنح الدولة حقّها الطبيعي في امتلاك أدوات القوّة.

إذا استمرّ هذا الواقع بلا مراجعةٍ ولا تصحيحٍ جاد، فإنّ المؤقت مرشّحٌ لأن يصبح دائمًا؛ وتتحوّل عدن من عاصمةٍ مؤقتة إلى مجرّد عنوانٍ يعكس عمق المأزق اليمني: غياب الدولة وتآكل ثقة المواطنين بإمكان استعادتها. في جوهر هذا المشهد المعقّد – الذي يُقدَّم بوصفه طبيعيًّا وهو نقيضُ الطبيعة – تتجلّى المفارقة اليمنية الكبرى: قيادةُ دولةٍ لا تستطيع الاجتماع في عاصمتها، وسلطةٌ لا تملك من أدوات القرار سوى التكيّف مع العجز، ومجتمعٌ يرزح تحت أثقال المعاناة وقد أُخضع لامتحان الصبر حتى انفلت من أمله خيطُ الرجاء.

تآكل فكرة الدولة لا يبدأ من الميليشيا وحدها، بل من قابلية الداخل للانقسام والتشظّي، ومن وهمِ الاعتياد على ما لا يُحتمل، ومن فصلِ السياسة عن القوّة، كأنّ السيادة تُستعاد بالتمنّي. ما لم يُكسَر هذا النسقُ المعطوب بإعادة بناء الشرعية على أسس الصدق الوطني والقوة المنظّمة، فإنّ ما نراه في عدن ليس استثناءً، بل نذيرٌ لمسارِ انهيارٍ شامل إذا ظلّ الوضع الراهن على حاله؛ حيث لا يبقى للدولة سوى اسمها، ولليمنيين سوى الفراغ.

27.08.2025
زمن القراءة: 3 minutes

تآكل فكرة الدولة لا يبدأ من الميليشيا وحدها، بل من قابلية الداخل للانقسام والتشظّي، ومن وهمِ الاعتياد على ما لا يُحتمل، ومن فصلِ السياسة عن القوّة، كأنّ السيادة تُستعاد بالتمنّي.

حين تفقد المدنُ مركزيتها بوصفها فضاءً لقرار الدولة، لا تذوي جغرافيتها فحسب، بل تتشظّى رمزيتها وما يفترض أن يمنحها جدارتها السياسية والمعنوية. وعدن، بوصفها عاصمةً مؤقتةً لجمهورية مأزومة، لا تعاني فقط من أعطال الخدمات أو فقدان العملة قيمتَها، بل تعيش تصدّع المعنى ذاته: معنى أن تكون حاضرةً تمثّل الدولة، وأن تكون الدولة قادرةً على التمثّل فيها.

 في عدن، تتكشّف المفارقة المأساوية بين شكلٍ حاضرٍ وجوهرٍ غائب: مؤسسات تُدار عن بُعد، ومواطنون على تماسّ مباشر مع الجوع والعتمة والخذلان. هكذا تغدو المدينة شاهدةً على فراغ السلطة، لا بوصفه فراغًا ماديًّا فحسب، بل مأزقًا بنيويًّا لمشروع دولةٍ لم يتجسّد بعد، في مواجهة ميليشيا مسلّحة تعيد تنظيم صفوفها كما لو أنّ الزمن يعمل لصالحها لا ضدّها.

تتجلّى مفارقةٌ مؤلمةٌ في عدن، بين الصورة المفترضة لعاصمةٍ مركزية وبين الواقع المعيش. لا شيء يسير على نحوٍ طبيعي؛ كأنّ الحياة السياسية والإدارية تنفصل عن اشتراطات الدولة ومعايير وجودها. فرئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضاؤه، على رغم مركزيّتهم في المشهد السياسي، وبغضّ النظر عن تباين جهودهم منذ تصدّرهم هذا المشهد في 7 نيسان/ أبريل 2022، لا يعقدون اجتماعاتهم داخل المقرّ الرئاسي في قصر معاشيق، فيما يواصل الخطاب الرسمي توصيف الأوضاع بأنها “طبيعية”. والمشهد ذاته يتكرّر مع مجلس النواب الذي لا يزال عاجزًا عن الانعقاد داخل المدينة، بينما تمضي المؤسسة التشريعية في مسارٍ منفصلٍ عن معالجة هذا الخلل المستدام على نحوٍ غير مفهوم؛ إلى حدّ أن زيارة رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، لأحد المجمّعات التجارية في عدن تحوّلت إلى حدثٍ للاحتفاء وتداول الصور على وسائل التواصل الاجتماعي.

أما الحكومة فتبدو كأنها تدير الملفات من مسافة: لا حضورَ ميدانيّ حقيقيّ لأعضائها في مؤسسات الدولة، على رغم ما تعانيه عدن من تدهورٍ في الخدمات وتفاقمٍ في معاناة الناس. وعلى الرغم من تحسّنٍ واضحٍ في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، ظلّت معظم الأسعار على حالها. وبينما تتّسع فجوة الفقر على نحوٍ مُفزع وتتراجع الآمال، يطرح بعضُهم تفعيلَ قطاع السياحة كأولويةٍ لا تنسجم مع سياق بلدٍ مُنهَك يرزح تحت تداعيات حربٍ مستمرة لم تُحسَم بعد معركتُها الجوهرية: استعادة الدولة.

هذا التناقض العميق بين الواقع القائم والخطاب المُعلَن ينعكس مباشرةً على معنويات المواطنين الذين يزداد شعورهم بالغربة داخل وطنهم، وتضمحلّ ثقتُهم بقدرة المؤسسات على إحداث تغييرٍ ملموس. فبينما تواصل الميليشيا الحوثية—المنقلبة على الدولة بقوة السلاح—إعادةَ التموضع عسكريًّا، مدعومةً بغطاءٍ إيراني سياسي وعسكري وتقني، تنشغل الشرعية المعترف بها إقليميًّا ودوليًّا بإدارة تفاصيل داخلية مرتبكة، يغيب عنها التوجّهُ الاستراتيجي الوطني الحاسم.

والحقيقة المؤلمة، أنّ استعادة الدولة ممّن انقلب عليها في 21 أيلول/ سبتمبر 2014 لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ هذا الواقع. لا تكفي النوايا ولا المجاملات السياسية؛ بل لا بدّ من مراجعةٍ جذريةٍ واعية تبدأ ببناء مؤسسةٍ عسكرية وطنية موحّدة، ذات عقيدةٍ دفاعيةٍ صلبة، ترتبط بقرارٍ سياسيٍّ مستقلٍّ يستند إلى الدستور لا إلى الحسابات الضيّقة. ولا معنى للحديث عن حماية السيادة أو تحقيق الردع من دون تأسيسٍ جادٍّ لصناعاتٍ دفاعيةٍ وطنية تُنهي حالة الاعتماد على الخارج وتمنح الدولة حقّها الطبيعي في امتلاك أدوات القوّة.

إذا استمرّ هذا الواقع بلا مراجعةٍ ولا تصحيحٍ جاد، فإنّ المؤقت مرشّحٌ لأن يصبح دائمًا؛ وتتحوّل عدن من عاصمةٍ مؤقتة إلى مجرّد عنوانٍ يعكس عمق المأزق اليمني: غياب الدولة وتآكل ثقة المواطنين بإمكان استعادتها. في جوهر هذا المشهد المعقّد – الذي يُقدَّم بوصفه طبيعيًّا وهو نقيضُ الطبيعة – تتجلّى المفارقة اليمنية الكبرى: قيادةُ دولةٍ لا تستطيع الاجتماع في عاصمتها، وسلطةٌ لا تملك من أدوات القرار سوى التكيّف مع العجز، ومجتمعٌ يرزح تحت أثقال المعاناة وقد أُخضع لامتحان الصبر حتى انفلت من أمله خيطُ الرجاء.

تآكل فكرة الدولة لا يبدأ من الميليشيا وحدها، بل من قابلية الداخل للانقسام والتشظّي، ومن وهمِ الاعتياد على ما لا يُحتمل، ومن فصلِ السياسة عن القوّة، كأنّ السيادة تُستعاد بالتمنّي. ما لم يُكسَر هذا النسقُ المعطوب بإعادة بناء الشرعية على أسس الصدق الوطني والقوة المنظّمة، فإنّ ما نراه في عدن ليس استثناءً، بل نذيرٌ لمسارِ انهيارٍ شامل إذا ظلّ الوضع الراهن على حاله؛ حيث لا يبقى للدولة سوى اسمها، ولليمنيين سوى الفراغ.