ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ياسمين الخطيب والوجه المهزوم للإعلام المصري: نحارب البلوغرز بالتغذّي عليهم 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قصّة ياسمين الخطيب هي قصّة إعلام بأكمله: إعلام لم يفهم بعد أن الزمن تغيّر، وأن الصراع مع البلوغرز والتيك توكرز ليس صراعاً على “التفاهة” أو “القيم”، بل صراع على الشرعية: من يملك الحقّ في مخاطبة الجمهور وصياغة وعيه؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كانت الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب تحاور الشيخ أحمد كريمة على شاشة قناة “النهار” منذ عام، وتسأله عن رأيه الديني في الفتيات اللاتي يعملن كبلوغرز، ويظهرن على التيك توك ويرقصن، رغم أن السؤال معروفة إجابته من شيخ معروف بفتاواه المتشدّدة في قضايا النساء، فإن ياسمين الخطيب تركت له الهواء كاملاً، ليهاجم فتيات المنصّات الجديدة، ويهاجم العلمانية والعلمانيين دون تدخّل، وانتقلت ببساطة إلى سؤال آخر.

منذ عام وحتى الآن، لم تتوقّف ياسمين الخطيب عن حربها ضدّ البلوغرز رغم استضافتها لهم، فالتريند لا يعارض إن كانت المذيعة تحمل موقفاً علنياً ضدّ ما يُعرف في مصر بفتيات التيك توك، وتستضيفهم ضمن سياق الهجوم أو جرّهم إلى مساحات الرشاد وقيم الأسرة المصرية، مثلما حدث في حلقتها مع هدير عبد الرازق، حين طالبتها بالزواج والاستقرار مع أوتاكا وهجر السوشيال ميديا، بل دبّرت لها خطوبة على شاشة التلفزيون بشكل مثير للسخرية والابتذال.

ياسمين الخطيب التي لا تملّ من تكرار كونها نصيرة المرأة وحرّيتها منذ ظهورها كضيفة قبل أن تكون مذيعة، ومنذ تأسيسها جمعية “نون النسوة“، لا ترى تعارضاً في الهجوم على فتيات التيك توك اللاتي استحوذن على المشاهدات والتريند، وسحبن البسطاء دون قصد من تحت قدميها، برغم كلّ ما تفعله من إنفاق على صورتها البصرية كمذيعة “جميلة” و”فاتنة”.

بعد أن أطمأنّت الخطيب أن الأزهر “الذي يحرس الدين” في مصر، يحرّم ظهور الفتيات علي التيك توك، نسيت أن الإنستغرام الذي تنشر عليه صورها بالكاش مايوه، هو ضمن المنصّات الجديدة التي حرّمها على النساء الشيخ أحمد كريمة، لكنّ ياسمين امرأة غير النساء، هي ابنة العائلة العريقة، وطليقة أربعة رجال من أثرياء مصر ومشاهيرها.

إذا أردنا النظر بتمعّن في حالة ياسمين الخطيب الإعلامية والجدل الذي يحيط بها، سنجد أننا أمام حالة لا يمكن قراءتها بمعزل عن تحوّلات مصر الاجتماعية والثقافية في العقد الأخير. 

منذ ثورة يناير وصعود الإعلام البديل، ثم الانفجار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي، تشكّلت معادلة جديدة أعادت توزيع الأدوار بين “النخبة” و”الشارع”، وبين “الإعلام الرسمي” و”المؤثّرين”. 

في هذه المعادلة، لم تعد السلطة الرمزية حكراً على الأسماء الكبيرة التي تملك عموداً في صحيفة، أو برنامجاً على قناة فضائية، بل انتقلت إلى شابّة في حيّ شعبي على تيك توك تمتلك مئات الآلاف من المعجبين.

حين تسخر ياسمين الخطيب من محتوى البلوغرز أو تستخفّ بالتيك توكرز، فهي لا تعبّر فقط عن رأي فردي، بل تستدعي خطاباً قديماً للنخبة المصرية التي طالما نظرت إلى “ثقافة الشارع” باعتبارها انحطاطاً أو ابتذالاً. 

هذه السخرية هي انعكاس لتوتّر طبقي وثقافي دفين، لكنّ المفارقة أن هذه الثقافة الشعبية، التي تتّخذ اليوم أشكال فيديوهات رقص ومقاطع ساخرة ومنتجات منزلية مصوّرة، هي نفسها التي صنعت موجات جماهيرية أقوى من كلّ البرامج الحوارية الملأى بالبلاغة الفصيحة. لذلك، فإن كلّ محاولة من الخطيب لانتقاد هذا العالم الجديد بدت وكأنها صراع يائس ضدّ الزمن، صراع ينتهي دوماً بخسارتها أمام تيّار شعبي جارف.

هجومها هي وعشرات الإعلاميين على هؤلاء الشبّان والفتيات، هو في جوهره إعادة إنتاج للوصاية الاجتماعية والطبقية نفسها، التي طالما انتقدت هي حضورها في المجتمع الذكوري. فحين تتحدّث الخطيب عن نسوية تحرّرية، لكنّها في الوقت نفسه تهاجم شابّة بسيطة من التيك توك، لأنها لا تملك لغة مثقّفة أو مظهراً لائقاً بمعايير النخبة، فإنها تسقط في التناقض ذاته الذي يسقط فيه النظام الذكوري، حين يمنح حقوقاً لبعض النساء ويحرم أخريات منها. هذا التناقض هو ما أفقدها تعاطف الكثير من المتابعين الذين كانوا يتوقّعون منها أن تدافع عن حقّ هؤلاء الفتيات في التعبير، بدلاً من أن تهاجمهن.

أشعلت ياسمين الخطيب جدلاً ضدّ التيك توكر سوزي الأردنية، حينما طالبت الأخيرة بأجر يعادل ألفي دولار بدل حضورها كضيفة في برنامجها، فشنّت ضدّها الخطيب حملة تسبّبت مع عوامل أخرى في القبض على سوزي الأردنية، التي تجرّأت وطلبت هذا المبلغ.

من موقع طبقي منفّر قالت ياسمين الخطيب إنها مستعدّة للتكفّل بتعليم سوزي الأردنية: ” أتمنّى أن تعتزل التيك توك وتركّز في تعليمها، وأنا متكفّلة بمصاريف دراستها حتى تتخرّج”.

تصريح ياسمين الخطيب هنا لا يمكن قراءته كفعل “عطاء” بريء أو مبادرة محبّة، بل يشي بموقع طبقي واضح: هي المذيعة – الكاتبة التي تضع نفسها في خانة “المانحة” أمام فتاة بسيطة صاعدة من تيك توك. اختيارها عبارة “أنا متكفّلة بمصاريف دراستها”، يفضح علاقة غير متكافئة: طرف يملك سلطة المال ورأس المال الرمزي، وآخر يُصوَّر كمن يحتاج إلى منّة كي ينجو من “إغواء” السوشيال ميديا.

ياسمين الخطيب فشلت في إدراك البعد التقاطعي للنسوية، فهي ركّزت على صراعها مع النظام الأبوي الذكوري من منظور طبقي وثقافي محدّد، لكنّها تجاهلت أن النسوية الحديثة لم تعد فقط مواجهة الرجال، بل مواجهة كلّ أشكال التمييز، بما فيها التمييز الطبقي والثقافي. لذلك، حين وقفت ضدّ البلوغرز والتيك توكرز، كانت كمن تنحاز إلى خطاب الطبقة الوسطى العليا التي تحتقر “بنات الطبقة الدنيا”، رغم أن هؤلاء البنات أنفسهن يخضن معركة شرسة ضدّ النظام الذكوري نفسه.

أما على مستوى الإعلام، فقد جسّدت ياسمين الخطيب المأزق الذي يواجه الإعلام المصري، فالإعلام التقليدي لم يعد قادراً على احتكار السرديات أو إنتاج الرموز، لكنّه في الوقت نفسه لم يتخلَّ عن غروره القديم. والخطيب، التي حاولت الجمع بين صفتين – المثقّفة والنجمة الإعلامية – وقعت في فخّ مزدوج: لم تنجح في أن تكون مثقّفة أو مفكّرة جادّة، ولم تنجح في أن تكون إعلامية شعبية تخاطب الشارع بلغته وتكسب ثقته. النتيجة أنها تحوّلت إلى “شخصيّة وسطية” عالقة بين عالمين، يسهل استهدافها من الطرفين: النخبة تعتبرها سطحية، والجمهور يعتبرها متعالية.

الأكثر إثارة أن معاركها مع البلوغرز والتيك توكرز كشفت هشاشة “السلطة الثقافية” التي لطالما ادّعتها النخبة. ففي السابق، كان المثقّف أو الإعلامي يملك الكلمة العليا في تعريف “القيم” و”المعايير”. اليوم، صار “لايف” مباشر على فيسبوك أو فيديو قصير على تيك توك، قادراً على نسف هذه السلطة بالكامل. الخطيب، حين هاجمت هؤلاء الشباب، لم تدرك أنها تخوض معركة خاسرة، لأن الشرعيّة انتقلت فعلاً من القنوات الفضائية إلى شاشات الهواتف المحمولة.

ياسمين الخطيب تجسّد “قلق النخبة” أمام صعود ثقافة رقمية شعبية. فهي تمثّل ذلك الصوت الذي يشعر بالتهديد من انزلاق السلطة الرمزية إلى أيدٍ جديدة، صوت يحاول التمسّك بمكانته عبر الاستعلاء والسخرية، لكنّه في كلّ مرّة يكتشف أن الجمهور لم يعد يصغي بالطريقة ذاتها. هذا القلق في مصر يتّخذ شكلاً أكثر حدّة بسبب التفاوتات الطبقية والثقافية العميقة.

الأخطاء الكبرى والتحريض والوصاية التي تورّطت فيها الخطيب، تخطّت منهج الهجوم والاختلاف، فحين تهاجم التيك توكرز بوصفهم “سطحيين” أو “بلا قيمة”، تستحضر خطاباً طبقياً قديماً يرى أن أبناء الطبقات الشعبية لا يحقّ لهم منافسة أبناء النخبة في الفضاء العامّ. المفارقة أن هؤلاء المؤثّرين لم يصعدوا عبر السلطة أو المؤسّسات، بل عبر جهد شخصي في فضاء مفتوح، ومن هنا جاء شعور جماهير واسعة بأن الخطيب تمثّل “الطبقة المترفة” التي تزدري نجاح المهمّشين، بدلاً من أن تتضامن معهم.

لا يمكن فصل قصّة ياسمين الخطيب عن السياق السياسي في مصر، فالإعلام بعد 2013 خضع لسيطرة أكبر من الدولة ورجال الأعمال المقرّبين منها. في هذا السياق، صارت مساحة الحرّية محدودة، والمذيع أو المذيعة يجد نفسه مضطراً لإنتاج “جدل مصطنع”، يحافظ على حضوره الجماهيري دون أن يصطدم بالخطوط الحمراء السياسية. هنا بالضبط جاءت معارك الخطيب مع البلوغرز والتيك توكرز: معارك آمنة سياسياً، لكنّها لافتة جماهيرياً، أي أنها شكّلت “بديلاً للتفريغ” عن النقاشات الأخطر التي لا يمكن الاقتراب منها.

لم تبدأ ياسمين الخطيب حياتها الإعلامية من بوّابة دراسة الإعلام أو حتى الصحافة المهنية، بل من الكتابة. فقد نشرت في بداياتها كتباً ذات طابع اجتماعي ـ  ذاتي (مقالات ورؤى شخصية حول العلاقات والمجتمع والدين والسياسة) هذه الكتب لم تُحدث تأثيراً كبيراً في الوسط الثقافي من حيث القيمة المعرفية، لكنّها أثارت الانتباه بسبب لغتها المباشرة، جرأتها في تناول موضوعات حسّاسة، والأهمّ: الحضور البصري للمؤلفة الجميلة.

هذا الباب كان كافياً ليجعلها وجهاً مرغوباً فيه في البرامج الحوارية، ليس باعتبارها ناقدة أدبية أو باحثة أكاديمية، بل كـ”صوت أنثوي مثير للجدل” قادر على تحريك النقاش حول قضايا شائكة. ومع الوقت، انتقلت من كونها “ضيفة مثيرة للجدل” إلى “مذيعة”، حيث بدأت بتقديم برامج اجتماعية وحوارية على قنوات فضائية خاصّة.

لو قسنا تأثير ياسمين الخطيب بالمعايير الكلاسيكية للإعلام (تشكيل وعي، صناعة أجندة عامّة، التأثير على صُنّاع القرار أو توجهات الرأي العامّ) فسنجد أن تأثيرها محدود، لكنّ تأثيرها الحقيقي كان في خلق دوامات من الجدل اللحظي.

ولو نظرنا إلى المشهد الإعلامي الراهن في مصر، نجد أن هناك ندرة واضحة في المذيعات اللواتي يجمعن بين المهنية والجرأة المحسوبة. معظم الأسماء النسائية البارزة إمّا مقيدة بخطاب رسمي، وإمّا تحاول النجاة في مساحة آمنة لا تصنع جدلاً ولا تأثيراً. ياسمين الخطيب ملأت هذا الفراغ لكن بطريقة معكوسة: صنعت الجدل بلا مهنية، فصارت أيقونة “للضجيج” أكثر من كونها أيقونة للرأي.

الجدل الذي يحيط بياسمين الخطيب ليس فقط بسبب تصريحاتها أو أخطائها، بل لأنه يعكس عجز الإعلام المصري المرئي عن إنتاج وجوه مهنية مقنعة. في غياب الأسماء الكبيرة القادرة على الإمساك بخطاب رصين، ليصبح الحلّ هو الدفع بوجوه تلهث وراء التريند حتى وإن افتقدت الأدوات.

قصّة ياسمين الخطيب هي قصّة إعلام بأكمله: إعلام لم يفهم بعد أن الزمن تغيّر، وأن الصراع مع البلوغرز والتيك توكرز ليس صراعاً على “التفاهة” أو “القيم”، بل صراع على الشرعية: من يملك الحقّ في مخاطبة الجمهور وصياغة وعيه؟ 

في زمن لم يعد هذا الحقّ حكراً على الإعلاميات والإعلاميين من أمثال ياسمين الخطيب، بل صار موزعاً بين آلاف الأصوات التي صعدت من الهوامش لتقترب من المركز.

"درج" و "سراج" | 13.02.2026

وثائق تكشف كيف رسم علي مملوك خطة لتضليل التحقيق الدولي باغتيال الحريري

وُجِهت أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى النظام السوري وحلفائه، وتكشف وثائق من المخابرات السورية أطلع على نسخ رقمية منها "درج" و"الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - سراج" و"زمان الوصل"، عن الخطة الإعلامية التي وضعت لمواجهة الاتهامات، التي أشرف عليها علي مملوك الذي وصف وسائل الإعلام السورية حينها بأنها "في حالة غيبوبة حيال الحدث" الذي يتمثل…
08.09.2025
زمن القراءة: 7 minutes

قصّة ياسمين الخطيب هي قصّة إعلام بأكمله: إعلام لم يفهم بعد أن الزمن تغيّر، وأن الصراع مع البلوغرز والتيك توكرز ليس صراعاً على “التفاهة” أو “القيم”، بل صراع على الشرعية: من يملك الحقّ في مخاطبة الجمهور وصياغة وعيه؟

كانت الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب تحاور الشيخ أحمد كريمة على شاشة قناة “النهار” منذ عام، وتسأله عن رأيه الديني في الفتيات اللاتي يعملن كبلوغرز، ويظهرن على التيك توك ويرقصن، رغم أن السؤال معروفة إجابته من شيخ معروف بفتاواه المتشدّدة في قضايا النساء، فإن ياسمين الخطيب تركت له الهواء كاملاً، ليهاجم فتيات المنصّات الجديدة، ويهاجم العلمانية والعلمانيين دون تدخّل، وانتقلت ببساطة إلى سؤال آخر.

منذ عام وحتى الآن، لم تتوقّف ياسمين الخطيب عن حربها ضدّ البلوغرز رغم استضافتها لهم، فالتريند لا يعارض إن كانت المذيعة تحمل موقفاً علنياً ضدّ ما يُعرف في مصر بفتيات التيك توك، وتستضيفهم ضمن سياق الهجوم أو جرّهم إلى مساحات الرشاد وقيم الأسرة المصرية، مثلما حدث في حلقتها مع هدير عبد الرازق، حين طالبتها بالزواج والاستقرار مع أوتاكا وهجر السوشيال ميديا، بل دبّرت لها خطوبة على شاشة التلفزيون بشكل مثير للسخرية والابتذال.

ياسمين الخطيب التي لا تملّ من تكرار كونها نصيرة المرأة وحرّيتها منذ ظهورها كضيفة قبل أن تكون مذيعة، ومنذ تأسيسها جمعية “نون النسوة“، لا ترى تعارضاً في الهجوم على فتيات التيك توك اللاتي استحوذن على المشاهدات والتريند، وسحبن البسطاء دون قصد من تحت قدميها، برغم كلّ ما تفعله من إنفاق على صورتها البصرية كمذيعة “جميلة” و”فاتنة”.

بعد أن أطمأنّت الخطيب أن الأزهر “الذي يحرس الدين” في مصر، يحرّم ظهور الفتيات علي التيك توك، نسيت أن الإنستغرام الذي تنشر عليه صورها بالكاش مايوه، هو ضمن المنصّات الجديدة التي حرّمها على النساء الشيخ أحمد كريمة، لكنّ ياسمين امرأة غير النساء، هي ابنة العائلة العريقة، وطليقة أربعة رجال من أثرياء مصر ومشاهيرها.

إذا أردنا النظر بتمعّن في حالة ياسمين الخطيب الإعلامية والجدل الذي يحيط بها، سنجد أننا أمام حالة لا يمكن قراءتها بمعزل عن تحوّلات مصر الاجتماعية والثقافية في العقد الأخير. 

منذ ثورة يناير وصعود الإعلام البديل، ثم الانفجار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي، تشكّلت معادلة جديدة أعادت توزيع الأدوار بين “النخبة” و”الشارع”، وبين “الإعلام الرسمي” و”المؤثّرين”. 

في هذه المعادلة، لم تعد السلطة الرمزية حكراً على الأسماء الكبيرة التي تملك عموداً في صحيفة، أو برنامجاً على قناة فضائية، بل انتقلت إلى شابّة في حيّ شعبي على تيك توك تمتلك مئات الآلاف من المعجبين.

حين تسخر ياسمين الخطيب من محتوى البلوغرز أو تستخفّ بالتيك توكرز، فهي لا تعبّر فقط عن رأي فردي، بل تستدعي خطاباً قديماً للنخبة المصرية التي طالما نظرت إلى “ثقافة الشارع” باعتبارها انحطاطاً أو ابتذالاً. 

هذه السخرية هي انعكاس لتوتّر طبقي وثقافي دفين، لكنّ المفارقة أن هذه الثقافة الشعبية، التي تتّخذ اليوم أشكال فيديوهات رقص ومقاطع ساخرة ومنتجات منزلية مصوّرة، هي نفسها التي صنعت موجات جماهيرية أقوى من كلّ البرامج الحوارية الملأى بالبلاغة الفصيحة. لذلك، فإن كلّ محاولة من الخطيب لانتقاد هذا العالم الجديد بدت وكأنها صراع يائس ضدّ الزمن، صراع ينتهي دوماً بخسارتها أمام تيّار شعبي جارف.

هجومها هي وعشرات الإعلاميين على هؤلاء الشبّان والفتيات، هو في جوهره إعادة إنتاج للوصاية الاجتماعية والطبقية نفسها، التي طالما انتقدت هي حضورها في المجتمع الذكوري. فحين تتحدّث الخطيب عن نسوية تحرّرية، لكنّها في الوقت نفسه تهاجم شابّة بسيطة من التيك توك، لأنها لا تملك لغة مثقّفة أو مظهراً لائقاً بمعايير النخبة، فإنها تسقط في التناقض ذاته الذي يسقط فيه النظام الذكوري، حين يمنح حقوقاً لبعض النساء ويحرم أخريات منها. هذا التناقض هو ما أفقدها تعاطف الكثير من المتابعين الذين كانوا يتوقّعون منها أن تدافع عن حقّ هؤلاء الفتيات في التعبير، بدلاً من أن تهاجمهن.

أشعلت ياسمين الخطيب جدلاً ضدّ التيك توكر سوزي الأردنية، حينما طالبت الأخيرة بأجر يعادل ألفي دولار بدل حضورها كضيفة في برنامجها، فشنّت ضدّها الخطيب حملة تسبّبت مع عوامل أخرى في القبض على سوزي الأردنية، التي تجرّأت وطلبت هذا المبلغ.

من موقع طبقي منفّر قالت ياسمين الخطيب إنها مستعدّة للتكفّل بتعليم سوزي الأردنية: ” أتمنّى أن تعتزل التيك توك وتركّز في تعليمها، وأنا متكفّلة بمصاريف دراستها حتى تتخرّج”.

تصريح ياسمين الخطيب هنا لا يمكن قراءته كفعل “عطاء” بريء أو مبادرة محبّة، بل يشي بموقع طبقي واضح: هي المذيعة – الكاتبة التي تضع نفسها في خانة “المانحة” أمام فتاة بسيطة صاعدة من تيك توك. اختيارها عبارة “أنا متكفّلة بمصاريف دراستها”، يفضح علاقة غير متكافئة: طرف يملك سلطة المال ورأس المال الرمزي، وآخر يُصوَّر كمن يحتاج إلى منّة كي ينجو من “إغواء” السوشيال ميديا.

ياسمين الخطيب فشلت في إدراك البعد التقاطعي للنسوية، فهي ركّزت على صراعها مع النظام الأبوي الذكوري من منظور طبقي وثقافي محدّد، لكنّها تجاهلت أن النسوية الحديثة لم تعد فقط مواجهة الرجال، بل مواجهة كلّ أشكال التمييز، بما فيها التمييز الطبقي والثقافي. لذلك، حين وقفت ضدّ البلوغرز والتيك توكرز، كانت كمن تنحاز إلى خطاب الطبقة الوسطى العليا التي تحتقر “بنات الطبقة الدنيا”، رغم أن هؤلاء البنات أنفسهن يخضن معركة شرسة ضدّ النظام الذكوري نفسه.

أما على مستوى الإعلام، فقد جسّدت ياسمين الخطيب المأزق الذي يواجه الإعلام المصري، فالإعلام التقليدي لم يعد قادراً على احتكار السرديات أو إنتاج الرموز، لكنّه في الوقت نفسه لم يتخلَّ عن غروره القديم. والخطيب، التي حاولت الجمع بين صفتين – المثقّفة والنجمة الإعلامية – وقعت في فخّ مزدوج: لم تنجح في أن تكون مثقّفة أو مفكّرة جادّة، ولم تنجح في أن تكون إعلامية شعبية تخاطب الشارع بلغته وتكسب ثقته. النتيجة أنها تحوّلت إلى “شخصيّة وسطية” عالقة بين عالمين، يسهل استهدافها من الطرفين: النخبة تعتبرها سطحية، والجمهور يعتبرها متعالية.

الأكثر إثارة أن معاركها مع البلوغرز والتيك توكرز كشفت هشاشة “السلطة الثقافية” التي لطالما ادّعتها النخبة. ففي السابق، كان المثقّف أو الإعلامي يملك الكلمة العليا في تعريف “القيم” و”المعايير”. اليوم، صار “لايف” مباشر على فيسبوك أو فيديو قصير على تيك توك، قادراً على نسف هذه السلطة بالكامل. الخطيب، حين هاجمت هؤلاء الشباب، لم تدرك أنها تخوض معركة خاسرة، لأن الشرعيّة انتقلت فعلاً من القنوات الفضائية إلى شاشات الهواتف المحمولة.

ياسمين الخطيب تجسّد “قلق النخبة” أمام صعود ثقافة رقمية شعبية. فهي تمثّل ذلك الصوت الذي يشعر بالتهديد من انزلاق السلطة الرمزية إلى أيدٍ جديدة، صوت يحاول التمسّك بمكانته عبر الاستعلاء والسخرية، لكنّه في كلّ مرّة يكتشف أن الجمهور لم يعد يصغي بالطريقة ذاتها. هذا القلق في مصر يتّخذ شكلاً أكثر حدّة بسبب التفاوتات الطبقية والثقافية العميقة.

الأخطاء الكبرى والتحريض والوصاية التي تورّطت فيها الخطيب، تخطّت منهج الهجوم والاختلاف، فحين تهاجم التيك توكرز بوصفهم “سطحيين” أو “بلا قيمة”، تستحضر خطاباً طبقياً قديماً يرى أن أبناء الطبقات الشعبية لا يحقّ لهم منافسة أبناء النخبة في الفضاء العامّ. المفارقة أن هؤلاء المؤثّرين لم يصعدوا عبر السلطة أو المؤسّسات، بل عبر جهد شخصي في فضاء مفتوح، ومن هنا جاء شعور جماهير واسعة بأن الخطيب تمثّل “الطبقة المترفة” التي تزدري نجاح المهمّشين، بدلاً من أن تتضامن معهم.

لا يمكن فصل قصّة ياسمين الخطيب عن السياق السياسي في مصر، فالإعلام بعد 2013 خضع لسيطرة أكبر من الدولة ورجال الأعمال المقرّبين منها. في هذا السياق، صارت مساحة الحرّية محدودة، والمذيع أو المذيعة يجد نفسه مضطراً لإنتاج “جدل مصطنع”، يحافظ على حضوره الجماهيري دون أن يصطدم بالخطوط الحمراء السياسية. هنا بالضبط جاءت معارك الخطيب مع البلوغرز والتيك توكرز: معارك آمنة سياسياً، لكنّها لافتة جماهيرياً، أي أنها شكّلت “بديلاً للتفريغ” عن النقاشات الأخطر التي لا يمكن الاقتراب منها.

لم تبدأ ياسمين الخطيب حياتها الإعلامية من بوّابة دراسة الإعلام أو حتى الصحافة المهنية، بل من الكتابة. فقد نشرت في بداياتها كتباً ذات طابع اجتماعي ـ  ذاتي (مقالات ورؤى شخصية حول العلاقات والمجتمع والدين والسياسة) هذه الكتب لم تُحدث تأثيراً كبيراً في الوسط الثقافي من حيث القيمة المعرفية، لكنّها أثارت الانتباه بسبب لغتها المباشرة، جرأتها في تناول موضوعات حسّاسة، والأهمّ: الحضور البصري للمؤلفة الجميلة.

هذا الباب كان كافياً ليجعلها وجهاً مرغوباً فيه في البرامج الحوارية، ليس باعتبارها ناقدة أدبية أو باحثة أكاديمية، بل كـ”صوت أنثوي مثير للجدل” قادر على تحريك النقاش حول قضايا شائكة. ومع الوقت، انتقلت من كونها “ضيفة مثيرة للجدل” إلى “مذيعة”، حيث بدأت بتقديم برامج اجتماعية وحوارية على قنوات فضائية خاصّة.

لو قسنا تأثير ياسمين الخطيب بالمعايير الكلاسيكية للإعلام (تشكيل وعي، صناعة أجندة عامّة، التأثير على صُنّاع القرار أو توجهات الرأي العامّ) فسنجد أن تأثيرها محدود، لكنّ تأثيرها الحقيقي كان في خلق دوامات من الجدل اللحظي.

ولو نظرنا إلى المشهد الإعلامي الراهن في مصر، نجد أن هناك ندرة واضحة في المذيعات اللواتي يجمعن بين المهنية والجرأة المحسوبة. معظم الأسماء النسائية البارزة إمّا مقيدة بخطاب رسمي، وإمّا تحاول النجاة في مساحة آمنة لا تصنع جدلاً ولا تأثيراً. ياسمين الخطيب ملأت هذا الفراغ لكن بطريقة معكوسة: صنعت الجدل بلا مهنية، فصارت أيقونة “للضجيج” أكثر من كونها أيقونة للرأي.

الجدل الذي يحيط بياسمين الخطيب ليس فقط بسبب تصريحاتها أو أخطائها، بل لأنه يعكس عجز الإعلام المصري المرئي عن إنتاج وجوه مهنية مقنعة. في غياب الأسماء الكبيرة القادرة على الإمساك بخطاب رصين، ليصبح الحلّ هو الدفع بوجوه تلهث وراء التريند حتى وإن افتقدت الأدوات.

قصّة ياسمين الخطيب هي قصّة إعلام بأكمله: إعلام لم يفهم بعد أن الزمن تغيّر، وأن الصراع مع البلوغرز والتيك توكرز ليس صراعاً على “التفاهة” أو “القيم”، بل صراع على الشرعية: من يملك الحقّ في مخاطبة الجمهور وصياغة وعيه؟ 

في زمن لم يعد هذا الحقّ حكراً على الإعلاميات والإعلاميين من أمثال ياسمين الخطيب، بل صار موزعاً بين آلاف الأصوات التي صعدت من الهوامش لتقترب من المركز.

08.09.2025
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية