نعيش في عالم سريع التحوّل. نحن جزء منه، غير أننا قليلون أو ضئيلون إزاءه. السرعة التي تشتّتنا والتي نغالبها بالصبر بنوع من التكيف العسير تشعرنا بالغربة. نتائج التحولات، بخاصة بالنسبة لنا كسوريين، بعيدة جداً عن المثال الذي نتمناه لحياتنا ومجتمعنا.
كيف يمكن لهذه الحالة التي هي مزيج من الرفض والمغالبة، من الغربة والضآلة، أن تثمر فكراً وكتابة لصيقة بنا، وفي الوقت ذاته متخطية حواجز الضعف؟
يتكرر لدي شعور ممض حين أفكر بشأننا ووزننا في العالم بأننا دراويش على باب الله، ولا نبدو سائرين باتجاه أوضاع عامة، فكرية وسياسية وأخلاقية، أفضل. موجودون في العالم، لكن وجودنا ضعيف، لا يكاد يساهم في صنع شيء من معاني العالم ومبانيه. وما أبنيه على هذا الشعور المتكرر هو نصح النفس بالتواضع والمثابرة على التعلم.
على أن سؤالك، يا عزيزي علي، يبدو تنويعة على سؤال النهضة: كيف ننهض ونسير إلى الأمام؟ كيف نقترب من متن العالم ولا نبقى عالقين على هوامشه؟ كيف التحرّر من الشعور بالضآلة، وكيف ننتج معانيَ لوجودنا تعني غيرنا كذلك، فترسخنا في العالم؟ كيف نتحرر من التبعية السياسية والدينية، ونتحرر؟ فإذا كان هذا صحيحاً، فإنه يتجاوز السوريين والسياسات السورية إلى مساحة تقاطع عربية- إسلامية- شرق أوسطية.
أفهم النهضة بوصفها فاعلية تحرر الروح، الانعتاق من القيود الداخلية والخارجية. وفي البال ثلاثة قيود كبيرة: قيد دولي يتمثل في تبعية المنطقة لقوى السيطرة الدولية وتدخلات خارجية عنيفة تعطل أو تضيق من فعل الديناميكيات الداخلية في بلدان الإقليم الشرق أوسطي. ويتكثف هذا القيد الدولي في إسرائيل، التي تجمع بين كونها استمراراً للشرط الاستعماري وبين كونها القوة الأشد رسوخاً في الشرق الأوسط، وتكاد تكون قدراً مقدوراً لهذه المنطقة ككل، بخاصة للفلسطينيين واليوم للسوريين.
وفي المقام الثاني قيد الطغيان الدولتي الذي يرد سكان أكثر هذه البلدان إلى رعايا تابعين، منتهكي الأجساد والأنفس. وفي المقام الثالث قيد ديني، يتمثل في حضور أشكال سياسية واجتماعية من السلطة الدينية التي تضيق بدورها على الأجساد والأنفس. ليست لدينا قصة كبيرة للحرية لأننا في هذه المنطقة من العالم، والعرب أكثر من غيرهم، أسرى تقييد ثلاثي لا يكاد يترك مجالاً للإبداع والروح، وبالتالي للحرية. أعتقد أن تحرّرنا يكمن في العملية الصراعية ضد هذه القيود الثلاثة، على مستوى الوعي بداية وتحرر المخيلة، مع الأمل بالتقدم في ضبط قوى ذلك الثالوث المنفلتة.
أقول العرب أكثر من غيرهم لأن القيد الديني قيّدهم أكثر من المسلمين الآخرين، بحكم أن الإسلام ملحمتهم التاريخية ولغته هي لغتهم، وإن كان لهم من رسالة اليوم فهي إعادة تشكيله على نحو يصلح من أحوالهم ويصلحهم مع العالم. ثم لأن التكثف الإسرائيلي للقيد الدولي يتوطن في قلب مجالهم الجغرافي ويضرب في طول هذا المجال وعرضه، ثم كذلك لأنه ليس هناك مثال سياسي عربي إيجابي، وما هناك من أمثلة هي بين سيئة وسيئة جداً. ولهذا يمكن اعتبار العرب البروليتاريا السياسية والأخلاقية في عالم اليوم، وتحررهم أكبر خدمة لقضية التحرر في عالم اليوم بالتالي.
هناك مضمّر في فكرة النهضة، هو أن ثقافتنا/ ثقافاتنا قابلة لأن تكون ثقافات إبداع وفكر وعلم، ثقافات ناهضة. السؤال: هل هذا صحيح؟ أنا أسلم بأنه صحيح. فإن كان كذلك، أيحدث النهوض بلغة واحدة أم بلغات متعددة؟ النهضة الأوربية هي أيضاً نهوض اللغات القومية. أترك المسألة معّلقة.
إقرأوا أيضاً:
رأى الكاتب والمفكر الفرنسي موريس بلانشو أننا لا نكتب حسبما نكون، بل نكون حسبما نكتب. هل ترى أنت كذلك أن الكتابة تكوّننا أكثر من أنها تنقل ما نحن عليه، أن الكتابة خالقة عوالم جديدة على قدر أكثر من كونها متأثرة وخاضعة لعوالم قائمة!
أوافق على أن الكتابة خالقة عوالم جديدة وليست انعكاساً لعوالم قائمة. والعوالم المخلوقة الجديدة تُكثِّر العالم من حولنا وتغير علاقتنا به عبر توسيع مساحاتنا الداخلية، أي كذلك أرواحنا وحريتنا. لكني أتردد بخصوص القول إننا نكون حسبما نكتب. ربما يحيل هذا القول إلى عوالم مثقّفين من الطبقة الوسطى في مجتمعات مرتاحة، تتشكل فيها الكتابة عالماً مستقلاً بقدر لا بأس به عن الحتميات الاجتماعية والسياسية، أو يستقر شكل تأثير هذه الحتميات على نسق ثابت غير محسوس. حين أفكر من مدخل سوري وشرق أوسطي، قد أقول إننا نكون ككتاب حسبما نتعذب، حسبما نُذل، حسبما ننتهك، وحسبما نقاوم التعذيب والإذلال والانتهاكات. الكتابة في مثل عالمنا منهج مقاومة، وفي ما يخصني هي كذلك منهج علاج، تتيح لي تفريغ التوتر وتوفر لي مساحة من حرية. لكنها في كل حال متلونة تكوينياً بتجارب قاسية.
قول بلانشو يذكّر بما يقوله مواطنه جاك دريدا من ألا شيء خارج النص، والجذر الأبعد ربما عند نيتشه الذي كان يرى أنه ليست هناك حقائق، بل فقط تأويلات. بلى، خارج النص ثمة القتل والمذبحة والعذاب، والتجويع، والإبادة والغياب، والأجساد المنتهكة بعامة. نيتشه نفسه قبل بحقيقة سابقة للتأويل: القوة، فلا تكون إرادة الحقيقة غير إرادة للقوة. لكن ألا يكون انعدام القوة، الانكشاف والضروب المختلفة من نزع الإنسانية، حقائق مثل القوة ذاتها، لا تذوب في أي تأويل؟
على أني أقبل أن ما ننتج من كتابة ليس بلا أثر علينا، ليس عاطلاً عن تشكيلنا بصورة ما، أو تكويننا حسبما تكون كتابتنا بحسب بلانشو. أفكارنا تفكر بنا، تشكلنا في صورة منتجي أنواع محددة من الأفكار. تُقيِّدنا. حين نقيد أفكارنا على الورق أو على الشاشات، فإن ما نقيده يقيدنا، يحددنا ويعرفنا، يصير هوية لنا. نبدأ بالإبداع وننتهي بالهوية، وهي تطابقنا مع أنفسنا وتحكم بتبعيتنا لها.
فإن كان لي أن أوضح الفكرة بمثال شخصي، فقد كانت فكرتي عن الكاتب في سنوات السجن هي أنه من يؤلف كتباً، وهو ما أردت أن أفعله يوماً. لكن مقتضيات المعيشة دفعتني إلى كتابة المقالات، بضع مقالات كل شهر. عبر سنوات من كتابة المقالات وبالتدريج، صارت أشياء العالم تنتظم أمام ذهني من حيث صلاحيتها لأن تُكتب في مقالات، صار تقطيع العالم يستجيب لتوجهي إلى كتابة مقالات، وتشكلتُ أنا عبر ذلك ككاتب مقالات. ما أنتجتُه شكلني في صورة محددة، وصار هوية لي ككاتب. يحدث أن أتمرد على هذه الهوية، أحاول الانفلات منها وتأليف أبحاث وكتب، لكن الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو. وترى هكذا أن أفعالك الأثيرة والأكثر حرية، الكتابة، تصير أشبه بشرنقة حولك، ليس مضموناً أن تستطيع الخروج منها.
فإذا وضعت في البال أنك خلال السنوات تطور أسلوباً ولغة وطابعاً كتابياً مميزاً، ليستطيع الخبراء تمييز ما تكتب وإن لم يكن اسمك عليه، فإننا هنا أيضاً حيال شيء يقيدك، وقد تمضي عمرك من دون أن تستطيع التنويع عليه أو تعديله، دع عنك التحرر منه بالكامل. وتعرف أن بعض الكتاب يكتبون الكتاب نفسه مرة تلو الأخرى، أعني أنهم لا يستطيعون تأليف شيء مختلف من حيث اللغة والأسلوب والإحساس الكتابي. وبصراحة، أرجو ألا يكون هذا هو حالي.
القدر السوري هو الجغرافيا والتاريخ السوريّان. لم يُؤخذ برأي أحد حينما تكونت سوريا بحدودها الراهنة. سواء الحدود الخارجية أو الداخلية للمناطق والمحافظات. أقصد أن الهياكل صُممت من دون النظر إلى من يحيا داخلها. لقد تفجّر الداخل ولا يزال قيد التفجّر باحثاً عن هيكل يشبهه ويرضيه ويحسّسه بالأمان والانتماء. ما هي الخيارات الممكنة و المتوخاة، وهل يعاد صنع الحدود السورية خارجاً وداخلاً من دون إرادة من يحيا داخلها.
سوريا بلد مجزأ، لا يتماسك من تلقاء نفسه. هناك تحدٍّ قاس مطروح على السوريين اليوم، تحدي اختراع سوريا من جديد، بعد أكثر من ستين عاماً بعثية، وأكثر من نصف قرن أسدي. ولا أرى إلا أننا نتصرف بطيش مؤلم حيال هذا التحدّي. ويأخذ إخفاقنا واحداً من شكلين: أما الإصرار على ما كان كأنما لم تحدث ثورة في البلد، أو كأن الغاية الوحيدة استبدال مسيطرين بمسيطرين، التحول من أسدية بأسد إلى أسدية بلا أسد؛ أو التعجل في فرط سوريا وتقسيمها من دون تفكير في البدائل، ومن دون احترام لتاريخ يتجاوز قرناً. أخشى أننا بهذا الخيار الأخير نفرّط بالرأسمال طمعاً بربح غير مضمون.
وشكلا الإخفاق هذان مترابطان، فالمزيد من الأول يعني المزيد من الثاني. المزيد من الإصرار على تصور مركزي فوقي لسوريا، متمركز اليوم سنياً، يسير يداً بيد مع المزيد من التبعثر والانفراط والميول النابذة. سوريا التي يتعين اختراعها هي بلد متمركز حول السوريين المتعددين الأحرار، أي هي سوريا تعددية حرة، لا يقتل الناس فيها بعضهم. تفضيلي كما قلت سابقاً هو سوريا موحدة، لكن الوحدة السورية ليست فيتشاً أو صنماً يُعبد، المهم هو حرية الأفراد والجماعات وكرامتهم. المهم أيضاً إرادة الأحياء، وليس الحدود المفروضة عليهم مثلما تقول أنت بحق. فإذا كان ثمن الوحدة هو أن نقتل بعضنا، أو حتى أن نعيش معاً متكارهين ومحتقرين بعضنا، فالطلاق أفضل. يلزم فقط ألا يُنقل القتل والكراهية إلى النطاقات الجديدة، أو أن يختزل الفرق إلى أن نقتلهم ونذلهم نحن، وليس أن يقتلونا ويذلونا هم.
ويتصل بتفضيل وحدة سوريا قائمة على التعددية والحرية، الاستمرار في النضال من أجل بلد يعيش ويعاش فيه. أعتقد أن المسارعة إلى الدفع نحو التقسيم تضعف فرص ظهور ائتلاف واسع من القوى التي لها مصلحة في سوريا جديدة، تعددية وحرة. القوى موجودة، لكنها تترك نفسها تستتبع لجهات خارجية بما فيها إسرائيل، أو لدعوات طائفية عاتية لا يبدو لي أنه يمكن أن يقوم عليها شيء طيب.
كُتب الكثير عن سوريا والسوريين. بعد مارس/ آذار 2011، بدأ السوريون أنفسهم بالكتابة عن بلدهم. لدينا روايات وأفلام، أبحاث وأغان، قصص وشهادات، وثائق ومنصات إعلامية. هناك الكثير. إلى أي مدى يملك هذا الكثير زمام نفسه، ما النوعية التي تضمنها هذا الكم الهائل. وهل جديدنا الكتابي الإبداعي والفكري يوازي هول ما عشناه ونعيشه. هل من سمات تجعله لا يمثل الحالة الحقيقية فحسب، بل يرفعها إلى مدى أبعد ويخرجها من طور التقليد الى لغة جديدة بالفعل.
بدأت الكتابة عن سوريا في أيام “ربيع دمشق”، واتسعت مجالاتها بعد الثورة. هناك منطق في ذلك: ربيع دمشق والثورة السورية جُهدان اعتراضيّان من أجل التمثيل، ومنه التمثيل المعرفي والجمالي لحياتنا وتجاربنا وصراعاتنا. وأظن أن تمثيلاتنا هذه “مالكة لزمام نفسها” بقدر معقول، من حيث أنها مساع لبناء معانٍ للتجارب المعاشة من دون استئذان سلطة مرجعية ناجزة مسبقة. فهي مستقلة بهذا المعنى، تقرر مصيرها بنفسها. لكن هل توازي هول ما عشنا ونعيش؟ لا أرى ذلك.
تحدّتنا تجارب سنوات ما بعد الثورة تحدياً قاسياً جداًً، تحدّت عتادنا الكتابي وعاداتنا الكتابية. لقد كانت تجارب قصوى لا تقبل التمثيل، فلا نتقدم خطوة في تمثيلها من دون ثورة في التمثيل. ولا فرصة للنجاح في رأيي من دون تكوين فكر نظري وفلسفي أكثر جدية من كل ما هو متاح. المتاح هو كتابة غير قلقة غالباً، غير مفهومية إلا نادراً، قليلة التفاعل مع المتاح العالمي إلا على نحو مشتت، وفي الغالب الأعم من دون عمق روحي وبعد خيالي.
قبل أعوام، اشتغلت على مفهوم التمثيل (الكلوم والكلمات: في تمثيل الأزمات وأزمة التمثيل)، وبدا لي أنه نتاج فاعليتين مختلفتين: تحويل التجارب إلى أفكار، أو التعبير؛ ثم فاعلية إعطاء شكل لتعبيرنا، وهو ما يحيل إلى التراث (المشاع الفكري والأدبي والفني العالمي) مفهوماً كمصدر للأشكال، وهذا هو التشكيل. التعبير من دون تشكيل هو شكل من المباشرة والمعاني الخام، والتشكيل من دون تعبير يسقط في الشكلية التي قد تأخذ شكل الامتثال لسلطات مرجعية جاهزة، لا تحتاج الى تجاربنا في شيء، ولا أحد ينتفع منها بشيء. ما الذي نضيفه إلى العالم وآدابه وفكره وفنونه إذا ثابرنا على إحالات لا تنتهي لسلطات مرجعية جاهزة؟ ليس هذا ما ينتظره غيرنا منا، ولا ينبغي أن يكون ما ننتظره من أنفسنا. التمثيل هو التعبير والتشكيل، هو محصلة تجارب أغنى وتفاعل أوسع مع التراث.
اللغة الجديدة هي اللغة المفكرة، التي تجمع بين المعنى والشكل، وفي الوقت نفسها تفكر في نفسها بينما تفكر في الموضوع، وهو ما لا يحدث كثيراً. هناك كلام عن اللغة الجديدة يبدو لي أحياناً شكلياً جداً، منه في ثمانينات القرن الماضي، كتابة الرواية والقصة بلغة شعرية، وهذا خائب في رأيي.
لنعد معاً الى ثمانينات القرن الماضي، إذ أشرت إلى لغة جديدة في سوريا، على مستوى الإبداع الشعري والروائي، مثالاً لا حصراً، لكنها بقيت جديدة على مستوى الشكل فقط. هل مرد ذلك أن الكتابة حينها اختلطت بمباشرة دعوية وخطابية، وإن كان محتواها تقدمياً، ظلت لابدة وباهتة. وعلى هذا ألم تكن تلك اللغة بمكان ما انعكاساً لفكر سياسي واجتماعي ضيق الأفق ورومانسي انفعالي؟ أليس المرد إلى نوع من ناطقية باسم العموم في حين أن صوتها الفردي يتحول الى نوع من وظيفة أدبية أكثر من كونه إبداعاً أدبياً ينهض على فكر صلب وفلسفة فيها من التأمل ما فيها من الرصانة والتفرد.
كان تعليقي على دلالة عبارة اللغة الجديدة أنني لا أجد فيها جدة، أو هي مجرد جدة شكلية، مثل كتابة الروايات والقصص بلغة شعرية، وقد راجت قبل عقود. ويخيل لي أنها كانت شكلاً من الخروج على المباشرة التي أفهمها كفقر في الشكل، أو ما يقارب انعدام الشكل واختزال الأدب إلى وظيفته الاجتماعية والسياسية التغييرية. المباشرة ازدهرت في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، أي قبل “موضة” اللغة الشعرية التي تبدو لي اهتماماً بالشكل، لكنه اهتمام زخرفي وغير موفّق في تقديري. الزخرفة هي الشكل المحض، المنفصل عن الحياة وعن مادة الفن أو الأدب الحية. واللغة الشعرية في الرواية هي ضرب من الزخرفة اللغوية المقحمة من الخارج على حياة الرواية أو القصة.
وأرى أنك محق في إحالة ذلك على “ناطقية باسم العموم”، ميزت الأدب السوري، اليساري والقومي العربي بخاصة، في النصف الأخير من القرن الماضي. ومردها في تصوري هو تبعية الأدب للسياسة، أو زجه في معارك التقدم والتحرير المفترضة. تذكر أن ذلك كان زمن الجدال حول الأدب الملتزم، وأفكار الفن للفن أو الفن في خدمة الثورة والتقدم. وقد نكون في حاجة إلى استعادة هذا النقاش في الزمن السياسي السوري الجديد، الذي يبدو زمن شعر عمودي وفصاحة كلمات (لا فصاحة تفكير) وشكل جديد من الرقابة على الأدب والفن. هل نحن في وضع أنسب لذلك؟
عليّ أن أعترف بأن إحاطتي بالأدب السوري الأحدث متواضعة، وكانت كذلك لكتابة الجيل الأكبر. لذلك، قد أكون متجرئاً وقحاً إن قلت إني أجد أدبنا غير مفكر ومفتقراً إلى الروح، ضعيف الشخصية بالتالي. ليس لدينا ما يقارب ولو من بعيد دستويفسكي أو تولستوي، أو توماس مان، أو نجيب محفوظ. وهذا مع ضمور في الحس السوسيولوجي في الأدب السوري والثقافة السورية عموماً، خلافاً لما هو الحال في الأدب المصري والثقافة المصرية، حيث يبدو القوم سوسيولوجيين بالولادة. نحن السوريين، ولا أضع نفسي خارج هذه النحن، أيديولوجيون نفكر من فوق لا من تحت، وعلى رغم تجاربنا المفرطة القسوة خلال جيلين، لا يبدو أننا عرفنا أن نفكر تفكيراً قاسياً، جذرياً. ليس أن ثقافتنا قليلة العقلانية فقط، أراها أشد افتقاراً إلى الجنون، إلى الخيال الأقصى والأقسى، إلى الحرية الجذرية. أرجو أن يكون الحال في سبيله إلى التغير اليوم، لكن أنت أعرف. قل لي يا علي: هل يبدو الحال في سبيله إلى التغيّر؟
من اللافت والغريب أن مفكراً بمقام ڤالتر بنيامين رُفضت رسالته حول المسرح الألماني لأسباب أكاديمية، كما أنه عانى من التضييق وصعوبة النشر أثناء هروبه ومنفاه في فرنسا. ومع احتلال النازيين ووصولهم الى باريس، فر بنيامين إلى الحدود الإسبانية، وهناك كانت نهاية رحلة المنفى بالموت منتحراً.
أوردت هذا المثال فقط للقول إن رحابة كتابات بنيامين وكثافتها العميقة، التي لا تزال تلقى الأصداء إلى اليوم، عانت من التضييق حد انعدام الفرص واليأس.
اليوم زالت فكرة التضييق أو المنع بالمعنى القديم، لكننا أمام حالة أخرى تتلخص بكون المكتوب أوسع من المقروء. إن قابلية القراءة والنشر أصبحت تضيق بسبب طغيان من نوع آخر، ربما هو النمط الاستهلاكي أو الاستسلامي للوقائع والأحداث. تبدو القيمة الحدثية والإعلامية أسبق وأهم من القيمة الكتابية.
أخمن أن هناك انحداراً في نوعية القراءة لا حتماً في مقدارها. قراءة الكتب تقل، تحل محلها المقالات؛ وقراءة المقالات تقل، تحل محلها بوستات الفيسبوك أو التغريدات على منصة إكس أو تعليقات قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. ومثلما في مجال المال والعملات، حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من التداول، “تفوش” الكتابات والتعليقات الأكثر إثارة أو “سكسية”، وليس الأكثر تروياً.
وما يشغل البال في الأمر أن عالم الكتاب هو عالم الديمقراطية. هذا بينما تعمم تلك المواقع ما أسميه الشفاهة المكتوبة، أي كتابة منفعلة، ابنة لحظتها، مفتقرة إلى التروي و”العقل”. والعقل مثل الديمقراطية أوثق صلة بالكتاب وبضروب النقاش العقلانية المتروية، المتحكمة بالانفعالات. نحن أشخاص منفعلون، على نحو يعكس وضعنا التاريخي المنفعل وغير الفاعل، كتابتنا منفعلة مثلنا، ومواقع التواصل الاجتماعي تفاقم هذا الاستعداد. لكن ليس الأمر قدرياً، ويمكننا مقاومته، وهذا ما أحاوله. العمل من أجل الديمقراطية ينبغي أن يكون دفاعاً عن الكتب، وعن التفكير المتروي. وخير دفاع عن الكتب هو تأليف بعضها، وأفضل دفاع عن التفكير المتروي هو ممارسته.
ويبدو لي أنه في كل مكان تضعف المداولات العقلانية بين الناس، هذا يحدث في أميركا وفي تركيا وفي الهند وفي كل مكان، وله مفعول مدمر على الديمقراطية والحياة السياسية. وهو في عوالم لم تتصف أوضاعها العامة بكثير من العقلانية مثلما لدينا أكثر تدميراً. يجب إيجاد حلول لهذه المشكلة التي تفاقم استعداداً مضاداً للمثقفين، والفكر anti-intellectualism يبدو اليوم قوياً جداً في المجتمع السوري. وأقدر أنه يتشكل من مساحة تقاطع بين عبادة الفعل والقوة، وبين نزعات اجتماعية ودينية محافظة، وبين معاداة طبقية لنمط حياة الطبقة الوسطى المتعلمة العلمانية. هنا أيضاً، تعمم وسائل التواصل الاجتماعي هذا الاستعداد الظلامي وترسّخه.
لكن إذا كان السؤال عن فرص النشر، فربما لا يكون العائق في مجال النشر بالعربية سوء الحكم على ما يكتب (وإن كان هذا محتملاً في كل حال)، بل تراجع عدد دور النشر المستقلة ومقدراتها لمصلحة كارتلات نشر وإعلام ومعلومات بميزانيات كبيرة، وتعتمد معايير سياسية وإيديولوجية وشخصية في تقرير من ينشر لهم وماذا ينشر.
قبل أشهر، وجدت نفسي ممنوعاً من النشر عند أي من المنابر الكثيرة التابعة لأحد هذه الكارتلات الغنية، وهو ما ينبغي أن يكون مدهشاً. إذ لماذا تمنع مؤسسة كبيرة كاتباً مستقلاً من النشر؟ أو تضع قائمة سوداء بكتاب ممنوعين، بصرف النظر عما يكتبون؟ هذا يظهر كم أن المؤسسات لا مؤسسات في مجالنا، إقطاعات أو ما يقاربها.
أما الناشرون المستقلون فيجدون صعوبات أكبر في التوزيع والوصول، ويجد كتاب شباب أنفسهم مطالبين بدفع مبالغ للناشرين كي تنشر أعمالهم.
ولا بد من قول شيء عن سياسات النشر في الصحف ودور النشر في المجال العربي. ميلنا المبتئس يجازف بألا يرى شيئاً إيجابياً في تعدد هذا المجال وتنافره: يوفران هوامش مناورة معقولة للكتاب من حيث المضمون ومن حيث فرص النشر، إذ يمكنك قول شيء عن بلدك في بلد آخر لا يمكن لمواطني ذلك البلد قوله في بلدهم. الحمدلله على نعمة “التجزئة العربية”! ومع ذلك، يحدث أن يجد الواحد منا نفسه مراقباً، ملاحقاً أحياناً على كلمة هنا وتعبير هناك واسم علم هنالك. خبرت ذلك مراراً خلال نحو ربع قرن من الكتابة في صحف عربية.
هنا واحدٌ من جذور وجودنا الصغير في عالم اليوم.
إقرأوا أيضاً:











