ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

يا بني لا تُكثر من مجالسة النساء 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الآن وقد أصبحت أكثر وضوحاً في سياستك العتيدة، فما لك ومال العباد تجمعهم، في حضور امرأة واحدة في الصورة، أو في القصر، أو في هذا المعنى المتكرّر من طرد النساء، من كلّ مكان فيه سلطة؟ لمَ دعيت هذه المرأة، إلى هذا الحدث وحيدة في هذا الشكل المريب؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يقف أحمد الشرع مثل الطاووس، كالسلطانِ باسطاً ملكه الذكوري، ريشه من ذكور، وامرأة واحدة تقف إلى يسار صورته، كأنها ريشة أنثوية يتيمة دخيلة.

هذا النصّ الخيالي هو تتمّة لنصّ سابق، في مخاطبة ملك الزمان.

قال أبو عبيدة وحدّثني “تشات جي بي تي” عن غفران بن ربيعة، عن جلسة زووم، لإحدى الناشطات في الفنّ التشكيلي السوري، قال: “ارتأت امرأة أن تعترض في حضرة وزير ثقافتكم السوري في باريس، على تعيين فلان بن فلان (رقم 1)، رئيساً لاتّحاد الفنانين التشكيليين السوريين، في جلستين إحداهما عامّة والأخرى مغلقة، فكاد الشرّ يتفاقم بين أمّ عمر وعبد الملك وبين تلك المرأة، لمّا سمعا بما جرى، لأن ذلك يناقض صلب التغيير في المشرق، فهل يعقل أن يتغيّر حال الثقافة والعباد في سوريا، من أسفل الهرم المؤسّسي، لا من أعلاه، وقبل محاكمة الأسد، ومن تبعه في إجرامه؟”. 

ولكم تمنّينا أن نخاطب في هذا النصّ وزير ثقافتكم، فلان بن فلان (رقم 2)، في تخمين منّا أنه ربما يكون مرآتكم الثقافية، لكن، وقد وردنا ما وردنا عنه من أخبار، منها أنه يخلط الأمور إن رأى جمعاً من الناس أمام المتحف الوطني في دمشق، فيمرّ من أمام عزيزنا فاروق مردم بيك، غير دارٍ مَن هو، أيّ أسف! فعدلنا، ثم قلنا: “ولكنّها كلّها أخبار من دون سند في الكلام، كما هو حال الخبر الأوّل، الأكيد المؤكّد، في أن وزير ثقافتكم يجتمع في جلسات عامّة ومغلقة، مع المثقّفين السوريين في باريس، من أجل تطوير وضع الثقافة السورية”. 

تصل هذه الأخبار المتواترة من دمشق إلى باريس، على ظهر الطائرات الحديثة، التي تتوقّف رحلاتها المدنية الآن في الشرق الأوسط سياسياً، قبل أن يكون اجتماعياً وحضرياً، معلنة مرحلة من الخوف وانعدام الأمان. 

كلّ هذا، ونحن في عجز تامّ أمام الأخبار العالمية الكثيفة الآتية بعد بدء الحرب بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران، غير قادرين على الكلام، أو حتى على تتبّع خيط منطقي للمعنى، فإذ بنا ننظر فنقع على صورتك، عزيزي رئيس المرحلة الانتقالية، وأنت تقابل في قصر الشرع، عذراً “أقصد الشعب”، عدداً من ناشطي المجتمع المدني السوري، نحو خمسين رجلاً وامرأة واحدة واقفة في يسار الصورة (اليمين الذي تقف فيه واقعياً)، أيّ لوحة تشكيلية هذه لسوريا، أيّ عجب؟! تتداخل وجوه الرجال، كما لو أنهم شيء واحد، أمام هذه المرأة الواقفة، كي تجابه العنف الرمزي، في كثافة تواجد كلّ هؤلاء الرجال حولها، ومعها تجابه كلّ النساء السوريات اليوم، واقعاً مأساوياً، في إلغاء حضورهن، في تغييبهن، وفي سرقة وجودهن، وفي اختطافهن المعنوي والجسدي. 

يزيد من حسرتنا فيديو آخر، منشور أيضاً في الشهر الحالي آذار/ مارس في العام 2026، من قِبل “كابتن إيلا”، أو إيلا واوية المولودة في مدينة قلنسوة في فلسطين المحتلّة، الضابطة الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي، توجّه الكابتن في الفيديو حديثها إلى صبايا لبنان، حول جمالهن، حول ضحكاتهن، حول طريقتهن في المشي على كورنيش بيروت، حول “حزب الله” وعبثه بمصير لبنان (في الوقت ذاته الذي تقصف فيه إسرائيل لبنان الآن)، قائلة: “إن حزب الله خطف جمال لبنان”… نعم، خطف “حزب الله” جمال لبنان، وخطفت إسرائيل جمال الشرق الأوسط، وخطفت “داعش” جمال العالم كلّه. أيّ تناقض هذا؟ أيّ خوف من عدم التناقض، كي لا ينكشف كذبكم؟! يستعيذ منكم شيطان الإنس والجان.

لنعود الآن إلى الشأن السوري…

يقف أحمد الشرع مثل الطاووس، كالسلطان باسطاً ملكه الذكوري، ريشه من ذكور، وامرأة واحدة تقف إلى يسار صورته، كأنها ريشة أنثوية يتيمة دخيلة. يقف الطاووس مختالاً بما ملك من خير وشرّ، بما سيحكم به من خير وشرّ، ويعتقد الريش الجميل أن كونه ريشاً يجعله في سماء ظليلة، وفائدة جليلة، وأدب، وفضيلة.  الريش يظنّ أنه في مرتبة الحاكم، أما الحاكم، فله أسبابه وأساليبه في مخاطبة العباد كلّ يوم، مِن أمام باب القصر، في جعلهم يشكّون في أنفسهم: “هل شكرنا الله جيداً، أم قصرنا، فأصابنا ما أصابنا من بلاء؟”.

أَحقّاً عزيزي الشرع؟! تقف مع نحو خمسين رجلاً وامرأة واحدة في أقصى اليمين؟ بماذا تذكّر صورتك هذه؟ تذكّر بشيئين: أوّلهما، الجملة التي قالها وزير خارجيتكم فلان بن فلان (رقم 3)، حول أن الشعب السوري مختطف: “فإذا حرّرت مختطفاً من خاطفه، لا يمكن أن يسألك بعد ذلك: إلى أين ستأخذني؟”، ثانيهما، هو تذكير هذه الصورةِ بارتداد الزمن، لا أموياً، ولا عبّاسياً، بل زمناً مدروساً بعناية فائقة سياسياً، إلى زمن من النظرية والتطبيق في الحكم، فلا بدّ أن وزيرك قد قرأ على مسمعك، مقاماته السياسية الخاصّة، الآتية من مرآة الخارجية السورية.

الآن وقد أصبحت أكثر وضوحاً في سياستك العتيدة، فما لك ومال العباد تجمعهم، في حضور امرأة واحدة في الصورة، أو في القصر، أو في هذا المعنى المتكرّر من طرد النساء، من كلّ مكان فيه سلطة؟ لمَ دعيت هذه المرأة، إلى هذا الحدث وحيدة في هذا الشكل المريب؟ 

من المؤكّد أنك لا تسعى وراء حكمتها، وهي في هذا الضعف البصري الشاسع، صوتها مخنوق في صورة مختنقة بالرجال، ولعلّ مرآتك السياسية في هذا الفعل، تأخذ لتفسّر في أكثر الأعمال الأدبية تخوّفاً من المرأة في التراث السياسي الإسلامي، أو ما يُعرف باسم “أدب مرايا الأمراء” (Miroirs des princes)، وفيه ظهرت المرأة العربية في بعض الأحيان، في صورة من التقييم التربوي ومن الدهاء، في شكل يخيف الحاكم، لكن ربما لا يُخشى عليها من الحاكم؛ وإن لم نعد مع أمّنا دمشق… بعيداً زمنياً، إلى ما قبل العصر العبّاسي والأموي، فلنعد إلى عهد الدولة الزيانية وكتاب “واسطة السلوك في سياسة الملوك” للسلطان أبو حمو موسى الزياني (توفي سنة 791هـ/ 1389م)، أحد ملوك دولة بني زيان في تلمسان، موجّهاً فحواه إلى ابنه ووليّ عهده أبي تاشفين الأوّل، يقول الزياني في كتابه هذا: “فلا تطاوع امرأة ولو كانت مثل خاتون، هذه التي سما في الحكمة قدرها، أو مثل الزباء التي اشتهر في الدهاء أمرها، وسيأتي في كتابنا هذا ذكرها”. 

إذاً، المرأة قادرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى تقديم النصح السديد، حتى أنها تتولّى أحياناً منصب الملك، يا ملك الزمان.  

ولنفهمك ربما علينا أن نفهم عصرك، ولنفهم عصرك ربما علينا أن نفهم وزيرك، وحاشيتك من الرجال والنساء أحياناً؛ أما كان هذا التناقض الذكوري ملموساً في فكر الزياني نفسه، إذ يشدّد في النصح: “يا بني لا تكثر من مجالسة النساء لئلا يُفسدن عقلك بعقولهن، ويسرق طبعك من طباعهن، فإنهن ناقصات عقل ودين، وإن أشرن عليك بأمر فخالفهن فيه لأن عقول النساء غير موافقة لعقول الرجال، فإنك إن أحسنت إليهن قابلن الإحسان بالإساءة، ومن ضعف عقولهن ألا يفرّقن بين المحسن والمسيء، فاحذر مطاوعتهن، ولو كان فيهن مثل أخت ملك الخزر”، من المرجع ذاته. 

وحتى تُصاب بملل السلاطين يا عزيزي الشرع، سنعود إلى شخصيتين أمثولتين مؤنّثتين كنموذج للحاكم، وكنموذج مضادّ له. نماذج نسوية إيجابية تحسن التدبير، وتريد تغيير هياكل نقاباتك ومؤسّساتك، وتحسين نهج خطابكم مع شعبكم، وتحصين مناهجكم التربوية الأكاديمية، ونماذج نسوية مضادّة “مُعفرتة، مُشيطنة”، تُروى قصصهن للتحذير، أي لإظهار صفات فيهن قد تؤدّي إلى سوء الحكم أو الخداع السياسي، كما في حكاية الزباء (زنوبيا) كحكاية تراجيدية طبعاً، لكنّها تقدّم مثالاً في أجزاء منها على الدهاء السياسي. نموذجان، في كلّ حال من الأحوال، يستوجبان الحذر وفق مرآتكم السياسية، ومرآة أبو حمو الزياني.  

الزياني كان يقصد أخت ملك الخزر التي كانت تسمى خاتون، وفي عصرها، أصابت العباد سنة مجاعة شديدة، ففزع الناس إلى الملك، فلم يدرِ ما يجيبهم به، فخاطبته خاتون موصية إياه بالحزم، قائلة حوله: “وهو دليل الملك على استصلاح رعيّته، وزاجر له عن استفسادها، ولقد لجأت إليك رعيّتك بفضل العجز”، ثم أقنعته أن يأمرهم بتبديل الشكوى بالدعاء بمحض الشكر له: “ما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصي ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي، ولم تزل في نعمة لم تغيّرها نقمة”، فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بما قالت له من كلام، ففعلت ذلك بدلاً عنه، فرجع القوم عن بابه! 

حسناً، لقد أقنعتهم أن ما يجري معهم، ربما كان عقاباً لهم على قلّة شكرهم، فلما مرّ عليهم الوقت، بعدما ابتعدوا عن باب الملك، تواترت عليهم الخيرات، مع علّة نسيان الأسباب، وتتابع الشهور والأيام، فاعترف الملك بفضل خاتون. 

لا بدّ أن هذا النموذج النسوي الإيجابي، الذي يوصي الجموع بالرجوع إلى نفسها، من أجل البحث في العلّة والمصائب، هو النموذج المحمود في بلاطكم، عزيزي الشرع… يا سلطان سوريا الأوحد، أليس كذلك؟ 

وحسب نظرية أبو حمو الزياني في ذلك العصر، لا يترك الحاكم النساء يؤثّرن في قرارات الحكم، ولو كنّ مشهورات بالحكمة مثل خاتون، أو معروفات بالدهاء مثل الزباء. 

أما عن الزباء… يا أعزائي، فقد كانت كما يصفها الزياني، عريسة اللسان، حسنة البيان، شديدة السلطان، كبيرة الهمّة، ولم يكن في نساء عصرها أجمل منها كما قال ابن الكلبي، وكلّ قصّتها بدأت بعد مقتل أبيها عمرو بن الظرب، إذ حدث الملك جذيمة الأبرش نفسه برغبته في الزواج منها، وهي أوهمته في قبولها الأمر، فأوقعته، انتقاماً لمقتل أبيها.

يقول الزياني: “وعرفت مراده، قالت أنعم بك عيناً، وبما جئت به وله وأظهرت السرور والرغبة فيه، وأكرمت مقدمه، ورفعت موضعه”، فيما كان لجذيمة ابن عمّ يقال له قصير بن سعد، وهو الوزير العاقل اللبيب، والمستشار الحكيم لجذيمة ملك الحيرة وما حولها من السواد، ثم لاحقاً كان قصير مستشاراً لعمرو بن عدي (ابن أخت جذيمة)، وهو البطل الحقيقي من وجهة النظر السياسية في كتاب “واسطة السلوك في سياسة الملوك”، إذ قُدّم كنموذج لـ “الوزير الصدوق”. 

أيها السلطان، لا تنعسْ، فالزباء كنموذج نسوي مضادّ للحاكم، لن يعجب أبو حمو الزياني ولا أيّ حاكم عداه، ولن يعجبك حكماً، عزيزي السلطان، عزيزي الوزير، عزيز القابع في ريش السلطان، يقول الزياني: “واستخلف على مملكته ابن أخيه عمر بن عدي اللخمي، وهو أوّل ملوك الحيرة من لخم، وكان ملكه عشرين مائة سنة، وهو الذي اختطفته الجنّ وهو صبي”، وهكذا قُتل جذيمة الذي كان يعتقد أن الرأي مع الجماعة، وسال دمه أمام مرأى الزباء، فلما مات قالت: “والله ما أوفى دمك ولا أشفى قتلك، ولكنّه غيض من فيض ثم أمرت به فدفن”. 

الزباء الذكية في التآمر، وفي الحكمِ والسياسة، خُدِعتْ من قصير ابنِ عمّ جذيمة، وخازنه وصاحب رأيه؛ لأنها بعطفها عليه (وقد جاءها كاذباً مستجيراً، بعد أن جدع أنفه بنفسه مكراً، مدّعياً أن عمرو بن عدي نفاه) أدخلت السمّ في سراديب حكمها، وفي نموذجها المضادّ، المقاوم والرافض للظلم، وفي عرشها الذي لم تهزّه مقتلة أبيها. 

تقول زنوبيا، المقاومة العظيمة: “ما الذي جاء بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم يقطر؟ فقال: “يا ابنة الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي مثلك في مثله، ولقد كان دم الملك يطلبه حتى أدركه، وقد جئتك مستجيراً من عمرو بن عدي، فإنه اتّهمني بخاله وبمشورتي عليه بالمسير إليك، فجدع أنفي وأخذ مالي، وحال بيني وبين عيالي، وتهدّدني بالقتل، وإني خشيت على نفسي، فهربت منه إليك، وأنا مستجير إليك، ومستند إلى كنفك وعزّك” فقالت: أهلاً وسهلاً بك”. 

أهلاً وسهلاً بكم… في الفخاخ السورية!

إذاً، هذا الوزير الناصح لسلطانه، بقي على ولائه حتى بعد مقتل السلطان، وبقيت الزباء في عرشها رهينة عاطفتها التي جعلتها تصدّق قصير حينما أتاها، منفيّاً من بلاده، ضعيفاً في ملمح وجهه المتأرجح مثل ريشة، ريشة متهالكة مجدوعة، في عرش الطاووس. لم تغلق الزباء الأبواب، كما يرد في كتاب أبو حمو الزياني، أنه حينما اقتربت الجيوش من مدينتها، قالت الزباء للواشي: “إن قصيراً اليوم منا، وهو ريب هذه النعمة وصنيعها، وقد تغذّى بلبن هذه الدولة، وهو اليوم شمسها وفريدها، وإنما يبعثكم على ذلك الحسد، وأن ليس فيكم مثله”، فقدح ما رأت من كثرة الإبل، وعظم أعمالها في نفسها، مع ما عندها، من قول الواشي به إليها، فقالت: “أرى الجمال مشيها رويداً/ أجندلاً يحملن أم حديداً

أم صرفانا بارداً شديداً/ أم جثماً قعوداً”، ثم أقبلت على جواريها، وقالت إن “الموت الأحمر في الغراير السود”. 

ظلّت الزباء الثابتة في الدهاء، مصدّقة صفاء ذهنها، إلى أن اقتربت منها الجنود مخفيّة في صناديق الإبل، وهي التي ظنّت أن حذرها وحكمتها، في واقعة واحدة، سيؤجلان أمامها معاركها العديدة القادمة، معاركها مع من يريد استلاب أرضها، وملكها، وتراجعها عن نفسها، لتمكث في نفس قصير، إلى أن نهب حكمتها وعقلها، فوجدت خاتماً في يدها، ذاك الخاتم الذي تحت جزء منه سُّمّ، فقالت: “بيدي، لا بيد عمرو”، فأرسلت الجملة مثلاً في زمنها، ومثلاً في زمننا، في أن فقدان الحذر، والتحوّل إلى ريش في أطراف حاشية السلطان، لا يقود إلى مصير جيّد. 

فيما يعتبر الزياني، ومن اتّبعه في وصاياه إلى السلاطين، ما جرى مع الزباء حكاية تدبير سياسي، حكاية عن وزير لبيب، وليست حكاية عن الزباء: “فهذا يا بني كان وزيراً محبّاً في سلطانه، ناصحاً له في جميع شأنه، راعياً لحقّه وذممه، آخذاً بثأره ودمه، وكالوزير المقطوع اليدين يروى أن ملكاً من الملوك المتقدّمين كان له وزير ناصح، وخديم صالح، رضي بهلاك نفسه في حياة سلطانه”. 

إذاّ يا عزيزي الطاووس، إذاً السلطان هو السلطان، مع كلّ حاشيته من الذكور، ريشه فوق الريش… ريش الطاووس، يتبختر معه في الزمان والمكان، لا تضرّه ريشة مؤنّثة، ولا يمنعه تاريخ سوريا، من أن يجول في أركان القصر والملك، ولن يستذكر ذاك السلطان من قصّة الزباء السورية، البارحة واليوم، سوى حكاية ذاك الوزير الماكر قصير بن سعد، أو فلان بن فلان. 

14.03.2026
زمن القراءة: 9 minutes

الآن وقد أصبحت أكثر وضوحاً في سياستك العتيدة، فما لك ومال العباد تجمعهم، في حضور امرأة واحدة في الصورة، أو في القصر، أو في هذا المعنى المتكرّر من طرد النساء، من كلّ مكان فيه سلطة؟ لمَ دعيت هذه المرأة، إلى هذا الحدث وحيدة في هذا الشكل المريب؟

يقف أحمد الشرع مثل الطاووس، كالسلطانِ باسطاً ملكه الذكوري، ريشه من ذكور، وامرأة واحدة تقف إلى يسار صورته، كأنها ريشة أنثوية يتيمة دخيلة.

هذا النصّ الخيالي هو تتمّة لنصّ سابق، في مخاطبة ملك الزمان.

قال أبو عبيدة وحدّثني “تشات جي بي تي” عن غفران بن ربيعة، عن جلسة زووم، لإحدى الناشطات في الفنّ التشكيلي السوري، قال: “ارتأت امرأة أن تعترض في حضرة وزير ثقافتكم السوري في باريس، على تعيين فلان بن فلان (رقم 1)، رئيساً لاتّحاد الفنانين التشكيليين السوريين، في جلستين إحداهما عامّة والأخرى مغلقة، فكاد الشرّ يتفاقم بين أمّ عمر وعبد الملك وبين تلك المرأة، لمّا سمعا بما جرى، لأن ذلك يناقض صلب التغيير في المشرق، فهل يعقل أن يتغيّر حال الثقافة والعباد في سوريا، من أسفل الهرم المؤسّسي، لا من أعلاه، وقبل محاكمة الأسد، ومن تبعه في إجرامه؟”. 

ولكم تمنّينا أن نخاطب في هذا النصّ وزير ثقافتكم، فلان بن فلان (رقم 2)، في تخمين منّا أنه ربما يكون مرآتكم الثقافية، لكن، وقد وردنا ما وردنا عنه من أخبار، منها أنه يخلط الأمور إن رأى جمعاً من الناس أمام المتحف الوطني في دمشق، فيمرّ من أمام عزيزنا فاروق مردم بيك، غير دارٍ مَن هو، أيّ أسف! فعدلنا، ثم قلنا: “ولكنّها كلّها أخبار من دون سند في الكلام، كما هو حال الخبر الأوّل، الأكيد المؤكّد، في أن وزير ثقافتكم يجتمع في جلسات عامّة ومغلقة، مع المثقّفين السوريين في باريس، من أجل تطوير وضع الثقافة السورية”. 

تصل هذه الأخبار المتواترة من دمشق إلى باريس، على ظهر الطائرات الحديثة، التي تتوقّف رحلاتها المدنية الآن في الشرق الأوسط سياسياً، قبل أن يكون اجتماعياً وحضرياً، معلنة مرحلة من الخوف وانعدام الأمان. 

كلّ هذا، ونحن في عجز تامّ أمام الأخبار العالمية الكثيفة الآتية بعد بدء الحرب بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران، غير قادرين على الكلام، أو حتى على تتبّع خيط منطقي للمعنى، فإذ بنا ننظر فنقع على صورتك، عزيزي رئيس المرحلة الانتقالية، وأنت تقابل في قصر الشرع، عذراً “أقصد الشعب”، عدداً من ناشطي المجتمع المدني السوري، نحو خمسين رجلاً وامرأة واحدة واقفة في يسار الصورة (اليمين الذي تقف فيه واقعياً)، أيّ لوحة تشكيلية هذه لسوريا، أيّ عجب؟! تتداخل وجوه الرجال، كما لو أنهم شيء واحد، أمام هذه المرأة الواقفة، كي تجابه العنف الرمزي، في كثافة تواجد كلّ هؤلاء الرجال حولها، ومعها تجابه كلّ النساء السوريات اليوم، واقعاً مأساوياً، في إلغاء حضورهن، في تغييبهن، وفي سرقة وجودهن، وفي اختطافهن المعنوي والجسدي. 

يزيد من حسرتنا فيديو آخر، منشور أيضاً في الشهر الحالي آذار/ مارس في العام 2026، من قِبل “كابتن إيلا”، أو إيلا واوية المولودة في مدينة قلنسوة في فلسطين المحتلّة، الضابطة الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي، توجّه الكابتن في الفيديو حديثها إلى صبايا لبنان، حول جمالهن، حول ضحكاتهن، حول طريقتهن في المشي على كورنيش بيروت، حول “حزب الله” وعبثه بمصير لبنان (في الوقت ذاته الذي تقصف فيه إسرائيل لبنان الآن)، قائلة: “إن حزب الله خطف جمال لبنان”… نعم، خطف “حزب الله” جمال لبنان، وخطفت إسرائيل جمال الشرق الأوسط، وخطفت “داعش” جمال العالم كلّه. أيّ تناقض هذا؟ أيّ خوف من عدم التناقض، كي لا ينكشف كذبكم؟! يستعيذ منكم شيطان الإنس والجان.

لنعود الآن إلى الشأن السوري…

يقف أحمد الشرع مثل الطاووس، كالسلطان باسطاً ملكه الذكوري، ريشه من ذكور، وامرأة واحدة تقف إلى يسار صورته، كأنها ريشة أنثوية يتيمة دخيلة. يقف الطاووس مختالاً بما ملك من خير وشرّ، بما سيحكم به من خير وشرّ، ويعتقد الريش الجميل أن كونه ريشاً يجعله في سماء ظليلة، وفائدة جليلة، وأدب، وفضيلة.  الريش يظنّ أنه في مرتبة الحاكم، أما الحاكم، فله أسبابه وأساليبه في مخاطبة العباد كلّ يوم، مِن أمام باب القصر، في جعلهم يشكّون في أنفسهم: “هل شكرنا الله جيداً، أم قصرنا، فأصابنا ما أصابنا من بلاء؟”.

أَحقّاً عزيزي الشرع؟! تقف مع نحو خمسين رجلاً وامرأة واحدة في أقصى اليمين؟ بماذا تذكّر صورتك هذه؟ تذكّر بشيئين: أوّلهما، الجملة التي قالها وزير خارجيتكم فلان بن فلان (رقم 3)، حول أن الشعب السوري مختطف: “فإذا حرّرت مختطفاً من خاطفه، لا يمكن أن يسألك بعد ذلك: إلى أين ستأخذني؟”، ثانيهما، هو تذكير هذه الصورةِ بارتداد الزمن، لا أموياً، ولا عبّاسياً، بل زمناً مدروساً بعناية فائقة سياسياً، إلى زمن من النظرية والتطبيق في الحكم، فلا بدّ أن وزيرك قد قرأ على مسمعك، مقاماته السياسية الخاصّة، الآتية من مرآة الخارجية السورية.

الآن وقد أصبحت أكثر وضوحاً في سياستك العتيدة، فما لك ومال العباد تجمعهم، في حضور امرأة واحدة في الصورة، أو في القصر، أو في هذا المعنى المتكرّر من طرد النساء، من كلّ مكان فيه سلطة؟ لمَ دعيت هذه المرأة، إلى هذا الحدث وحيدة في هذا الشكل المريب؟ 

من المؤكّد أنك لا تسعى وراء حكمتها، وهي في هذا الضعف البصري الشاسع، صوتها مخنوق في صورة مختنقة بالرجال، ولعلّ مرآتك السياسية في هذا الفعل، تأخذ لتفسّر في أكثر الأعمال الأدبية تخوّفاً من المرأة في التراث السياسي الإسلامي، أو ما يُعرف باسم “أدب مرايا الأمراء” (Miroirs des princes)، وفيه ظهرت المرأة العربية في بعض الأحيان، في صورة من التقييم التربوي ومن الدهاء، في شكل يخيف الحاكم، لكن ربما لا يُخشى عليها من الحاكم؛ وإن لم نعد مع أمّنا دمشق… بعيداً زمنياً، إلى ما قبل العصر العبّاسي والأموي، فلنعد إلى عهد الدولة الزيانية وكتاب “واسطة السلوك في سياسة الملوك” للسلطان أبو حمو موسى الزياني (توفي سنة 791هـ/ 1389م)، أحد ملوك دولة بني زيان في تلمسان، موجّهاً فحواه إلى ابنه ووليّ عهده أبي تاشفين الأوّل، يقول الزياني في كتابه هذا: “فلا تطاوع امرأة ولو كانت مثل خاتون، هذه التي سما في الحكمة قدرها، أو مثل الزباء التي اشتهر في الدهاء أمرها، وسيأتي في كتابنا هذا ذكرها”. 

إذاً، المرأة قادرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى تقديم النصح السديد، حتى أنها تتولّى أحياناً منصب الملك، يا ملك الزمان.  

ولنفهمك ربما علينا أن نفهم عصرك، ولنفهم عصرك ربما علينا أن نفهم وزيرك، وحاشيتك من الرجال والنساء أحياناً؛ أما كان هذا التناقض الذكوري ملموساً في فكر الزياني نفسه، إذ يشدّد في النصح: “يا بني لا تكثر من مجالسة النساء لئلا يُفسدن عقلك بعقولهن، ويسرق طبعك من طباعهن، فإنهن ناقصات عقل ودين، وإن أشرن عليك بأمر فخالفهن فيه لأن عقول النساء غير موافقة لعقول الرجال، فإنك إن أحسنت إليهن قابلن الإحسان بالإساءة، ومن ضعف عقولهن ألا يفرّقن بين المحسن والمسيء، فاحذر مطاوعتهن، ولو كان فيهن مثل أخت ملك الخزر”، من المرجع ذاته. 

وحتى تُصاب بملل السلاطين يا عزيزي الشرع، سنعود إلى شخصيتين أمثولتين مؤنّثتين كنموذج للحاكم، وكنموذج مضادّ له. نماذج نسوية إيجابية تحسن التدبير، وتريد تغيير هياكل نقاباتك ومؤسّساتك، وتحسين نهج خطابكم مع شعبكم، وتحصين مناهجكم التربوية الأكاديمية، ونماذج نسوية مضادّة “مُعفرتة، مُشيطنة”، تُروى قصصهن للتحذير، أي لإظهار صفات فيهن قد تؤدّي إلى سوء الحكم أو الخداع السياسي، كما في حكاية الزباء (زنوبيا) كحكاية تراجيدية طبعاً، لكنّها تقدّم مثالاً في أجزاء منها على الدهاء السياسي. نموذجان، في كلّ حال من الأحوال، يستوجبان الحذر وفق مرآتكم السياسية، ومرآة أبو حمو الزياني.  

الزياني كان يقصد أخت ملك الخزر التي كانت تسمى خاتون، وفي عصرها، أصابت العباد سنة مجاعة شديدة، ففزع الناس إلى الملك، فلم يدرِ ما يجيبهم به، فخاطبته خاتون موصية إياه بالحزم، قائلة حوله: “وهو دليل الملك على استصلاح رعيّته، وزاجر له عن استفسادها، ولقد لجأت إليك رعيّتك بفضل العجز”، ثم أقنعته أن يأمرهم بتبديل الشكوى بالدعاء بمحض الشكر له: “ما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصي ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي، ولم تزل في نعمة لم تغيّرها نقمة”، فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بما قالت له من كلام، ففعلت ذلك بدلاً عنه، فرجع القوم عن بابه! 

حسناً، لقد أقنعتهم أن ما يجري معهم، ربما كان عقاباً لهم على قلّة شكرهم، فلما مرّ عليهم الوقت، بعدما ابتعدوا عن باب الملك، تواترت عليهم الخيرات، مع علّة نسيان الأسباب، وتتابع الشهور والأيام، فاعترف الملك بفضل خاتون. 

لا بدّ أن هذا النموذج النسوي الإيجابي، الذي يوصي الجموع بالرجوع إلى نفسها، من أجل البحث في العلّة والمصائب، هو النموذج المحمود في بلاطكم، عزيزي الشرع… يا سلطان سوريا الأوحد، أليس كذلك؟ 

وحسب نظرية أبو حمو الزياني في ذلك العصر، لا يترك الحاكم النساء يؤثّرن في قرارات الحكم، ولو كنّ مشهورات بالحكمة مثل خاتون، أو معروفات بالدهاء مثل الزباء. 

أما عن الزباء… يا أعزائي، فقد كانت كما يصفها الزياني، عريسة اللسان، حسنة البيان، شديدة السلطان، كبيرة الهمّة، ولم يكن في نساء عصرها أجمل منها كما قال ابن الكلبي، وكلّ قصّتها بدأت بعد مقتل أبيها عمرو بن الظرب، إذ حدث الملك جذيمة الأبرش نفسه برغبته في الزواج منها، وهي أوهمته في قبولها الأمر، فأوقعته، انتقاماً لمقتل أبيها.

يقول الزياني: “وعرفت مراده، قالت أنعم بك عيناً، وبما جئت به وله وأظهرت السرور والرغبة فيه، وأكرمت مقدمه، ورفعت موضعه”، فيما كان لجذيمة ابن عمّ يقال له قصير بن سعد، وهو الوزير العاقل اللبيب، والمستشار الحكيم لجذيمة ملك الحيرة وما حولها من السواد، ثم لاحقاً كان قصير مستشاراً لعمرو بن عدي (ابن أخت جذيمة)، وهو البطل الحقيقي من وجهة النظر السياسية في كتاب “واسطة السلوك في سياسة الملوك”، إذ قُدّم كنموذج لـ “الوزير الصدوق”. 

أيها السلطان، لا تنعسْ، فالزباء كنموذج نسوي مضادّ للحاكم، لن يعجب أبو حمو الزياني ولا أيّ حاكم عداه، ولن يعجبك حكماً، عزيزي السلطان، عزيزي الوزير، عزيز القابع في ريش السلطان، يقول الزياني: “واستخلف على مملكته ابن أخيه عمر بن عدي اللخمي، وهو أوّل ملوك الحيرة من لخم، وكان ملكه عشرين مائة سنة، وهو الذي اختطفته الجنّ وهو صبي”، وهكذا قُتل جذيمة الذي كان يعتقد أن الرأي مع الجماعة، وسال دمه أمام مرأى الزباء، فلما مات قالت: “والله ما أوفى دمك ولا أشفى قتلك، ولكنّه غيض من فيض ثم أمرت به فدفن”. 

الزباء الذكية في التآمر، وفي الحكمِ والسياسة، خُدِعتْ من قصير ابنِ عمّ جذيمة، وخازنه وصاحب رأيه؛ لأنها بعطفها عليه (وقد جاءها كاذباً مستجيراً، بعد أن جدع أنفه بنفسه مكراً، مدّعياً أن عمرو بن عدي نفاه) أدخلت السمّ في سراديب حكمها، وفي نموذجها المضادّ، المقاوم والرافض للظلم، وفي عرشها الذي لم تهزّه مقتلة أبيها. 

تقول زنوبيا، المقاومة العظيمة: “ما الذي جاء بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم يقطر؟ فقال: “يا ابنة الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي مثلك في مثله، ولقد كان دم الملك يطلبه حتى أدركه، وقد جئتك مستجيراً من عمرو بن عدي، فإنه اتّهمني بخاله وبمشورتي عليه بالمسير إليك، فجدع أنفي وأخذ مالي، وحال بيني وبين عيالي، وتهدّدني بالقتل، وإني خشيت على نفسي، فهربت منه إليك، وأنا مستجير إليك، ومستند إلى كنفك وعزّك” فقالت: أهلاً وسهلاً بك”. 

أهلاً وسهلاً بكم… في الفخاخ السورية!

إذاً، هذا الوزير الناصح لسلطانه، بقي على ولائه حتى بعد مقتل السلطان، وبقيت الزباء في عرشها رهينة عاطفتها التي جعلتها تصدّق قصير حينما أتاها، منفيّاً من بلاده، ضعيفاً في ملمح وجهه المتأرجح مثل ريشة، ريشة متهالكة مجدوعة، في عرش الطاووس. لم تغلق الزباء الأبواب، كما يرد في كتاب أبو حمو الزياني، أنه حينما اقتربت الجيوش من مدينتها، قالت الزباء للواشي: “إن قصيراً اليوم منا، وهو ريب هذه النعمة وصنيعها، وقد تغذّى بلبن هذه الدولة، وهو اليوم شمسها وفريدها، وإنما يبعثكم على ذلك الحسد، وأن ليس فيكم مثله”، فقدح ما رأت من كثرة الإبل، وعظم أعمالها في نفسها، مع ما عندها، من قول الواشي به إليها، فقالت: “أرى الجمال مشيها رويداً/ أجندلاً يحملن أم حديداً

أم صرفانا بارداً شديداً/ أم جثماً قعوداً”، ثم أقبلت على جواريها، وقالت إن “الموت الأحمر في الغراير السود”. 

ظلّت الزباء الثابتة في الدهاء، مصدّقة صفاء ذهنها، إلى أن اقتربت منها الجنود مخفيّة في صناديق الإبل، وهي التي ظنّت أن حذرها وحكمتها، في واقعة واحدة، سيؤجلان أمامها معاركها العديدة القادمة، معاركها مع من يريد استلاب أرضها، وملكها، وتراجعها عن نفسها، لتمكث في نفس قصير، إلى أن نهب حكمتها وعقلها، فوجدت خاتماً في يدها، ذاك الخاتم الذي تحت جزء منه سُّمّ، فقالت: “بيدي، لا بيد عمرو”، فأرسلت الجملة مثلاً في زمنها، ومثلاً في زمننا، في أن فقدان الحذر، والتحوّل إلى ريش في أطراف حاشية السلطان، لا يقود إلى مصير جيّد. 

فيما يعتبر الزياني، ومن اتّبعه في وصاياه إلى السلاطين، ما جرى مع الزباء حكاية تدبير سياسي، حكاية عن وزير لبيب، وليست حكاية عن الزباء: “فهذا يا بني كان وزيراً محبّاً في سلطانه، ناصحاً له في جميع شأنه، راعياً لحقّه وذممه، آخذاً بثأره ودمه، وكالوزير المقطوع اليدين يروى أن ملكاً من الملوك المتقدّمين كان له وزير ناصح، وخديم صالح، رضي بهلاك نفسه في حياة سلطانه”. 

إذاّ يا عزيزي الطاووس، إذاً السلطان هو السلطان، مع كلّ حاشيته من الذكور، ريشه فوق الريش… ريش الطاووس، يتبختر معه في الزمان والمكان، لا تضرّه ريشة مؤنّثة، ولا يمنعه تاريخ سوريا، من أن يجول في أركان القصر والملك، ولن يستذكر ذاك السلطان من قصّة الزباء السورية، البارحة واليوم، سوى حكاية ذاك الوزير الماكر قصير بن سعد، أو فلان بن فلان.