ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

يا رايح صوب النبطية…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مشاهد إبادة غزّة لا تغيب عن بالي، وأنا أعدّ المجازر المتنقّلة من منطقة إلى أخرى، يا إلهي هل ستكرّر إسرائيل فعلتها عندنا؟ ما الذي يمنعها؟ العالم الحرّ؟ القيم الديمقراطية؟ القانون الإنساني؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“يا رايح صوب النبطية”…

أنا هنا أحسب أنني نجوت… لكن ساعة أُعيد تشغيل هذا المقطع من أغنية أحمد قعبور، تنهار حصوني الآمنة، تصبح كلّ محاولات النجاة مجرّد أكاذيب. 

إنها المرّة الأولى التي تندلع فيها حرب وأنا بعيدة. ينهشني الخوف، ويأكلني هاجس فقد الأحبّة، أو ما سيخسرونه خلال هذه الحرب الجديدة، وما سيقاسونه وهم يستسلمون مجدّداً للقلق يفتك بأعصابهم وقلوبهم، للأرق يطرد من أعينهم النوم، وللخطر يخطف أمانهم المؤقّت، وأسأل نفسي: هل نجوت حقّاً؟ أَينجو الجسد حين تكون الروح أسيرة؟ 

منذ وصلت إلى هذه البلاد البعيدة، قرّرت أن أهمل تفاصيل حياتي السابقة وأراكم تفاصيل جديدة محايدة، أن أبني ذاكرة مطمئنّة، وأوّلها أن أنسى الحرب الماضية والحروب التي قبلها أيضاً.

فأعدت ترتيب مشاعري وعواطفي وعلاقاتي ووقتي، حاربت الشوق بالأغنيات، وقتلت الملل بالقراءة، واستطعت أن أتخفّف من ثقل الماضي، وبدأت برسم حاضري بريشة نظيفة، محوت كلّ الخطوط الدخيلة على رسمتي، وصمّمت أخرى لمستقبلي، صفّرت فيها عدّاد التضحيات، قلت: أعطي نفسي وآخذ منها ما يدهشني، وليس ما يدهش العالم!

وحين حلّ شهر رمضان، تهيّأت لعيش تجربة روحية، أمارس التأمّل نهاراً، ثم أحضّر في المساء إفطاراً متواضعاً يشبه قوت الزاهدين… 

لكنّ الحرب الجديدة نسفت خطّتي، وحوّلت سلامي النفسي إلى توتّر مرضي، وهدوئي إلى معارك أخوضها ليل نهار مع دموعي ولوعتي. 

ومنذ بدأت، وأنا لا شغل لي سوى متابعة البثّ الحيّ بين القنوات، تتنقّل عيناي بين المشاهد كما ينتقّل الألم في الجسد المصاب، واتّصل بلائحة طويلة من الأسماء بعد كلّ غارة على مكان أعرفه.

مشاهد إبادة غزّة لا تغيب عن بالي، وأنا أعدّ المجازر المتنقّلة من منطقة إلى أخرى، يا إلهي هل ستكرّر إسرائيل فعلتها عندنا؟ ما الذي يمنعها؟ العالم الحرّ؟ القيم الديمقراطية؟ القانون الإنساني؟

تأتي صور النبطية، وجوه أعرفها صارت في عداد الموتى، بيوت أيضاً، الحياة هناك فقدت معناها، جزء من الذاكرة اختفى في الحرب الماضية، الطائرات الآن تهدّم الجزء الآخر المتبقّي.

أفكّر في حال عدت إليها هل سأجدها كما تركتها، على الرغم من أنني تركتها حزينة مدمّرة، بعدما فقدت أعزّ أهلها وسوقها وبيوتها الجميلة؟ هل ستصبح العودة مستحيلة؟ هل ستتحوّل إلى أرض محتلّة أم أرض محروقة؟ هل فقدتها إلى الأبد؟ هل كان يوم سفري هو آخر يوم في عشرتنا الحلوة؟ 

يرنّ هاتفي، إنها دارين تخبرني أنها عادت إلى بيتها، لا تقول ما السبب، أكاد أجنّ، أترجّاها أن تتراجع عن قرارها، أُغلق الخطّ معها وأنهار باكية، يا الله ما الذي يجعل عائلة تعود إلى الجحيم؟ أعرف ولا أريد أن أعترف وهي كذلك، لا أنام…

كلّ هذا وأنا في مكان آمن! ماذا يتبقّى من الأمان وكلّ من أعرفهم في خطر؟ فأعود وأعلّق إحساسي الكاذب بالأمان على حبال الذنب، أطرده وكأنه زائر ثقيل الظلّ، وأنادي على القلق “أُعدّ له الأرض كي يستريح”. 

في أحد أيّام القصف على النبطية، سألت جارتي أمّ سامي، كم مرّة تركت النبطية؟ فأجابتني: “مرّة واحدة فقط، كانت إلى الحجّ. في كلّ الحروب التي مرّت بقيت هنا، منذ سقطت أوّل قذيفة في السوق أوائل السبعينات حتى حرب تمّوز… لا يمكنني أن أعيش خارج النبطية ولا خارج بيتي”.

ماتت أمّ سامي قبل أن ترى بيتها قد تحوّل إلى حفرة عميقة تشبه مقبرة مفتوحة، بعدما دمّرته الصواريخ الإسرائيلية ليلة وقف إطلاق النار، وطحنت حجارته، ومعها صوتها وهي تهوّن عليّ همومي، وصورتها وهي تلحقني بفنجان القهوة قبل الركض إلى الدوام…

كانت أمّ سامي من دون أن تدري جبهة صمود بحالها، قرار البقاء في الأرض الذي يسمّونه في اللغة السياسية الحديثة “مقاومة”، هو في الأساس أحد أفعال قلبها العاطفية، كانت في كلّ موجة تهجير تقول لي: “ما إلي قلب أترك النبطية لوحدها”.

النزوح هاجس يسكن وجدان الجنوبيين بعدما رأوا نكبة إخوانهم الفلسطينيين، الذين لم يبقَ معهم من بيوتهم سوى مفاتيحها. 

قبل سفري، صلّحت ما هو ضروري في بيتي، وتركت نسخة من مفاتيحه أمانة عند جارتي، قلت لها: “لا تتركيه وحده”.

أفكّر الآن بجاراتي أين يا ترى نزحن مع عائلاتهن؟ أفكّر ببيوتهن الفقيرة المتواضعة، هل أخذن مفاتيحها معهن؟ هل ستبقى واقفة بانتظارهن؟ سقطت بيوت ابتسام وتغريد وسنا وصفاء وغادة حتى الآن!

أسترجع مشاهد عزيزة على قلبي: بيت أبو أدهم بحجارته الصخرية وحديقته الخضراء على مدار السنة، كاملة وهي تشطف بيتها كلّ صباح، لا يهمّها برد الشتاء ولا حرّ الصيف، فناجين القهوة على حوافي تصوينات بيوت حيّ السراي، وهروب “السكرجية” في ليالي الصيف الحارّة من بيوتهم إلى أعلى تلّة “الصفر تلاتة” يغنّون حتى الصباح: “هل رأى الحزب سكارى”.

أحاول أن أستعيد فرحتي بعدما عدت إلى النبطية قبل الحرب الماضية، كم صارعت لاسترجاع حياة عزيزة فقدتها، لترميم ما انكسر بيني وبينها من وصال ودلال ورضا، راقبت بعين المندهش تمدّد ياسميناتها فوق مداخل البيوت، وانعقاد زهور النارنج ونموّ عناقيد العنب وحبّات الجوز في بساتينها، صرت أخرج كلّ يوم أتفقّد حاراتها وأتمشّى في سوقها… واكتشفت أنها ليست مدينة بقدر ما هي كائن حيّ نابض، يقول لقلبي “قوم تا أقعد محلّك”. 

أتذكّر حين بدأت حفيدتي أولى خطواتها وأولى كلماتها، أني أخذتها إلى درج حيّ السراي لجهة دكّانة طه، نصعد الدرج وننزله مرّة تلو الأخرى، ونحن نعدّ “واحد تنين تلاتين”… ثلاثون درجة دمّرتها إسرائيل في الحرب الماضية في أقلّ من ثلاثين ثانية!  

أتذكّر حين شبّ ابني وخطفه “الرابط” إلى جامع حيّ السراي، أحدهم أخبرني فتبعته وأنا أتخيّل الكارثة أمام عيني: صورته بخلفيّة صفراء ولقب الشهيد قبل اسمه، فجنّ جنوني، ربطت للرابط على باب الجامع، وحين خرج انهلت عليه بالتأنيب والتهديد، وهو مطرِق ويعتذر! 

لم تكن يومها النبطية قد استسلمت بعد لهذا الطوفان الأيديولوجي، كانت لا تزال تفرد مساحات واسعة للرأي الآخر للاعتراض وللاختلاف، كانت لا تزال متمسّكة بفرادتها، بتمايزها عن مجالها الواسع.

كانت مجتمعاً حيوياً ذا طابع منفتح وسط محيط ريفي متديّن، تتّكئ على ذاكرة ثقافية وعلمية ودينية متنوّرة، أخرجتها باكراً من دوائر التفكير الضيّق، فتجاوزت الحدود المرسومة والأبواب المغلقة، وصارت هويّة أكثر منها مدينة… 

وأركان هويّتها مزيج من تناقضات لا يُحسن جمعها سواها: الحسينية العاملية التي ابتعدت عن السياسة ورموزها وظلّت منيعة على التأطير، السوق الذي يشبه برلماناً تتمثّل فيه كلّ الطوائف والمناطق، مدارسها التي تفسح مجالاً للأهل أن يختاروا ما يناسب توجّهاتهم، أنديتها الثقافية العلمانية واليسارية والدينية والنسائية، وعاشوراؤها ببصمتها الشعبية المتمرّدة على الأيديولوجيا…

المدن مثلنا نحن البشر، تمرّ بمرحلة صبا، تكون فيها جميلة ومشرقة، ثم تغزوها علامات الشيخوخة فتفقد ألقها ورونقها، وهذا ما أصاب النبطية. شوّه الخطاب السياسي المتشدّد، والتعصّب الطائفي، والعقلية المغلقة، جمال روحها.

في الثلاثين سنة الماضية، كنت شاهدة على تحوّلاتها، أتابعها بقلق وأعترض، لم تسحب مني يوماً حقّي في الاعتراض، وحين بدأت تتغضّن ملامحها أكثر، صار الاعتراض خيانة، فابتعد عني أقرب أصدقائي إلى قلبي، رفعوا بيني وبينهم جداراً شاهقاً من الخصومة، حتى المثقّفون منهم أعلنوا وقوفهم إلى جانب القطيع…

لكنّها لم تُشعرني يوماً بالغربة، حين عدنا بعد وقف إطلاق النار، لم نتخاطب إلا بلغة الحبّ، مسحنا جروح بعضنا بعضاً، تعاونّا على إزالة الركام والوجع، حرصنا على أن نجلس معاً طويلاً وكثيراً، كنّا نلتقي ونتودّع في اللحظة ذاتها وكأنها الأخيرة…

ظلي بخير يا جميلتي، بأهلك، ببيوتك التي غلّبتنا بحبّها، بشوارعك وحاراتك التي تعرف أصواتنا وتحفظ حرارة أقدامنا، بتلالك المتّصلة بالسماء، بمآذنك المتواضعة وكنيستك الوحيدة… 

أنا هنا أحسب أنني لم أنجُ من حبّك، وأنت “يا رايح صوب الليطاني دخلك وصلّي السلام وصبّح أهالي النبطية…”.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.

مشاهد إبادة غزّة لا تغيب عن بالي، وأنا أعدّ المجازر المتنقّلة من منطقة إلى أخرى، يا إلهي هل ستكرّر إسرائيل فعلتها عندنا؟ ما الذي يمنعها؟ العالم الحرّ؟ القيم الديمقراطية؟ القانون الإنساني؟

“يا رايح صوب النبطية”…

أنا هنا أحسب أنني نجوت… لكن ساعة أُعيد تشغيل هذا المقطع من أغنية أحمد قعبور، تنهار حصوني الآمنة، تصبح كلّ محاولات النجاة مجرّد أكاذيب. 

إنها المرّة الأولى التي تندلع فيها حرب وأنا بعيدة. ينهشني الخوف، ويأكلني هاجس فقد الأحبّة، أو ما سيخسرونه خلال هذه الحرب الجديدة، وما سيقاسونه وهم يستسلمون مجدّداً للقلق يفتك بأعصابهم وقلوبهم، للأرق يطرد من أعينهم النوم، وللخطر يخطف أمانهم المؤقّت، وأسأل نفسي: هل نجوت حقّاً؟ أَينجو الجسد حين تكون الروح أسيرة؟ 

منذ وصلت إلى هذه البلاد البعيدة، قرّرت أن أهمل تفاصيل حياتي السابقة وأراكم تفاصيل جديدة محايدة، أن أبني ذاكرة مطمئنّة، وأوّلها أن أنسى الحرب الماضية والحروب التي قبلها أيضاً.

فأعدت ترتيب مشاعري وعواطفي وعلاقاتي ووقتي، حاربت الشوق بالأغنيات، وقتلت الملل بالقراءة، واستطعت أن أتخفّف من ثقل الماضي، وبدأت برسم حاضري بريشة نظيفة، محوت كلّ الخطوط الدخيلة على رسمتي، وصمّمت أخرى لمستقبلي، صفّرت فيها عدّاد التضحيات، قلت: أعطي نفسي وآخذ منها ما يدهشني، وليس ما يدهش العالم!

وحين حلّ شهر رمضان، تهيّأت لعيش تجربة روحية، أمارس التأمّل نهاراً، ثم أحضّر في المساء إفطاراً متواضعاً يشبه قوت الزاهدين… 

لكنّ الحرب الجديدة نسفت خطّتي، وحوّلت سلامي النفسي إلى توتّر مرضي، وهدوئي إلى معارك أخوضها ليل نهار مع دموعي ولوعتي. 

ومنذ بدأت، وأنا لا شغل لي سوى متابعة البثّ الحيّ بين القنوات، تتنقّل عيناي بين المشاهد كما ينتقّل الألم في الجسد المصاب، واتّصل بلائحة طويلة من الأسماء بعد كلّ غارة على مكان أعرفه.

مشاهد إبادة غزّة لا تغيب عن بالي، وأنا أعدّ المجازر المتنقّلة من منطقة إلى أخرى، يا إلهي هل ستكرّر إسرائيل فعلتها عندنا؟ ما الذي يمنعها؟ العالم الحرّ؟ القيم الديمقراطية؟ القانون الإنساني؟

تأتي صور النبطية، وجوه أعرفها صارت في عداد الموتى، بيوت أيضاً، الحياة هناك فقدت معناها، جزء من الذاكرة اختفى في الحرب الماضية، الطائرات الآن تهدّم الجزء الآخر المتبقّي.

أفكّر في حال عدت إليها هل سأجدها كما تركتها، على الرغم من أنني تركتها حزينة مدمّرة، بعدما فقدت أعزّ أهلها وسوقها وبيوتها الجميلة؟ هل ستصبح العودة مستحيلة؟ هل ستتحوّل إلى أرض محتلّة أم أرض محروقة؟ هل فقدتها إلى الأبد؟ هل كان يوم سفري هو آخر يوم في عشرتنا الحلوة؟ 

يرنّ هاتفي، إنها دارين تخبرني أنها عادت إلى بيتها، لا تقول ما السبب، أكاد أجنّ، أترجّاها أن تتراجع عن قرارها، أُغلق الخطّ معها وأنهار باكية، يا الله ما الذي يجعل عائلة تعود إلى الجحيم؟ أعرف ولا أريد أن أعترف وهي كذلك، لا أنام…

كلّ هذا وأنا في مكان آمن! ماذا يتبقّى من الأمان وكلّ من أعرفهم في خطر؟ فأعود وأعلّق إحساسي الكاذب بالأمان على حبال الذنب، أطرده وكأنه زائر ثقيل الظلّ، وأنادي على القلق “أُعدّ له الأرض كي يستريح”. 

في أحد أيّام القصف على النبطية، سألت جارتي أمّ سامي، كم مرّة تركت النبطية؟ فأجابتني: “مرّة واحدة فقط، كانت إلى الحجّ. في كلّ الحروب التي مرّت بقيت هنا، منذ سقطت أوّل قذيفة في السوق أوائل السبعينات حتى حرب تمّوز… لا يمكنني أن أعيش خارج النبطية ولا خارج بيتي”.

ماتت أمّ سامي قبل أن ترى بيتها قد تحوّل إلى حفرة عميقة تشبه مقبرة مفتوحة، بعدما دمّرته الصواريخ الإسرائيلية ليلة وقف إطلاق النار، وطحنت حجارته، ومعها صوتها وهي تهوّن عليّ همومي، وصورتها وهي تلحقني بفنجان القهوة قبل الركض إلى الدوام…

كانت أمّ سامي من دون أن تدري جبهة صمود بحالها، قرار البقاء في الأرض الذي يسمّونه في اللغة السياسية الحديثة “مقاومة”، هو في الأساس أحد أفعال قلبها العاطفية، كانت في كلّ موجة تهجير تقول لي: “ما إلي قلب أترك النبطية لوحدها”.

النزوح هاجس يسكن وجدان الجنوبيين بعدما رأوا نكبة إخوانهم الفلسطينيين، الذين لم يبقَ معهم من بيوتهم سوى مفاتيحها. 

قبل سفري، صلّحت ما هو ضروري في بيتي، وتركت نسخة من مفاتيحه أمانة عند جارتي، قلت لها: “لا تتركيه وحده”.

أفكّر الآن بجاراتي أين يا ترى نزحن مع عائلاتهن؟ أفكّر ببيوتهن الفقيرة المتواضعة، هل أخذن مفاتيحها معهن؟ هل ستبقى واقفة بانتظارهن؟ سقطت بيوت ابتسام وتغريد وسنا وصفاء وغادة حتى الآن!

أسترجع مشاهد عزيزة على قلبي: بيت أبو أدهم بحجارته الصخرية وحديقته الخضراء على مدار السنة، كاملة وهي تشطف بيتها كلّ صباح، لا يهمّها برد الشتاء ولا حرّ الصيف، فناجين القهوة على حوافي تصوينات بيوت حيّ السراي، وهروب “السكرجية” في ليالي الصيف الحارّة من بيوتهم إلى أعلى تلّة “الصفر تلاتة” يغنّون حتى الصباح: “هل رأى الحزب سكارى”.

أحاول أن أستعيد فرحتي بعدما عدت إلى النبطية قبل الحرب الماضية، كم صارعت لاسترجاع حياة عزيزة فقدتها، لترميم ما انكسر بيني وبينها من وصال ودلال ورضا، راقبت بعين المندهش تمدّد ياسميناتها فوق مداخل البيوت، وانعقاد زهور النارنج ونموّ عناقيد العنب وحبّات الجوز في بساتينها، صرت أخرج كلّ يوم أتفقّد حاراتها وأتمشّى في سوقها… واكتشفت أنها ليست مدينة بقدر ما هي كائن حيّ نابض، يقول لقلبي “قوم تا أقعد محلّك”. 

أتذكّر حين بدأت حفيدتي أولى خطواتها وأولى كلماتها، أني أخذتها إلى درج حيّ السراي لجهة دكّانة طه، نصعد الدرج وننزله مرّة تلو الأخرى، ونحن نعدّ “واحد تنين تلاتين”… ثلاثون درجة دمّرتها إسرائيل في الحرب الماضية في أقلّ من ثلاثين ثانية!  

أتذكّر حين شبّ ابني وخطفه “الرابط” إلى جامع حيّ السراي، أحدهم أخبرني فتبعته وأنا أتخيّل الكارثة أمام عيني: صورته بخلفيّة صفراء ولقب الشهيد قبل اسمه، فجنّ جنوني، ربطت للرابط على باب الجامع، وحين خرج انهلت عليه بالتأنيب والتهديد، وهو مطرِق ويعتذر! 

لم تكن يومها النبطية قد استسلمت بعد لهذا الطوفان الأيديولوجي، كانت لا تزال تفرد مساحات واسعة للرأي الآخر للاعتراض وللاختلاف، كانت لا تزال متمسّكة بفرادتها، بتمايزها عن مجالها الواسع.

كانت مجتمعاً حيوياً ذا طابع منفتح وسط محيط ريفي متديّن، تتّكئ على ذاكرة ثقافية وعلمية ودينية متنوّرة، أخرجتها باكراً من دوائر التفكير الضيّق، فتجاوزت الحدود المرسومة والأبواب المغلقة، وصارت هويّة أكثر منها مدينة… 

وأركان هويّتها مزيج من تناقضات لا يُحسن جمعها سواها: الحسينية العاملية التي ابتعدت عن السياسة ورموزها وظلّت منيعة على التأطير، السوق الذي يشبه برلماناً تتمثّل فيه كلّ الطوائف والمناطق، مدارسها التي تفسح مجالاً للأهل أن يختاروا ما يناسب توجّهاتهم، أنديتها الثقافية العلمانية واليسارية والدينية والنسائية، وعاشوراؤها ببصمتها الشعبية المتمرّدة على الأيديولوجيا…

المدن مثلنا نحن البشر، تمرّ بمرحلة صبا، تكون فيها جميلة ومشرقة، ثم تغزوها علامات الشيخوخة فتفقد ألقها ورونقها، وهذا ما أصاب النبطية. شوّه الخطاب السياسي المتشدّد، والتعصّب الطائفي، والعقلية المغلقة، جمال روحها.

في الثلاثين سنة الماضية، كنت شاهدة على تحوّلاتها، أتابعها بقلق وأعترض، لم تسحب مني يوماً حقّي في الاعتراض، وحين بدأت تتغضّن ملامحها أكثر، صار الاعتراض خيانة، فابتعد عني أقرب أصدقائي إلى قلبي، رفعوا بيني وبينهم جداراً شاهقاً من الخصومة، حتى المثقّفون منهم أعلنوا وقوفهم إلى جانب القطيع…

لكنّها لم تُشعرني يوماً بالغربة، حين عدنا بعد وقف إطلاق النار، لم نتخاطب إلا بلغة الحبّ، مسحنا جروح بعضنا بعضاً، تعاونّا على إزالة الركام والوجع، حرصنا على أن نجلس معاً طويلاً وكثيراً، كنّا نلتقي ونتودّع في اللحظة ذاتها وكأنها الأخيرة…

ظلي بخير يا جميلتي، بأهلك، ببيوتك التي غلّبتنا بحبّها، بشوارعك وحاراتك التي تعرف أصواتنا وتحفظ حرارة أقدامنا، بتلالك المتّصلة بالسماء، بمآذنك المتواضعة وكنيستك الوحيدة… 

أنا هنا أحسب أنني لم أنجُ من حبّك، وأنت “يا رايح صوب الليطاني دخلك وصلّي السلام وصبّح أهالي النبطية…”.

|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية