ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“يا نموت هون أو نطلع”: عن “الأسرى” الدروز في سجن عدرا المركزي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أغلقت عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026 فصل أسرى تموز المعروفين داخل سجن عدرا، لكنها لم تُنهِ منطق الأسر نفسه. خلال الأشهر التالية، عاد الملف بصيغ جديدة، عبر توقيفات على حواجز الأمن العام، واختفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي، وحوادث خطف نفذتها مجموعات عشائرية خارج بنية السجون الرسمية. بذلك، انتقل الملف من احتجاز جماعي ارتبط مباشرة بهجوم تموز، إلى نمط أوسع من التوقيف والخطف والضغط على السويداء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 27 أيار/ مايو 2026، أعلن عدد من أبناء السويداء “الموقوفين” في سجن عدرا المركزي إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، احتجاجاً على استمرار توقيفهم لفترات طويلة من دون إحالتهم إلى القضاء أو توجيه تهم محددة بحقهم. 

وفي تسجيل صوتي خرج من داخل السجن، قال أحد “الموقوفين”: “نحن عشرين شب من السويداء قطعنا الأكل… يا نموت هون أو نطلع”. جاء الإضراب بعد ثلاثة أشهر فقط من عملية “تبادل الأسرى” التي أُجريت في 26 شباط/ فبراير 2026، وأفضت إلى الإفراج عن آخر الأسرى المعروفين من “معتقلي” هجوم ومذابح تموز/ يوليو 2025 التي نفذتها قوات الإدارة الانتقالية وقوات عشائرية تابعة لها.

أعاد الإضراب الجديد فتح ملف التوقيف و”الخطف” لدروز السويداء. إذ شهدت الأشهر الماضية تصاعداً في حوادث التوقيف لأبناء السويداء على حواجز قوات الأمن العام التابع لوزارة الداخلية في الإدارة الانتقالية. التوقيف في غالبية الحالات عشوائي، كخطف مدنيين على طريق دمشق-السويداء، وإخفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي. 

أُنجزت هذه المادة استناداً إلى 3 مقابلات مطولة مع أسرى محررين من أبناء السويداء، مروا بمراحل مختلفة من الاحتجاز بعد هجوم تموز 2025، من نقاط التجميع الأولى ومراكز الاحتجاز المؤقتة، إلى فرع الأمن العسكري في درعا وسجن عدرا المركزي. وتكشف شهاداتهم تشكل آليات احتجاز وتفاوض وإفراج تعمل خارج المسار القضائي، حيث يتم التعامل مع أسرى السويداء بوصفهم جماعة ذات ملف أمني وسياسي خاص، يخضع لمنطق السيطرة والتبادل والتفاوض. 

هجوم تموز وولادة ملف الأسرى

ارتبط هجوم تموز 2025 على السويداء بموجة واسعة من القتل والخطف والإخفاء القسري والاعتقال الجماعي، رافقت العمليات العسكرية التي نفذتها قوات الإدارة الانتقالية وقوات عشائرية متحالفة معها بين 13 و20 تموز. خلال أيام قليلة، اختفى مئات الأشخاص من أبناء المحافظة داخل شبكة معقدة من الحواجز ومراكز الاحتجاز المؤقتة والمقار الأمنية والسجون، فيما بقيت عائلات كثيرة لأشهر من دون معرفة مصير أبنائها أو أماكن وجودهم أو الجهة التي تتولى احتجازهم.

بدأت عمليات الاحتجاز داخل فضاء حرب مفتوح اتسم بالفوضى وتعدد الجهات المسلحة وتداخل الصلاحيات، خارج أي مسار أمني أو قضائي. غالبية “الأسرى” لم يُعتقلوا بعد تحقيقات أو مذكرات توقيف، بل خلال محاولات التنقل والفرار وإجلاء العائلات أو أثناء المرور على الحواجز ونقاط السيطرة. وتحولت الهوية الدرزية بحد ذاتها إلى عامل اشتباه واحتجاز، بغض النظر عن المشاركة الفعلية في القتال.

خلال الساعات والأيام الأولى بعد الاجتياح، تنقل الأسرى بين مجموعات مختلفة تابعة لوزارة الدفاع والأمن العام والشرطة العسكرية، إضافة إلى مجموعات عشائرية، هذا التعدد خلق حالة مستمرة من الغموض حول الجهة التي تملك القرار النهائي في مصير “الأسرى”.

في هذه المرحلة، ظهرت أولى مراكز الاحتجاز المؤقتة داخل محطات وقود ومدارس وصالات ومبانٍ مدنية حُولت بسرعة إلى نقاط تجميع للأسرى. داخل هذه الفضاءات، بدأت تتشكل أولى آليات إدارة ملف الأسرى. بعض المجموعات المسلحة تعاملت مع المحتجزين كغنائم حرب أو كأهداف للانتقام المباشر، بينما بدأت جهات أخرى بتسجيل أسماء مجموعات من الأسرى والاحتفاظ بها لاستخدامهم لاحقاً في عمليات تبادل وتفاوض.

تكشف شهادات الأسرى أن فكرة التبادل ظهرت منذ الأيام الأولى للاجتياح، قبل نقلهم إلى السجون الرئيسية. في إحدى الحالات، احتفظت مجموعة من الشرطة العسكرية بأسماء عدد من الأسرى الدروز الذين جُمعوا داخل محطة وقود غرب السويداء، ورفضت تسليمهم لمجموعات أخرى كانت تطالب بإعدامهم، بحجة أنهم سيُستخدمون لاحقاً في تبادل مع أسرى تابعين للإدارة الانتقالية لدى الفصائل الدرزية المسلحة.

بعد أيام من التنقل بين مراكز الاحتجاز المؤقتة، تركز القسم الأكبر من الأسرى الذكور داخل فرع الأمن العسكري في مدينة درعا. هناك بدأت المرحلة الأولى من إعادة تنظيم ملف الأسرى بصورة أكثر استقراراً. 

سُجِّلت الأسماء والتُقطت الصور وأُجريت تحقيقات أولية، كما بدأ فرز المحتجزين ضمن مهاجع ومنفردات، مع استمرار العزل الكامل عن العالم الخارجي. لكن هذا الانتقال لم يؤدّ إلى تحويل الأسرى إلى موقوفين ضمن ملفات قضائية واضحة، بل إلى جماعة احتجاز موحدة مرتبطة بمعركة السويداء نفسها. إذ إن التحقيقات التي أجريت داخل فرع الأمن العسكري لم تركز على وقائع جنائية محددة، بل على الخلفيات الشخصية والطائفية، والعلاقة بالحرس الوطني أو بالمجموعات المسلحة في السويداء، والمشاركة في القتال خلال تموز. كما بقيت التحقيقات تُجرى على أوراق عادية ومن دون ملفات قضائية أو إحالات واضحة إلى القضاء.

خلال هذه المرحلة أيضاً، بدأت أولى عمليات الإفراج الانتقائي، بناءً على الوساطات والعلاقات والانتماءات المحلية، فيما بقي القسم الأكبر من الأسرى داخل منظومة احتجاز مفتوحة على المفاوضات والتبادل والضغوط السياسية. كما لعبت المكالمات الهاتفية القصيرة التي سُمح لبعض الأسرى بإجرائها، دوراً أساسياً في تثبيت وجودهم داخل سجون الإدارة الانتقالية، بعد أسابيع من الغموض الكامل وانتشار أخبار المقابر الجماعية والمفقودين في السويداء.

مع نقل الأسرى لاحقاً إلى سجن عدرا المركزي قرب دمشق، كان ملف الأسرى قد خرج فعلياً من إطار الاعتقال المؤقت المرتبط بالمعركة، وتحول إلى ملف أمني وسياسي مستقل، تديره الإدارة الانتقالية عبر آليات احتجاز وتفاوض وإفراج خاصة به.

سجن عدرا وإدارة الأسر خارج المسار القضائي

بعد نحو شهر من احتجازهم في فرع الأمن العسكري في درعا، نُقل أسرى السويداء إلى سجن عدرا المركزي قرب دمشق. وعند وصولهم إلى عدرا في 18 آب/ أغسطس 2025، بلغ عدد أسرى السويداء 114 أسيراً، بينهم قاصرون، قبل أن يرتفع عدد المحتجزين الدروز في السجن إلى 120 أسيراً بعد إضافة 6 أسرى آخرين، في غالبيتهم من صحنايا. 

مثّل هذا النقل تحولاً أساسياً في طبيعة الاحتجاز. فقد انتقل الأسرى من فضاءات احتجاز مؤقتة ومفتوحة على العنف الميداني، إلى سجن مركزي أكثر استقراراً من حيث البنية والإدارة، لكنه بقي محكوماً بالمنطق نفسه الذي تشكل منذ الأيام الأولى لهجوم تموز. إذ دخل الأسرى عدرا كجماعة مرتبطة بمعركة السويداء، لا كموقوفين أُحيلوا إلى القضاء ضمن دعاوى محددة.

داخل عدرا، خضع الأسرى لنظام عزل وإدارة يومية دقيق. إذ وُزِّعوا بين مهاجع وغرف ضيقة ومنفردات، ومُنعوا من التواصل الطبيعي مع بقية السجناء أو مع العالم الخارجي. كما بقيت الاتصالات مع العائلات محدودة ومراقبة، فيما تحولت المعلومات إلى أداة ضغط أساسية. كان الأسرى يعرفون مصيرهم من الشائعات، أو من وعود الحراس، أو من زيارات اللجان، أو من أخبار التبادل التي تصلهم بصورة متقطعة.

في هذه المرحلة، صار الزمن نفسه جزءاً من إدارة الاحتجاز. تكررت الوعود بالإفراج القريب، وطُلب من الأسرى في أكثر من مرة تجهيز أغراضهم والاستعداد للخروج، ثم كانت العملية تتوقف فجأة ويعاد الجميع إلى المهاجع. هذا التناوب بين الوعد والتأجيل صنع حالة انتظار طويلة، ربطت حياة الأسرى اليومية بمصير المفاوضات بين الإدارة الانتقالية التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام والحرس الوطني في السويداء.

لم يُعرض أسرى السويداء على محاكمات، ولم تُوجه إليهم تهم فردية محددة، والتحقيقات داخل عدرا بقيت امتداداً للتحقيقات الأمنية التي بدأت في درعا، وتركزت على المشاركة في القتال، والعلاقة بالحرس الوطني، والموقف من الشيخ حكمت الهجري، والانتماء إلى السويداء بوصفها فضاءً معارضاً لسلطة دمشق الجديدة. بهذا المعنى، لم يكن التحقيق يهدف إلى بناء ملفات جنائية، بل إلى تصنيف الأسرى داخل ملف أمني وسياسي جماعي.

لعبت اللجان والزيارات الرسمية دوراً مركزياً في إدارة هذا الغموض. فقد زار أعضاء من لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الإدارة الانتقالية بعد أحداث تموز 2025، الأسرى داخل عدرا، وقدموا وعوداً متكررة بالإفراج، من دون أن تتحول هذه الزيارات إلى مسار قضائي فعلي. كما زار ممثلون عن الصليب الأحمر السجن، وساهمت زياراتهم في كشف وجود محتجزين دروز داخل المنفردات، لم يكن بقية الأسرى يعرفون بوجودهم. لكن حضور هذه الجهات بقي محدوداً أمام سلطة الأجهزة الأمنية وإدارة السجن على مصير الأسرى اليومي.

تكرر الغموض نفسه في تسميات الأسرى الرسمية. ففي أخبار وتصريحات صادرة من الإدارة الانتقالية، تم تفادي كلمة “مخطوفين”، واستخدام تسميات مختلفة مثل “المحتجزين”، و”الموقوفين”، و”المعتقلين”. كما وصف مصطفى بكور، محافظ السويداء المُعيّن من الإدارة الانتقالية، الموجودين في عدرا بأنهم في “حجز احتياطي” أو “حجز احترازي”. 

الإضرابات عن الطعام

في مواجهة هذا الوضع، تحولت الإضرابات عن الطعام إلى إحدى الأدوات القليلة التي امتلكها الأسرى داخل عدرا للضغط على إدارة السجن والجهات الأمنية المشرفة على ملفهم. شهد السجن أربعة إضرابات رئيسية بين خريف 2025 وبداية 2026، وجاءت جميعها بعد نقاشات داخل المهاجع حول توقيتها وجدواها وقدرة الأسرى على الاستمرار فيها. 

ارتبطت الإضرابات بطول الاحتجاز، وغموض المصير، وتكرار الوعود بالإفراج، وغياب أي مسار قضائي بإمكان الأسرى أو عائلاتهم متابعته. في الإضرابات الأولى، حاولت إدارة السجن احتواء الاعتراض عبر الوعود المتكررة بقرب الإفراج، واستدعاء ممثلين عن الأسرى للتفاوض معهم. ومع الوقت، بدأت الإدارة تمزج بين التهدئة والضغط المباشر، فاستُدعي بعض الأسرى إلى مكتب الضابط المناوب مدير السجن المعروف باسم الشيخ أبو بيهس، وأُبلغوا بصورة أوضح أن ملفهم أمني، ومرتبط بعمليات تبادل مع الحرس الوطني في السويداء.

الإضراب الرابع، الذي بدأ في 26 كانون الأول/ ديسمب  2025 وحمل اسم “إضراب حتى الحرية”، شكل محطة أكثر حساسية، بعدما خرج خبره من السجن وانتشر عبر صفحات ناشطي السويداء. عندها لم تعد إدارة السجن قادرة على إبقاء الإضراب داخل حدود المهجع. دخلت سرية التأديب إلى المهاجع، وضربت الأسرى، وعزلت بعضهم، قبل أن تبدأ جولة جديدة من التفاوض والوعود بالإفراج.

بهذا المعنى، صارت الإضرابات جزءاً من إدارة ملف الأسرى داخل عدرا. فهي لم تكسر منظومة الاحتجاز، لكنها كانت تجبر إدارة السجن والجهات الأمنية على كشف جزء من طريقة عملها، وعلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع الأسرى أو عبر اللجان والوسطاء. وكلما طال الاحتجاز، تحولت الإضرابات إلى وسيلة لإعادة تثبيت وجود الأسرى كجماعة واحدة، وربط مصيرهم بمسار التبادل والضغط السياسي، لا بإجراءات قضائية فردية.

بلغ هذا المسار ذروته في عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026، التي أفضت إلى الإفراج عن آخر الأسرى المعروفين من معتقلي هجوم تموز داخل عدرا. وشملت عملية التبادل النهائية، التي أُجريت بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إطلاق سراح 61 أسيراً درزياً، مقابل إطلاق الحرس الوطني سراح 25 عنصراً من قوات الإدارة الانتقالية. عملية التبادل نفسها أكدت طبيعة الملف، إذ خرج الأسرى بقرار تفاوضي، لا عبر مسار قضائي، ولا نتيجة للإضرابات. بذلك، أُغلق فصل من ملف أسرى تموز، وترك خلفه آلية قائمة يمكن إعادة استخدامها مع موجات جديدة من التوقيف والخطف والاختفاء.

ما بعد التبادل: عودة التوقيف والخطف كأدوات ضغط

أغلقت عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026 فصل أسرى تموز المعروفين داخل سجن عدرا، لكنها لم تُنهِ منطق الأسر نفسه. خلال الأشهر التالية، عاد الملف بصيغ جديدة، عبر توقيفات على حواجز الأمن العام، واختفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي، وحوادث خطف نفذتها مجموعات عشائرية خارج بنية السجون الرسمية. بذلك، انتقل الملف من احتجاز جماعي ارتبط مباشرة بهجوم تموز، إلى نمط أوسع من التوقيف والخطف والضغط على السويداء.

تظهر التوقيفات الجديدة على الحواجز بوصفها امتداداً مباشراً لمنطق الاشتباه الذي تشكل بعد تموز. ففي 7 أيار/ مايو 2026، أوقف حاجز المتونة التابع للأمن العام الشاب حاتم معين نصر، بعد إجباره على فتح هاتفه وتفتيش محتوياته. وبحسب شهادات محلية، بات تفتيش الهواتف على بعض الحواجز يستهدف صور الشيخ حكمت الهجري، أو مواد مرتبطة بالحرس الوطني، أو أغاني تمجد أبناء السويداء خلال تصديهم لهجوم تموز. هنا لا تستند عملية التوقيف إلى واقعة جنائية محددة، بل إلى قراءة الهاتف كأرشيف شخصي يكشف موقف صاحبه السياسي أو انتماءه المحلي.

ويظهر النمط نفسه في حالات الاختفاء بعد الوصول إلى دمشق أو المرور عبر مؤسساتها الأمنية. ففي 28 أيار 2026، اعتقل الأمن العام طليع غازي الطويل في مطار دمشق الدولي، بعد وصوله من السعودية، قبل أن ينقطع التواصل معه. أُبلغت عائلته بداية بأن سبب التوقيف مرتبط بأقساط غير مسددة لصالح بنك الإبداع، غير أن البنك نفى لاحقاً وجود أي طلب صادر عنه باعتقاله، مؤكداً أن إجراءاته في هذه الحالات تقتصر على الحجز التنفيذي أو الاحتياطي على أملاك العميل. تكشف هذه الواقعة انتقال الاشتباه من الحاجز إلى المطار، ومن الطريق إلى المؤسسات الرسمية، مع استمرار الغموض حول الجهة التي تملك قرار التوقيف ومكان الاحتجاز.

إلى جانب هذا المسار المرتبط بالأجهزة الأمنية، ظهر مسار آخر مختلف يجب تمييزه بدقة، وهو الخطف العشائري خارج السجون الرسمية. ففي 25 أيار 2026، اختُطفت عائلة رائد كمال زين الدين، زوجته صبا زريفة، وطفلاهما فجر ومطر، إضافة إلى سائق سيارة الأجرة صفوان القضماني، أثناء توجههم من السويداء إلى دمشق لاستخراج أوراق تتعلق بجوازات السفر. الجهة الخاطفة لم تنقلهم إلى عدرا، بل إلى ريف حمص، وقدمت نفسها بوصفها طرفاً يطالب بالإفراج عن علي حسن السمير، الذي أوقفه الحرس الوطني في السويداء بعد اتهامه بالمشاركة في هجوم تموز. وفي 3 حزيران/ يونيو 2026، أُفرج عن صبا زريفة وطفليها فجر ومطر، فيما لا يزال رائد زين الدين والقضماني مختطفين في محافظة حمص. 

هذه الحادثة تكشف طبقة أخرى من الملف. فالعائلة المخطوفة لم تدخل مسار عدرا أو الأمن العام، بل تحولت إلى رهينة لدى مجموعة عشائرية مرتبطة ببيئة مسلحة أوسع، بعدما أُجريت عملية الخطف على طريق تسيطر عليه حواجز ودوريات تابعة للسلطات المؤقتة في دمشق، ما جعل غياب التدخل الأمني جزءاً من الاتهام المحلي بتواطؤ الحواجز أو غض النظر عن الخاطفين.

بهذا المعنى، أخذ ملف الأسرى بعد شباط 2026 شكلين متوازيين. الشكل الأول يتم عبر أجهزة الأمن العام والحواجز والمطار وسجن عدرا، حيث يظهر أبناء السويداء كموقوفين أو مغيبين داخل منظومة أمنية رسمية أو شبه رسمية. والشكل الثاني يتم عبر خطف عشائري مباشر، يستخدم المدنيين كورقة مقايضة خارج السجون، كما في قضية عائلة زين الدين وسائق السيارة. الفارق بين الشكلين مهم، لكنهما يلتقيان في النتيجة نفسها، أي تحويل أبناء السويداء إلى مادة ضغط في علاقة أمنية وسياسية مفتوحة مع الإدارة الانتقالية.

الإضراب الذي أعلنه موقوفون جدد في عدرا في 27 أيار 2026 جاء داخل هذا السياق. هؤلاء ليسوا من بقايا أسرى تموز المعروفين الذين خرجوا في تبادل 26 شباط، بل من موجة جديدة من الموقوفين والمخطوفين خلال الشهرين السابقين. الإضراب الجديد يستلهم من إرث الإضرابات السابقة كوسيلة دفاع وحيدة لدى الأسرى أمام احتجازهم غير القانوني. وما يستمر هنا هو آلية التعامل مع أبناء السويداء كملف أمني وسياسي قابل للمقايضة، والتفاوض، والضغط، خارج إطار القضاء. بهذا المعنى، لم يغلق تبادل 26 شباط ملف أسرى السويداء، إذ بقيت آلية الأسر نفسها قابلة للتكرار كلما تجدد التوتر بين السويداء والإدارة الانتقالية.

09.06.2026
زمن القراءة: 10 minutes

أغلقت عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026 فصل أسرى تموز المعروفين داخل سجن عدرا، لكنها لم تُنهِ منطق الأسر نفسه. خلال الأشهر التالية، عاد الملف بصيغ جديدة، عبر توقيفات على حواجز الأمن العام، واختفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي، وحوادث خطف نفذتها مجموعات عشائرية خارج بنية السجون الرسمية. بذلك، انتقل الملف من احتجاز جماعي ارتبط مباشرة بهجوم تموز، إلى نمط أوسع من التوقيف والخطف والضغط على السويداء.

في 27 أيار/ مايو 2026، أعلن عدد من أبناء السويداء “الموقوفين” في سجن عدرا المركزي إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، احتجاجاً على استمرار توقيفهم لفترات طويلة من دون إحالتهم إلى القضاء أو توجيه تهم محددة بحقهم. 

وفي تسجيل صوتي خرج من داخل السجن، قال أحد “الموقوفين”: “نحن عشرين شب من السويداء قطعنا الأكل… يا نموت هون أو نطلع”. جاء الإضراب بعد ثلاثة أشهر فقط من عملية “تبادل الأسرى” التي أُجريت في 26 شباط/ فبراير 2026، وأفضت إلى الإفراج عن آخر الأسرى المعروفين من “معتقلي” هجوم ومذابح تموز/ يوليو 2025 التي نفذتها قوات الإدارة الانتقالية وقوات عشائرية تابعة لها.

أعاد الإضراب الجديد فتح ملف التوقيف و”الخطف” لدروز السويداء. إذ شهدت الأشهر الماضية تصاعداً في حوادث التوقيف لأبناء السويداء على حواجز قوات الأمن العام التابع لوزارة الداخلية في الإدارة الانتقالية. التوقيف في غالبية الحالات عشوائي، كخطف مدنيين على طريق دمشق-السويداء، وإخفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي. 

أُنجزت هذه المادة استناداً إلى 3 مقابلات مطولة مع أسرى محررين من أبناء السويداء، مروا بمراحل مختلفة من الاحتجاز بعد هجوم تموز 2025، من نقاط التجميع الأولى ومراكز الاحتجاز المؤقتة، إلى فرع الأمن العسكري في درعا وسجن عدرا المركزي. وتكشف شهاداتهم تشكل آليات احتجاز وتفاوض وإفراج تعمل خارج المسار القضائي، حيث يتم التعامل مع أسرى السويداء بوصفهم جماعة ذات ملف أمني وسياسي خاص، يخضع لمنطق السيطرة والتبادل والتفاوض. 

هجوم تموز وولادة ملف الأسرى

ارتبط هجوم تموز 2025 على السويداء بموجة واسعة من القتل والخطف والإخفاء القسري والاعتقال الجماعي، رافقت العمليات العسكرية التي نفذتها قوات الإدارة الانتقالية وقوات عشائرية متحالفة معها بين 13 و20 تموز. خلال أيام قليلة، اختفى مئات الأشخاص من أبناء المحافظة داخل شبكة معقدة من الحواجز ومراكز الاحتجاز المؤقتة والمقار الأمنية والسجون، فيما بقيت عائلات كثيرة لأشهر من دون معرفة مصير أبنائها أو أماكن وجودهم أو الجهة التي تتولى احتجازهم.

بدأت عمليات الاحتجاز داخل فضاء حرب مفتوح اتسم بالفوضى وتعدد الجهات المسلحة وتداخل الصلاحيات، خارج أي مسار أمني أو قضائي. غالبية “الأسرى” لم يُعتقلوا بعد تحقيقات أو مذكرات توقيف، بل خلال محاولات التنقل والفرار وإجلاء العائلات أو أثناء المرور على الحواجز ونقاط السيطرة. وتحولت الهوية الدرزية بحد ذاتها إلى عامل اشتباه واحتجاز، بغض النظر عن المشاركة الفعلية في القتال.

خلال الساعات والأيام الأولى بعد الاجتياح، تنقل الأسرى بين مجموعات مختلفة تابعة لوزارة الدفاع والأمن العام والشرطة العسكرية، إضافة إلى مجموعات عشائرية، هذا التعدد خلق حالة مستمرة من الغموض حول الجهة التي تملك القرار النهائي في مصير “الأسرى”.

في هذه المرحلة، ظهرت أولى مراكز الاحتجاز المؤقتة داخل محطات وقود ومدارس وصالات ومبانٍ مدنية حُولت بسرعة إلى نقاط تجميع للأسرى. داخل هذه الفضاءات، بدأت تتشكل أولى آليات إدارة ملف الأسرى. بعض المجموعات المسلحة تعاملت مع المحتجزين كغنائم حرب أو كأهداف للانتقام المباشر، بينما بدأت جهات أخرى بتسجيل أسماء مجموعات من الأسرى والاحتفاظ بها لاستخدامهم لاحقاً في عمليات تبادل وتفاوض.

تكشف شهادات الأسرى أن فكرة التبادل ظهرت منذ الأيام الأولى للاجتياح، قبل نقلهم إلى السجون الرئيسية. في إحدى الحالات، احتفظت مجموعة من الشرطة العسكرية بأسماء عدد من الأسرى الدروز الذين جُمعوا داخل محطة وقود غرب السويداء، ورفضت تسليمهم لمجموعات أخرى كانت تطالب بإعدامهم، بحجة أنهم سيُستخدمون لاحقاً في تبادل مع أسرى تابعين للإدارة الانتقالية لدى الفصائل الدرزية المسلحة.

بعد أيام من التنقل بين مراكز الاحتجاز المؤقتة، تركز القسم الأكبر من الأسرى الذكور داخل فرع الأمن العسكري في مدينة درعا. هناك بدأت المرحلة الأولى من إعادة تنظيم ملف الأسرى بصورة أكثر استقراراً. 

سُجِّلت الأسماء والتُقطت الصور وأُجريت تحقيقات أولية، كما بدأ فرز المحتجزين ضمن مهاجع ومنفردات، مع استمرار العزل الكامل عن العالم الخارجي. لكن هذا الانتقال لم يؤدّ إلى تحويل الأسرى إلى موقوفين ضمن ملفات قضائية واضحة، بل إلى جماعة احتجاز موحدة مرتبطة بمعركة السويداء نفسها. إذ إن التحقيقات التي أجريت داخل فرع الأمن العسكري لم تركز على وقائع جنائية محددة، بل على الخلفيات الشخصية والطائفية، والعلاقة بالحرس الوطني أو بالمجموعات المسلحة في السويداء، والمشاركة في القتال خلال تموز. كما بقيت التحقيقات تُجرى على أوراق عادية ومن دون ملفات قضائية أو إحالات واضحة إلى القضاء.

خلال هذه المرحلة أيضاً، بدأت أولى عمليات الإفراج الانتقائي، بناءً على الوساطات والعلاقات والانتماءات المحلية، فيما بقي القسم الأكبر من الأسرى داخل منظومة احتجاز مفتوحة على المفاوضات والتبادل والضغوط السياسية. كما لعبت المكالمات الهاتفية القصيرة التي سُمح لبعض الأسرى بإجرائها، دوراً أساسياً في تثبيت وجودهم داخل سجون الإدارة الانتقالية، بعد أسابيع من الغموض الكامل وانتشار أخبار المقابر الجماعية والمفقودين في السويداء.

مع نقل الأسرى لاحقاً إلى سجن عدرا المركزي قرب دمشق، كان ملف الأسرى قد خرج فعلياً من إطار الاعتقال المؤقت المرتبط بالمعركة، وتحول إلى ملف أمني وسياسي مستقل، تديره الإدارة الانتقالية عبر آليات احتجاز وتفاوض وإفراج خاصة به.

سجن عدرا وإدارة الأسر خارج المسار القضائي

بعد نحو شهر من احتجازهم في فرع الأمن العسكري في درعا، نُقل أسرى السويداء إلى سجن عدرا المركزي قرب دمشق. وعند وصولهم إلى عدرا في 18 آب/ أغسطس 2025، بلغ عدد أسرى السويداء 114 أسيراً، بينهم قاصرون، قبل أن يرتفع عدد المحتجزين الدروز في السجن إلى 120 أسيراً بعد إضافة 6 أسرى آخرين، في غالبيتهم من صحنايا. 

مثّل هذا النقل تحولاً أساسياً في طبيعة الاحتجاز. فقد انتقل الأسرى من فضاءات احتجاز مؤقتة ومفتوحة على العنف الميداني، إلى سجن مركزي أكثر استقراراً من حيث البنية والإدارة، لكنه بقي محكوماً بالمنطق نفسه الذي تشكل منذ الأيام الأولى لهجوم تموز. إذ دخل الأسرى عدرا كجماعة مرتبطة بمعركة السويداء، لا كموقوفين أُحيلوا إلى القضاء ضمن دعاوى محددة.

داخل عدرا، خضع الأسرى لنظام عزل وإدارة يومية دقيق. إذ وُزِّعوا بين مهاجع وغرف ضيقة ومنفردات، ومُنعوا من التواصل الطبيعي مع بقية السجناء أو مع العالم الخارجي. كما بقيت الاتصالات مع العائلات محدودة ومراقبة، فيما تحولت المعلومات إلى أداة ضغط أساسية. كان الأسرى يعرفون مصيرهم من الشائعات، أو من وعود الحراس، أو من زيارات اللجان، أو من أخبار التبادل التي تصلهم بصورة متقطعة.

في هذه المرحلة، صار الزمن نفسه جزءاً من إدارة الاحتجاز. تكررت الوعود بالإفراج القريب، وطُلب من الأسرى في أكثر من مرة تجهيز أغراضهم والاستعداد للخروج، ثم كانت العملية تتوقف فجأة ويعاد الجميع إلى المهاجع. هذا التناوب بين الوعد والتأجيل صنع حالة انتظار طويلة، ربطت حياة الأسرى اليومية بمصير المفاوضات بين الإدارة الانتقالية التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام والحرس الوطني في السويداء.

لم يُعرض أسرى السويداء على محاكمات، ولم تُوجه إليهم تهم فردية محددة، والتحقيقات داخل عدرا بقيت امتداداً للتحقيقات الأمنية التي بدأت في درعا، وتركزت على المشاركة في القتال، والعلاقة بالحرس الوطني، والموقف من الشيخ حكمت الهجري، والانتماء إلى السويداء بوصفها فضاءً معارضاً لسلطة دمشق الجديدة. بهذا المعنى، لم يكن التحقيق يهدف إلى بناء ملفات جنائية، بل إلى تصنيف الأسرى داخل ملف أمني وسياسي جماعي.

لعبت اللجان والزيارات الرسمية دوراً مركزياً في إدارة هذا الغموض. فقد زار أعضاء من لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الإدارة الانتقالية بعد أحداث تموز 2025، الأسرى داخل عدرا، وقدموا وعوداً متكررة بالإفراج، من دون أن تتحول هذه الزيارات إلى مسار قضائي فعلي. كما زار ممثلون عن الصليب الأحمر السجن، وساهمت زياراتهم في كشف وجود محتجزين دروز داخل المنفردات، لم يكن بقية الأسرى يعرفون بوجودهم. لكن حضور هذه الجهات بقي محدوداً أمام سلطة الأجهزة الأمنية وإدارة السجن على مصير الأسرى اليومي.

تكرر الغموض نفسه في تسميات الأسرى الرسمية. ففي أخبار وتصريحات صادرة من الإدارة الانتقالية، تم تفادي كلمة “مخطوفين”، واستخدام تسميات مختلفة مثل “المحتجزين”، و”الموقوفين”، و”المعتقلين”. كما وصف مصطفى بكور، محافظ السويداء المُعيّن من الإدارة الانتقالية، الموجودين في عدرا بأنهم في “حجز احتياطي” أو “حجز احترازي”. 

الإضرابات عن الطعام

في مواجهة هذا الوضع، تحولت الإضرابات عن الطعام إلى إحدى الأدوات القليلة التي امتلكها الأسرى داخل عدرا للضغط على إدارة السجن والجهات الأمنية المشرفة على ملفهم. شهد السجن أربعة إضرابات رئيسية بين خريف 2025 وبداية 2026، وجاءت جميعها بعد نقاشات داخل المهاجع حول توقيتها وجدواها وقدرة الأسرى على الاستمرار فيها. 

ارتبطت الإضرابات بطول الاحتجاز، وغموض المصير، وتكرار الوعود بالإفراج، وغياب أي مسار قضائي بإمكان الأسرى أو عائلاتهم متابعته. في الإضرابات الأولى، حاولت إدارة السجن احتواء الاعتراض عبر الوعود المتكررة بقرب الإفراج، واستدعاء ممثلين عن الأسرى للتفاوض معهم. ومع الوقت، بدأت الإدارة تمزج بين التهدئة والضغط المباشر، فاستُدعي بعض الأسرى إلى مكتب الضابط المناوب مدير السجن المعروف باسم الشيخ أبو بيهس، وأُبلغوا بصورة أوضح أن ملفهم أمني، ومرتبط بعمليات تبادل مع الحرس الوطني في السويداء.

الإضراب الرابع، الذي بدأ في 26 كانون الأول/ ديسمب  2025 وحمل اسم “إضراب حتى الحرية”، شكل محطة أكثر حساسية، بعدما خرج خبره من السجن وانتشر عبر صفحات ناشطي السويداء. عندها لم تعد إدارة السجن قادرة على إبقاء الإضراب داخل حدود المهجع. دخلت سرية التأديب إلى المهاجع، وضربت الأسرى، وعزلت بعضهم، قبل أن تبدأ جولة جديدة من التفاوض والوعود بالإفراج.

بهذا المعنى، صارت الإضرابات جزءاً من إدارة ملف الأسرى داخل عدرا. فهي لم تكسر منظومة الاحتجاز، لكنها كانت تجبر إدارة السجن والجهات الأمنية على كشف جزء من طريقة عملها، وعلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع الأسرى أو عبر اللجان والوسطاء. وكلما طال الاحتجاز، تحولت الإضرابات إلى وسيلة لإعادة تثبيت وجود الأسرى كجماعة واحدة، وربط مصيرهم بمسار التبادل والضغط السياسي، لا بإجراءات قضائية فردية.

بلغ هذا المسار ذروته في عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026، التي أفضت إلى الإفراج عن آخر الأسرى المعروفين من معتقلي هجوم تموز داخل عدرا. وشملت عملية التبادل النهائية، التي أُجريت بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إطلاق سراح 61 أسيراً درزياً، مقابل إطلاق الحرس الوطني سراح 25 عنصراً من قوات الإدارة الانتقالية. عملية التبادل نفسها أكدت طبيعة الملف، إذ خرج الأسرى بقرار تفاوضي، لا عبر مسار قضائي، ولا نتيجة للإضرابات. بذلك، أُغلق فصل من ملف أسرى تموز، وترك خلفه آلية قائمة يمكن إعادة استخدامها مع موجات جديدة من التوقيف والخطف والاختفاء.

ما بعد التبادل: عودة التوقيف والخطف كأدوات ضغط

أغلقت عملية تبادل الأسرى في 26 شباط/ فبراير 2026 فصل أسرى تموز المعروفين داخل سجن عدرا، لكنها لم تُنهِ منطق الأسر نفسه. خلال الأشهر التالية، عاد الملف بصيغ جديدة، عبر توقيفات على حواجز الأمن العام، واختفاء مسافرين بعد وصولهم إلى مطار دمشق الدولي، وحوادث خطف نفذتها مجموعات عشائرية خارج بنية السجون الرسمية. بذلك، انتقل الملف من احتجاز جماعي ارتبط مباشرة بهجوم تموز، إلى نمط أوسع من التوقيف والخطف والضغط على السويداء.

تظهر التوقيفات الجديدة على الحواجز بوصفها امتداداً مباشراً لمنطق الاشتباه الذي تشكل بعد تموز. ففي 7 أيار/ مايو 2026، أوقف حاجز المتونة التابع للأمن العام الشاب حاتم معين نصر، بعد إجباره على فتح هاتفه وتفتيش محتوياته. وبحسب شهادات محلية، بات تفتيش الهواتف على بعض الحواجز يستهدف صور الشيخ حكمت الهجري، أو مواد مرتبطة بالحرس الوطني، أو أغاني تمجد أبناء السويداء خلال تصديهم لهجوم تموز. هنا لا تستند عملية التوقيف إلى واقعة جنائية محددة، بل إلى قراءة الهاتف كأرشيف شخصي يكشف موقف صاحبه السياسي أو انتماءه المحلي.

ويظهر النمط نفسه في حالات الاختفاء بعد الوصول إلى دمشق أو المرور عبر مؤسساتها الأمنية. ففي 28 أيار 2026، اعتقل الأمن العام طليع غازي الطويل في مطار دمشق الدولي، بعد وصوله من السعودية، قبل أن ينقطع التواصل معه. أُبلغت عائلته بداية بأن سبب التوقيف مرتبط بأقساط غير مسددة لصالح بنك الإبداع، غير أن البنك نفى لاحقاً وجود أي طلب صادر عنه باعتقاله، مؤكداً أن إجراءاته في هذه الحالات تقتصر على الحجز التنفيذي أو الاحتياطي على أملاك العميل. تكشف هذه الواقعة انتقال الاشتباه من الحاجز إلى المطار، ومن الطريق إلى المؤسسات الرسمية، مع استمرار الغموض حول الجهة التي تملك قرار التوقيف ومكان الاحتجاز.

إلى جانب هذا المسار المرتبط بالأجهزة الأمنية، ظهر مسار آخر مختلف يجب تمييزه بدقة، وهو الخطف العشائري خارج السجون الرسمية. ففي 25 أيار 2026، اختُطفت عائلة رائد كمال زين الدين، زوجته صبا زريفة، وطفلاهما فجر ومطر، إضافة إلى سائق سيارة الأجرة صفوان القضماني، أثناء توجههم من السويداء إلى دمشق لاستخراج أوراق تتعلق بجوازات السفر. الجهة الخاطفة لم تنقلهم إلى عدرا، بل إلى ريف حمص، وقدمت نفسها بوصفها طرفاً يطالب بالإفراج عن علي حسن السمير، الذي أوقفه الحرس الوطني في السويداء بعد اتهامه بالمشاركة في هجوم تموز. وفي 3 حزيران/ يونيو 2026، أُفرج عن صبا زريفة وطفليها فجر ومطر، فيما لا يزال رائد زين الدين والقضماني مختطفين في محافظة حمص. 

هذه الحادثة تكشف طبقة أخرى من الملف. فالعائلة المخطوفة لم تدخل مسار عدرا أو الأمن العام، بل تحولت إلى رهينة لدى مجموعة عشائرية مرتبطة ببيئة مسلحة أوسع، بعدما أُجريت عملية الخطف على طريق تسيطر عليه حواجز ودوريات تابعة للسلطات المؤقتة في دمشق، ما جعل غياب التدخل الأمني جزءاً من الاتهام المحلي بتواطؤ الحواجز أو غض النظر عن الخاطفين.

بهذا المعنى، أخذ ملف الأسرى بعد شباط 2026 شكلين متوازيين. الشكل الأول يتم عبر أجهزة الأمن العام والحواجز والمطار وسجن عدرا، حيث يظهر أبناء السويداء كموقوفين أو مغيبين داخل منظومة أمنية رسمية أو شبه رسمية. والشكل الثاني يتم عبر خطف عشائري مباشر، يستخدم المدنيين كورقة مقايضة خارج السجون، كما في قضية عائلة زين الدين وسائق السيارة. الفارق بين الشكلين مهم، لكنهما يلتقيان في النتيجة نفسها، أي تحويل أبناء السويداء إلى مادة ضغط في علاقة أمنية وسياسية مفتوحة مع الإدارة الانتقالية.

الإضراب الذي أعلنه موقوفون جدد في عدرا في 27 أيار 2026 جاء داخل هذا السياق. هؤلاء ليسوا من بقايا أسرى تموز المعروفين الذين خرجوا في تبادل 26 شباط، بل من موجة جديدة من الموقوفين والمخطوفين خلال الشهرين السابقين. الإضراب الجديد يستلهم من إرث الإضرابات السابقة كوسيلة دفاع وحيدة لدى الأسرى أمام احتجازهم غير القانوني. وما يستمر هنا هو آلية التعامل مع أبناء السويداء كملف أمني وسياسي قابل للمقايضة، والتفاوض، والضغط، خارج إطار القضاء. بهذا المعنى، لم يغلق تبادل 26 شباط ملف أسرى السويداء، إذ بقيت آلية الأسر نفسها قابلة للتكرار كلما تجدد التوتر بين السويداء والإدارة الانتقالية.