fbpx

“يورو 2024″… مرآة الانتخابات الأوروبيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل تؤثر نتائج اليورو على الانتخابات في أوروبا ؟ إذ كلنا نعلم أن كرة القدم بالذات هي سلاح المهاجرين الأقوى ضد المتطرفين في أوروبا، فهل ينتصر اللعب على السياسة، أم تتحول الملاعب الى مساحة لاستعراض الأفكار الوطنية المبتذلة؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يقول فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، اليميني المتطرف، المؤمن بأوروبا المسيحية، ومدمن مشاهدة مباريات كرة القدم، أن “جوهر كرة القدم يشبه جوهر السياسة، لأن السؤال ليس أين الكرة الآن – بإمكان الجميع رؤية أين الكرة الآن – ولكن أين ستكون الكرة؟ وهذا بالضبط جوهر السياسة”.

تجري أحداث اليورو على الأراضي الألمانية في الوقت الحالي تزامناً مع الانتخابات التشريعية في أكثر من بلد أوروبي مثل فرنسا وإنكلترا واسكتلندا، وفي ظل طغيان عولمة عالم الرياضة بأكثر الأشكال وضوحاً، الإشارات الدائمة لألوان بشرة غالبية لاعبي منتخبات إنكلترا وفرنسا الداكنة، توازياً مع صعود اليمين المتطرف في البلدان الأوروبية بشكل لافت.

 لا بد أن نسأل؛ هل تؤثر نتائج اليورو على انتخابات هذه البلدان؟ إذ كلنا نعلم أن كرة القدم بالذات هي سلاح المهاجرين الأقوى والأمتن ضد المتطرفين في أوروبا، فهل ينتصر اللعب على السياسة، أم تتحول الملاعب الى مساحة لاستعراض الأفكار الوطنية المبتذلة؟

على رغم اكتساح المهاجرين تشكيلات المنتخبات الأوروبية، بإمكان كرة القدم أن تخبرنا عن مشاعر المجتمع، وأن تحفّز الأحلام الوطنية البالية وتسرد تاريخ الدول والمشاعر المتقلبة، وجميعنا يذكر ما حدث في يورو 2016 الذي تزامن مع التصويت على انسحاب إنكلترا من الاتحاد الأوروبي، فعلى المدرجات سمعنا الجمهور الإنكليزي يهتف بشعار شوفيني: “لم نعد في أوروبا بعد الآن”.

يدرك السياسيون الأوروبيون التزاوج السياسي الرياضي جيداً،  فكلنا نذكر الفريق الإيطالي في مونديال 1938 الذي كرس موسيليني على أرض الملعب، أو استغلال المجلس العسكري الأرجنتيني لمونديال 1978 على أراضيه والفوز به لإسكات الشعب عن الأوضاع المتردية، إلا أنه لا يزال القوة الثقافية الأقوى تأثيراً إذا أردنا التحدث عن استغلال المشاعر الخشنة لدى البشر، واليوم ترى السياسة أن حليفها الثقافي هو الرياضة بالدرجة الأولى حسب المؤرخ أريك هاوزباوم، الذي يرى أن الفن لم يعد مغرياً للسياسيين ليبثوا به رسائلهم، بقدر مجالات أخرى سواء علمية أو طبية أو رياضية.

هل الملعب “نظيف” من السياسة؟

تحاول لجان كرة القدم إبعاد اللعبة عن السياسة قدر الإمكان، ويفترض أن تكون ألمانيا ملاذاً هادئاً سياسياً وآمناً مع غياب للفضائح أو التشتت قبل البطولة الأوروبية بخاصة أن البطولات الأخيرة شهدت جدالات واسعة سواء مع قضية الاستبداد وقمع المثليين في روسيا أثناء كأس العالم 2018 أو قضية العدالة العرقية في يورو 2020 أو مشاكل العمالة وحقوق المرأة في مونديال قطر، ولكن الذي حدث قلب التوقعات كلها.

بدأت البطولة الأوروبية على رقعة حامية جغرافياً، أوكرانيا لا تزال تعيش حالة حرب، وفي مقطع الفيديو الرسمي للإعلان عن التشكيلة تحدث جنود ومواطنون عاديون عن أسماء اللاعبين، الذين يتبرع الكثير منهم بالمساعدات الإنسانية والعسكرية لبلادهم، أما جورجيا التي تشارك للمرة الأولى فهي ممزقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وعندما تأهلت للبطولة امتلأت الشوارع بالمؤيدين لأوروبا الذين تظاهروا ضد ما يسمى بالقانون الروسي.

 وقبيل البطولة، انتصر اليمين الأوروبي في البرلمان الأوروبي، بينما تتزامن الانتخابات الفرنسية مع البطولة التي ستكون مباراتها النهائية ليلة سقوط الباستيل في 14 من تموز/ يوليو، وقد تشهد الانتخابات دخول اليمين المتطرف الحكومة للمرة الأولى منذ عام 1944، وعلى الجبهة الغربية من أوروبا هناك إنكلترا التي انتصر فيها حزب العمال.

لا تزال بطولة أوروبا تستطيع أن تخبرنا الكثير عن السياسة، فخلال مباراة منتخبي كرواتيا وألبانيا، بدأت الجماهير الألبانية بغناء أهزوجة تحرض على قتل الصرب، وتجاوز الأمر المدرجات، فعندما احتفل اللاعب الألباني ميرليند داكو مع الجمهور صاح عبر مكبر الصوت: “اللعنة على مقدونيا، واللعنة على الصرب”، ليعاقبه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بالإيقاف لمباراتين.

وعلى الجهة المقابلة، أطلقت الجماهير الصربية أثناء مباراة منتخب بلادها مع إنكلترا هتافات تطالب بتفوق الصرب على كوسوفو، وكذلك خلال لقاء صربيا وسلوفينيا، رُفعت لافتات لخريطة صربيا الكبرى، التي تضم كوسوفو؛ المنطقة المتنازع عليها. وعلى أثر ذلك، اشتكى اتحاد كرة القدم في كوسوفو للاتحاد الأوروبي بشأن هذه الهتافات العنصرية.

عادت ذكريات الحرب المروعة في البلقان، والتي حدثت أواخر التسعينات، إلى أرض الملعب على رغم أن مجموعة كبيرة من المؤيدين الذين هتفوا أو لوحوا بالأعلام أو رفعوا الشعارات، لم يكونوا على قيد الحياة عندما اندلعت حرب كوسوفو أو قبلها؛ الذاكرة الموروثة، والآفاق الاقتصادية الضعيفة في المنطقة، والحكومات المُهملة هي أسباب تجعل القومية السامة حركة يسهل على الشباب تبنيها. إرث الدم لم يغب. ومجدداً، عكست كرة القدم الواقع الشعبي على الأرض.

أما على الصعيد الإعلامي، فتبدو الأمور هادئة في جبهة البلقان، ولكن شمال كوسوفو، حيث تعيش غالبية الأقلية الصربية في البلاد، يشكل مكاناً غير سعيد، إذ تصاعدت فيه التوترات بشكل ملحوظ على مدى العامين الماضيين.

 قليلون يعتقدون بجدية أن صراعاً آخر واسع النطاق وشيك. لكن الأمر لا يتطلب سوى زيارة قصيرة إلى بلغراد لرؤية الجداريات الكبيرة والجديدة، والتي ربما تكون بموافقة ضمنية من الدولة، تتحدث عن هجوم آخر لصربيا. وتبدي روسيا اهتماماً نشطاً بالمنطقة أيضاً، مع تداعيات غير مؤكدة. قد لا يكون لبضعة آلاف من الهتافات في الملعب أي تأثير فوري على المجتمع، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن أن تأثيرها على المدى الطويل يساعد في إضفاء الشرعية على المواقف الكارثية المحتملة.

وربما تتجه أنظار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى مكان آخر أيضاً: إذ تم عرض لافتة تحمل شعار “الدفاع عن أوروبا”، وهو شعار يميني متطرف لحركة الهوية المتطرفة، بين أنصار النمسا في مباراتهم ضد بولندا في برلين.

يبقى صعود اليمين القضية الرئيسية في اليورو هذا العام، الذي يتزامن مع الانتخابات التشريعية في فرنسا وإنكلترا، واصطفاف هذين الحدثين التاريخيين هو مفهوم مثير للاهتمام. فاليورو يجذب مشاعر المشجعين سواء اليمينيين أو اليساريين، بينما سيحاول السياسيون طرق الأبواب في كرة القدم على أمل أن يفعلوا الشيء نفسه.

أثناء المؤتمر الصحافي قبيل البطولة، نادى لاعبا منتخب فرنسا كيليان مبابي وعثمان ديمبلي- وهما لاعبان من أصول أفريقية – الشعب الفرنسي بألا يصوت لليمين وأن يحافظ على هوية المجتمع الفرنسي المتعددة. لقد تواجهت القوتان (اليمين واليسار) في فرنسا بشكل متقطع منذ عام 1996، حينها أيضاً كان لكرة القدم أثر ودور في هذه المواجهة عندما صرح الزعيم اليميني المتطرف جان ماري لوبان، والد الزعيمة الحالية مارين: “إنه أمر مصطنع بعض الشيء أن نجلب لاعبين من الخارج ونسميه الفريق الفرنسي”.

 ويبدو تصريح اللاعبين الفرنسيين حالياً مشابهاً لما فعله زين الدين زيدان قبل انتخابات عام 2002، أو بإمكاننا العودة إلى انضمام لاعبي المنتخب الفرنسي لثورة الشباب عام 1968، حينها كانت وما زالت كرة القدم جزءاً محورياً في السياسة الفرنسية.

في حال انتصر حزب التجمع الوطني اليميني بمقاعد كافية لترشيح رئيس مجلس وزراء مناهض للمهاجرين، ربما سيجد نفسه في مواجهة فريق وطني مليء باللاعبين المهاجرين. وإن انتصر اليسار سيكون المنتخب الفرنسي هو أحد إنجازاته.

المباريات قد ترسم مصير السياسيين 

وجدت الأبحاث التي نشرتها جامعة ستانفورد أن فوز فريق كرة القدم في الأسبوعين السابقين للانتخابات يجلب السياسيين إلى مناصبهم بنسبة 1.61 في المائة إضافية من الأصوات. كما أن خسارة المباريات قد يكون لها تأثير معاكس. والسياسيون الإنكليز يدركون ذلك جيداً.

في إنكلترا لديهم خبرة مشابهة بتزامن الانتخابات مع اليورو، فأثناء مونديال المكسيك عام 1970 أقصت ألمانيا الغربية إنكلترا من البطولة، ما أثر على بقاء حزب العمال في السلطة حينها، والذين هزموا على يد هارولد ويلسون بعد أربعة أيام من هزيمة المنتخب الإنكليزي.

وفي عام 1966، أعلن رئيس الوزراء الإنكليزي السابق ويلسون ــ الذي انتصر في انتخابات الربيع قبل بضعة أشهر فقط من فوز إنكلترا بكأس العالم ــ “هل لاحظتم كيف أننا لا نفوز بكأس العالم إلا في ظل حكومة عمالية؟”، وقد يفسر هذا ثقته التي كانت في غير محلها بعد مرور أربع سنوات أثناء انتخابات عام 1970.

ليس فقط تأثر الناخبين بنتائج المباريات هو الأمر المهم، لكن أيضاً الأخذ بالاعتبار أن عشرات الآلاف من الناخبين الإنكليز أو الفرنسيين، هم في ألمانيا بحلول أيام الاقتراع.

تكمن المفارقة هذه السنة في أن المنتخبين الإنكليزي والفرنسي هما الأعلى قيمة سوقياً بين جميع المنتخبات، والأكثر احتضاناً لذوي البشرة الملونة والمهاجرين الذين يشكلون أكثر من نصف الفريق، وعليه فإن نجاح هذه الفرق يعني صفعة لليمين المناهض للهجرة. إنه نجاح للاجئين وإثبات لقدرتهم على تعزيز الهوية الوطنية للبلد الأوروبي الذي استضافهم، باعتبار أن كرة القدم على صعيد المنتخبات هي النشاط الثقافي الأكثر قومية في عصرنا الحالي وشكل أساسي للتعبير عن الهوية الوطنية.

 يقول المدرب الإنكليزي ساوثجيت إن “كتيبته” محاولة لتوحيد الأمة ما بين المهاجرين والسكان الأصليين وخسارتها تعني انتصاراً لليمين المتطرف في إنكلترا، وربما كان لهذا دور في استطلاعات الرأي التي ترجع انتصار حزب العمال الساحق في الانتخابات التي أُجريت ليلة الخميس 4 حزيران/ يونيو، وهذا ما حصل فعلاً.

بدورها، لم تبتعد كرة القدم الألمانية أبداً عن الانتماءات السياسية. تتباهى أندية كبرى عدة في البلاد بقاعدة جماهيرية يسارية بلا خجل، في حين تتجه أندية أخرى إلى اليمين. وفي حين تحتفظ بعض هذه الأندية بعناصر متطرفة، انضمت أندية عدة من مجتمع كرة القدم في برلين إلى التظاهرات الحاشدة ضد حزب البديل من أجل ألمانيا، وكان الكثير منها يحمل شعارات مثل “لا كرة قدم للفاشيين!” و”كرة القدم ترحب باللاجئين”.

من المرجح أن يحاول حزب البديل من أجل ألمانيا وغيره من العناصر اليمينية المتطرفة الاستفادة من أي نجاح ألماني لتغذية الحماسة القومية، في حين سيحاول المعارضون تقويض هذا الخطاب عند كل منعطف، ما يمهد الطريق لكرة القدم لتصبح أحدث ساحة معركة للفكر الأيديولوجي في ألمانيا. يأتي ذلك بعد استطلاع للرأي أجري أخيراً في ألمانيا أظهر أن 21 في المئة من الالمان يتمنون أن يكون فريقهم الوطني أكثر بياضاً!!

عام 1942، لعب نادي دينامو كييف الأوكراني مع فريق ألمانيا العسكري بعد احتلال هتلر أوكرانيا. لم تكن مباراة كرة قدم، إذ عزف مارشال عسكري بدلاً من النشيد الوطني. حينها تم تهديد اللاعبين الأوكرانيين بالقتل إن ربحوا على الفريق الألماني. على رغم ذلك وخلال اللعب، لم يستطيعوا أن يخسروا وسجلوا الأهداف على فريق هتلر، مع هتافات المشجعين الوطنية والتي لم نسمعها في الساحات أو المنابر الصحافية، لكن تقول “الحكاية” إنه تم إعدام عدد من اللاعبين الأوكران واعتقال بعضهم.

الحديث عن ارتباط الرياضة بالسياسة هو أمر مبتذل بل ومسلم به، ولكن من المثير أن تكتشف المشاعر القاسية الوطنية والتوجهات السياسية غير المعلنة داخل الملاعب فقط، وعبرها تستطيع قراءة واقع سياسي غير إعلامي، واقع قادر على تجسيد السياسة والمجتمع بكل فضائحية.

06.07.2024
زمن القراءة: 7 minutes

هل تؤثر نتائج اليورو على الانتخابات في أوروبا ؟ إذ كلنا نعلم أن كرة القدم بالذات هي سلاح المهاجرين الأقوى ضد المتطرفين في أوروبا، فهل ينتصر اللعب على السياسة، أم تتحول الملاعب الى مساحة لاستعراض الأفكار الوطنية المبتذلة؟

يقول فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، اليميني المتطرف، المؤمن بأوروبا المسيحية، ومدمن مشاهدة مباريات كرة القدم، أن “جوهر كرة القدم يشبه جوهر السياسة، لأن السؤال ليس أين الكرة الآن – بإمكان الجميع رؤية أين الكرة الآن – ولكن أين ستكون الكرة؟ وهذا بالضبط جوهر السياسة”.

تجري أحداث اليورو على الأراضي الألمانية في الوقت الحالي تزامناً مع الانتخابات التشريعية في أكثر من بلد أوروبي مثل فرنسا وإنكلترا واسكتلندا، وفي ظل طغيان عولمة عالم الرياضة بأكثر الأشكال وضوحاً، الإشارات الدائمة لألوان بشرة غالبية لاعبي منتخبات إنكلترا وفرنسا الداكنة، توازياً مع صعود اليمين المتطرف في البلدان الأوروبية بشكل لافت.

 لا بد أن نسأل؛ هل تؤثر نتائج اليورو على انتخابات هذه البلدان؟ إذ كلنا نعلم أن كرة القدم بالذات هي سلاح المهاجرين الأقوى والأمتن ضد المتطرفين في أوروبا، فهل ينتصر اللعب على السياسة، أم تتحول الملاعب الى مساحة لاستعراض الأفكار الوطنية المبتذلة؟

على رغم اكتساح المهاجرين تشكيلات المنتخبات الأوروبية، بإمكان كرة القدم أن تخبرنا عن مشاعر المجتمع، وأن تحفّز الأحلام الوطنية البالية وتسرد تاريخ الدول والمشاعر المتقلبة، وجميعنا يذكر ما حدث في يورو 2016 الذي تزامن مع التصويت على انسحاب إنكلترا من الاتحاد الأوروبي، فعلى المدرجات سمعنا الجمهور الإنكليزي يهتف بشعار شوفيني: “لم نعد في أوروبا بعد الآن”.

يدرك السياسيون الأوروبيون التزاوج السياسي الرياضي جيداً،  فكلنا نذكر الفريق الإيطالي في مونديال 1938 الذي كرس موسيليني على أرض الملعب، أو استغلال المجلس العسكري الأرجنتيني لمونديال 1978 على أراضيه والفوز به لإسكات الشعب عن الأوضاع المتردية، إلا أنه لا يزال القوة الثقافية الأقوى تأثيراً إذا أردنا التحدث عن استغلال المشاعر الخشنة لدى البشر، واليوم ترى السياسة أن حليفها الثقافي هو الرياضة بالدرجة الأولى حسب المؤرخ أريك هاوزباوم، الذي يرى أن الفن لم يعد مغرياً للسياسيين ليبثوا به رسائلهم، بقدر مجالات أخرى سواء علمية أو طبية أو رياضية.

هل الملعب “نظيف” من السياسة؟

تحاول لجان كرة القدم إبعاد اللعبة عن السياسة قدر الإمكان، ويفترض أن تكون ألمانيا ملاذاً هادئاً سياسياً وآمناً مع غياب للفضائح أو التشتت قبل البطولة الأوروبية بخاصة أن البطولات الأخيرة شهدت جدالات واسعة سواء مع قضية الاستبداد وقمع المثليين في روسيا أثناء كأس العالم 2018 أو قضية العدالة العرقية في يورو 2020 أو مشاكل العمالة وحقوق المرأة في مونديال قطر، ولكن الذي حدث قلب التوقعات كلها.

بدأت البطولة الأوروبية على رقعة حامية جغرافياً، أوكرانيا لا تزال تعيش حالة حرب، وفي مقطع الفيديو الرسمي للإعلان عن التشكيلة تحدث جنود ومواطنون عاديون عن أسماء اللاعبين، الذين يتبرع الكثير منهم بالمساعدات الإنسانية والعسكرية لبلادهم، أما جورجيا التي تشارك للمرة الأولى فهي ممزقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وعندما تأهلت للبطولة امتلأت الشوارع بالمؤيدين لأوروبا الذين تظاهروا ضد ما يسمى بالقانون الروسي.

 وقبيل البطولة، انتصر اليمين الأوروبي في البرلمان الأوروبي، بينما تتزامن الانتخابات الفرنسية مع البطولة التي ستكون مباراتها النهائية ليلة سقوط الباستيل في 14 من تموز/ يوليو، وقد تشهد الانتخابات دخول اليمين المتطرف الحكومة للمرة الأولى منذ عام 1944، وعلى الجبهة الغربية من أوروبا هناك إنكلترا التي انتصر فيها حزب العمال.

لا تزال بطولة أوروبا تستطيع أن تخبرنا الكثير عن السياسة، فخلال مباراة منتخبي كرواتيا وألبانيا، بدأت الجماهير الألبانية بغناء أهزوجة تحرض على قتل الصرب، وتجاوز الأمر المدرجات، فعندما احتفل اللاعب الألباني ميرليند داكو مع الجمهور صاح عبر مكبر الصوت: “اللعنة على مقدونيا، واللعنة على الصرب”، ليعاقبه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بالإيقاف لمباراتين.

وعلى الجهة المقابلة، أطلقت الجماهير الصربية أثناء مباراة منتخب بلادها مع إنكلترا هتافات تطالب بتفوق الصرب على كوسوفو، وكذلك خلال لقاء صربيا وسلوفينيا، رُفعت لافتات لخريطة صربيا الكبرى، التي تضم كوسوفو؛ المنطقة المتنازع عليها. وعلى أثر ذلك، اشتكى اتحاد كرة القدم في كوسوفو للاتحاد الأوروبي بشأن هذه الهتافات العنصرية.

عادت ذكريات الحرب المروعة في البلقان، والتي حدثت أواخر التسعينات، إلى أرض الملعب على رغم أن مجموعة كبيرة من المؤيدين الذين هتفوا أو لوحوا بالأعلام أو رفعوا الشعارات، لم يكونوا على قيد الحياة عندما اندلعت حرب كوسوفو أو قبلها؛ الذاكرة الموروثة، والآفاق الاقتصادية الضعيفة في المنطقة، والحكومات المُهملة هي أسباب تجعل القومية السامة حركة يسهل على الشباب تبنيها. إرث الدم لم يغب. ومجدداً، عكست كرة القدم الواقع الشعبي على الأرض.

أما على الصعيد الإعلامي، فتبدو الأمور هادئة في جبهة البلقان، ولكن شمال كوسوفو، حيث تعيش غالبية الأقلية الصربية في البلاد، يشكل مكاناً غير سعيد، إذ تصاعدت فيه التوترات بشكل ملحوظ على مدى العامين الماضيين.

 قليلون يعتقدون بجدية أن صراعاً آخر واسع النطاق وشيك. لكن الأمر لا يتطلب سوى زيارة قصيرة إلى بلغراد لرؤية الجداريات الكبيرة والجديدة، والتي ربما تكون بموافقة ضمنية من الدولة، تتحدث عن هجوم آخر لصربيا. وتبدي روسيا اهتماماً نشطاً بالمنطقة أيضاً، مع تداعيات غير مؤكدة. قد لا يكون لبضعة آلاف من الهتافات في الملعب أي تأثير فوري على المجتمع، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن أن تأثيرها على المدى الطويل يساعد في إضفاء الشرعية على المواقف الكارثية المحتملة.

وربما تتجه أنظار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى مكان آخر أيضاً: إذ تم عرض لافتة تحمل شعار “الدفاع عن أوروبا”، وهو شعار يميني متطرف لحركة الهوية المتطرفة، بين أنصار النمسا في مباراتهم ضد بولندا في برلين.

يبقى صعود اليمين القضية الرئيسية في اليورو هذا العام، الذي يتزامن مع الانتخابات التشريعية في فرنسا وإنكلترا، واصطفاف هذين الحدثين التاريخيين هو مفهوم مثير للاهتمام. فاليورو يجذب مشاعر المشجعين سواء اليمينيين أو اليساريين، بينما سيحاول السياسيون طرق الأبواب في كرة القدم على أمل أن يفعلوا الشيء نفسه.

أثناء المؤتمر الصحافي قبيل البطولة، نادى لاعبا منتخب فرنسا كيليان مبابي وعثمان ديمبلي- وهما لاعبان من أصول أفريقية – الشعب الفرنسي بألا يصوت لليمين وأن يحافظ على هوية المجتمع الفرنسي المتعددة. لقد تواجهت القوتان (اليمين واليسار) في فرنسا بشكل متقطع منذ عام 1996، حينها أيضاً كان لكرة القدم أثر ودور في هذه المواجهة عندما صرح الزعيم اليميني المتطرف جان ماري لوبان، والد الزعيمة الحالية مارين: “إنه أمر مصطنع بعض الشيء أن نجلب لاعبين من الخارج ونسميه الفريق الفرنسي”.

 ويبدو تصريح اللاعبين الفرنسيين حالياً مشابهاً لما فعله زين الدين زيدان قبل انتخابات عام 2002، أو بإمكاننا العودة إلى انضمام لاعبي المنتخب الفرنسي لثورة الشباب عام 1968، حينها كانت وما زالت كرة القدم جزءاً محورياً في السياسة الفرنسية.

في حال انتصر حزب التجمع الوطني اليميني بمقاعد كافية لترشيح رئيس مجلس وزراء مناهض للمهاجرين، ربما سيجد نفسه في مواجهة فريق وطني مليء باللاعبين المهاجرين. وإن انتصر اليسار سيكون المنتخب الفرنسي هو أحد إنجازاته.

المباريات قد ترسم مصير السياسيين 

وجدت الأبحاث التي نشرتها جامعة ستانفورد أن فوز فريق كرة القدم في الأسبوعين السابقين للانتخابات يجلب السياسيين إلى مناصبهم بنسبة 1.61 في المائة إضافية من الأصوات. كما أن خسارة المباريات قد يكون لها تأثير معاكس. والسياسيون الإنكليز يدركون ذلك جيداً.

في إنكلترا لديهم خبرة مشابهة بتزامن الانتخابات مع اليورو، فأثناء مونديال المكسيك عام 1970 أقصت ألمانيا الغربية إنكلترا من البطولة، ما أثر على بقاء حزب العمال في السلطة حينها، والذين هزموا على يد هارولد ويلسون بعد أربعة أيام من هزيمة المنتخب الإنكليزي.

وفي عام 1966، أعلن رئيس الوزراء الإنكليزي السابق ويلسون ــ الذي انتصر في انتخابات الربيع قبل بضعة أشهر فقط من فوز إنكلترا بكأس العالم ــ “هل لاحظتم كيف أننا لا نفوز بكأس العالم إلا في ظل حكومة عمالية؟”، وقد يفسر هذا ثقته التي كانت في غير محلها بعد مرور أربع سنوات أثناء انتخابات عام 1970.

ليس فقط تأثر الناخبين بنتائج المباريات هو الأمر المهم، لكن أيضاً الأخذ بالاعتبار أن عشرات الآلاف من الناخبين الإنكليز أو الفرنسيين، هم في ألمانيا بحلول أيام الاقتراع.

تكمن المفارقة هذه السنة في أن المنتخبين الإنكليزي والفرنسي هما الأعلى قيمة سوقياً بين جميع المنتخبات، والأكثر احتضاناً لذوي البشرة الملونة والمهاجرين الذين يشكلون أكثر من نصف الفريق، وعليه فإن نجاح هذه الفرق يعني صفعة لليمين المناهض للهجرة. إنه نجاح للاجئين وإثبات لقدرتهم على تعزيز الهوية الوطنية للبلد الأوروبي الذي استضافهم، باعتبار أن كرة القدم على صعيد المنتخبات هي النشاط الثقافي الأكثر قومية في عصرنا الحالي وشكل أساسي للتعبير عن الهوية الوطنية.

 يقول المدرب الإنكليزي ساوثجيت إن “كتيبته” محاولة لتوحيد الأمة ما بين المهاجرين والسكان الأصليين وخسارتها تعني انتصاراً لليمين المتطرف في إنكلترا، وربما كان لهذا دور في استطلاعات الرأي التي ترجع انتصار حزب العمال الساحق في الانتخابات التي أُجريت ليلة الخميس 4 حزيران/ يونيو، وهذا ما حصل فعلاً.

بدورها، لم تبتعد كرة القدم الألمانية أبداً عن الانتماءات السياسية. تتباهى أندية كبرى عدة في البلاد بقاعدة جماهيرية يسارية بلا خجل، في حين تتجه أندية أخرى إلى اليمين. وفي حين تحتفظ بعض هذه الأندية بعناصر متطرفة، انضمت أندية عدة من مجتمع كرة القدم في برلين إلى التظاهرات الحاشدة ضد حزب البديل من أجل ألمانيا، وكان الكثير منها يحمل شعارات مثل “لا كرة قدم للفاشيين!” و”كرة القدم ترحب باللاجئين”.

من المرجح أن يحاول حزب البديل من أجل ألمانيا وغيره من العناصر اليمينية المتطرفة الاستفادة من أي نجاح ألماني لتغذية الحماسة القومية، في حين سيحاول المعارضون تقويض هذا الخطاب عند كل منعطف، ما يمهد الطريق لكرة القدم لتصبح أحدث ساحة معركة للفكر الأيديولوجي في ألمانيا. يأتي ذلك بعد استطلاع للرأي أجري أخيراً في ألمانيا أظهر أن 21 في المئة من الالمان يتمنون أن يكون فريقهم الوطني أكثر بياضاً!!

عام 1942، لعب نادي دينامو كييف الأوكراني مع فريق ألمانيا العسكري بعد احتلال هتلر أوكرانيا. لم تكن مباراة كرة قدم، إذ عزف مارشال عسكري بدلاً من النشيد الوطني. حينها تم تهديد اللاعبين الأوكرانيين بالقتل إن ربحوا على الفريق الألماني. على رغم ذلك وخلال اللعب، لم يستطيعوا أن يخسروا وسجلوا الأهداف على فريق هتلر، مع هتافات المشجعين الوطنية والتي لم نسمعها في الساحات أو المنابر الصحافية، لكن تقول “الحكاية” إنه تم إعدام عدد من اللاعبين الأوكران واعتقال بعضهم.

الحديث عن ارتباط الرياضة بالسياسة هو أمر مبتذل بل ومسلم به، ولكن من المثير أن تكتشف المشاعر القاسية الوطنية والتوجهات السياسية غير المعلنة داخل الملاعب فقط، وعبرها تستطيع قراءة واقع سياسي غير إعلامي، واقع قادر على تجسيد السياسة والمجتمع بكل فضائحية.

06.07.2024
زمن القراءة: 7 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية