ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

يوميات نيكولا ساركوزي في السجن: “الانغماس في الرداءة”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعيداً عن هزلية المشهد وبغض النظر عن براءته من عدمها، قد يكون ساركوزي قد شعر بالغبن بعد قرار المحكمة، وهو المتمسك حتى الساعة ببراءته، ما دفعه إلى توثيق “مظلوميته”. لا نعلم بعد محتوى الكتاب، لكن ساركوزي ليس شخصاً ساذجاً ليصل به الحال إلى حد تقديم نفسه بصورة “مانديلا”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

موجة التهكم التي اجتاحت الرأي العام الفرنسي بعد إعلان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عن تحضيره لإطلاق كتاب جديد يتناول تجربته في السجن، تبدو تفاعلاً منطقياً إذا ما نظرنا إلى الخبر من زاوية الشكل فقط. الشائع أن نشر مذكرات من هذا النوع يقتصر على من أمضوا سنوات في السجن، ما يتيح لهم سرد تجربتهم في “قتل الوقت” أو توثيق ظروف اعتقال قاسية. كما اعتاد القراء على متابعة ما يصدر عن السجناء السياسيين، الذين يحولون عزلتهم إلى محطة للتأمل والمراجعة، أو لتصدير أفكار وأدوات عمل مبتكرة.

لكن حالة ساركوزي تختلف عن هذا النمط. فقد دخل السجن بقضية فساد تتعلق بتمويل ليبي لحملته الرئاسية عام 2007، ولم يمضِ فيه سوى 20 يوماً. بالتالي، أن يحمل كتابه المقبل عنوان “يوميات سجين”، جعله بطبيعة الحال عرضة للتصويب اللاذع، خصوصاً من صحف ومواقع إلكترونية متواضعة، بالنظر إلى نطاق انتشارها. صحيفة Charente Libre شبّهت كتاب ساركوزي بالانغماس في الرداءة، فيما استهزأت مجلة Les introckuptibles بالخطوة واصفة الرئيس السابق بالكاتب “الفرط صوتي”.

اللافت هو امتناع الصحف الفرنسية الكبرى عن المشاركة في هذا الهجوم الحاد، لتحافظ على لهجة خبرية. صحيفة Libération غردت بخجل خارج هذا السرب بعد تساؤلها: هل 20 يوماً مدة كافية لكتابة منشور ضد السجون؟

أما التصويب الأبرز على الرئيس الفرنسي الأسبق فقد جاء من رواد موقع إكس: أحدهم قرر إصدار كتاب عن تحديات العيش من دون ماء بعد انقطاع الماء عن منزله لمدة ساعتين. بينما تساءل آخر: هل سيخصص ساركوزي صفحات كتابه الـ216 للحديث عن تجربة أكل اللبن داخل السجن؟ ورأى ثالث أننا لن ننتظر طويلاً قبل تحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، فيما تهكم رابع على ساركوزي “الذي ظن نفسه مانديلا بعد مروره السريع بالسجن”.  

بعيداً عن هزلية المشهد وبغض النظر عن براءته من عدمها، قد يكون ساركوزي قد شعر بالغبن بعد قرار المحكمة، وهو المتمسك حتى الساعة ببراءته، ما دفعه إلى توثيق “مظلوميته”. لا نعلم بعد محتوى الكتاب، لكن ساركوزي ليس شخصاً ساذجاً ليصل به الحال إلى حد تقديم نفسه بصورة “مانديلا”.

الغاية من كتابه ليست بالتأكيد تحويله إلى علامة فارقة في أدب السجون بل ينطلق من استراتيجية مدروسة، عنوانها: الإدارة الإعلامية والسياسية لمشهدية دخول نيكولا ساركوزي إلى السجن. 

الرئيس الأسبق صرح قبل دخوله السجن أنه بصدد الطعن بقرار المحكمة، ما دلّ على عدم استسلامه لقدره، كما كشف أن أمتعته ستحتوي في أيامه الأولى على كتابين: الأول يروي سيرة يسوع والثاني رواية “الكونت دي مونت كريستو” الشهيرة التي تتناول أحداثها مفاهيم العدالة والانتقام والرحمة والمغفرة.

محيط منزله شهد تجمعا لأنصاره بغرض توديعه صبيحة انتقاله إلى السجن. وبعد أيام على سجنه نشر حساب ساركوزي على إنستغرام مقطعاً مصوراً، يُظهر كمية الرسائل والهدايا التي تلقاها الرئيس الأسبق من المتضامنين مع “محنته”.

على رغم ابتعاده عن صدارة المشهد السياسي الفرنسي منذ العام 2012، لا يزال ساركوزي رقماً صعباً يصعب تخطّيه من معسكره السياسي. مكانة دفعته في أوقات سابقة إلى محاولة التأثير على خارطة التحالفات السياسية والحزبية. 

المشهديات المذكورة أعلاه تشير إلى أن من ضمن الدوافع المحتملة لنشر ساركوزي كتابه هذا، تعزيز التواصل مع أنصاره والمراكمة على شعبيته التي تجددت أخيراً، بخاصة وأن جانباً من التضامن معه انطوى على “تعاطف إنساني”. 

ففي تغريدته التي تضمنت مقتطفاً من كتابه المنتظر، أورد ساركوزي: “في السجن … أنسى الصمت … هناك الكثير لأسمعه. الضجيج وللأسف، لا يتوقف”. قد يكون المقصود بهذه الجملة الإشارة إلى المقاطع المصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ونسبت الى مساجين أقدموا على الصراخ ليلاً لإقلاق راحته، إلى جانب توجيه سيل من الشتائم والتهديدات. 

يرجح إذاً أن يكون ساركوزي قد قرر الاستثمار في هذه “المظلومية” لدى أنصاره، مراهناً في الوقت ذاته على إمكانية “إصابة عصفور آخر بالحجر ذاته”.

لعل الغاية أيضاً من نشر “يوميات سجين”، الضغط على المحكمة التي تنظر بطلب الاستئناف. من الشائع في قضايا الرأي العام، سعي فريق الدفاع إلى كسب “تعاطف جماهيري” لثني القضاة عن معاداة الشارع لما قد ينتج منه من حملات تشكيك، وبالتالي انتزاع حكم مخفف. 

كما ذُكر أعلاه، لم يتضح بعد ما سيحمله كتابه، لكن بالتأكيد لن يُخصص بالكامل لتناول يوميات ساركوزي في السجن. فإقامته التي لم تتخطّ عتبة الشهر، لا توفر ما يكفي من المواد لملء 216 صفحة وإلا سيكون سرداً مملاً. من الوارد جداً تخصيص جانب من الكتاب لإعادة تأكيد براءة الرئيس الأسبق من خلال استعراض جديد لعلاقته بمعمر القذافي أو لمسار التحقيق والمحاكمة: نجاح هذه الخطة أو فشلها رهن بالشهور المقبلة.

وكما بات معروفاً، دخول نيكولا ساركوزي إلى السجن بصفته رئيساً سابقاً للجمهورية، يعد سابقة فرنسية، سابقة ستدون حكماً في كتب التاريخ والقضاء. وعليه، من الجائز أن يكون من بين أهداف ساركوزي تحويل كتابه إلى مرجع تاريخي يستند إليه المؤرخون و/أو الباحثون. فرضية تعززها تصريحات ساركوزي عشية دخوله السجن، حول تحضيره لكتاب بصفته “رئيساً مسجوناً”.

يضاف إلى ما سبق ذكره، أن الكتاب يمثل فرصة للظهور الإعلامي، أو بالحد الأدنى لتجديد حججه، ما يجبر الصحافيين على تناوله أثناء تغطيتهم ملف القضية.  

هوية دار النشر التي ستتولى إصدار الكتاب تثير بدورها أعلى درجات الانتباه. فدار Fayard تعود ملكيتها الى رجل الأعمال فانسان بولوريه، المساهم الأبرز في مجموعة Lagardère، والتي يشغل ساركوزي عضوية مجلس إدارتها. من المعروف أن بولوريه يتبنى وبحماسة ملحوظة نظرية “اتحاد اليمينيين”، وهو يسعى بذلك إلى التأثير على الخارطة السياسية الفرنسية من خلال إمبراطوريته الإعلامية، ما يشير الى حجم تقاطع المصالح السياسية والتجارية. 

مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJ | 14.04.2026

حول تحقيق “أرباح مرض السرطان”

كشف تحقيق استمر عامًا أجراه "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" ICIJ، كيف حافظت شركة ميرك & كو على تسعير مرتفع بشكل استثنائي لدواء السرطان الشهير "كيترودا"، وفي الوقت نفسه عملت على تقليل المنافسة في السوق.
26.11.2025
زمن القراءة: 4 minutes

بعيداً عن هزلية المشهد وبغض النظر عن براءته من عدمها، قد يكون ساركوزي قد شعر بالغبن بعد قرار المحكمة، وهو المتمسك حتى الساعة ببراءته، ما دفعه إلى توثيق “مظلوميته”. لا نعلم بعد محتوى الكتاب، لكن ساركوزي ليس شخصاً ساذجاً ليصل به الحال إلى حد تقديم نفسه بصورة “مانديلا”.

موجة التهكم التي اجتاحت الرأي العام الفرنسي بعد إعلان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عن تحضيره لإطلاق كتاب جديد يتناول تجربته في السجن، تبدو تفاعلاً منطقياً إذا ما نظرنا إلى الخبر من زاوية الشكل فقط. الشائع أن نشر مذكرات من هذا النوع يقتصر على من أمضوا سنوات في السجن، ما يتيح لهم سرد تجربتهم في “قتل الوقت” أو توثيق ظروف اعتقال قاسية. كما اعتاد القراء على متابعة ما يصدر عن السجناء السياسيين، الذين يحولون عزلتهم إلى محطة للتأمل والمراجعة، أو لتصدير أفكار وأدوات عمل مبتكرة.

لكن حالة ساركوزي تختلف عن هذا النمط. فقد دخل السجن بقضية فساد تتعلق بتمويل ليبي لحملته الرئاسية عام 2007، ولم يمضِ فيه سوى 20 يوماً. بالتالي، أن يحمل كتابه المقبل عنوان “يوميات سجين”، جعله بطبيعة الحال عرضة للتصويب اللاذع، خصوصاً من صحف ومواقع إلكترونية متواضعة، بالنظر إلى نطاق انتشارها. صحيفة Charente Libre شبّهت كتاب ساركوزي بالانغماس في الرداءة، فيما استهزأت مجلة Les introckuptibles بالخطوة واصفة الرئيس السابق بالكاتب “الفرط صوتي”.

اللافت هو امتناع الصحف الفرنسية الكبرى عن المشاركة في هذا الهجوم الحاد، لتحافظ على لهجة خبرية. صحيفة Libération غردت بخجل خارج هذا السرب بعد تساؤلها: هل 20 يوماً مدة كافية لكتابة منشور ضد السجون؟

أما التصويب الأبرز على الرئيس الفرنسي الأسبق فقد جاء من رواد موقع إكس: أحدهم قرر إصدار كتاب عن تحديات العيش من دون ماء بعد انقطاع الماء عن منزله لمدة ساعتين. بينما تساءل آخر: هل سيخصص ساركوزي صفحات كتابه الـ216 للحديث عن تجربة أكل اللبن داخل السجن؟ ورأى ثالث أننا لن ننتظر طويلاً قبل تحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، فيما تهكم رابع على ساركوزي “الذي ظن نفسه مانديلا بعد مروره السريع بالسجن”.  

بعيداً عن هزلية المشهد وبغض النظر عن براءته من عدمها، قد يكون ساركوزي قد شعر بالغبن بعد قرار المحكمة، وهو المتمسك حتى الساعة ببراءته، ما دفعه إلى توثيق “مظلوميته”. لا نعلم بعد محتوى الكتاب، لكن ساركوزي ليس شخصاً ساذجاً ليصل به الحال إلى حد تقديم نفسه بصورة “مانديلا”.

الغاية من كتابه ليست بالتأكيد تحويله إلى علامة فارقة في أدب السجون بل ينطلق من استراتيجية مدروسة، عنوانها: الإدارة الإعلامية والسياسية لمشهدية دخول نيكولا ساركوزي إلى السجن. 

الرئيس الأسبق صرح قبل دخوله السجن أنه بصدد الطعن بقرار المحكمة، ما دلّ على عدم استسلامه لقدره، كما كشف أن أمتعته ستحتوي في أيامه الأولى على كتابين: الأول يروي سيرة يسوع والثاني رواية “الكونت دي مونت كريستو” الشهيرة التي تتناول أحداثها مفاهيم العدالة والانتقام والرحمة والمغفرة.

محيط منزله شهد تجمعا لأنصاره بغرض توديعه صبيحة انتقاله إلى السجن. وبعد أيام على سجنه نشر حساب ساركوزي على إنستغرام مقطعاً مصوراً، يُظهر كمية الرسائل والهدايا التي تلقاها الرئيس الأسبق من المتضامنين مع “محنته”.

على رغم ابتعاده عن صدارة المشهد السياسي الفرنسي منذ العام 2012، لا يزال ساركوزي رقماً صعباً يصعب تخطّيه من معسكره السياسي. مكانة دفعته في أوقات سابقة إلى محاولة التأثير على خارطة التحالفات السياسية والحزبية. 

المشهديات المذكورة أعلاه تشير إلى أن من ضمن الدوافع المحتملة لنشر ساركوزي كتابه هذا، تعزيز التواصل مع أنصاره والمراكمة على شعبيته التي تجددت أخيراً، بخاصة وأن جانباً من التضامن معه انطوى على “تعاطف إنساني”. 

ففي تغريدته التي تضمنت مقتطفاً من كتابه المنتظر، أورد ساركوزي: “في السجن … أنسى الصمت … هناك الكثير لأسمعه. الضجيج وللأسف، لا يتوقف”. قد يكون المقصود بهذه الجملة الإشارة إلى المقاطع المصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ونسبت الى مساجين أقدموا على الصراخ ليلاً لإقلاق راحته، إلى جانب توجيه سيل من الشتائم والتهديدات. 

يرجح إذاً أن يكون ساركوزي قد قرر الاستثمار في هذه “المظلومية” لدى أنصاره، مراهناً في الوقت ذاته على إمكانية “إصابة عصفور آخر بالحجر ذاته”.

لعل الغاية أيضاً من نشر “يوميات سجين”، الضغط على المحكمة التي تنظر بطلب الاستئناف. من الشائع في قضايا الرأي العام، سعي فريق الدفاع إلى كسب “تعاطف جماهيري” لثني القضاة عن معاداة الشارع لما قد ينتج منه من حملات تشكيك، وبالتالي انتزاع حكم مخفف. 

كما ذُكر أعلاه، لم يتضح بعد ما سيحمله كتابه، لكن بالتأكيد لن يُخصص بالكامل لتناول يوميات ساركوزي في السجن. فإقامته التي لم تتخطّ عتبة الشهر، لا توفر ما يكفي من المواد لملء 216 صفحة وإلا سيكون سرداً مملاً. من الوارد جداً تخصيص جانب من الكتاب لإعادة تأكيد براءة الرئيس الأسبق من خلال استعراض جديد لعلاقته بمعمر القذافي أو لمسار التحقيق والمحاكمة: نجاح هذه الخطة أو فشلها رهن بالشهور المقبلة.

وكما بات معروفاً، دخول نيكولا ساركوزي إلى السجن بصفته رئيساً سابقاً للجمهورية، يعد سابقة فرنسية، سابقة ستدون حكماً في كتب التاريخ والقضاء. وعليه، من الجائز أن يكون من بين أهداف ساركوزي تحويل كتابه إلى مرجع تاريخي يستند إليه المؤرخون و/أو الباحثون. فرضية تعززها تصريحات ساركوزي عشية دخوله السجن، حول تحضيره لكتاب بصفته “رئيساً مسجوناً”.

يضاف إلى ما سبق ذكره، أن الكتاب يمثل فرصة للظهور الإعلامي، أو بالحد الأدنى لتجديد حججه، ما يجبر الصحافيين على تناوله أثناء تغطيتهم ملف القضية.  

هوية دار النشر التي ستتولى إصدار الكتاب تثير بدورها أعلى درجات الانتباه. فدار Fayard تعود ملكيتها الى رجل الأعمال فانسان بولوريه، المساهم الأبرز في مجموعة Lagardère، والتي يشغل ساركوزي عضوية مجلس إدارتها. من المعروف أن بولوريه يتبنى وبحماسة ملحوظة نظرية “اتحاد اليمينيين”، وهو يسعى بذلك إلى التأثير على الخارطة السياسية الفرنسية من خلال إمبراطوريته الإعلامية، ما يشير الى حجم تقاطع المصالح السياسية والتجارية. 

26.11.2025
زمن القراءة: 4 minutes
|
آخر القصص
حول تحقيق “أرباح مرض السرطان”
مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJ | 14.04.2026
كيف يجني المزوّرون أرباحًا من أكثر أدوية السرطان مبيعًا في العالم؟
مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJ | 14.04.2026
عن أصدقاء “شيعة”
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 14.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية