ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

يوم غابت النساء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كشف لي الزفاف هشاشة ما يُعتبر أدواراً بديهية، وحدود معرفتنا بالأدوار الجندرية، فوضع شخصاً في موقع لم يُدرّب عليه، وحينها ظهر ثقل ما لم يكن محسوباً، والسؤال ليس عمّا شعرت به، بل عمّا كُشفَ لي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يوم زفاف أختي الصغيرة، كان مجرّد جلسة تصوير، لا زغاريد، لا أمّ، لا أحد من العائلة، أنا فقط… 

شابّ يحمل الفستان وباقة الورد، ويتنقّل من مكان إلى مكان، أنفّذ المطلوب، أمسك الفستان، أرفع الطرحة، أعطي باقة الورد لأختي ثم آخذها، أُجري اتّصالات عدّة.

 أحسست وقتها أنني أمام انهيار معرفي، اكتشفت أنني وُضعت في مكان ليس مكاني، وسؤالي كلّ الوقت: لِمَ أنا؟

 كشف لي الزفاف هشاشة ما يُعتبر أدواراً بديهية، وحدود معرفتنا بالأدوار الجندرية، فوضع شخصاً في موقع لم يُدرّب عليه، وحينها ظهر ثقل ما لم يكن محسوباً، والسؤال ليس عمّا شعرت به، بل عمّا كُشفَ لي. 

فغياب النساء لا يخلق فراغاً عاطفياً فقط، بل يضع الآخرين أمام منظومة كاملة كانوا يمرّون من خلالها دون وعي، فقد اعتدنا أن تقوم النساء بكل التفاصيل، وعدم وجود “بديل” جاهز كشف الدور الحقيقي لهذه الأدوار بالنسبة لي. 

تنتظر الفتاة عادةً فترة تحضير زفافها، لتعيش طقوساً قد تحصل لمرّة واحدة، من عادات وزيارات للأسواق وغير ذلك من القصص والأمور التي تشرف الأمّ على معظمها، وتساعدها الصديقات أو الشقيقات أو القريبات، ولكنّ كلّ ذلك لم يكن موجوداً. في حالة منزلنا، الأمّ متوفية، والشقيقة الكبرى لا تستطيع الحضور الدائم، ممّا وضعني أمام اختبار حقيقي.

 الدخول إلى الأرض المحرّمة

لم تكن الصعوبة في الفعل نفسه، فهذه مساحة لا تعمل بالمنطق المباشر أو بالأوامر بل بالحس، فماذا يعني أن تكون مسؤولاً عن راحة شخص آخر دون تعليم مسبق؟ وكيف تتقن النساء معرفة التفاصيل الصغيرة التي لا تنتهي بكلّ سهولة؟ المشكلة ليست في القيام بالمهمّة ذاتها، بل في عدم امتلاك أدواتها النفسية، في توقّع ما لم يُطلب بعد، والانتباه لما قد ينقص، وإدارة القلق نيابة عن آخر. العجز هنا لم يظهر كتعب جسدي، بل كجهل بنظام تشغيل خفيّ.

وعندما تساعد المرأة امرأة أخرى في فترة ما قبل الزواج، تقوم بعدّة مهام؛ كمساعدة ومنسّقة وخبيرة أزياء وألوان وموضة واقتصادية، وفوق هذا كلّه عليها أن تكون داعمة نفسية للعروس، وتتحمّل تقلّباتها العاطفية والنفسية وغضبها وقلّة صبرها.

لم يكن العمل بالسهولة التي توقّعتها. كلّه جديد بالنسبة لي، وكلّ المحلات التي ندخلها يُطرح على أختي السؤال نفسه: “هل هذا سعيد الحظ؟!”، لتصحّح أنني شقيقها. 

تخيّل نفسك في كلّ لحظة عليك التمييز بين الجيد والأفضل، والسعر المناسب، والنوع الأمتن، وكلّ ذلك من القصص التي تُعتبَر ملعب النساء، حيث اعتدنا في مجتمعاتنا أنها مساحة تخصّ النساء، وأنها سهلة العمل ولا تحتاج إلى جهد، لكن تبيّن لي أن فشلنا كذكور في ممارسة هذه المهام، جعلنا نتخلّى عنها للنساء.

الانهيار لم يكن في الدور بل في الهويّة

لكنّ الاكتشاف الأكثر غرابة لم يكن في المهام التي قمت بها، بل في الشخص الذي اضطررت إلى أن أكونه. 

في كتاب نانسي فرايدي “My Mother, My Self: The daughter’s search for Identity”، تتحدّث الكاتبة كيف تحاول الابنة تشكيل هويّتها المستقلّة عن أمّها لتكتشف متأخّرة، أنها تحمل طباعها دون وعي. لطالما راقبت هذا الامتداد في نساء عائلتي، وكيف حملن صفات متوارثة جيلاً بعد جيل، حتى كنت أظنّها إرثاً أنثوياً خالصاً.

المفارقة كانت في اكتشاف هذه الصفات في نفسي؛ صفات أمّي نفسها، وأنا أرتّب الطرحة بحذر مبالغ فيه كي لا تتجعّد، أو أخفض وتيرة صوتي مع قليل من الحزم لأطمئن أختي وأخفّف من قلقها، أو أتّخذ قراراً سريعاً بين فستانين. شعرت أنني لا أقوم بدور أمّي فحسب، بل أستدعيها من داخلي. 

الانهيار المعرفي لم يعد متعلّقاً بما أفعله، بل بمن أصبحت، غرابة اللحظة لم تكن في كوني رجلاً يؤدّي عمل النساء، بل في اكتشافي أن أدوات هذا العمل “الحس، الرعاية، الحسم العاطفي” لم تكن مستعارة، بل موروثة، ولم يُسمح لها بالظهور من قبل.

لماذا تتقن النساء أدوار الرجال!

 اعتادت المرأة في مختلف الجغرافيا السورية خلال سنين الحرب، أن تمارس مهام الرجل لغيابه ضمن المعتقلات، أو تحت التراب، أو في ساحات المعارك، ونتيجة خسارة سوريا لعدد كبير من ذكورها، وجدت المرأة نفسها تلقائياً معيلة ومربّية، عدا كون بعضهن شاركن الرجال في مهامهم. شجّع المجتمع هذه الظواهر في بعض الحالات، لكنّه لم يشجّع الرجل على أداء مهام النساء الصعبة والدقيقة، واعتبرها غير صالحة له، فهل السبب نسوية هذه المهام، أم عجز الذكور عن أدائها؟ 

المشكلة ليست في القدرة، بل في التربية الاجتماعية، وهنا قلب المفارقة: المرأة في مجتمعاتنا تُدرَّب على التكيّف، على فهم أدوار الرجال وأدائها عند الضرورة. المجتمع يقبل؛ بل أحياناً يمجّد، امرأة تؤدّي دور رجل! أما الرجل الذي يؤدّي دور امرأة، فيواجه رفضاً ضمنياً، لا لأن هذا الدور أقلّ شأناً، بل لأنه غير مرئي أصلاً. فالنساء لم يتقنّ أدوار الرجال لأنهن أقوى، بل لأن الواقع لم يمنحهن خيار الجهل بها. أما أدوار النساء، فقد صُمّمت لتُؤدّى بصمت، لا لتُعلَّم. قد تكمن المشكلة في منح رخصة الجهل لفئة، وفرض ضرورة المعرفة على أخرى.

العمل الذي لا يُرى: الرعاية الخفيّة

العمل الذي يسبق مرحلة الزفاف، عبارة عن كتلة متكاملة من الجهود المستمرّة لتجنّب النقص والخطأ، مثل تربية الأبناء وتعليمهم وتنظيم المنزل والاهتمام به، كلّها مهام شاقّة تقوم بها النساء وتضبطها بدقّة دون أيّ خلل، ولكن لا يراها أحد لأنها لا تعرض عاطفياً، فقط لحظات حفل الزفاف، أو عقد القران، أو الولادة، أو النجاح، هي التي يلحظها الجميع. أمّا كم مرّة بكت العروس، وكم مرّة فقدت صوابها، أو غضبت وقرّرت العدول عن الزواج، أو كم من المرّات شعرت أختي بحاجتها إلى أمّي وبكت في قلبها دون أن تخبرني، هذا كلّه مجهول للجميع. 

 وتحمّل مسؤولية راحة الآخر دون اعتراف، هو عمل لا يُرى، لذلك لا يُكافَأ. لأن هذا النوع من العمل لا يُحسب عملاً أصلاً في سجلّ القيم الظاهرة. هكذا تبدو الرعاية حين تُجرّد من العاطفة والعلن: جهداً بلا جمهور، وعملاً يُستهان به لأنه يُنجز في الظلّ.

وهذا الجهد الخفيّ الذي يُختزل في النهاية إلى صورة؛ صورة تُظهر النتيجة وتُخفي كلّ ما سبقها. وكما تُقصى الرعاية النسوية من المشهد العامّ في سوريا، تُقصى من الصورة، في بلدٍ صارت صورته واجهةً لما تهشّم. فالصورة التي تحفظ اللحظة، سواءً كانت صورة عرس أو صورة حملة لمناهضة العنف، تُقصي الجهد الذي صنع اللحظة، وتجعل الغياب عن الكادر موقعاً طبيعياً لمن يؤدّي عملاً لا يُفترض أن يُرى. وهكذا يتحوّل الدمار إلى كادر، والدماء إلى وسيلة ترويج، بينما تبقى النساء خلف الكادر: منهن من خسرن الكثير، ومنهن من تنتهك حرّياتهن، ومنهن من يُخطفن في صمتٍ لا تصل إليه عدسة المصوّر.

تجربتي هذه، لا تُقدَّم كإنجاز، ولا بطولة، ولا نموذجاً استثنائياً، فهي لا تصلح لأن تكون اعتذاراً. هي مجرّد لحظة انكسر فيها وهم بسيط: أن هذا الدور سهل، أو ثانوي، أو “طبيعي”. فهم الدور النسائي لا يحتاج خطاباً عاطفياً، بل احتكاك مباشر بثقله اليومي، وحمل المسؤوليّة ليوم واحد لا يعني فهم حمولتها لسنين.

فلم أكن يوماً مقلّاً بقيمة النساء وأهمّية حصولهن على حقوقهن كاملة، لكن اتّضح أن معرفتي أشبه بوضع وردة على قبر ميت، فأنا فقط أساند وأناصر من موقع من لا يدرك عمق صعوبات حيواتهن. الصدمة التي عشتها أربكتني ودفعتني إلى التفكير بأن النسوية تكون أحياناً تقديراً لأعمال لم يُسمح لنا كرجال أن نتعلّمها، فظنناها بسيطة. وما كُشف في هذه التجربة يتجاوز العائلة إلى بنية اجتماعية كاملة. أدوار حُمِلت طويلاً على أكتاف لا يُنظر إليها، حتى اضطرّ غيرها لحملها مؤقّتاً.

 وفي سوريا، حين يُجبر رجل على الدور غير المرئي، ولو ليوم واحد، يدرك كم كان النظام الاجتماعي قائماً على توزيع مقنّع للمعرفة والجهل، للظهور والاختفاء. العرس انتهى، والصورة عُلّقت على الحائط، لكن السؤال الذي تركه ذلك اليوم بلا حفلة، ظلّ معلّقاً في الهواء: من يرى العمل الذي لا يظهر في الصورة؟

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
03.01.2026
زمن القراءة: 6 minutes

كشف لي الزفاف هشاشة ما يُعتبر أدواراً بديهية، وحدود معرفتنا بالأدوار الجندرية، فوضع شخصاً في موقع لم يُدرّب عليه، وحينها ظهر ثقل ما لم يكن محسوباً، والسؤال ليس عمّا شعرت به، بل عمّا كُشفَ لي.

يوم زفاف أختي الصغيرة، كان مجرّد جلسة تصوير، لا زغاريد، لا أمّ، لا أحد من العائلة، أنا فقط… 

شابّ يحمل الفستان وباقة الورد، ويتنقّل من مكان إلى مكان، أنفّذ المطلوب، أمسك الفستان، أرفع الطرحة، أعطي باقة الورد لأختي ثم آخذها، أُجري اتّصالات عدّة.

 أحسست وقتها أنني أمام انهيار معرفي، اكتشفت أنني وُضعت في مكان ليس مكاني، وسؤالي كلّ الوقت: لِمَ أنا؟

 كشف لي الزفاف هشاشة ما يُعتبر أدواراً بديهية، وحدود معرفتنا بالأدوار الجندرية، فوضع شخصاً في موقع لم يُدرّب عليه، وحينها ظهر ثقل ما لم يكن محسوباً، والسؤال ليس عمّا شعرت به، بل عمّا كُشفَ لي. 

فغياب النساء لا يخلق فراغاً عاطفياً فقط، بل يضع الآخرين أمام منظومة كاملة كانوا يمرّون من خلالها دون وعي، فقد اعتدنا أن تقوم النساء بكل التفاصيل، وعدم وجود “بديل” جاهز كشف الدور الحقيقي لهذه الأدوار بالنسبة لي. 

تنتظر الفتاة عادةً فترة تحضير زفافها، لتعيش طقوساً قد تحصل لمرّة واحدة، من عادات وزيارات للأسواق وغير ذلك من القصص والأمور التي تشرف الأمّ على معظمها، وتساعدها الصديقات أو الشقيقات أو القريبات، ولكنّ كلّ ذلك لم يكن موجوداً. في حالة منزلنا، الأمّ متوفية، والشقيقة الكبرى لا تستطيع الحضور الدائم، ممّا وضعني أمام اختبار حقيقي.

 الدخول إلى الأرض المحرّمة

لم تكن الصعوبة في الفعل نفسه، فهذه مساحة لا تعمل بالمنطق المباشر أو بالأوامر بل بالحس، فماذا يعني أن تكون مسؤولاً عن راحة شخص آخر دون تعليم مسبق؟ وكيف تتقن النساء معرفة التفاصيل الصغيرة التي لا تنتهي بكلّ سهولة؟ المشكلة ليست في القيام بالمهمّة ذاتها، بل في عدم امتلاك أدواتها النفسية، في توقّع ما لم يُطلب بعد، والانتباه لما قد ينقص، وإدارة القلق نيابة عن آخر. العجز هنا لم يظهر كتعب جسدي، بل كجهل بنظام تشغيل خفيّ.

وعندما تساعد المرأة امرأة أخرى في فترة ما قبل الزواج، تقوم بعدّة مهام؛ كمساعدة ومنسّقة وخبيرة أزياء وألوان وموضة واقتصادية، وفوق هذا كلّه عليها أن تكون داعمة نفسية للعروس، وتتحمّل تقلّباتها العاطفية والنفسية وغضبها وقلّة صبرها.

لم يكن العمل بالسهولة التي توقّعتها. كلّه جديد بالنسبة لي، وكلّ المحلات التي ندخلها يُطرح على أختي السؤال نفسه: “هل هذا سعيد الحظ؟!”، لتصحّح أنني شقيقها. 

تخيّل نفسك في كلّ لحظة عليك التمييز بين الجيد والأفضل، والسعر المناسب، والنوع الأمتن، وكلّ ذلك من القصص التي تُعتبَر ملعب النساء، حيث اعتدنا في مجتمعاتنا أنها مساحة تخصّ النساء، وأنها سهلة العمل ولا تحتاج إلى جهد، لكن تبيّن لي أن فشلنا كذكور في ممارسة هذه المهام، جعلنا نتخلّى عنها للنساء.

الانهيار لم يكن في الدور بل في الهويّة

لكنّ الاكتشاف الأكثر غرابة لم يكن في المهام التي قمت بها، بل في الشخص الذي اضطررت إلى أن أكونه. 

في كتاب نانسي فرايدي “My Mother, My Self: The daughter’s search for Identity”، تتحدّث الكاتبة كيف تحاول الابنة تشكيل هويّتها المستقلّة عن أمّها لتكتشف متأخّرة، أنها تحمل طباعها دون وعي. لطالما راقبت هذا الامتداد في نساء عائلتي، وكيف حملن صفات متوارثة جيلاً بعد جيل، حتى كنت أظنّها إرثاً أنثوياً خالصاً.

المفارقة كانت في اكتشاف هذه الصفات في نفسي؛ صفات أمّي نفسها، وأنا أرتّب الطرحة بحذر مبالغ فيه كي لا تتجعّد، أو أخفض وتيرة صوتي مع قليل من الحزم لأطمئن أختي وأخفّف من قلقها، أو أتّخذ قراراً سريعاً بين فستانين. شعرت أنني لا أقوم بدور أمّي فحسب، بل أستدعيها من داخلي. 

الانهيار المعرفي لم يعد متعلّقاً بما أفعله، بل بمن أصبحت، غرابة اللحظة لم تكن في كوني رجلاً يؤدّي عمل النساء، بل في اكتشافي أن أدوات هذا العمل “الحس، الرعاية، الحسم العاطفي” لم تكن مستعارة، بل موروثة، ولم يُسمح لها بالظهور من قبل.

لماذا تتقن النساء أدوار الرجال!

 اعتادت المرأة في مختلف الجغرافيا السورية خلال سنين الحرب، أن تمارس مهام الرجل لغيابه ضمن المعتقلات، أو تحت التراب، أو في ساحات المعارك، ونتيجة خسارة سوريا لعدد كبير من ذكورها، وجدت المرأة نفسها تلقائياً معيلة ومربّية، عدا كون بعضهن شاركن الرجال في مهامهم. شجّع المجتمع هذه الظواهر في بعض الحالات، لكنّه لم يشجّع الرجل على أداء مهام النساء الصعبة والدقيقة، واعتبرها غير صالحة له، فهل السبب نسوية هذه المهام، أم عجز الذكور عن أدائها؟ 

المشكلة ليست في القدرة، بل في التربية الاجتماعية، وهنا قلب المفارقة: المرأة في مجتمعاتنا تُدرَّب على التكيّف، على فهم أدوار الرجال وأدائها عند الضرورة. المجتمع يقبل؛ بل أحياناً يمجّد، امرأة تؤدّي دور رجل! أما الرجل الذي يؤدّي دور امرأة، فيواجه رفضاً ضمنياً، لا لأن هذا الدور أقلّ شأناً، بل لأنه غير مرئي أصلاً. فالنساء لم يتقنّ أدوار الرجال لأنهن أقوى، بل لأن الواقع لم يمنحهن خيار الجهل بها. أما أدوار النساء، فقد صُمّمت لتُؤدّى بصمت، لا لتُعلَّم. قد تكمن المشكلة في منح رخصة الجهل لفئة، وفرض ضرورة المعرفة على أخرى.

العمل الذي لا يُرى: الرعاية الخفيّة

العمل الذي يسبق مرحلة الزفاف، عبارة عن كتلة متكاملة من الجهود المستمرّة لتجنّب النقص والخطأ، مثل تربية الأبناء وتعليمهم وتنظيم المنزل والاهتمام به، كلّها مهام شاقّة تقوم بها النساء وتضبطها بدقّة دون أيّ خلل، ولكن لا يراها أحد لأنها لا تعرض عاطفياً، فقط لحظات حفل الزفاف، أو عقد القران، أو الولادة، أو النجاح، هي التي يلحظها الجميع. أمّا كم مرّة بكت العروس، وكم مرّة فقدت صوابها، أو غضبت وقرّرت العدول عن الزواج، أو كم من المرّات شعرت أختي بحاجتها إلى أمّي وبكت في قلبها دون أن تخبرني، هذا كلّه مجهول للجميع. 

 وتحمّل مسؤولية راحة الآخر دون اعتراف، هو عمل لا يُرى، لذلك لا يُكافَأ. لأن هذا النوع من العمل لا يُحسب عملاً أصلاً في سجلّ القيم الظاهرة. هكذا تبدو الرعاية حين تُجرّد من العاطفة والعلن: جهداً بلا جمهور، وعملاً يُستهان به لأنه يُنجز في الظلّ.

وهذا الجهد الخفيّ الذي يُختزل في النهاية إلى صورة؛ صورة تُظهر النتيجة وتُخفي كلّ ما سبقها. وكما تُقصى الرعاية النسوية من المشهد العامّ في سوريا، تُقصى من الصورة، في بلدٍ صارت صورته واجهةً لما تهشّم. فالصورة التي تحفظ اللحظة، سواءً كانت صورة عرس أو صورة حملة لمناهضة العنف، تُقصي الجهد الذي صنع اللحظة، وتجعل الغياب عن الكادر موقعاً طبيعياً لمن يؤدّي عملاً لا يُفترض أن يُرى. وهكذا يتحوّل الدمار إلى كادر، والدماء إلى وسيلة ترويج، بينما تبقى النساء خلف الكادر: منهن من خسرن الكثير، ومنهن من تنتهك حرّياتهن، ومنهن من يُخطفن في صمتٍ لا تصل إليه عدسة المصوّر.

تجربتي هذه، لا تُقدَّم كإنجاز، ولا بطولة، ولا نموذجاً استثنائياً، فهي لا تصلح لأن تكون اعتذاراً. هي مجرّد لحظة انكسر فيها وهم بسيط: أن هذا الدور سهل، أو ثانوي، أو “طبيعي”. فهم الدور النسائي لا يحتاج خطاباً عاطفياً، بل احتكاك مباشر بثقله اليومي، وحمل المسؤوليّة ليوم واحد لا يعني فهم حمولتها لسنين.

فلم أكن يوماً مقلّاً بقيمة النساء وأهمّية حصولهن على حقوقهن كاملة، لكن اتّضح أن معرفتي أشبه بوضع وردة على قبر ميت، فأنا فقط أساند وأناصر من موقع من لا يدرك عمق صعوبات حيواتهن. الصدمة التي عشتها أربكتني ودفعتني إلى التفكير بأن النسوية تكون أحياناً تقديراً لأعمال لم يُسمح لنا كرجال أن نتعلّمها، فظنناها بسيطة. وما كُشف في هذه التجربة يتجاوز العائلة إلى بنية اجتماعية كاملة. أدوار حُمِلت طويلاً على أكتاف لا يُنظر إليها، حتى اضطرّ غيرها لحملها مؤقّتاً.

 وفي سوريا، حين يُجبر رجل على الدور غير المرئي، ولو ليوم واحد، يدرك كم كان النظام الاجتماعي قائماً على توزيع مقنّع للمعرفة والجهل، للظهور والاختفاء. العرس انتهى، والصورة عُلّقت على الحائط، لكن السؤال الذي تركه ذلك اليوم بلا حفلة، ظلّ معلّقاً في الهواء: من يرى العمل الذي لا يظهر في الصورة؟