fbpx

أسبابٌ تمنع اللاجئين السوريين من العودة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تعني العودة إلى سوريا بالنسبة إلى كثيرين، العودة إلى اللاشيء، في ظل دمار البنى التحتية وغياب المساعدات الخارجية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“أرجوك لا تعد إلى سوريا، فإذا سامحتك الدولة، نحن عهداً لن ننسى ولن نسامح. نصيحة من هالدقن لا حدا يرجع منكن”، بهذه الكلمات خاطب العميد عصام زهر الدين، المقرب من نظام الأسد، قبل سنوات السوريين الذين هجّرتهم الحرب. 

والآن بعد 13 عاماً من رحلة اللجوء والموت، بدأت دول عربية وغربية تفكر جدّياً بخطة “العودة الآمنة” للاجئين، على رغم أن النظام السوري لم يبدِ نية حقيقية لمساعدة اللاجئين على العودة. على العكس، تحدث في أكثر من مناسبة عن التركيبة المتجانسة للمجتمع السوري، إذ قال رئيس النظام السوري بشار الأسد عام 2017 في خطاب له: “خسرنا خيرة شبابنا وبنية تحتية كلفتنا الكثير من المال والكثير من العرق، لكننا ربحنا مجتمعاً أكثر صحة وأكثر تجانساً”.

لا يرحل ملايين الناس عن بلادهم إلا إذا كانت تلك البلاد أخطر من اللجوء وركوب البحر وعبور الغابات والتعرض للاعتقال على الحدود والانتهاء في مخيمات لا تحمي من برد ولا من حرّ، بلادٌ تدفع الملايين الى تعريض أنفسهم وعائلاتهم وأطفالهم للخطر والذل والموت. لكن ما الذي يحدد إن كانت العودة آمنة أم لا، توقف الحرب، تخفيف القيود أم تحسن الاقتصاد؟ 

في هذا السياق، يمكن الحديث عن أسباب واقعية تستند إلى تقارير وأرقام، تمنع السوريين من العودة، أو على الأقل تجعل هذه العودة محفوفة بالمخاطر:  

1 – فنجان شاي في المعتقل

تحت حكم نظام الأسد، لم تكن سوريا في يومٍ آمنة، إن كان الأمان يعني غياب القصف، فهذا قصورٌ في فهم المصطلح، وإن كان أحد معايير الأمان أن يعبّر الإنسان عن رأيه من دون خوفٍ، فسوريا لم تكن في يومٍ آمنة. بحسب تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش”، كل من يفكر بالعودة إلى سوريا يعلم أنه سيخضع للتحقيق لدى أجهزة النظام، كأن يُطلب مباشرة من العائد مراجعة أحد الأفرع الأمنية لشرب كأس من الشاي، وهو مصطلح يشير إلى رغبة الجهاز الأمني في التحقيق معه. 

كما تشمل أشكال التحقيق الأخرى الذهاب مباشرة إلى منزل الشخص أو مكان إقامته للتحقيق معه أو حتى التقصّي عنه وعن ملفه الأمني لدى الجهات المختصّة. قد يبدو الإجراء روتينياً أو طبيعياً للبعض، لكن ما يجعل هذه الإجراءات غير روتينية، هو ما يرافقها من اعتقال وتعذيب وتهديد وعنف جنسي.

في تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش”، وردت مقابلات مع 65 لاجئاً سورياً عادوا إلى بلادهم من الأردن ولبنان، أو مع أقارب لهم، أكدوا أنه تمت دعوتهم إلى التحقيق وسئلوا عن الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار. كما أنّهم واجهوا الانتهاكات نفسها التي دفعتهم إلى الفرار من سوريا، كالاضطهاد والاعتداءات، والاعتقال التعسفي، والاحتجاز غير القانوني، والتعذيب. وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين لم يواجهوا تهديدات لحياتهم أو سلامتهم الجسدية، فهم يعيشون في خوف دائم من استهداف النظام المدنيين الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى المعارضة، أو يتعاطفون معها، أو أعربوا عن معارضتهم للنظام، ما يعني أن اللاجئين الذين عادوا بشكل طوعي لديهم مخاوف دائمة على حياتهم، ما يجعل الحياة في سوريا تحديّاً حقيقياً.

شرب فنجان شاي مع الأجهزة الأمنية في سوريا ليس مزحة، إذ تشير تقديرات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أنّ حوالى 150 ألف شخص تعرضوا للاعتقال التعسفي والاحتجاز، وحوالى 15 ألفاً لقوا حتفهم بسبب التعذيب بين آذار/ مارس 2011 وآذار 2021، غالبيتهم على يد قوات الحكومة السورية، وهكذا قد يكلّفك فنجان شاي حياتك في سوريا.

2 – الاغتصاب عقاباً على اللجوء

الاغتصاب واحدٌ من عشرات الأساليب التي يستخدمها النظام السوري لمعاقبة معارضيه أو من يشك في معارضتهم أو ولائهم له، يعمد النظام إلى اغتصاب بعض العائدين بهدف إذلالهم ومعاقبتهم على الرحيل، وبينهم أطفال.

تمكنت “منظمة العفو الدولية” من توثيق 66 حالة لأشخاص تعرضوا لانتهاكات كبيرة لدى عودتهم إلى سوريا، ومن بين الحالات أطفال أعمارهم تتراوح بين ثلاثة أسابيع و17 سنة. ووثقت المنظمة قصة 24 رجلاً وامرأة وطفلاً تعرضوا لاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وسوء المعاملة، إثر عودتهم إلى البلاد، إذ يستجوب الأمن السوري العائدين عن سبب ترك سوريا، وإن كانوا يحبون بشار الأسد أم لا، وتكون التهمة جاهزة: “الإرهاب”.

في إحدى الحالات التي وثقتها “هيومن رايتس ووتش”، اغتصب الأمن السوري امرأة وابنتها التي تبلغ من العمر 5 سنوات، وفي حالة أخرى كانت الضحية سيدة وابنتها التي تبلغ 25 سنة، ألقي القبض عليهما عند المعبر الحدودي أثناء عودتهما من لبنان، واحتُجزتا لخمسة أيام في أحد مراكز المخابرات. تقول السيدة التي لم يذكر التقرير اسمها، “نزعوا ثياب ابنتي، وقيدوا يديها، وعلقوها على الحائط، ثم اعتدوا عليها بالضرب، كانت عارية تماماً، وأدخل أحدهم قضيبه في فمها، ولما فقدت الوعي، سكبوا الماء عليها، حاولت أن أقبل أقدامهم ليكفوا عنها، سألوني: (لماذا رحلت عن سوريا؟ ماذا أحضرت معك؟) نعتوني بـ(العاهرة)، وبأنني جاسوسة لداعش، وإرهابية”.

وبحسب تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” العام الماضي، سجلت 3083 حالة اعتقال للاجئين عادوا من دول اللجوء أو الإقامة، تم الإفراج عن 1887 مُعتقلاً، وبقي 1196 رهن الاعتقال، تحوّل منهم 864 شخصاً إلى حالات اختفاء قسري، ومعظمهم عادوا من لبنان وتركيا والأردن منذ عام 2014.

3 – مصادرة أملاك اللاجئين والمعتقلين

عام 2018، أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 10 لعام 2018، الذي ألزم مالكي المنازل والأراضي تقديم ما يثبت ملكيتهم لعقاراتهم خلال 30 يوماً، وإلا فإنهم يخسرون ملكيتها.

وعلى رغم أن هدف القانون يبدو في الظاهر إعادة إعمار المناطق المتضرّرة أو تنظيم العشوائيات، إلا أن الغاية الأساسية منه هي مصادرة أملاك أيّ شخص معارض، بخاصةٍ أن المعارضين هم أكثر المهددين  بخسارة منازلهم التي تركوها وراءهم، وذلك لأن إثبات الملكية يحتاج إلى موافقات أمنية من المخابرات، وهو ما لا يستطيع معارضو النظام الحصول عليه. يذكر أن الموافقات الأمنية تشمل كل تحركات السوريين بما فيها استئجار المنازل، شراء السيارات وحفلات الزواج وغيرها من الأمور الروتينية.

إثبات الملكية هو أمر شبه مستحيل لبعض العائلات التي خرجت بشكل شبه كامل من سوريا أو لتلك التي فقدت أقاربها سواء تحت القصف أو من خلال اللجوء، وحتى لو أراد سوري إثبات الملكية ففي بعض المناطق تمّ إحراق الدوائر الحكومية حيث الأوراق الرسمية المتعلقة بملكية العقارات.

ليس هذا وحسب، فقد عرضت حكومة النظام عدداً من أراضي المهجّرين من مناطق معرة النعمان وخان شيخون وسراقب في مزاد علني، تشرف عليه محافظة إدلب التابعة لحكومة النظام، ونشرت الصفحة الرسمية على “فيسبوك” لمحافظة إدلب، والتابعة للنظام السوري، إعلاناً ادّعت فيه أن الأراضي التي يتم طرحها للاستثمار عبر نظام المزاد العلني أصحابها مدينون “للمصرف الزراعي” بقروض غير مسددة، وأن هدف هذه المزادات هو تحصيل الدين لمصلحة المصارف الزراعية.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أفادت بأن النظام السوري أعلن في ريفي إدلب وحماه، عن مزادات جديدة لأراضي النازحين واللاجئين بهدف السيطرة عليها، كما أنه استولى على ما لا يقل عن 440 ألف دونم من الأراضي الزراعية في ريفي حماة وإدلب، وبحسب التقرير “فإنَّ عملية الاستيلاء على ممتلكات مئات آلاف المعارضين للنظام السوري ترسِّخ عملية الإخلاء والتشريد القسري، وهي محاولة لهندسة التركيبة السكانية والاجتماعية، وتُشكِّل بالضرورة عقبة أساسية أمام عودة اللاجئين والنازحين”.

4 – لا معتقلين يخرجون ببساطة

شتتت الحرب السورية الناس، وتحول أهل البلد إلى أكبر كتلة من اللاجئين الموزعين على 127 دولة حول العالم. 

والآن ينشر النظام وغيره من أنظمة البلاد المضيفة، بروباغندا تروّج للعودة، على أساس أن البلد آمن والسياسة تغيرت. لكن الحقيقة مختلفة على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال أصدر رئيس النظام السوري عام 2022 عفواً عاماً عن المعتقلين، بمن فيهم من ارتكب جرائم إرهابية، لكن بشرط ألّا يكون تسبب في قتل شخصٍ آخر، قوبل المرسوم بترحيب دولي وإقليمي كبير، بخاصة من الدول التي تسعى إلى اعتماد سياسة العودة الطوعية كلبنان وتركيا، وكان الخطاب يؤكد اتخاذ الحكومة السورية خطوات جدية في طريق إعادة اللاجئين، استقبلت عائلات المعتقلين والمختفين قسراً الخبر بفرح، انتظرت آلاف العائلات أبناءها في شوارع دمشق، لكن المفاجأة أن عدد المفرج عنهم كان حوالى 539 من بين 132 ألف معتقل في سوريا.

ومن بين المفرج عنهم ما لا يقل عن 158 شخصاً كانوا قد أجروا تسويات لأوضاعهم الأمنية قبيل اعتقالهم، ومُنحوا تعهداً بموجب التسوية بعدم التعرض لهم من الأفرع الأمنية، و28 شخصاً كانوا ممن اعتقلوا بعد عودتهم إلى سوريا من اللاجئين والمقيمين خارجها بينهم 4 سيدات، ما يعني أن النظام أوهم المجتمع الدولي بأنه غيّر سياسته بما يخص الاعتقال والاعتقال التعسفي، وخدع اللاجئين وعائلات المعتقلين. وبذلك أي حديث عن عودة آمنة، يبدو مجرد هراء.

5 – العودة إلى سوريا هي العودة إلى نقطة الصفر

تعني العودة إلى سوريا بالنسبة إلى كثيرين، العودة إلى اللاشيء، في ظل دمار البنى التحتية وغياب المساعدات الخارجية.

وفي بلد يقبع أكثر من 90 في المئة منه تحت خط الفقر، يبدو البدء من نقطة الصفر أمراً شبه مستحيل، وهذا ما يجعل اللاجئين يفضلون البقاء في بلد اللجوء حيث حققوا نوعاً من الاستقرار، على الذهاب إلى المجهول. 

كما أن مساعدات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مثل الطعام، والمياه النظيفة، والخدمات الصحية، والتعليمية للأطفال، لن تصل للعائدين إلى سوريا، ولن يحصل اللاجئون سوى على مساعدات غذائية أساسية وغير كافية.

ويقدّر “البنك الدولي” تراجع الاقتصاد السوري بأكثر من 60 في المئة منذ 2010، إذ انهارت الليرة السورية حتى وصلت إلى ما يقارب الـ7500 ليرة سورية، بينما كان الدولار الواحد يساوي 50 ليرة قبل الحرب.

وبحسب “برنامج الأغذية العالمية”، ارتفع معدّل التضخم في سعر المواد الاستهلاكية بنسبة 6820 في المئة، إذ يعاني 12.4 مليون سوري على الأقل من انعدام الأمن الغذائي حتى شباط/ فبراير 2021. اليوم، يستطيع السوريون الحصول على أساسيات الحياة بمساعدة الأمم، وهو ما لن يجدوه في سوريا، ما يعني وضعهم أمام تحديات حقيقية في ظل ارتفاع البطالة وجشع الحكومة السورية.

6 – الخدمة العسكرية… الذهاب إلى الموت

تشكل الخدمة العسكرية هاجساً لمعظم الشباب في سوريا، وهو ما دفع بكثيرين إلى اللجوء، حتى في المناطق التي كانت آمنة نسبياً. الخدمة العسكرية لا تعني رمي الشباب على الجبهة وحسب، إنما إجبارهم على البقاء لسنوات في الخدمة، في استنزاف لسنوات شبابهم.

وبعد 13 عاماً على الحرب، ما زالت الخدمة الإجبارية كابوساً للآلاف، وهو ما يمنع الشباب من العودة إلى سوريا، إذ سيتم اقتيادهم إلى الخدمة بمجرد دخولهم الحدود. ووسط الوضع الاقتصادي التعيس، الذهاب إلى الخدمة يعني ترك عائلات كثيرة من دون معيل. 

6 أسباب أساسية تختصر جزءاً من مخاوف اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم، وفي ظل استمرار وجود نظام الأسد واستخدامه أساليب القمع ذاتها تحت غطاء التغيير السياسي المزيف، تبدو العودة مستحيلة بالنسبة الى كثيرين حتى على المدى الطويل. 

سلطان الحسيني - كاتب لبناني | 13.07.2024

“مطار غزة” …عن محو السيادة الفلسطينيّة على المعابر

تاريخ إقصاء منافذ النقل والانتقال من غزة وإليها، ومحو معالم السيادة الفلسطينية، يعود إلى ما قبل عملية "طوفان الأقصى" و"ميناء غزة العائم"، ولعلّ إنشاء "مطار غزة الدولي" ثم تدميره على مدار سنوات حتى إخراجه الكامل عن الخدمة، يمثل نموذجاً معبراً عن أزمة عميقة في فهم عمليات السلام السابقة أو المحتملة.
29.03.2023
زمن القراءة: 7 minutes

تعني العودة إلى سوريا بالنسبة إلى كثيرين، العودة إلى اللاشيء، في ظل دمار البنى التحتية وغياب المساعدات الخارجية.

“أرجوك لا تعد إلى سوريا، فإذا سامحتك الدولة، نحن عهداً لن ننسى ولن نسامح. نصيحة من هالدقن لا حدا يرجع منكن”، بهذه الكلمات خاطب العميد عصام زهر الدين، المقرب من نظام الأسد، قبل سنوات السوريين الذين هجّرتهم الحرب. 

والآن بعد 13 عاماً من رحلة اللجوء والموت، بدأت دول عربية وغربية تفكر جدّياً بخطة “العودة الآمنة” للاجئين، على رغم أن النظام السوري لم يبدِ نية حقيقية لمساعدة اللاجئين على العودة. على العكس، تحدث في أكثر من مناسبة عن التركيبة المتجانسة للمجتمع السوري، إذ قال رئيس النظام السوري بشار الأسد عام 2017 في خطاب له: “خسرنا خيرة شبابنا وبنية تحتية كلفتنا الكثير من المال والكثير من العرق، لكننا ربحنا مجتمعاً أكثر صحة وأكثر تجانساً”.

لا يرحل ملايين الناس عن بلادهم إلا إذا كانت تلك البلاد أخطر من اللجوء وركوب البحر وعبور الغابات والتعرض للاعتقال على الحدود والانتهاء في مخيمات لا تحمي من برد ولا من حرّ، بلادٌ تدفع الملايين الى تعريض أنفسهم وعائلاتهم وأطفالهم للخطر والذل والموت. لكن ما الذي يحدد إن كانت العودة آمنة أم لا، توقف الحرب، تخفيف القيود أم تحسن الاقتصاد؟ 

في هذا السياق، يمكن الحديث عن أسباب واقعية تستند إلى تقارير وأرقام، تمنع السوريين من العودة، أو على الأقل تجعل هذه العودة محفوفة بالمخاطر:  

1 – فنجان شاي في المعتقل

تحت حكم نظام الأسد، لم تكن سوريا في يومٍ آمنة، إن كان الأمان يعني غياب القصف، فهذا قصورٌ في فهم المصطلح، وإن كان أحد معايير الأمان أن يعبّر الإنسان عن رأيه من دون خوفٍ، فسوريا لم تكن في يومٍ آمنة. بحسب تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش”، كل من يفكر بالعودة إلى سوريا يعلم أنه سيخضع للتحقيق لدى أجهزة النظام، كأن يُطلب مباشرة من العائد مراجعة أحد الأفرع الأمنية لشرب كأس من الشاي، وهو مصطلح يشير إلى رغبة الجهاز الأمني في التحقيق معه. 

كما تشمل أشكال التحقيق الأخرى الذهاب مباشرة إلى منزل الشخص أو مكان إقامته للتحقيق معه أو حتى التقصّي عنه وعن ملفه الأمني لدى الجهات المختصّة. قد يبدو الإجراء روتينياً أو طبيعياً للبعض، لكن ما يجعل هذه الإجراءات غير روتينية، هو ما يرافقها من اعتقال وتعذيب وتهديد وعنف جنسي.

في تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش”، وردت مقابلات مع 65 لاجئاً سورياً عادوا إلى بلادهم من الأردن ولبنان، أو مع أقارب لهم، أكدوا أنه تمت دعوتهم إلى التحقيق وسئلوا عن الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار. كما أنّهم واجهوا الانتهاكات نفسها التي دفعتهم إلى الفرار من سوريا، كالاضطهاد والاعتداءات، والاعتقال التعسفي، والاحتجاز غير القانوني، والتعذيب. وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين لم يواجهوا تهديدات لحياتهم أو سلامتهم الجسدية، فهم يعيشون في خوف دائم من استهداف النظام المدنيين الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى المعارضة، أو يتعاطفون معها، أو أعربوا عن معارضتهم للنظام، ما يعني أن اللاجئين الذين عادوا بشكل طوعي لديهم مخاوف دائمة على حياتهم، ما يجعل الحياة في سوريا تحديّاً حقيقياً.

شرب فنجان شاي مع الأجهزة الأمنية في سوريا ليس مزحة، إذ تشير تقديرات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أنّ حوالى 150 ألف شخص تعرضوا للاعتقال التعسفي والاحتجاز، وحوالى 15 ألفاً لقوا حتفهم بسبب التعذيب بين آذار/ مارس 2011 وآذار 2021، غالبيتهم على يد قوات الحكومة السورية، وهكذا قد يكلّفك فنجان شاي حياتك في سوريا.

2 – الاغتصاب عقاباً على اللجوء

الاغتصاب واحدٌ من عشرات الأساليب التي يستخدمها النظام السوري لمعاقبة معارضيه أو من يشك في معارضتهم أو ولائهم له، يعمد النظام إلى اغتصاب بعض العائدين بهدف إذلالهم ومعاقبتهم على الرحيل، وبينهم أطفال.

تمكنت “منظمة العفو الدولية” من توثيق 66 حالة لأشخاص تعرضوا لانتهاكات كبيرة لدى عودتهم إلى سوريا، ومن بين الحالات أطفال أعمارهم تتراوح بين ثلاثة أسابيع و17 سنة. ووثقت المنظمة قصة 24 رجلاً وامرأة وطفلاً تعرضوا لاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وسوء المعاملة، إثر عودتهم إلى البلاد، إذ يستجوب الأمن السوري العائدين عن سبب ترك سوريا، وإن كانوا يحبون بشار الأسد أم لا، وتكون التهمة جاهزة: “الإرهاب”.

في إحدى الحالات التي وثقتها “هيومن رايتس ووتش”، اغتصب الأمن السوري امرأة وابنتها التي تبلغ من العمر 5 سنوات، وفي حالة أخرى كانت الضحية سيدة وابنتها التي تبلغ 25 سنة، ألقي القبض عليهما عند المعبر الحدودي أثناء عودتهما من لبنان، واحتُجزتا لخمسة أيام في أحد مراكز المخابرات. تقول السيدة التي لم يذكر التقرير اسمها، “نزعوا ثياب ابنتي، وقيدوا يديها، وعلقوها على الحائط، ثم اعتدوا عليها بالضرب، كانت عارية تماماً، وأدخل أحدهم قضيبه في فمها، ولما فقدت الوعي، سكبوا الماء عليها، حاولت أن أقبل أقدامهم ليكفوا عنها، سألوني: (لماذا رحلت عن سوريا؟ ماذا أحضرت معك؟) نعتوني بـ(العاهرة)، وبأنني جاسوسة لداعش، وإرهابية”.

وبحسب تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” العام الماضي، سجلت 3083 حالة اعتقال للاجئين عادوا من دول اللجوء أو الإقامة، تم الإفراج عن 1887 مُعتقلاً، وبقي 1196 رهن الاعتقال، تحوّل منهم 864 شخصاً إلى حالات اختفاء قسري، ومعظمهم عادوا من لبنان وتركيا والأردن منذ عام 2014.

3 – مصادرة أملاك اللاجئين والمعتقلين

عام 2018، أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 10 لعام 2018، الذي ألزم مالكي المنازل والأراضي تقديم ما يثبت ملكيتهم لعقاراتهم خلال 30 يوماً، وإلا فإنهم يخسرون ملكيتها.

وعلى رغم أن هدف القانون يبدو في الظاهر إعادة إعمار المناطق المتضرّرة أو تنظيم العشوائيات، إلا أن الغاية الأساسية منه هي مصادرة أملاك أيّ شخص معارض، بخاصةٍ أن المعارضين هم أكثر المهددين  بخسارة منازلهم التي تركوها وراءهم، وذلك لأن إثبات الملكية يحتاج إلى موافقات أمنية من المخابرات، وهو ما لا يستطيع معارضو النظام الحصول عليه. يذكر أن الموافقات الأمنية تشمل كل تحركات السوريين بما فيها استئجار المنازل، شراء السيارات وحفلات الزواج وغيرها من الأمور الروتينية.

إثبات الملكية هو أمر شبه مستحيل لبعض العائلات التي خرجت بشكل شبه كامل من سوريا أو لتلك التي فقدت أقاربها سواء تحت القصف أو من خلال اللجوء، وحتى لو أراد سوري إثبات الملكية ففي بعض المناطق تمّ إحراق الدوائر الحكومية حيث الأوراق الرسمية المتعلقة بملكية العقارات.

ليس هذا وحسب، فقد عرضت حكومة النظام عدداً من أراضي المهجّرين من مناطق معرة النعمان وخان شيخون وسراقب في مزاد علني، تشرف عليه محافظة إدلب التابعة لحكومة النظام، ونشرت الصفحة الرسمية على “فيسبوك” لمحافظة إدلب، والتابعة للنظام السوري، إعلاناً ادّعت فيه أن الأراضي التي يتم طرحها للاستثمار عبر نظام المزاد العلني أصحابها مدينون “للمصرف الزراعي” بقروض غير مسددة، وأن هدف هذه المزادات هو تحصيل الدين لمصلحة المصارف الزراعية.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أفادت بأن النظام السوري أعلن في ريفي إدلب وحماه، عن مزادات جديدة لأراضي النازحين واللاجئين بهدف السيطرة عليها، كما أنه استولى على ما لا يقل عن 440 ألف دونم من الأراضي الزراعية في ريفي حماة وإدلب، وبحسب التقرير “فإنَّ عملية الاستيلاء على ممتلكات مئات آلاف المعارضين للنظام السوري ترسِّخ عملية الإخلاء والتشريد القسري، وهي محاولة لهندسة التركيبة السكانية والاجتماعية، وتُشكِّل بالضرورة عقبة أساسية أمام عودة اللاجئين والنازحين”.

4 – لا معتقلين يخرجون ببساطة

شتتت الحرب السورية الناس، وتحول أهل البلد إلى أكبر كتلة من اللاجئين الموزعين على 127 دولة حول العالم. 

والآن ينشر النظام وغيره من أنظمة البلاد المضيفة، بروباغندا تروّج للعودة، على أساس أن البلد آمن والسياسة تغيرت. لكن الحقيقة مختلفة على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال أصدر رئيس النظام السوري عام 2022 عفواً عاماً عن المعتقلين، بمن فيهم من ارتكب جرائم إرهابية، لكن بشرط ألّا يكون تسبب في قتل شخصٍ آخر، قوبل المرسوم بترحيب دولي وإقليمي كبير، بخاصة من الدول التي تسعى إلى اعتماد سياسة العودة الطوعية كلبنان وتركيا، وكان الخطاب يؤكد اتخاذ الحكومة السورية خطوات جدية في طريق إعادة اللاجئين، استقبلت عائلات المعتقلين والمختفين قسراً الخبر بفرح، انتظرت آلاف العائلات أبناءها في شوارع دمشق، لكن المفاجأة أن عدد المفرج عنهم كان حوالى 539 من بين 132 ألف معتقل في سوريا.

ومن بين المفرج عنهم ما لا يقل عن 158 شخصاً كانوا قد أجروا تسويات لأوضاعهم الأمنية قبيل اعتقالهم، ومُنحوا تعهداً بموجب التسوية بعدم التعرض لهم من الأفرع الأمنية، و28 شخصاً كانوا ممن اعتقلوا بعد عودتهم إلى سوريا من اللاجئين والمقيمين خارجها بينهم 4 سيدات، ما يعني أن النظام أوهم المجتمع الدولي بأنه غيّر سياسته بما يخص الاعتقال والاعتقال التعسفي، وخدع اللاجئين وعائلات المعتقلين. وبذلك أي حديث عن عودة آمنة، يبدو مجرد هراء.

5 – العودة إلى سوريا هي العودة إلى نقطة الصفر

تعني العودة إلى سوريا بالنسبة إلى كثيرين، العودة إلى اللاشيء، في ظل دمار البنى التحتية وغياب المساعدات الخارجية.

وفي بلد يقبع أكثر من 90 في المئة منه تحت خط الفقر، يبدو البدء من نقطة الصفر أمراً شبه مستحيل، وهذا ما يجعل اللاجئين يفضلون البقاء في بلد اللجوء حيث حققوا نوعاً من الاستقرار، على الذهاب إلى المجهول. 

كما أن مساعدات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مثل الطعام، والمياه النظيفة، والخدمات الصحية، والتعليمية للأطفال، لن تصل للعائدين إلى سوريا، ولن يحصل اللاجئون سوى على مساعدات غذائية أساسية وغير كافية.

ويقدّر “البنك الدولي” تراجع الاقتصاد السوري بأكثر من 60 في المئة منذ 2010، إذ انهارت الليرة السورية حتى وصلت إلى ما يقارب الـ7500 ليرة سورية، بينما كان الدولار الواحد يساوي 50 ليرة قبل الحرب.

وبحسب “برنامج الأغذية العالمية”، ارتفع معدّل التضخم في سعر المواد الاستهلاكية بنسبة 6820 في المئة، إذ يعاني 12.4 مليون سوري على الأقل من انعدام الأمن الغذائي حتى شباط/ فبراير 2021. اليوم، يستطيع السوريون الحصول على أساسيات الحياة بمساعدة الأمم، وهو ما لن يجدوه في سوريا، ما يعني وضعهم أمام تحديات حقيقية في ظل ارتفاع البطالة وجشع الحكومة السورية.

6 – الخدمة العسكرية… الذهاب إلى الموت

تشكل الخدمة العسكرية هاجساً لمعظم الشباب في سوريا، وهو ما دفع بكثيرين إلى اللجوء، حتى في المناطق التي كانت آمنة نسبياً. الخدمة العسكرية لا تعني رمي الشباب على الجبهة وحسب، إنما إجبارهم على البقاء لسنوات في الخدمة، في استنزاف لسنوات شبابهم.

وبعد 13 عاماً على الحرب، ما زالت الخدمة الإجبارية كابوساً للآلاف، وهو ما يمنع الشباب من العودة إلى سوريا، إذ سيتم اقتيادهم إلى الخدمة بمجرد دخولهم الحدود. ووسط الوضع الاقتصادي التعيس، الذهاب إلى الخدمة يعني ترك عائلات كثيرة من دون معيل. 

6 أسباب أساسية تختصر جزءاً من مخاوف اللاجئين السوريين من العودة إلى بلادهم، وفي ظل استمرار وجود نظام الأسد واستخدامه أساليب القمع ذاتها تحت غطاء التغيير السياسي المزيف، تبدو العودة مستحيلة بالنسبة الى كثيرين حتى على المدى الطويل. 

29.03.2023
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية