fbpx

أمل غندور… أكتب لأبحث عن نفسي في هذا “المكان”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

علاقة غندور مع الهجرة والوطن تتضح منذ البداية، منذ الاقتباس الأول في الكتاب على لسان كمال داوود، صاحب “معارضة الغريب”، لتطرح سؤال الأنا، يليه “من نحن؟”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“هناك نحو 40 مليون نسخة مني في بلاد الشام: أردنيون وفلسطينيون، سوريون ولبنانيون. وعبر الخبرة المشتركة، هناك ملايين أكثر، بهذا المقياس فقط، أنا سعيدة بأن أعرف عن نفسي بـالعربيّة”. هكذا تعرّف الكاتبة الأردنيّة – اللبنانية أمل غندور عن نفسها، الوصف الذي يبدو “سعيداً” لا ينفك أن يتطور حول أسئلة عن الهويّة والانتماء والعروبة، والأهم، الهزيمة، تلك التي نقرأ عنها في كتابها الصادر حديثاً بعنوان “هذه الحياة العربيّة: رحلة جيل نحو الصمت- This Arab Life: A Generation’s Journey into Silence”.

تستعيد صاحبة “عن رجل اسمه علي” الصادر عام 2009، حكاية جيل، لكن أي حكاية، تلك التي تسرق منها لحظات السعادة في الأردن، مع والدها علي غندور، فتخبرنا عن الحرب في بيروت، وعن لقاءات مسروقة مع ملك الأردن الراحل حسين بن طلال، وعن شبابها، وما اختبره “جيلها” من أحداث أعادت تشكيل مفهوم “العروبة”،  لتحكي عن “الصمت” ذاك الذيّ “حلّ على العرب منذ الثمانينات حتى ثورات 2011”.

علاقة غندور مع الهجرة والوطن تتضح منذ البداية، منذ الاقتباس الأول في الكتاب على لسان كمال داوود، صاحب “معارضة الغريب”، لتطرح سؤال الأنا، يليه “من نحن؟”، قد يبدو السؤال متسرعاً كون الكتاب نفسه يحوي إحالة إلى “العرب”، لكن هذه النحن أشد سياسيّة، اذ اتضحت إجابتها في الاجتماع في الساحات عام 2011، أما أنا، فتجيب غندور ببساطة تكشف معضلة المنطقة، إذ تشير إلى “الجيل الذي اكتسب وعيه السياسي في الثمانينات”. وعن نفسها تقول، “أنا لبنانية المولد، أردنية المنشأ بسبب الظروف، فعام 1962، حين كان عمري 5 أشهر، اضطرت عائلتي إلى الانتقال إلى الأردن بسبب ضغوط سياسيّة”. يختزل التعريف السابق عن “الأنا” إشكالية الهويات في المنطقة، خصوصاً كلمة “الضغط السياسي”، وما زالت أثمانها إلى الآن تدفع.

تستعيد غندور الأحداث التي شكلت أو لنقل، عصفت بالمنطقة. نكبة 48، ونكسة 67، وحرب الـ73، وحرب الأردن الأهلية عام 1970، ثم الحرب الأهلية في لبنان مطلع السبعينات، هذا المناخ السياسي كله ترصد الكاتبة آثاره، كيف، تخبرنا مثلاً عن جدل والدها ووالدتها حول اسمها، هو أرادها أن تكون “نضال”، وهي أرادت “أمل”، هكذا يتغير العالم من حول الطفلة، ليصل إلى اسمها، وحين تكبر/ نكبر، نصاغ مع هذه الأحداث أو ضدها، وكأن الانتماء ليس فقط عبر اليومي والحميمي، بل أيضاً، الموقف مما يحصل، ذاك الذي يمسّ حتى أسماءنا في المنطقة العربيّة.

ما يلفت النظر في المذكرات هو ذاكرة المدن التي تستعرضها غندور. تخبرنا كيف تغير شكل عمّان، وكيف لاحظت أنها ليست الوحيدة التي انتبهت الى هذا التغير، تشير إلى ما كتبه السوري وائل السواح، عن تغيّر مدينة دمشق في السبعينات، وكيف  أصبحت أكثر “إسلاميّة”، لكن في خضمّ الذكريات وما تشهده المنطقة واستمرار الحياة “العاديّة”، تلخص غندور ما تشعر به “أكبت داخلي، أتكيف، وأتابع المشي، مرتاحةً مع طبقات من العزلة الداخليّة” أشبه بألعاب نفسيّة “نـ”ـمارسها على أنفسنا كي نتمكن من النجاة، خصوصاً بعد النكسة، الهزيمة التي تركت أثراً لا يُمحى.

تعنون غندور الفصل السادس من الكتاب بـ”لا يمكن لهذا أن يستمر”، الـ”هذا” تعني الوضع القائم، ذاك الذي تعرض لشرخ عام 2011، حين أحرق البوعزيزي نفسه، مستعيدة لحظة الانتماء تلك، لحظة اليقين الذي حلّ فجأة لدى “الملايين” حسب وصفها، فرحيل بن علي، ثم مبارك، يعني إمكان التخلص من كل من يشبههم،  واليوم، أي عام 2022، وبعدما شهدته المنطقة منذ بداية الثورات، تتركنا مع “اكتشافات” أشبه بدرس علينا ألّا ننساه، وهي: “احذر مما تتمناه”، “اعرف نظامك”، “لا يمتلك الإمبراطور ثياباً، ولا نحن أيضاً”. 

تأتي توصيات غندور بعد أكثر من عشر سنوات من بداية التظاهرات، تلك التي، ولا نحاول أن نكون سوداويين، انتهت بدمار العواصم العربية، والأهم، الثورات المضادة التي تحاول أن تخنق ما تبقى من حريات اكتُسبت بالدماء. في الفصل السابع، التالي على التوصيات، تستعيد غندور لحظتين، زيارتها الى بيروت عام 1991، وأخرى عام 2020، الفصل المعنوان بـ”السائحة” يكشف إشكالية الهوية مرة أخرى، ننقسم نحن إلى من “غادروا” ومن “بقوا”، نزور المدن، وفي حالة غندور بيروت، كسياح، نتأمل ما اختفى من الذاكرة، لا ما تبقى،  هنا نتلمس نوعاً من الحداد، لا فقط على المدينة، بل على الذات أيضاً، الرحيل/ الهرب ثم العودة كسائح، يتركنا أمام أسئلة بسيطة تُطرح أولها مطلع الفصل، كيف أكتب عن النهاية؟

إجابة السؤال أسلوبيّة أكثر منها “واقعيّة”، نهاية لبنان، هل من نهاية؟ الكهرباء، الفساد، الانفجار، وفاة من تعرفهم، الوباء. تعيد الكتابة وتستعيد صوراً غير موجودة، التفاصيل أشبه بأشلاء تحاول أن تعيد “جسداً”، لكن الكتابة نفسها خوّانة، ربما كل ما حصل، كل التغيرات، والسفر والفقدان، و2011، أوصلنا إلى الآن، إلى لحظة” تستدعي إعادة الكتابة”، آخر جملة في الكتاب.

لكن من سيكتب؟ وماذا سيكتب، عن بداية جديدة.

هامش: المقالات التي تناولت الكتاب، اختلفت في ترجمة عنوانه، بعضها ترجمه “تلك الحياة العربيّة” و “هذه الحياة العربية”، هذا اللبس نفسه يحمل قيمة ما، في العلاقة مع المكان والهوية، والبعد الجغرافي الذي يختبره المنتمون إلى “العروبة”، ببساطة بين هذه وتلك، زمان ومكان نحاول كما الكاتبة، أن نجد أنفسنا ضمنهما، تتداخل اللغات والجغرافيا والذاكرة، التي تكوّنها لحظات الهزيمة الكثيرة، والانتصارات الأقل بكثير، ربما، هنا أرتجل، يمكن أن نترجم الكتاب تجاوزاً “نحن الحياة العربيّة”.

13.05.2023
زمن القراءة: 4 minutes

علاقة غندور مع الهجرة والوطن تتضح منذ البداية، منذ الاقتباس الأول في الكتاب على لسان كمال داوود، صاحب “معارضة الغريب”، لتطرح سؤال الأنا، يليه “من نحن؟”

“هناك نحو 40 مليون نسخة مني في بلاد الشام: أردنيون وفلسطينيون، سوريون ولبنانيون. وعبر الخبرة المشتركة، هناك ملايين أكثر، بهذا المقياس فقط، أنا سعيدة بأن أعرف عن نفسي بـالعربيّة”. هكذا تعرّف الكاتبة الأردنيّة – اللبنانية أمل غندور عن نفسها، الوصف الذي يبدو “سعيداً” لا ينفك أن يتطور حول أسئلة عن الهويّة والانتماء والعروبة، والأهم، الهزيمة، تلك التي نقرأ عنها في كتابها الصادر حديثاً بعنوان “هذه الحياة العربيّة: رحلة جيل نحو الصمت- This Arab Life: A Generation’s Journey into Silence”.

تستعيد صاحبة “عن رجل اسمه علي” الصادر عام 2009، حكاية جيل، لكن أي حكاية، تلك التي تسرق منها لحظات السعادة في الأردن، مع والدها علي غندور، فتخبرنا عن الحرب في بيروت، وعن لقاءات مسروقة مع ملك الأردن الراحل حسين بن طلال، وعن شبابها، وما اختبره “جيلها” من أحداث أعادت تشكيل مفهوم “العروبة”،  لتحكي عن “الصمت” ذاك الذيّ “حلّ على العرب منذ الثمانينات حتى ثورات 2011”.

علاقة غندور مع الهجرة والوطن تتضح منذ البداية، منذ الاقتباس الأول في الكتاب على لسان كمال داوود، صاحب “معارضة الغريب”، لتطرح سؤال الأنا، يليه “من نحن؟”، قد يبدو السؤال متسرعاً كون الكتاب نفسه يحوي إحالة إلى “العرب”، لكن هذه النحن أشد سياسيّة، اذ اتضحت إجابتها في الاجتماع في الساحات عام 2011، أما أنا، فتجيب غندور ببساطة تكشف معضلة المنطقة، إذ تشير إلى “الجيل الذي اكتسب وعيه السياسي في الثمانينات”. وعن نفسها تقول، “أنا لبنانية المولد، أردنية المنشأ بسبب الظروف، فعام 1962، حين كان عمري 5 أشهر، اضطرت عائلتي إلى الانتقال إلى الأردن بسبب ضغوط سياسيّة”. يختزل التعريف السابق عن “الأنا” إشكالية الهويات في المنطقة، خصوصاً كلمة “الضغط السياسي”، وما زالت أثمانها إلى الآن تدفع.

تستعيد غندور الأحداث التي شكلت أو لنقل، عصفت بالمنطقة. نكبة 48، ونكسة 67، وحرب الـ73، وحرب الأردن الأهلية عام 1970، ثم الحرب الأهلية في لبنان مطلع السبعينات، هذا المناخ السياسي كله ترصد الكاتبة آثاره، كيف، تخبرنا مثلاً عن جدل والدها ووالدتها حول اسمها، هو أرادها أن تكون “نضال”، وهي أرادت “أمل”، هكذا يتغير العالم من حول الطفلة، ليصل إلى اسمها، وحين تكبر/ نكبر، نصاغ مع هذه الأحداث أو ضدها، وكأن الانتماء ليس فقط عبر اليومي والحميمي، بل أيضاً، الموقف مما يحصل، ذاك الذي يمسّ حتى أسماءنا في المنطقة العربيّة.

ما يلفت النظر في المذكرات هو ذاكرة المدن التي تستعرضها غندور. تخبرنا كيف تغير شكل عمّان، وكيف لاحظت أنها ليست الوحيدة التي انتبهت الى هذا التغير، تشير إلى ما كتبه السوري وائل السواح، عن تغيّر مدينة دمشق في السبعينات، وكيف  أصبحت أكثر “إسلاميّة”، لكن في خضمّ الذكريات وما تشهده المنطقة واستمرار الحياة “العاديّة”، تلخص غندور ما تشعر به “أكبت داخلي، أتكيف، وأتابع المشي، مرتاحةً مع طبقات من العزلة الداخليّة” أشبه بألعاب نفسيّة “نـ”ـمارسها على أنفسنا كي نتمكن من النجاة، خصوصاً بعد النكسة، الهزيمة التي تركت أثراً لا يُمحى.

تعنون غندور الفصل السادس من الكتاب بـ”لا يمكن لهذا أن يستمر”، الـ”هذا” تعني الوضع القائم، ذاك الذي تعرض لشرخ عام 2011، حين أحرق البوعزيزي نفسه، مستعيدة لحظة الانتماء تلك، لحظة اليقين الذي حلّ فجأة لدى “الملايين” حسب وصفها، فرحيل بن علي، ثم مبارك، يعني إمكان التخلص من كل من يشبههم،  واليوم، أي عام 2022، وبعدما شهدته المنطقة منذ بداية الثورات، تتركنا مع “اكتشافات” أشبه بدرس علينا ألّا ننساه، وهي: “احذر مما تتمناه”، “اعرف نظامك”، “لا يمتلك الإمبراطور ثياباً، ولا نحن أيضاً”. 

تأتي توصيات غندور بعد أكثر من عشر سنوات من بداية التظاهرات، تلك التي، ولا نحاول أن نكون سوداويين، انتهت بدمار العواصم العربية، والأهم، الثورات المضادة التي تحاول أن تخنق ما تبقى من حريات اكتُسبت بالدماء. في الفصل السابع، التالي على التوصيات، تستعيد غندور لحظتين، زيارتها الى بيروت عام 1991، وأخرى عام 2020، الفصل المعنوان بـ”السائحة” يكشف إشكالية الهوية مرة أخرى، ننقسم نحن إلى من “غادروا” ومن “بقوا”، نزور المدن، وفي حالة غندور بيروت، كسياح، نتأمل ما اختفى من الذاكرة، لا ما تبقى،  هنا نتلمس نوعاً من الحداد، لا فقط على المدينة، بل على الذات أيضاً، الرحيل/ الهرب ثم العودة كسائح، يتركنا أمام أسئلة بسيطة تُطرح أولها مطلع الفصل، كيف أكتب عن النهاية؟

إجابة السؤال أسلوبيّة أكثر منها “واقعيّة”، نهاية لبنان، هل من نهاية؟ الكهرباء، الفساد، الانفجار، وفاة من تعرفهم، الوباء. تعيد الكتابة وتستعيد صوراً غير موجودة، التفاصيل أشبه بأشلاء تحاول أن تعيد “جسداً”، لكن الكتابة نفسها خوّانة، ربما كل ما حصل، كل التغيرات، والسفر والفقدان، و2011، أوصلنا إلى الآن، إلى لحظة” تستدعي إعادة الكتابة”، آخر جملة في الكتاب.

لكن من سيكتب؟ وماذا سيكتب، عن بداية جديدة.

هامش: المقالات التي تناولت الكتاب، اختلفت في ترجمة عنوانه، بعضها ترجمه “تلك الحياة العربيّة” و “هذه الحياة العربية”، هذا اللبس نفسه يحمل قيمة ما، في العلاقة مع المكان والهوية، والبعد الجغرافي الذي يختبره المنتمون إلى “العروبة”، ببساطة بين هذه وتلك، زمان ومكان نحاول كما الكاتبة، أن نجد أنفسنا ضمنهما، تتداخل اللغات والجغرافيا والذاكرة، التي تكوّنها لحظات الهزيمة الكثيرة، والانتصارات الأقل بكثير، ربما، هنا أرتجل، يمكن أن نترجم الكتاب تجاوزاً “نحن الحياة العربيّة”.

13.05.2023
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية