fbpx

أمي التي كانت تحبنا “من فوق”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أكتب ما أكتبه، وشريط حياة أمي الحافلة بالعمل الشاق ماثل أمام عيني، ومشاعرها المقتضبة تجاهنا، على رغم النكران الكبير لذاتها ولكل ما تحب هي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أتساءل بيني وبين نفسي، لو لم  تكن أمي عانت ما عانته في حياتها، أكانت ستبوح لنا بعاطفتها يوماً؟ إلا أنني سرعان ما أجد الإجابة في قسمات وجهها القاسي، لطالما اعتراني الخجل من التعبير عن مشاعري تجاه ما يمكن أن نسميه مواقف عاطفية، من بينها ما يتعلق بأمي، إلا أن أمي لم تكن بدورها تعبر عما يدور في خلدها من عاطفة تجاهي أنا وأخوتي. نعم، لقد أورثتني أمي الخجل من التعبير عن مشاعري كما أورثت أخوتي، وقد سرى ذلك في الكثير من الأمور في حياتي.

أتساءل عن السبب الذي جعل أمي مقتضبة في التعبير عن عاطفتها تجاهنا، وأرى في تاريخ حياتها القاسي والصعب ألف سبب وسبب، وهي التي لا تعرف عن هذا الماضي الكثير، سوى نتف تنقلها لنا على دفعات، منها عن يتمها المبكر بسبب موت والدها الذي لم تتذكر وجهه أبداً، ومرة عن أخيها الوحيد الذي ذهب الى العمل في بيروت وهو في سن الحادية عشرة من عمره في مطلع أربعينات القرن المنصرم، ومرة عن أمها التي كانت تعمل في الحقل طيلة النهار لتحصّل قوت عيشها. مسيرة من العذاب تكاد تؤسس في مجموعها لرواية مكتملة، وتخبئ خلفها طيبة وحباً كبيرين.

الحب من فوق

نعم، لم تكن أمي قاسية، بل كانت تحبنا، إنما من فوق، ومن فوق العاطفة كانت تعبر بوسائلها الخاصة لتسعة من الأبناء أنجبتهم قبل أن تكمل عامها الثامن والثلاثين، كانت تحبنا من أعلى منزلها التي كانت سيدته وملكته ومديرته، تعبر عن حبها بأكياس المؤونة المتعددة التي توضبها في كل صيف من كل سنة في القرية، برغل وعدس وحمص ومربيات وشراب وكشك وزعتر وزيت وزيتون، وغيرها من الأنواع التي كان إنجازها يتطلب عملاً شاقاً، وكمعظم النساء كانت أمي تعتبر هذه المؤونة كما المثل القائل: “بحصة بتسند خابية”، تحول دون عوزنا، في الزمن الذي كان راتب أبي ضئيلاً لا يسد مصاريف عائلة كبيرة كعائلتنا.
لم تكن أمي قاسية، بل كانت تعبر لنا عن حبها في الخبز الذي كانت تعده لنا صباح كل سبت على الصاج، الذي أنزلته معها من القرية إلى شرفة منزلنا في بيروت. “عشر عدات، اثنتا عشرة عدة… وأكثر”، تليها فطائر السكر والزعتر. تنتهي من الخبز لتنصرف الى أعمال الخياطة التي كانت تتقنها آنذاك معظم النساء، تقصير، تصليح، تضييق، استصلاح ثياب الكبار للصغار، ترقيع، حياكة كنزات صوفية، ولم يكن يفوتها تنجيد الفرشات المتعددة التي كانت تتباهى بأنها “صوف جزز”.

 هكذا كانت أمي تحبنا من فوق، تحبنا وهي تعمل لأجلنا، ولم تكن تقول لنا كلمة واحدة تدل على هذا الحب، بل كان الحب هو ما تفعله وتقدمه لي ولأخوتي.

لم تكن أمي قاسية، بل كانت تقوم بخدمتنا، حين كان أبي يغيب عن المنزل لأسابيع متتالية بفعل وظيفته في تركيب أعمدة الهاتف في القرى البعيدة  في الجبال، وتخبرنا أنه كان كلما عاد كان يقرر ترك العمل لأن أجره اليومي آنذاك لم يكن يكفي مصاريف العائلة، وأنه سيبحث عن عمل آخر.

أتساءل بيني وبين نفسي، لو لم  تكن أمي عانت ما عانته في حياتها، أكانت ستبوح لنا بعاطفتها يوماً؟

انتصارات ليست صغيرة

 تروي لي أمي أنها لم تكن ترضى بما كان يخطط له والدي آنذاك، بل إنها  كانت تمانع بشدة وتقول له: “في شي يوم قلت لك بدي فستان؟ في شي يوم قلت لك بدي إسواره؟ في شي يوم طلبت منك إلي أنا شي خص نص، ما بدي منك شي، الحمد الله مش عايزين، أكل شرب كل شي في بالبيت، أنت خليك بالشغل وما عليك أنا بدبر حالي أنا والأولاد”.

لم يكن كلام أمي من باب الاستعراض، بل إننا كنا نعيش فعلاً في وفرة وبحبوحة بالقياس الى عائلات كثيرة في ذلك الزمن، في سبعينات القرن العشرين،  مع ما تحمله هذه البحبوحة من وفرة في الطعام والشراب واللباس الذي كان يتطلب إنجازه منها العمل طيلة نهارها وجزءاً يسيراً من ليلها.

لم تكفّ أمي عن تكرار ما أنجزته من انتصارات في حياتها، ومنها تلك التي جعلت أبي يستمر في وظيفته، وتستذكر قول جدتي التي كانت تساندها في مهمتها آنذاك: “أوعك تخليه يطلع من التلفون، شو بدو يشتغل إذا طلع؟ بدو يرجع عالضيعة ينكش بالمنكوش؟”. وتتابع والدتي، “هيك صبرت والحمد الله تثبت بيكن بالتلفون وصار عندنا معاش”.

لم تكن أمي قاسية، بل لم يكن لديها وقت لكلام الحب، كانت في سباق مع الوقت الذي يصعب عليها أن يمر من دون أن تنجز فيه شيئاً لعائلتها، هكذا كانت أمي تحبنا، من فوق من دون أن تسمي هذا الحب.

لم تمحُ السنوات التسعون التي ستبلغها أمي بعد عام، من جمالها اللافت التي اتسمت به بين نساء القرية، ولا يزال هذا الجمال مدعاة فخرها من دون أن تبوح به بالمباشر أيضاً،  بل لها في ذلك حكايات تكررها على مسامعنا، ومنها عن أهل أبي الذين رفضوا تزويج ابنهم منها لأنها يتيمة وفقيرة: “أول شي ما كانوا قبلانين فيي، وفي يوم كنت مارقة  بساحة الضيعة، وشافوني… إي بس شافوني… تاني يوم إجو كلهن وطلبوني، كلهن، ما ضل حدا منهم إلا وإجا”. ثم تختم كلامها بابتسامة وعلينا نحن أن نفهم لماذا، “إجو كلهن وطلبوها”. ونسألها: “لأنك كنت حلوة يا أمي؟”، فتمتنع هي عن الرد.

لم تعد أمي اليوم في سباق مع الزمن، بل إنها نقلت هوسها فيه إلينا، نحن أبناؤها، التي تريدنا أن نكون على صورتها. كما أنها أيضاً لم تعد تحبنا من فوق، بل إنها أخرجت كل ما كانت تختزنه من عاطفتها تجاهنا الى الواقع، وأصبحت تبوح بها في جلساتنا اليومية.  تحكي لنا عن إنجازاتها، مرة في ردع أبي عن ترك عمله، ومرة عن ردعه عن بيع الأرض التي اشتراها كما تقول “بتراب المصاري”، وتردد قوله لها: “بدي بيع الأرض، اشتريتهم كلهم بثلاثة آلاف ليرة، هلق كل شقفة منهن حقها ثلاثة آلاف ليرة، بدنا نبيع منيسر حالنا”، وتعيد لي ردها عليه “ما بدنا نبيع ولا شقفة، في شي مرة طلبت منك شيء، في شي مرة طلبت منك فستان؟ في شي مرة طلبت منك إسوارة؟”…

عن عذابات النساء ونكران الأنا

 أقرأ اليوم العبارات المكتنزة بالحب المدوّنة على البطاقات الخاصة بعيد الأم، وأفهم السبب الذي دفع بأمي الى أن تقتضب في مشاعرها ليس تجاهنا فحسب، بل تجاه كل من تحب، أعرف أيضاً سبب هذا الاقتضاب، فهو لم يكن يوماً بدافع حب الذات بقدر ما كان نكراناً لها، فشريط حياتها التي لا تكل ولا تمل من استعادته عن إنجازاتها للعائلة، ليس إلا تأكيداً على هذا النكران. 

 أقرأ اليوم عن النظرة النمطية للأمومة، واقترانها بالقهر والعذاب  لتستحق صورتها الطاهرة، فلا أمومة ممتدحة إلا بقدر ما تقتضيه من عذاب وقهر ونكران للذات. وأتساءل: هل نستأهل نحن الأبناء كل ما عانته أمهاتنا في حياتهن؟ أولم نكن لنحبهن إلا  لأنهن رفضن أناهن بشدة؟ وماذا نقول عن اللواتي عانين طوال حياتهن ولم يوفّقن بعطف أو حب لأنهن فضّلن أولادهن على كل ملذات الدنيا؟ مثل أمي وأمهات كثيرات، ومن بينهن أصدقاء لي وأخوة. وأقول في نفسي: لا تطلبوا من النساء ما حُرمن منه يوماً؟ لا تطلبوا منهن عاطفة لم تغدق عليهن يوماً، لا تطلبن منهن أن يكن أمهات فوق العادة؟ 

أكتب ما أكتبه، وشريط حياة أمي الحافلة بالعمل الشاق ماثل أمام عيني،  ومشاعرها المقتضبة تجاهنا، على رغم النكران الكبير لذاتها ولكل ما تحب هي، وأتذكر ما كانت تقوله لأبي: “شي يوم قلت لك بدي فستان؟ شي يوم قلت لك بدي شي إلي أني خاص ناص”، وتتابع “كنت أحرم حالي من كل شي”، ثم تنظر إلي ولا تطلب مني سوى أن أشكرها فقط، “قولي سلم دياتك يا أمي”، أعرف أن نكران الذات هو ما تربت عليه منذ صغرها، وأقول لها ما يسعدها “سلم دياتك يا أمي”. 

سلطان الحسيني - كاتب لبناني | 13.07.2024

“مطار غزة” …عن محو السيادة الفلسطينيّة على المعابر

تاريخ إقصاء منافذ النقل والانتقال من غزة وإليها، ومحو معالم السيادة الفلسطينية، يعود إلى ما قبل عملية "طوفان الأقصى" و"ميناء غزة العائم"، ولعلّ إنشاء "مطار غزة الدولي" ثم تدميره على مدار سنوات حتى إخراجه الكامل عن الخدمة، يمثل نموذجاً معبراً عن أزمة عميقة في فهم عمليات السلام السابقة أو المحتملة.
24.03.2023
زمن القراءة: 6 minutes

أكتب ما أكتبه، وشريط حياة أمي الحافلة بالعمل الشاق ماثل أمام عيني، ومشاعرها المقتضبة تجاهنا، على رغم النكران الكبير لذاتها ولكل ما تحب هي.

أتساءل بيني وبين نفسي، لو لم  تكن أمي عانت ما عانته في حياتها، أكانت ستبوح لنا بعاطفتها يوماً؟ إلا أنني سرعان ما أجد الإجابة في قسمات وجهها القاسي، لطالما اعتراني الخجل من التعبير عن مشاعري تجاه ما يمكن أن نسميه مواقف عاطفية، من بينها ما يتعلق بأمي، إلا أن أمي لم تكن بدورها تعبر عما يدور في خلدها من عاطفة تجاهي أنا وأخوتي. نعم، لقد أورثتني أمي الخجل من التعبير عن مشاعري كما أورثت أخوتي، وقد سرى ذلك في الكثير من الأمور في حياتي.

أتساءل عن السبب الذي جعل أمي مقتضبة في التعبير عن عاطفتها تجاهنا، وأرى في تاريخ حياتها القاسي والصعب ألف سبب وسبب، وهي التي لا تعرف عن هذا الماضي الكثير، سوى نتف تنقلها لنا على دفعات، منها عن يتمها المبكر بسبب موت والدها الذي لم تتذكر وجهه أبداً، ومرة عن أخيها الوحيد الذي ذهب الى العمل في بيروت وهو في سن الحادية عشرة من عمره في مطلع أربعينات القرن المنصرم، ومرة عن أمها التي كانت تعمل في الحقل طيلة النهار لتحصّل قوت عيشها. مسيرة من العذاب تكاد تؤسس في مجموعها لرواية مكتملة، وتخبئ خلفها طيبة وحباً كبيرين.

الحب من فوق

نعم، لم تكن أمي قاسية، بل كانت تحبنا، إنما من فوق، ومن فوق العاطفة كانت تعبر بوسائلها الخاصة لتسعة من الأبناء أنجبتهم قبل أن تكمل عامها الثامن والثلاثين، كانت تحبنا من أعلى منزلها التي كانت سيدته وملكته ومديرته، تعبر عن حبها بأكياس المؤونة المتعددة التي توضبها في كل صيف من كل سنة في القرية، برغل وعدس وحمص ومربيات وشراب وكشك وزعتر وزيت وزيتون، وغيرها من الأنواع التي كان إنجازها يتطلب عملاً شاقاً، وكمعظم النساء كانت أمي تعتبر هذه المؤونة كما المثل القائل: “بحصة بتسند خابية”، تحول دون عوزنا، في الزمن الذي كان راتب أبي ضئيلاً لا يسد مصاريف عائلة كبيرة كعائلتنا.
لم تكن أمي قاسية، بل كانت تعبر لنا عن حبها في الخبز الذي كانت تعده لنا صباح كل سبت على الصاج، الذي أنزلته معها من القرية إلى شرفة منزلنا في بيروت. “عشر عدات، اثنتا عشرة عدة… وأكثر”، تليها فطائر السكر والزعتر. تنتهي من الخبز لتنصرف الى أعمال الخياطة التي كانت تتقنها آنذاك معظم النساء، تقصير، تصليح، تضييق، استصلاح ثياب الكبار للصغار، ترقيع، حياكة كنزات صوفية، ولم يكن يفوتها تنجيد الفرشات المتعددة التي كانت تتباهى بأنها “صوف جزز”.

 هكذا كانت أمي تحبنا من فوق، تحبنا وهي تعمل لأجلنا، ولم تكن تقول لنا كلمة واحدة تدل على هذا الحب، بل كان الحب هو ما تفعله وتقدمه لي ولأخوتي.

لم تكن أمي قاسية، بل كانت تقوم بخدمتنا، حين كان أبي يغيب عن المنزل لأسابيع متتالية بفعل وظيفته في تركيب أعمدة الهاتف في القرى البعيدة  في الجبال، وتخبرنا أنه كان كلما عاد كان يقرر ترك العمل لأن أجره اليومي آنذاك لم يكن يكفي مصاريف العائلة، وأنه سيبحث عن عمل آخر.

أتساءل بيني وبين نفسي، لو لم  تكن أمي عانت ما عانته في حياتها، أكانت ستبوح لنا بعاطفتها يوماً؟

انتصارات ليست صغيرة

 تروي لي أمي أنها لم تكن ترضى بما كان يخطط له والدي آنذاك، بل إنها  كانت تمانع بشدة وتقول له: “في شي يوم قلت لك بدي فستان؟ في شي يوم قلت لك بدي إسواره؟ في شي يوم طلبت منك إلي أنا شي خص نص، ما بدي منك شي، الحمد الله مش عايزين، أكل شرب كل شي في بالبيت، أنت خليك بالشغل وما عليك أنا بدبر حالي أنا والأولاد”.

لم يكن كلام أمي من باب الاستعراض، بل إننا كنا نعيش فعلاً في وفرة وبحبوحة بالقياس الى عائلات كثيرة في ذلك الزمن، في سبعينات القرن العشرين،  مع ما تحمله هذه البحبوحة من وفرة في الطعام والشراب واللباس الذي كان يتطلب إنجازه منها العمل طيلة نهارها وجزءاً يسيراً من ليلها.

لم تكفّ أمي عن تكرار ما أنجزته من انتصارات في حياتها، ومنها تلك التي جعلت أبي يستمر في وظيفته، وتستذكر قول جدتي التي كانت تساندها في مهمتها آنذاك: “أوعك تخليه يطلع من التلفون، شو بدو يشتغل إذا طلع؟ بدو يرجع عالضيعة ينكش بالمنكوش؟”. وتتابع والدتي، “هيك صبرت والحمد الله تثبت بيكن بالتلفون وصار عندنا معاش”.

لم تكن أمي قاسية، بل لم يكن لديها وقت لكلام الحب، كانت في سباق مع الوقت الذي يصعب عليها أن يمر من دون أن تنجز فيه شيئاً لعائلتها، هكذا كانت أمي تحبنا، من فوق من دون أن تسمي هذا الحب.

لم تمحُ السنوات التسعون التي ستبلغها أمي بعد عام، من جمالها اللافت التي اتسمت به بين نساء القرية، ولا يزال هذا الجمال مدعاة فخرها من دون أن تبوح به بالمباشر أيضاً،  بل لها في ذلك حكايات تكررها على مسامعنا، ومنها عن أهل أبي الذين رفضوا تزويج ابنهم منها لأنها يتيمة وفقيرة: “أول شي ما كانوا قبلانين فيي، وفي يوم كنت مارقة  بساحة الضيعة، وشافوني… إي بس شافوني… تاني يوم إجو كلهن وطلبوني، كلهن، ما ضل حدا منهم إلا وإجا”. ثم تختم كلامها بابتسامة وعلينا نحن أن نفهم لماذا، “إجو كلهن وطلبوها”. ونسألها: “لأنك كنت حلوة يا أمي؟”، فتمتنع هي عن الرد.

لم تعد أمي اليوم في سباق مع الزمن، بل إنها نقلت هوسها فيه إلينا، نحن أبناؤها، التي تريدنا أن نكون على صورتها. كما أنها أيضاً لم تعد تحبنا من فوق، بل إنها أخرجت كل ما كانت تختزنه من عاطفتها تجاهنا الى الواقع، وأصبحت تبوح بها في جلساتنا اليومية.  تحكي لنا عن إنجازاتها، مرة في ردع أبي عن ترك عمله، ومرة عن ردعه عن بيع الأرض التي اشتراها كما تقول “بتراب المصاري”، وتردد قوله لها: “بدي بيع الأرض، اشتريتهم كلهم بثلاثة آلاف ليرة، هلق كل شقفة منهن حقها ثلاثة آلاف ليرة، بدنا نبيع منيسر حالنا”، وتعيد لي ردها عليه “ما بدنا نبيع ولا شقفة، في شي مرة طلبت منك شيء، في شي مرة طلبت منك فستان؟ في شي مرة طلبت منك إسوارة؟”…

عن عذابات النساء ونكران الأنا

 أقرأ اليوم العبارات المكتنزة بالحب المدوّنة على البطاقات الخاصة بعيد الأم، وأفهم السبب الذي دفع بأمي الى أن تقتضب في مشاعرها ليس تجاهنا فحسب، بل تجاه كل من تحب، أعرف أيضاً سبب هذا الاقتضاب، فهو لم يكن يوماً بدافع حب الذات بقدر ما كان نكراناً لها، فشريط حياتها التي لا تكل ولا تمل من استعادته عن إنجازاتها للعائلة، ليس إلا تأكيداً على هذا النكران. 

 أقرأ اليوم عن النظرة النمطية للأمومة، واقترانها بالقهر والعذاب  لتستحق صورتها الطاهرة، فلا أمومة ممتدحة إلا بقدر ما تقتضيه من عذاب وقهر ونكران للذات. وأتساءل: هل نستأهل نحن الأبناء كل ما عانته أمهاتنا في حياتهن؟ أولم نكن لنحبهن إلا  لأنهن رفضن أناهن بشدة؟ وماذا نقول عن اللواتي عانين طوال حياتهن ولم يوفّقن بعطف أو حب لأنهن فضّلن أولادهن على كل ملذات الدنيا؟ مثل أمي وأمهات كثيرات، ومن بينهن أصدقاء لي وأخوة. وأقول في نفسي: لا تطلبوا من النساء ما حُرمن منه يوماً؟ لا تطلبوا منهن عاطفة لم تغدق عليهن يوماً، لا تطلبن منهن أن يكن أمهات فوق العادة؟ 

أكتب ما أكتبه، وشريط حياة أمي الحافلة بالعمل الشاق ماثل أمام عيني،  ومشاعرها المقتضبة تجاهنا، على رغم النكران الكبير لذاتها ولكل ما تحب هي، وأتذكر ما كانت تقوله لأبي: “شي يوم قلت لك بدي فستان؟ شي يوم قلت لك بدي شي إلي أني خاص ناص”، وتتابع “كنت أحرم حالي من كل شي”، ثم تنظر إلي ولا تطلب مني سوى أن أشكرها فقط، “قولي سلم دياتك يا أمي”، أعرف أن نكران الذات هو ما تربت عليه منذ صغرها، وأقول لها ما يسعدها “سلم دياتك يا أمي”. 

24.03.2023
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية