fbpx

الإدارة والسياسة والزلازل… لوم القدر حيث أخطأ البشر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

للأتراك الصراع والعمل من أجل حقوقهم وأمان حيواتهم، وللسوريين الثَكَل والبُكاء والاستسلام والدعاء حتى إشعارٍ آخر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أوائل عام 2022، قُتل 41 شخصاً في انفجار هائل بمنجمٍ للفحم في شمال تركيا، على مقربةٍ من ساحل البحر الأسود. آنذاك، أثار ردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المأساة الى القدر، غضباً عارماً، بخاصة أن الحادث لم يكن الأول من نوعه. إذ قُتل 300 شخص في حريق في منجم آخر عام 2014، سببته المحولات الكهربائية، كما لقي 18 شخصاً حتفهم في كارثة منجم أخرى عام 2018. 

وفي الحالتين، كان سوء الإدارة هو السبب الأول بما حصل. رد الفعل نفسه أبداه أردوغان وإدارته على زلزال 6 شباط/ فبراير الماضي وما خلّفه من خرابٍ هائل. عدا القدر، تحدث أردوغان ومقربون منه عن قوة الزلزال، ومن ثم عن صعوبة تخفيف الضرر، وألقوا باللوم في تأخر جهود الإنقاذ على حال الطرق. لكن بعض المقارنات والتأمل في الحقائق يؤكد أنه فيما الحدث من فعل الطبيعة، فإن حجم الكارثة صناعة بشرية شبه خالصة.

ما الذي حدث؟ فجر 6 شباط، ضرب منطقة غازي عنتاب، جنوب تركيا، زلزال بقوة 7.8 درجة على مقياس ريختر استمر 80 ثانية، تلاه زلزال آخر بعد تسع ساعات بقوة 7.5 درجة، كان مركزه منطقة كهرمان-مرعش القريبة، فترك الزلزالان وراءهما مصائب لا تُحصى. شرد الزلزالان (داخل تركيا وحدها) ما يزيد عن مليون ونصف المليون شخص. وبلغ عدد القتلى في تركيا وحدها حوالى 54 ألفاً (منهم 6600 لاجئ سوري)، وتضرر بشدة أو تدمّر نحو 160 ألف مبنى، بما في ذلك مستشفيات. التقدير المبدئي للخسائر داخل تركيا، وفق البنك الدولي، بلغ 84 بليون دولار (وأكثر من خمسة بلايين في الداخل السوري). كما تأثر حوالى 15 في المئة من بين 85 مليون تركي بالزلزال (أي ما يقارب الـ13 مليوناً). علماً أن هذه الأرقام ما زالت قيد التحديث (ربما بعد أشهر أو سنوات، نصل الى محصلة نهائية على الجانب التركي، أما في سوريا فالحصول على بيانات شبه دقيقة يبدو أمراً بعيد المنال). 

لكن، وعلى رغم وجود هيئة مخصصة لإدارة الطوارئ والتعامل مع الكوارث (أنشئت عام 2009 وتخصَّص لها ضرائب)، تفيد تقارير إخبارية بأن وصول المسعفين الى مدينة الإسكندرونة مثلاً، تأخر أكثر من أربعة أيام، فيما تكدست الجثث في الشوارع ومات كثيرون تحت الأنقاض (فرصة النجاة تبلغ 75 في المئة خلال الـ24 ساعة الأولى، ثم تنخفض بسرعة شديدة حتى التلاشي). في أماكن أخرى، وصلت فرق الإنقاذ أسرع قليلاً، فمثلاً وصلت الفرق المتخصصة الى مدينة أنطاكيا بعد يوم من الزلزال. 

ويتهم معارضون أردوغان بالتضييق على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الزلزالين، وتحديداً إيقاف خدمة “تويتر”، لصدّ سيل الانتقادات التي وُجهت له ولحكومته، مدّعين أن ذلك الإجراء، عدا عن طبيعته القمعية الواضحة، أضرّ بعمليات الإنقاذ. وفي نمطٍ أصبح معتاداً، حرك أردوغان دعاوى قضايا ضد منتقدي إدارته خلال الكارثة، سواء كانوا صحافيين أو مواطنين يكتبون على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه هذه المرة عاد وسحب تلك الإجراءات القانونية (التي يستحيل وصفها بالديمقراطية). 

الزلازل المُدمّرة التي تضرب تركيا ليست بغريبة، بل إنها تكاد تكون معتادة، فالبلد واقع بين ثلاث صفائح قارية، وله تاريخٌ حافلٌ مع هذه الظاهرة الطبيعية شديدة ُالقسوة، علماً أن تأخر جهود الإنقاذ (و هو ما يثير أسئلة عن مليارات الدولارات المجموعة لهذا الغرض كما سنبين) أقل خطراً من عدم الالتزام بإنشاء مبانٍ مقاومة للزلازل، بخاصة في بلد يكاد يقترن اسمه بالزلازل.  

في كانون ثاني/ يناير 1995، ضرب زلزال بقوة 7.3 درجة منطقة كوبي-أوساكا في اليابان، لم يستمر الزلزال إلا 20 ثانية، لكن مركزه كان شديد القرب من سطح الأرض (16 كيلومتراً فقط)، ما سبب دماراً هائلاً في منطقة مكتظة بالسكان، وأدى الى مقتل 6 آلاف وأربعمئة شخص، وجرح أربعين ألفاً وتضرُّر مئات الآلاف من المباني، وانقطاع إمدادات الكهرباء والمياه. واجهت الحكومة اليابانية آنذاك، انتقادات عنيفة لجهة عدم الالتزام بشروط السلامة في المباني لزلزالٍ بهذه القوة من جهة،  ورد الفعل البطيء من جهة أخرى. وبالفعل، اتخذت الحكومة إجراءات متشددة في تطبيق معايير سلامة المباني وكفاءة إجراءات الإنقاذ والسلامة، وتظهرت النتائج لاحقاً حين وقعت كارثة أكبر بما لا يقاس.

الزلازل المُدمّرة التي تضرب تركيا ليست بغريبة، بل إنها تكاد تكون معتادة، فالبلد واقع بين ثلاث صفائح قارية، وله تاريخٌ حافلٌ مع هذه الظاهرة الطبيعية شديدة ُالقسوة.

اليابان… 9 درجات

في 11 آذار/ مارس 2011، ضرب زلزال بقوة 9 درجات شرق اليابان، كان مركز الكارثة تحت مياه المحيط على بعد 54 ميلاً إلى الشرق من شبه جزيرة أوشيكا بإقليم توهكو، استمر الزلزال ما يقارب الست دقائق (متوسط الزلازل لا يزيد عادة عن الدقيقة)، ثم تلت ذلك موجة تسونامي هائلة. كان هذا الزلزال الأكثر قوة في تاريخ اليابان (حيث الزلازل أمر معتاد) منذ بدء سجلات النشاط الزلزالي، ورابع أقوى زلزال على الإطلاق عرفته الكرة الأرضية. موجة التسونامي تخطى ارتفاعها الـ40 متراً عند الانطلاق، وبلغت سرعتها 700 كيلومتر في الساعة، وتوغلت 10 كيلومترات داخل البر الياباني محدثة دماراً هائلاً. التحذير من التسونامي، على رغم منظومة الإنذار عالية الكفاءة، لم تتح إلا دقائق للهروب (مثلاً في مدينة سنداي ذات المليون نسمة الأقرب الى مركز الزلزال لم يملك الناس إلا 8 دقائق فقط للنجاة بأنفسهم). استغرقت الموجة نحو نصف الساعة في المتوسط للوصول إلى البر، وتراوح ارتفاعها حين الاصطدام باليابسة بين 3 و8 أمتار، علماً أن عشرات أماكن التجمع التي يفترض أن يلجأ الناس إليها، اكتسحتها المياه. الزلزال تسبّب في كارثة نووية في مفاعل فوكوشيما، ما أجبر الحكومة على إخلاء منطقة كبيرة حوله. تلت الزلزال مئات الهزات الارتدادية قاربت قوة بعضها الـ8 درجات، علماً أن المناطق التي تأثرت بشدة بهذا الزلزال الهائل كان يسكنها أكثر من عشرة ملايين شخص. بعد 8 أعوام من الكارثة، تحديداً عام 2021، صدرت أرقام نهائية رسمية لضحايا الكارثة. إذ بلغ عدد القتلى نتيجة الزلزال والتسونامي والكارثة النووية، وآثار أخرى للزلزال، 19759، إضافة إلى 2553 مفقوداً و64242 جريحاً، علماً أن التسونامي كان السبب المباشر لحوالى 90 في المئة من الوفيات.

تسبّب الزلزال أيضاً بخسائر مادية هائلة، إذ ترك نصف مليون شخص بلا مأوى نتيجة الدمار الذي أحدثه، وقدّر البنك الدولي الخسائر الإجمالية الناتجة من الزلزال بـ235 بليون دولار أميركي، ما جعله الكارثة الأكثر كلفةً في تاريخ البشرية حتى وقوعه. 

إذاً، كان زلزال تاهوكو عام 2011 في اليابان أقوى 12 مرة تقريباً من الزلزال الكبير (الأول) الذي شهدته تركيا أخيراً، وتبعته موجة تسونامي هائلة، وتسبب في كارثة نووية، ومع ذلك كان عدد قتلاه ومفقوديه أقل من نصف من قضوا في تركيا. إذاً، المأساة ليست في الزلزال فقط.

الطريف، أو المضحك- المبكي ربما، أن زلزالاً لعب دوراً أساسياً في إيصال أردوغان ومن معه من أتباع الإسلام السياسي الى السلطة. ففي آب/ أغسطس 1999، ضرب تركيا زلزال قوي بلغت قوته 7.6 درجة بالقرب من مدينة إزميت في  شمال غربي البلاد. واستمر لنحو 40 ثانية، وكان مركزه قريباً من الأرض (17 كيلومتراً تحت السطح) وبالقرب من اسطنبول، كبرى مدن تركيا، والتي تقع أطرافها الغربية على بعد أقل من 70 كيلومتراً من مركز الزلزال. رسمياً، زاد عدد القتلى عن 17 ألفاً، تشرد ربع مليون فرد، تضرر 120 ألفاً من المباني إلى درجة يتعذر معها ترميمها، وسقط 20 ألف مبنى تماماً. دار كلام كثير عن غياب الالتزام بمعايير مقاومة الزلازل واستخدام مواد بناء رديئة، كذلك واجه مسؤولون حكوميون انتقاداً شديداً، من جهة، هذه الاتهامات تذكر كلها بما يواجهه إردوغان وحكومته اليوم، ومن جهة أخرى كان من توابع زلزال 1999 هذا وصول الإسلاميين وزعيمهم إلى السلطة كبديلٍ عن القوى السياسية الأخرى.

  والفشل في إدارة الكوارث AFAD 

بعد زلزال إزميت، استُحدثت ضرائب لمواجهة الزلازل، وتم تحديث معايير البناء لمقاومتها. كذلك، أنشئت “هيئة لإدارة الكوارث والطوارئ” (اختصاراً AFAD) بقانون أصدره البرلمان التركي عام 2009 (كان أردوغان رئيساً للوزراء وقتها، قبل أن يغير دستور البلاد إلى النظام الرئاسي)، وفرضت ضرائب مخصصة لهذه الهيئة جمعت 4 مليارات و600 مليون دولار حتى وقت قريب. لكن لا معايير البناء طُبقت كما يجب ولا الهيئة أثبتت الكفاءة المطلوبة.

فبدلاً من التركيز على مهمتها الأساس، يتهم معارضون أردوغان باستخدام AFAD لتوسيع نفوذه الدولي عبر نشر أنشطتها في العالم الإسلامي بدلاً من التركيز على المهمة الأساسية داخل تركيا، وأنه أخضع هذه الهيئة لموالين له من غير المؤهلين. 

أوردت “تايم” الأميركية في مقال منشور بعد الزلزال، تقريراً صادراً من هذه الهيئة نفسها تحدث عن عجز عن التنسيق ونقصٍ في الأفراد المؤهلين. ومع ذلك، انفردت AFAD بالسيطرة على كل تعامل مع الزلزال، بل ومنعت جهوداً أخرى تعمل بشكل مستقل من المساعدة. وبينما يبلغ عدد العاملين في AFAD حوالى 6 آلاف فقط، إلا أنها  لم تُرحب بالمتطوعين ولم يسمح أردوغان للجيش بدورٍ محوري في عمليات الإنقاذ كما حدث بعد زلزال 1999، وهو ما ينتقده خصومه السياسيون أيضاً. 

ما كشفه غضب الطبيعة يوم السادس من شباط هو التراخي الشديد في تطبيق معايير البناء المطلوبة، والذي أدى إلى دمار كلي لآلاف المباني، منها مستشفيات. اليوم، يدور كلام كثير عن اعتماد الحزب الحاكم على قطاع البناء والتشييد كأحد أعمدة النمو الاقتصادي الرئيسية، ويتوجها قربٌ من شركات المقاولات. وبدلاً من الصرامة في تطبيق معايير البناء وهدم المخالف منها، منحت السلطات التركية الكثير من “الإعفاءات البنائية”  لشركات مقاولات سمحت لهم بالتغاضي عن معايير السلامة المطلوبة  مقابل غرامات مالية (عام 2018، وتحديداً في مدينة كهرمان- مرعش التي كانت مركز الزلزال الثاني يوم السادس من شباط 2023، تفاخر الرئيس أردوغان بأن أحد هذه الإعفاءات البنائية وفر سكناً لعشرات الآلاف، ترى كم من هؤلاء قضى تحت الأنقاض؟). وأوردت بعض التقارير أن نسبة المباني التي لا ترقى إلى معايير الأمان الزلزالي المطلوبة إلى نصف مباني البلاد. كم هي كارثية هذه النسبة في بلدٍ تتكرر فيه الزلازل؟!

لكن من وقعوا تحت طائلة الحساب حتى الآن لم يكونوا المسؤولين الأساسيين عن هذه “الفوضى الهندسية” التي أهدرت عشرات الآلاف من الأرواح. خلال 5 أيام من الزلزال، أصدرت السلطات التركية أوامر اعتقال 131 شخصاً على صلة بعشرات الآلاف من المباني المخالفة لاشتراطات البناء التي يفترض فيها مقاومة الزلازل، والتي سقطت على رؤوس قاطنيها. ارتفع عدد المقبوض عليهم إلى 200 مع نهاية شهر شباط . عدد من أصحاب شركات البناء قُبض عليهم خلال مغادرتهم البلاد. أحد هؤلاء، مثلاً لا حصراً، شيد مبنى فاخراً في أنطاكيا من 11 طابقاً انهار بالكامل على رؤوس ساكنيه مسبباً وحده عدداً لا يحصى من الوفيات. 

سيواجه أردوغان وأنصاره انتخابات مصيرية في شهر أيار/ مايو المقبل. وضعه لم يكن مثالياً قبل أن تكشف هزاتٍ أرضية ما كشفت، هناك تضخم شديد وأزمة اقتصادية وانحسار في تأييده عكسته انتخابات سابقة. اليوم وضعه قطعاً أكثر سوءاً، لكن الرجل سياسي داهية، ليس لأي كان أن ينكر ذلك. أيضاً هناك قاعدة ستبقى منحازة له مهما جرى (مثلما يوجد من يعارضه مهما أنجز، إذ منطلقات المجموعتين عقائدية “دوغمائية” لا مرونة فيها في بلد يعاني استقطاباً سياسياً حاداً)، فهل ينجح لوم القدر على تغييب المنطق، ناهيك بالمساءلة؟ وهل، إن رحل أردوغان، تستطيع الأحزاب التي حكمت تركيا في السابق وحُملت تبعات زلزال 1999 تغيير الواقع الذي تراخى هو (أي إردوغان) في تغييره؟ لا يبدو من دورٍ في هذه الأسئلة إلا لما يفعل وسيفعل الناخبون. وحتى إن حاول إردوغان التلاعب بالانتخابات بطريقة أو بأخرى (كما حذرت تحليلات قبل الزلزالين)، فإن كم الحنق عليه من جهة وتحالف منافسيه ضده (ممثلاً بشخص كمال كيليشدار أوغلو) سيعقّد ذلك. المحك هنا تحميل البشر، لا القدر، المسؤولية والقرار، هذا في بلد فيه انتخابات ومؤسسات وأحزاب ومساحة من الحرية حتى وإن كانت أضيق من ذي قبل، أما عبر الحدود في سوريا المنكوبة فالمأساة أكبر بما لا يقاس، بل إن المسؤول الأول عن موت مئات الآلاف وتهجير الملايين لا يعدم من يسعى إلى عودته هو ونظامه لدور طبيعيٍ كامل على الساحة الدولية، أليس من “العروبة الأصيلة” أن نصفق للحاكم المسؤول عن الكوارث وبحور الدماء ثم نحتضنه قبل أن نرفعه على أكتافنا؟ للأتراك الصراع والعمل من أجل حقوقهم وأمان حيواتهم، وللسوريين الثَكَل والبُكاء والاستسلام والدعاء حتى إشعارٍ آخر.

17.03.2023
زمن القراءة: 8 minutes

للأتراك الصراع والعمل من أجل حقوقهم وأمان حيواتهم، وللسوريين الثَكَل والبُكاء والاستسلام والدعاء حتى إشعارٍ آخر.

أوائل عام 2022، قُتل 41 شخصاً في انفجار هائل بمنجمٍ للفحم في شمال تركيا، على مقربةٍ من ساحل البحر الأسود. آنذاك، أثار ردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المأساة الى القدر، غضباً عارماً، بخاصة أن الحادث لم يكن الأول من نوعه. إذ قُتل 300 شخص في حريق في منجم آخر عام 2014، سببته المحولات الكهربائية، كما لقي 18 شخصاً حتفهم في كارثة منجم أخرى عام 2018. 

وفي الحالتين، كان سوء الإدارة هو السبب الأول بما حصل. رد الفعل نفسه أبداه أردوغان وإدارته على زلزال 6 شباط/ فبراير الماضي وما خلّفه من خرابٍ هائل. عدا القدر، تحدث أردوغان ومقربون منه عن قوة الزلزال، ومن ثم عن صعوبة تخفيف الضرر، وألقوا باللوم في تأخر جهود الإنقاذ على حال الطرق. لكن بعض المقارنات والتأمل في الحقائق يؤكد أنه فيما الحدث من فعل الطبيعة، فإن حجم الكارثة صناعة بشرية شبه خالصة.

ما الذي حدث؟ فجر 6 شباط، ضرب منطقة غازي عنتاب، جنوب تركيا، زلزال بقوة 7.8 درجة على مقياس ريختر استمر 80 ثانية، تلاه زلزال آخر بعد تسع ساعات بقوة 7.5 درجة، كان مركزه منطقة كهرمان-مرعش القريبة، فترك الزلزالان وراءهما مصائب لا تُحصى. شرد الزلزالان (داخل تركيا وحدها) ما يزيد عن مليون ونصف المليون شخص. وبلغ عدد القتلى في تركيا وحدها حوالى 54 ألفاً (منهم 6600 لاجئ سوري)، وتضرر بشدة أو تدمّر نحو 160 ألف مبنى، بما في ذلك مستشفيات. التقدير المبدئي للخسائر داخل تركيا، وفق البنك الدولي، بلغ 84 بليون دولار (وأكثر من خمسة بلايين في الداخل السوري). كما تأثر حوالى 15 في المئة من بين 85 مليون تركي بالزلزال (أي ما يقارب الـ13 مليوناً). علماً أن هذه الأرقام ما زالت قيد التحديث (ربما بعد أشهر أو سنوات، نصل الى محصلة نهائية على الجانب التركي، أما في سوريا فالحصول على بيانات شبه دقيقة يبدو أمراً بعيد المنال). 

لكن، وعلى رغم وجود هيئة مخصصة لإدارة الطوارئ والتعامل مع الكوارث (أنشئت عام 2009 وتخصَّص لها ضرائب)، تفيد تقارير إخبارية بأن وصول المسعفين الى مدينة الإسكندرونة مثلاً، تأخر أكثر من أربعة أيام، فيما تكدست الجثث في الشوارع ومات كثيرون تحت الأنقاض (فرصة النجاة تبلغ 75 في المئة خلال الـ24 ساعة الأولى، ثم تنخفض بسرعة شديدة حتى التلاشي). في أماكن أخرى، وصلت فرق الإنقاذ أسرع قليلاً، فمثلاً وصلت الفرق المتخصصة الى مدينة أنطاكيا بعد يوم من الزلزال. 

ويتهم معارضون أردوغان بالتضييق على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الزلزالين، وتحديداً إيقاف خدمة “تويتر”، لصدّ سيل الانتقادات التي وُجهت له ولحكومته، مدّعين أن ذلك الإجراء، عدا عن طبيعته القمعية الواضحة، أضرّ بعمليات الإنقاذ. وفي نمطٍ أصبح معتاداً، حرك أردوغان دعاوى قضايا ضد منتقدي إدارته خلال الكارثة، سواء كانوا صحافيين أو مواطنين يكتبون على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه هذه المرة عاد وسحب تلك الإجراءات القانونية (التي يستحيل وصفها بالديمقراطية). 

الزلازل المُدمّرة التي تضرب تركيا ليست بغريبة، بل إنها تكاد تكون معتادة، فالبلد واقع بين ثلاث صفائح قارية، وله تاريخٌ حافلٌ مع هذه الظاهرة الطبيعية شديدة ُالقسوة، علماً أن تأخر جهود الإنقاذ (و هو ما يثير أسئلة عن مليارات الدولارات المجموعة لهذا الغرض كما سنبين) أقل خطراً من عدم الالتزام بإنشاء مبانٍ مقاومة للزلازل، بخاصة في بلد يكاد يقترن اسمه بالزلازل.  

في كانون ثاني/ يناير 1995، ضرب زلزال بقوة 7.3 درجة منطقة كوبي-أوساكا في اليابان، لم يستمر الزلزال إلا 20 ثانية، لكن مركزه كان شديد القرب من سطح الأرض (16 كيلومتراً فقط)، ما سبب دماراً هائلاً في منطقة مكتظة بالسكان، وأدى الى مقتل 6 آلاف وأربعمئة شخص، وجرح أربعين ألفاً وتضرُّر مئات الآلاف من المباني، وانقطاع إمدادات الكهرباء والمياه. واجهت الحكومة اليابانية آنذاك، انتقادات عنيفة لجهة عدم الالتزام بشروط السلامة في المباني لزلزالٍ بهذه القوة من جهة،  ورد الفعل البطيء من جهة أخرى. وبالفعل، اتخذت الحكومة إجراءات متشددة في تطبيق معايير سلامة المباني وكفاءة إجراءات الإنقاذ والسلامة، وتظهرت النتائج لاحقاً حين وقعت كارثة أكبر بما لا يقاس.

الزلازل المُدمّرة التي تضرب تركيا ليست بغريبة، بل إنها تكاد تكون معتادة، فالبلد واقع بين ثلاث صفائح قارية، وله تاريخٌ حافلٌ مع هذه الظاهرة الطبيعية شديدة ُالقسوة.

اليابان… 9 درجات

في 11 آذار/ مارس 2011، ضرب زلزال بقوة 9 درجات شرق اليابان، كان مركز الكارثة تحت مياه المحيط على بعد 54 ميلاً إلى الشرق من شبه جزيرة أوشيكا بإقليم توهكو، استمر الزلزال ما يقارب الست دقائق (متوسط الزلازل لا يزيد عادة عن الدقيقة)، ثم تلت ذلك موجة تسونامي هائلة. كان هذا الزلزال الأكثر قوة في تاريخ اليابان (حيث الزلازل أمر معتاد) منذ بدء سجلات النشاط الزلزالي، ورابع أقوى زلزال على الإطلاق عرفته الكرة الأرضية. موجة التسونامي تخطى ارتفاعها الـ40 متراً عند الانطلاق، وبلغت سرعتها 700 كيلومتر في الساعة، وتوغلت 10 كيلومترات داخل البر الياباني محدثة دماراً هائلاً. التحذير من التسونامي، على رغم منظومة الإنذار عالية الكفاءة، لم تتح إلا دقائق للهروب (مثلاً في مدينة سنداي ذات المليون نسمة الأقرب الى مركز الزلزال لم يملك الناس إلا 8 دقائق فقط للنجاة بأنفسهم). استغرقت الموجة نحو نصف الساعة في المتوسط للوصول إلى البر، وتراوح ارتفاعها حين الاصطدام باليابسة بين 3 و8 أمتار، علماً أن عشرات أماكن التجمع التي يفترض أن يلجأ الناس إليها، اكتسحتها المياه. الزلزال تسبّب في كارثة نووية في مفاعل فوكوشيما، ما أجبر الحكومة على إخلاء منطقة كبيرة حوله. تلت الزلزال مئات الهزات الارتدادية قاربت قوة بعضها الـ8 درجات، علماً أن المناطق التي تأثرت بشدة بهذا الزلزال الهائل كان يسكنها أكثر من عشرة ملايين شخص. بعد 8 أعوام من الكارثة، تحديداً عام 2021، صدرت أرقام نهائية رسمية لضحايا الكارثة. إذ بلغ عدد القتلى نتيجة الزلزال والتسونامي والكارثة النووية، وآثار أخرى للزلزال، 19759، إضافة إلى 2553 مفقوداً و64242 جريحاً، علماً أن التسونامي كان السبب المباشر لحوالى 90 في المئة من الوفيات.

تسبّب الزلزال أيضاً بخسائر مادية هائلة، إذ ترك نصف مليون شخص بلا مأوى نتيجة الدمار الذي أحدثه، وقدّر البنك الدولي الخسائر الإجمالية الناتجة من الزلزال بـ235 بليون دولار أميركي، ما جعله الكارثة الأكثر كلفةً في تاريخ البشرية حتى وقوعه. 

إذاً، كان زلزال تاهوكو عام 2011 في اليابان أقوى 12 مرة تقريباً من الزلزال الكبير (الأول) الذي شهدته تركيا أخيراً، وتبعته موجة تسونامي هائلة، وتسبب في كارثة نووية، ومع ذلك كان عدد قتلاه ومفقوديه أقل من نصف من قضوا في تركيا. إذاً، المأساة ليست في الزلزال فقط.

الطريف، أو المضحك- المبكي ربما، أن زلزالاً لعب دوراً أساسياً في إيصال أردوغان ومن معه من أتباع الإسلام السياسي الى السلطة. ففي آب/ أغسطس 1999، ضرب تركيا زلزال قوي بلغت قوته 7.6 درجة بالقرب من مدينة إزميت في  شمال غربي البلاد. واستمر لنحو 40 ثانية، وكان مركزه قريباً من الأرض (17 كيلومتراً تحت السطح) وبالقرب من اسطنبول، كبرى مدن تركيا، والتي تقع أطرافها الغربية على بعد أقل من 70 كيلومتراً من مركز الزلزال. رسمياً، زاد عدد القتلى عن 17 ألفاً، تشرد ربع مليون فرد، تضرر 120 ألفاً من المباني إلى درجة يتعذر معها ترميمها، وسقط 20 ألف مبنى تماماً. دار كلام كثير عن غياب الالتزام بمعايير مقاومة الزلازل واستخدام مواد بناء رديئة، كذلك واجه مسؤولون حكوميون انتقاداً شديداً، من جهة، هذه الاتهامات تذكر كلها بما يواجهه إردوغان وحكومته اليوم، ومن جهة أخرى كان من توابع زلزال 1999 هذا وصول الإسلاميين وزعيمهم إلى السلطة كبديلٍ عن القوى السياسية الأخرى.

  والفشل في إدارة الكوارث AFAD 

بعد زلزال إزميت، استُحدثت ضرائب لمواجهة الزلازل، وتم تحديث معايير البناء لمقاومتها. كذلك، أنشئت “هيئة لإدارة الكوارث والطوارئ” (اختصاراً AFAD) بقانون أصدره البرلمان التركي عام 2009 (كان أردوغان رئيساً للوزراء وقتها، قبل أن يغير دستور البلاد إلى النظام الرئاسي)، وفرضت ضرائب مخصصة لهذه الهيئة جمعت 4 مليارات و600 مليون دولار حتى وقت قريب. لكن لا معايير البناء طُبقت كما يجب ولا الهيئة أثبتت الكفاءة المطلوبة.

فبدلاً من التركيز على مهمتها الأساس، يتهم معارضون أردوغان باستخدام AFAD لتوسيع نفوذه الدولي عبر نشر أنشطتها في العالم الإسلامي بدلاً من التركيز على المهمة الأساسية داخل تركيا، وأنه أخضع هذه الهيئة لموالين له من غير المؤهلين. 

أوردت “تايم” الأميركية في مقال منشور بعد الزلزال، تقريراً صادراً من هذه الهيئة نفسها تحدث عن عجز عن التنسيق ونقصٍ في الأفراد المؤهلين. ومع ذلك، انفردت AFAD بالسيطرة على كل تعامل مع الزلزال، بل ومنعت جهوداً أخرى تعمل بشكل مستقل من المساعدة. وبينما يبلغ عدد العاملين في AFAD حوالى 6 آلاف فقط، إلا أنها  لم تُرحب بالمتطوعين ولم يسمح أردوغان للجيش بدورٍ محوري في عمليات الإنقاذ كما حدث بعد زلزال 1999، وهو ما ينتقده خصومه السياسيون أيضاً. 

ما كشفه غضب الطبيعة يوم السادس من شباط هو التراخي الشديد في تطبيق معايير البناء المطلوبة، والذي أدى إلى دمار كلي لآلاف المباني، منها مستشفيات. اليوم، يدور كلام كثير عن اعتماد الحزب الحاكم على قطاع البناء والتشييد كأحد أعمدة النمو الاقتصادي الرئيسية، ويتوجها قربٌ من شركات المقاولات. وبدلاً من الصرامة في تطبيق معايير البناء وهدم المخالف منها، منحت السلطات التركية الكثير من “الإعفاءات البنائية”  لشركات مقاولات سمحت لهم بالتغاضي عن معايير السلامة المطلوبة  مقابل غرامات مالية (عام 2018، وتحديداً في مدينة كهرمان- مرعش التي كانت مركز الزلزال الثاني يوم السادس من شباط 2023، تفاخر الرئيس أردوغان بأن أحد هذه الإعفاءات البنائية وفر سكناً لعشرات الآلاف، ترى كم من هؤلاء قضى تحت الأنقاض؟). وأوردت بعض التقارير أن نسبة المباني التي لا ترقى إلى معايير الأمان الزلزالي المطلوبة إلى نصف مباني البلاد. كم هي كارثية هذه النسبة في بلدٍ تتكرر فيه الزلازل؟!

لكن من وقعوا تحت طائلة الحساب حتى الآن لم يكونوا المسؤولين الأساسيين عن هذه “الفوضى الهندسية” التي أهدرت عشرات الآلاف من الأرواح. خلال 5 أيام من الزلزال، أصدرت السلطات التركية أوامر اعتقال 131 شخصاً على صلة بعشرات الآلاف من المباني المخالفة لاشتراطات البناء التي يفترض فيها مقاومة الزلازل، والتي سقطت على رؤوس قاطنيها. ارتفع عدد المقبوض عليهم إلى 200 مع نهاية شهر شباط . عدد من أصحاب شركات البناء قُبض عليهم خلال مغادرتهم البلاد. أحد هؤلاء، مثلاً لا حصراً، شيد مبنى فاخراً في أنطاكيا من 11 طابقاً انهار بالكامل على رؤوس ساكنيه مسبباً وحده عدداً لا يحصى من الوفيات. 

سيواجه أردوغان وأنصاره انتخابات مصيرية في شهر أيار/ مايو المقبل. وضعه لم يكن مثالياً قبل أن تكشف هزاتٍ أرضية ما كشفت، هناك تضخم شديد وأزمة اقتصادية وانحسار في تأييده عكسته انتخابات سابقة. اليوم وضعه قطعاً أكثر سوءاً، لكن الرجل سياسي داهية، ليس لأي كان أن ينكر ذلك. أيضاً هناك قاعدة ستبقى منحازة له مهما جرى (مثلما يوجد من يعارضه مهما أنجز، إذ منطلقات المجموعتين عقائدية “دوغمائية” لا مرونة فيها في بلد يعاني استقطاباً سياسياً حاداً)، فهل ينجح لوم القدر على تغييب المنطق، ناهيك بالمساءلة؟ وهل، إن رحل أردوغان، تستطيع الأحزاب التي حكمت تركيا في السابق وحُملت تبعات زلزال 1999 تغيير الواقع الذي تراخى هو (أي إردوغان) في تغييره؟ لا يبدو من دورٍ في هذه الأسئلة إلا لما يفعل وسيفعل الناخبون. وحتى إن حاول إردوغان التلاعب بالانتخابات بطريقة أو بأخرى (كما حذرت تحليلات قبل الزلزالين)، فإن كم الحنق عليه من جهة وتحالف منافسيه ضده (ممثلاً بشخص كمال كيليشدار أوغلو) سيعقّد ذلك. المحك هنا تحميل البشر، لا القدر، المسؤولية والقرار، هذا في بلد فيه انتخابات ومؤسسات وأحزاب ومساحة من الحرية حتى وإن كانت أضيق من ذي قبل، أما عبر الحدود في سوريا المنكوبة فالمأساة أكبر بما لا يقاس، بل إن المسؤول الأول عن موت مئات الآلاف وتهجير الملايين لا يعدم من يسعى إلى عودته هو ونظامه لدور طبيعيٍ كامل على الساحة الدولية، أليس من “العروبة الأصيلة” أن نصفق للحاكم المسؤول عن الكوارث وبحور الدماء ثم نحتضنه قبل أن نرفعه على أكتافنا؟ للأتراك الصراع والعمل من أجل حقوقهم وأمان حيواتهم، وللسوريين الثَكَل والبُكاء والاستسلام والدعاء حتى إشعارٍ آخر.

17.03.2023
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية