fbpx

البابا فرنسيس يدعم المهاجرين من مارسيليا منتقداً اللامبالاة الأوروبيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مواقف فرنسيس الأول خلفت صدى كبيراً في الأوساط السياسية والشعبية الفرنسية: فالأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة تعلل مناهضتها المهاجرين بحرصها على الحفاظ على ثقافة البلاد وتراثها الكاثوليكي. بمعنى آخر، وصول آلاف المهاجرين إلى فرنسا، يعد تهديداً لهوية البلاد بما أن غالبيتهم من المسلمين، على حد رأيهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

صحيحٌ أنها المرة الأولى التي يزور فيها بابا الفاتيكان مدينة مارسيليا الفرنسية منذ 490 عاماً. لكن فرنسيس الأول لم يشأ الاكتفاء بهذا العنوان. زيارته كانت لحضور اختتام أعمال “اللقاءات المتوسطية 2023 “، يومي الجمعة والسبت 23 و24 أيلول/ سبتمبر. غير أنها تحولت إلى محطة لتجديد مساندته المهاجرين غير الشرعيين إلى القارة العجوز. مواقفه شغلت الرأي العام الفرنسي وأربكت بعض الأوساط السياسية.  

الخطاب الذي ألقاه البابا في اليوم الأول لزيارته، خصصه لانتقاد “اللامبالاة” الأوروبية حيال المهاجرين ليشبهها بالتعصب. وصف البحر المتوسط “بالمقبرة التي تحرم البعض حتى من حق الحصول على قبر”، مضيفاً أنه لم يعد بإمكاننا أن نكون شهوداً على “تراجيديا الغرق”، مطالباً بمزيد من الإنسانية،  ليطلق في اليوم الثاني لزيارته نداءً دعا فيه إلى “صحوة ضمير توقف الغرق الحضاري”. 

في الشكل، لم تكن رسائل البابا أقل وقعاً: كلامه أتى على إيقاع أزمة جديدة تعيشها دول الاتحاد الأوروبي بعد وصول آلاف المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية منتصف الشهر الجاري، كما تزامنت مواقفه مع اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ (24 أيلول). 

من جهة أخرى، أعلن البابا في 6 آب/ أغسطس الماضي، أن زيارته هي لمارسيليا وليس لفرنسا، حرصاً على عدم إضفاء أي صبغة رسمية على رحلته. كما جاء نداؤه خلال ترؤسه قداساً بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير داخليته الذي أعلن قبل أيام امتناع فرنسا عن استقبال أي من المهاجرين الذين وصلوا إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ما عكس انتقاداً مبطناً للحكومة الفرنسية. 

رمزية أخرى تستحق التمعن: انتقاده المبطن للحكومة الفرنسية كان من مارسيليا، مدينة تمثل رمزاً للتمرد على السلطة السياسية الفرنسية، منذ العهد الملكي. فرنسيس الأول وصف مارسيليا بالمدينة المتنوعة، كما اعتبرها فسيفساء أمل لفرنسا وللعالم، مخالفاً بذلك صورتها النمطية، إذ يتم تصويرها إعلامياً كمعقل للانفلات الأمني بسبب موجات الهجرة القديمة والمعاصرة.  

في الشكل، لم تكن رسائل البابا أقل وقعاً: كلامه أتى على إيقاع أزمة جديدة تعيشها دول الاتحاد الأوروبي بعد وصول آلاف المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية منتصف الشهر الجاري.

مواقف فرنسيس الأول خلفت صدى كبيراً في الأوساط السياسية والشعبية الفرنسية: فالأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة تعلل مناهضتها المهاجرين بحرصها على الحفاظ على ثقافة البلاد وتراثها الكاثوليكي. بمعنى آخر، وصول آلاف المهاجرين إلى فرنسا، يعد تهديداً لهوية البلاد بما أن غالبيتهم من المسلمين، على حد رأيهم.

أبرز ما يتم تسويقه في هذا السياق، نظرية “الاستبدال الكبير”: وفقاً لأنصارها، سيشكل المسلمون نصف سكان فرنسا بحلول العام 2050. نظرية لا تستند إلى أي دليل علمي وفقاً لخبراء الديموغرافيا والإحصاء، ناهيك بعنصريتها الفاقعة. 

وعلى المستوى الشعبي، يسود شعور في أوساط الكاثوليك الفرنسيين بتحوّلهم الى أقلية داخل بلدهم. في كتابها الصادر في العام 2022 بعنوان “نحو الانفجار الداخلي: مقابلات حول حاضر ومستقبل الكاثوليكية”، أشارت الباحثة في سوسيولوجيا الأديان دانيال هيرفيو-ليجير، الى أن 29 في المئة من الفرنسيين، يعتبرون الكاثوليكية جزءاً من هويتهم، نسبة كانت تبلغ 85 في المئة قبل 57 عاماً.

هذا الانحدار في الانتماء الى الكاثوليكية يقابله التزام ديني متنامٍ في أوساط المسلمين: صحيفة L’Express توقفت عند إحصاء أجراه معهد Ifop في العام 2020، وتبين بنتيجته أن نسبة الكاثوليك الفرنسيين المواظبين على حضور القداس تقارب الـ 8 في المئة، فيما يتردد 25 في المئة من المسلمين (من فرنسيين وأجانب) على الجوامع بصورة منتظمة.  برأي الباحث في العلوم السياسية يان ريزون- دو- كلوزيو، تراجع الكاثوليكية في فرنسا مقابل صعود الإسلام، دفع بشرائح من الكاثوليك إلى التشدد سياسياً، تشدد يتجلى في تصويتهم لمرشحي اليمين المتطرف. 

وعليه، فإن إدلاء رأس الكنيسة الكاثوليكية بما سبق ذكره ودعوته المؤمنين “الى التحلي بالمثالية واستقبال إخوتهم”، يضعف حجة هذا الفريق ويشكل سلاحاً بيد خصومهم للرد على ادعاءاتهم بتعرض فرنسا لتهديد حضاري.  

الأوساط اليسارية،  الخصم الطبيعي لليمين المتطرف،  سارعت إلى الإشادة بكلام البابا فرنسيس الأول، فالمرشح السابق للانتخابات الرئاسية جان لوك ميلانشون، رحب بحضور البابا فرنسيس الأول إلى مارسيليا وبدفاعه عن المهاجرين، اخوتنا في الإنسانية. النائبة عن حركة فرنسا الأبية، كليمانتين أوتان، ورغم اعتراضها على حضور ماكرون القداس لتناقضه مع علمانية الدولة، دعت رئيس الجمهورية إلى الإصغاء لرسالة بابا الفاتيكان لما تتضمنه من أبعاد إنسانية. في المقابل، اعتبر ساشا هولييه، النائب عن حزب النهضة الموالي للرئيس ماكرون، أن فرنسا غير مقصودة بكلام الحبر الأعظم لالتزامها بما نصت عليه القوانين الأوروبية حيال استقبال المهاجرين. برأي هولييه، الدولتان المعنيتان باللامبالاة التي أتى فرنسيس الأول على ذكرها، هما المملكة المتحدة وإيطاليا.  

على المقلب الآخر، لم يكن مستغرباً استنفار شخصيات يمينية متطرفة للهجوم على فرنسيس الأول، إذ إن إريك زمور تساءل: هل يريد بابا الفاتيكان تحويل أوروبا إلى أرض للإسلام؟ مستحضراً عبارة للقديس أوغسطينوس: “لا يمكننا الذهاب بفعل الخير إلى حد إيذاء النفس”.  

ماريون مارشال، التي ستترأس لائحة زمور للانتخابات الأوروبية المقبلة، اعتبرت أن لا شأن لبابا الفاتيكان بالسياسة، إذ لا يعي ما نواجهه في أوروبا من تحديات نظراً الى هويته اللاتينية. موقف مارشال يتماهى مع تصريح لرئيس حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا، رأى فيه أن البابا لا يفهم “اشكالية الهجرة إلى أوروبا”. أما عضو مجلس الشيوخ عن مدينة مارسيليا ستيفان رافييه، فاتّهم البابا بدفع أوروبا إلى الانتحار لانحيازه إلى صف المهاجرين، واصفاً مواقفه بالأيديولوجية التي لا تتناسب مع واقع فرنسا ومارسيليا. 

مواقف البابا فرنسيس الأول لا تنفصل عن مسيرته الشخصية والدينية: هو ابن مهاجر إيطالي، ساعد عشرات المعارضين على الهرب إلى البرازيل إبان الحكم العسكري للأرجنتين في سبعينات القرن الماضي. وبعد انتخابه على رأس الكنيسة في العام 2013، كانت زيارته الرسمية الأولى إلى جزيرة لامبيدوزا للصلاة لراحة المهاجرين الغرقى في البحر المتوسط. 

26.09.2023
زمن القراءة: 4 minutes

مواقف فرنسيس الأول خلفت صدى كبيراً في الأوساط السياسية والشعبية الفرنسية: فالأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة تعلل مناهضتها المهاجرين بحرصها على الحفاظ على ثقافة البلاد وتراثها الكاثوليكي. بمعنى آخر، وصول آلاف المهاجرين إلى فرنسا، يعد تهديداً لهوية البلاد بما أن غالبيتهم من المسلمين، على حد رأيهم.

صحيحٌ أنها المرة الأولى التي يزور فيها بابا الفاتيكان مدينة مارسيليا الفرنسية منذ 490 عاماً. لكن فرنسيس الأول لم يشأ الاكتفاء بهذا العنوان. زيارته كانت لحضور اختتام أعمال “اللقاءات المتوسطية 2023 “، يومي الجمعة والسبت 23 و24 أيلول/ سبتمبر. غير أنها تحولت إلى محطة لتجديد مساندته المهاجرين غير الشرعيين إلى القارة العجوز. مواقفه شغلت الرأي العام الفرنسي وأربكت بعض الأوساط السياسية.  

الخطاب الذي ألقاه البابا في اليوم الأول لزيارته، خصصه لانتقاد “اللامبالاة” الأوروبية حيال المهاجرين ليشبهها بالتعصب. وصف البحر المتوسط “بالمقبرة التي تحرم البعض حتى من حق الحصول على قبر”، مضيفاً أنه لم يعد بإمكاننا أن نكون شهوداً على “تراجيديا الغرق”، مطالباً بمزيد من الإنسانية،  ليطلق في اليوم الثاني لزيارته نداءً دعا فيه إلى “صحوة ضمير توقف الغرق الحضاري”. 

في الشكل، لم تكن رسائل البابا أقل وقعاً: كلامه أتى على إيقاع أزمة جديدة تعيشها دول الاتحاد الأوروبي بعد وصول آلاف المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية منتصف الشهر الجاري، كما تزامنت مواقفه مع اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ (24 أيلول). 

من جهة أخرى، أعلن البابا في 6 آب/ أغسطس الماضي، أن زيارته هي لمارسيليا وليس لفرنسا، حرصاً على عدم إضفاء أي صبغة رسمية على رحلته. كما جاء نداؤه خلال ترؤسه قداساً بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير داخليته الذي أعلن قبل أيام امتناع فرنسا عن استقبال أي من المهاجرين الذين وصلوا إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ما عكس انتقاداً مبطناً للحكومة الفرنسية. 

رمزية أخرى تستحق التمعن: انتقاده المبطن للحكومة الفرنسية كان من مارسيليا، مدينة تمثل رمزاً للتمرد على السلطة السياسية الفرنسية، منذ العهد الملكي. فرنسيس الأول وصف مارسيليا بالمدينة المتنوعة، كما اعتبرها فسيفساء أمل لفرنسا وللعالم، مخالفاً بذلك صورتها النمطية، إذ يتم تصويرها إعلامياً كمعقل للانفلات الأمني بسبب موجات الهجرة القديمة والمعاصرة.  

في الشكل، لم تكن رسائل البابا أقل وقعاً: كلامه أتى على إيقاع أزمة جديدة تعيشها دول الاتحاد الأوروبي بعد وصول آلاف المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية منتصف الشهر الجاري.

مواقف فرنسيس الأول خلفت صدى كبيراً في الأوساط السياسية والشعبية الفرنسية: فالأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة تعلل مناهضتها المهاجرين بحرصها على الحفاظ على ثقافة البلاد وتراثها الكاثوليكي. بمعنى آخر، وصول آلاف المهاجرين إلى فرنسا، يعد تهديداً لهوية البلاد بما أن غالبيتهم من المسلمين، على حد رأيهم.

أبرز ما يتم تسويقه في هذا السياق، نظرية “الاستبدال الكبير”: وفقاً لأنصارها، سيشكل المسلمون نصف سكان فرنسا بحلول العام 2050. نظرية لا تستند إلى أي دليل علمي وفقاً لخبراء الديموغرافيا والإحصاء، ناهيك بعنصريتها الفاقعة. 

وعلى المستوى الشعبي، يسود شعور في أوساط الكاثوليك الفرنسيين بتحوّلهم الى أقلية داخل بلدهم. في كتابها الصادر في العام 2022 بعنوان “نحو الانفجار الداخلي: مقابلات حول حاضر ومستقبل الكاثوليكية”، أشارت الباحثة في سوسيولوجيا الأديان دانيال هيرفيو-ليجير، الى أن 29 في المئة من الفرنسيين، يعتبرون الكاثوليكية جزءاً من هويتهم، نسبة كانت تبلغ 85 في المئة قبل 57 عاماً.

هذا الانحدار في الانتماء الى الكاثوليكية يقابله التزام ديني متنامٍ في أوساط المسلمين: صحيفة L’Express توقفت عند إحصاء أجراه معهد Ifop في العام 2020، وتبين بنتيجته أن نسبة الكاثوليك الفرنسيين المواظبين على حضور القداس تقارب الـ 8 في المئة، فيما يتردد 25 في المئة من المسلمين (من فرنسيين وأجانب) على الجوامع بصورة منتظمة.  برأي الباحث في العلوم السياسية يان ريزون- دو- كلوزيو، تراجع الكاثوليكية في فرنسا مقابل صعود الإسلام، دفع بشرائح من الكاثوليك إلى التشدد سياسياً، تشدد يتجلى في تصويتهم لمرشحي اليمين المتطرف. 

وعليه، فإن إدلاء رأس الكنيسة الكاثوليكية بما سبق ذكره ودعوته المؤمنين “الى التحلي بالمثالية واستقبال إخوتهم”، يضعف حجة هذا الفريق ويشكل سلاحاً بيد خصومهم للرد على ادعاءاتهم بتعرض فرنسا لتهديد حضاري.  

الأوساط اليسارية،  الخصم الطبيعي لليمين المتطرف،  سارعت إلى الإشادة بكلام البابا فرنسيس الأول، فالمرشح السابق للانتخابات الرئاسية جان لوك ميلانشون، رحب بحضور البابا فرنسيس الأول إلى مارسيليا وبدفاعه عن المهاجرين، اخوتنا في الإنسانية. النائبة عن حركة فرنسا الأبية، كليمانتين أوتان، ورغم اعتراضها على حضور ماكرون القداس لتناقضه مع علمانية الدولة، دعت رئيس الجمهورية إلى الإصغاء لرسالة بابا الفاتيكان لما تتضمنه من أبعاد إنسانية. في المقابل، اعتبر ساشا هولييه، النائب عن حزب النهضة الموالي للرئيس ماكرون، أن فرنسا غير مقصودة بكلام الحبر الأعظم لالتزامها بما نصت عليه القوانين الأوروبية حيال استقبال المهاجرين. برأي هولييه، الدولتان المعنيتان باللامبالاة التي أتى فرنسيس الأول على ذكرها، هما المملكة المتحدة وإيطاليا.  

على المقلب الآخر، لم يكن مستغرباً استنفار شخصيات يمينية متطرفة للهجوم على فرنسيس الأول، إذ إن إريك زمور تساءل: هل يريد بابا الفاتيكان تحويل أوروبا إلى أرض للإسلام؟ مستحضراً عبارة للقديس أوغسطينوس: “لا يمكننا الذهاب بفعل الخير إلى حد إيذاء النفس”.  

ماريون مارشال، التي ستترأس لائحة زمور للانتخابات الأوروبية المقبلة، اعتبرت أن لا شأن لبابا الفاتيكان بالسياسة، إذ لا يعي ما نواجهه في أوروبا من تحديات نظراً الى هويته اللاتينية. موقف مارشال يتماهى مع تصريح لرئيس حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا، رأى فيه أن البابا لا يفهم “اشكالية الهجرة إلى أوروبا”. أما عضو مجلس الشيوخ عن مدينة مارسيليا ستيفان رافييه، فاتّهم البابا بدفع أوروبا إلى الانتحار لانحيازه إلى صف المهاجرين، واصفاً مواقفه بالأيديولوجية التي لا تتناسب مع واقع فرنسا ومارسيليا. 

مواقف البابا فرنسيس الأول لا تنفصل عن مسيرته الشخصية والدينية: هو ابن مهاجر إيطالي، ساعد عشرات المعارضين على الهرب إلى البرازيل إبان الحكم العسكري للأرجنتين في سبعينات القرن الماضي. وبعد انتخابه على رأس الكنيسة في العام 2013، كانت زيارته الرسمية الأولى إلى جزيرة لامبيدوزا للصلاة لراحة المهاجرين الغرقى في البحر المتوسط. 

26.09.2023
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية