fbpx

النساء المُدمنات في الدراما… هل شاهدتم سمسم في “تغيير جو”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

سمسم هي والدة شخصية منّة شلبي. منّة نفسها التي حصل معها أسوأ ما قد يحدث لامرأة… أن يعلم العالم العربي بأسره أنّها أتت من أمستردام مع القليل من الحشيش.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تقليدياً، عانت النساء العربيات من التمثيل الذكوري الطاغي في المسلسلات الدرامية، فالشاشة لطالما عرضت قصص الواقع من منظور أبوي حصراً. هذا العام كنّا أمام ظاهرة مسلسلات نسائية تهدف نحو قضايا نسوية. 

في كل موسم رمضاني، تقدّم الشاشات العربية مسلسلات كثيرة تزخر بمشكلات اجتماعية، ومع اعتراض البعض بالتذرع بأن شاشة رمضان لا بدّ أن تكون “نظيفة”، إلّا أنّ الواقع غير نظيف ولا بدّ أن نمثله خصوصاً في رمضان حيث المنافسة كبيرة. 

ظهر مسلسل “تغيير جو”، بطولة منّة شلبي، هذا العام من بين مسلسلات القسم الثاني من رمضان، هو مسلسل من 15 حلقة، خفيف جداً وواجه الكثير من الانتقادات لبطء أحداثه وغياب عناصر التشويق فيه. يحكي المسلسل قصة شريفة التي تلعب دورها منّة شلبي، وهي فتاة مصرية تواجه صراعات صغيرة منها محاولة إقناع والدتها المدمنة (سمسم) بأن تتوقف عن تعاطي حبوب الأعصاب. تلعب دور سمسم النجمة شيرين، يبدأ المسلسل بسمسم في سنتر إعادة التأهيل، وهو مركز نسائي بطبيعة الأحوال، يضمّ نساء مدمنات على مختلف أنواع المخدرات، وهذا هو الجزء الذي نحبّه في المسلسل. المسلسل يروي وجهة نظر المدمنات بطريقة خفيفة عكس ما شهدناه سابقاً من ربط فكرة الإدمان بدور النساء المجتمعي، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العمل يجمع كاتبة امرأة ومخرجة امرأة وبطولة نسائية كبيرة، وهذا ربما يكون خطوة نحو إنصاف التمثيل النسائي الصحيح بعيداً من النظرة الذكورية التي غالباً ما تمثل قضايا النساء وقصصهن من منظور الرجل. 

صوّر المسلسل النساء المدمنات بشكل طبيعي، وهذا من دون الغوص في حياتهنّ الجنسية أو ما يخلّفه إدمان النساء من “فسق وفجور وفساد في المجتمع وحرام وحلال وجنس وخيانة”… كل تلك الأمور التي رافقت النساء في كلّ مرة يخترن أن يقمن بأمور لا تتماشى مع دورهنّ المعروف أي “أمهات صالحات”. في المسلسل، شاهدنا دور شيرين، وهي أم مطلقة تدمن على حبوب المهدئات وتدخل إلى مركز علاج. يعكس المسلسل ما تواجهه شخصية شيرين بسبب المخدرات، وهذا يشمل دخولها المستشفى، وتخبئة المهدئات في كل مكان، والتلاعب بغيرها لتحصل عليها. “سمسم” تتطلب الكثير من الاهتمام، وغالباً ما تلجأ إلى المخدرات كي تملأ هذا الفراغ. نرى صراعات سمسم من أمّ مطلقة “فرفوشة” ذات شخصية صارخة تريد الكثير من الاهتمام، وحينما تفقده، تلجأ الى المهدئات ونراها أيضاً كأم حنونة تحبّ ابنتها حدّ الهوس. يحدث بسمسم أخطر ما قد يحدث لامرأة تتعاطى المخدرات… تدخل المستشفى بسبب جرعة زائدة. قصة سمسم هي قصة نسوية بالفعل، فهي تتعاطى المهدئات ولم يتم اختيار مخدر كالهيرويين لها، هي لا تمثل شيئاً سوى صراعاتها الداخلية من دون الخوص بتفاصيل الرذيلة والفضيلة المجتمعية التي غالباً ما يتم لصقها بالشخصيات النسائية الصارخة.

كانت الشاشة المصرية هذا العام منصفة نسبياً للنساء، وهذا يعطينا القليل من الأمل.

سمسم هي والدة شخصية منّة شلبي. منّة نفسها التي حصل معها أسوأ ما قد يحدث لامرأة… أن يعلم العالم العربي بأسره أنّها أتت من أمستردام مع القليل من الحشيش. لا نحبّ الغوص بتفاصيل ما حصل مع منّة، فنحن نعلم أنّها ممثلة ترشحت لجائزة “Emmy”، ونحن نعلم كم هي صدمة نفسية أن تكون امرأة تحت الأضواء بسبب قضية مخدرات. دور منّة كابنة لأم مدمنة، فيه شيء من الرمزية… أن تصعد ممثلة وتؤدي دوراً في قضية سببت لها الأذية. أن يعلم العالم العربي أنّّك دخنت الحشيش في أمستردام ليس أمراً سهلاً… فحين تتعاطى امرأة المخدرات، هي تخذل جسدها، وبالتالي تدمر المجتمع بأكمله!

في التاريخ الحديث، كان من إتيكيت أن تكوني امرأة، أن تحافظي على جسمك. يظن البعض أنّ كليوبترا كانت غالباً ثملة مع مارك أنتوني، وكانت لها حياة صارخة كمعظم النساء “العظيمات” في التاريخ، لكن هذا النوع من “الحركات” لم يستمر طويلاً، ففي جزء من التاريخ أصبحنا نساء مرتبات ينتظرن أزواجهن في المنزل. عام 1968، أنصفنا 12 رجلاً حينما سوّقوا سجائر Virginia Slim للنساء، وهذا لأنّ النساء بدأت معاملتهن كمستهلكات وليس لأي غرض نسوي، فصنع الرجال لنا سجائر نحيفة “تليق بنا”. حتى اليوم، ترفض مجتمعات كثيرة أن تدخن النساء، والسبب أنّ المرأة التي لا تحافظ على جسمها هي امرأة غير صالحة لتكوين أسرة، فالمرأة هي التي ترعى وتربي، تحب جسمها وتحافظ عليه. نحن هنا نناقش السجائر، لا المخدرات. The Big Book وهو كتاب نشر عام 1939 لمساعدة مدمني الكحول على التوقف، وضمن مشروع Alcoholic Anonymous، يحوي قصصاً لرجال تخطوا إدمان الكحول. لا يحتوي الكتاب قصص نساء، إذ يفترض أنهن مشغولات بالحفاظ على أجسادهنّ، لكن المثير أنّه يحتوي على قسم لزوجات المدمنين، حيث يشاركن تجربتهن كزوجات لا كمدمنات. أعتقد أنّ المجتمع يرى المرأة التي تتعاطى المخدرات كامرأة سهلة قد تمارس الجنس مع الكثير من الناس، وهذا لأنّها حينما تتعاطى فهي تدمر جسدها، ولا “تحترمه”، ومن هنا يظن الجميع أنّها ستفعل ذلك في حياتها الجنسية، ولن تهتم بأطفالها ولن تكون راشدة صالحة.

أعود من هذه الفكرة إلى مسلسل “تغيير جو”، أظهر المسلسل نساء في مركز معالجة الإدمان. مشاهد الحلقة الأولى من هذا المركز أظهرت نساء مدمنات بشخصيات مختلفة، منهن الممتنة للحياة والشجر والعلاج، ومنهنّ من تسخر من الممتنات، وامرأة تروي كم تشعر بالخجل لأنّها سرقت مالاً من أختها، وامرأة أخرى تقارن الكحول بالمهدئات، وأخرى ترى أنّ الكوكايين لا يفرق عن الكحول أو الليكزوتانيل… أما سمسم فرفعت سوراً كبيراً بوجه العلاج وقررت أنّها ليست بحاجة إليه. هذا السيناريو البسيط السهل والذي يروي مشاعر النساء ونظرتهنّ، كان كفيلاً بأن يشعرنا بنسوية ما في تمثيل المدمنات. 

ولدت للأسف مع والد يعاني من شخصية إدمانية حادة وأم لم تجرب السيجارة في حياتها. غالباً ما رأيت الإدمان من منظور شخص مقرب لي ولن أقول أنني ورثت بعض المشاعر منه، لربما حصل ذلك، لكن بطريقة أكثر تعقيداً. في رحلة والدي المدمن، رأيت شخصية غريبة وعفوية ومدمرة للذات بشكل كبير تدمر الجميع معها. غالباً ما انجذبت الى شخصيات المدمنين في المسلسلات والأفلام. الشخصيات المدمنة هي في طبيعة الأحوال تكره نفسها أكثر من أي شيء آخر، هي لا تقدّر جسدها… في طفولتي، حين كنت في أحد صفوف الابتدائي، قررت المدرسة أن ترسلنا لنشاهد مسرحية عن الإدمان، وللأسف، لم يتقبل جسدي المسرحية ولم أتمكن من مشاهدتها. أن يخبرني العالم أنّ الإدمان سيئ كان أمراً لا أريد أن أعلمه، والسبب بطبيعة الأحوال هو أنّني أجربه بتفاصيله. ولهذا بحثت عن شخصيات تمثل الشق الظريف من الإدمان كسمسم. هي شخصية صارخة وساخرة، إنما تكره جسدها ولا تتقبل أي نقد أو قلة اهتمام. طمحت الى رواية خفيفة عن المدمنين، وهذا ما أظن أنه أظهره فيلم Trainspotting حيث عرض الجانب المدمر من الإدمان بسياق ساخر ومن منظور شخصية فريدة. قد يكون هذا المقال غير منصف للكثير من الذين يعانون مع الإدمان، فأنا لا أدافع عن المخدرات أو الإدمان لكن على الأغلب سيراني العالم هكذا. أنا فقط أُعجبت بشخصية سمسم التي مثلت شخصية فريدة، ولأنّ الإدمان بطبيعة الأحوال أمر يمسّني شخصياً. 

بالطبع لم يكن “تغيير جو” أول مسلسل يمثل المدمنين، بل رأينا نيللي كريم في مسلسل “تحت السيطرة”، وهي شخصية تخبئ أنّها كانت تتعاطي المخدرات عن زوجها. يظهر المسلسل أيضاً الجانب المظلم من الإدمان ويتركنا خائفين ومكتئبين، كما يجب ربما. 

النساء محاطات بمشكلات كثيرة، ففي فيلم Requiem For a Dream، كانت الشخصية النسائية الأساسية مدمنة على حبوب التنحيف، وجاء إدمانها كرد فعل على مشكلات أخرى، وهي اضطرابات الأكل وصورة الجسد التي تعاني منها. ولهذا، فإن الشخصيات النسائية معقدة، إذ تحمل المجتمع بأسره وكل ما أسقط عليها. 

في كل حال، الإدمان ليس جميلاً أو رومانسياً بالطبع، والمدمن يدمر نفسه أولاً وصولاً إلى من حوله. تعاني ابنة سمسم من قلق دائم، وهي شخصية خائفة على والدتها ومن والدتها، وهنا ربما نرى ما تمر به الشخصيات التي تعيش حول المدمنين. لاقى مسلسل “تغيير جو” انتقادات كثيرة بسبب بطء الأحداث وعدم تمكن الكاتبة من الغوص أكثر بتفاصيل كنّا نرغب في أن نراها… لكن في كلّ حال، من اللافت أن نرى تمثيلات نسوية لشخصيات لا يحبّها المجتمع. كانت الشاشة المصرية هذا العام منصفة نسبياً للنساء، وهذا يعطينا القليل من الأمل.

03.05.2023
زمن القراءة: 6 minutes

سمسم هي والدة شخصية منّة شلبي. منّة نفسها التي حصل معها أسوأ ما قد يحدث لامرأة… أن يعلم العالم العربي بأسره أنّها أتت من أمستردام مع القليل من الحشيش.

تقليدياً، عانت النساء العربيات من التمثيل الذكوري الطاغي في المسلسلات الدرامية، فالشاشة لطالما عرضت قصص الواقع من منظور أبوي حصراً. هذا العام كنّا أمام ظاهرة مسلسلات نسائية تهدف نحو قضايا نسوية. 

في كل موسم رمضاني، تقدّم الشاشات العربية مسلسلات كثيرة تزخر بمشكلات اجتماعية، ومع اعتراض البعض بالتذرع بأن شاشة رمضان لا بدّ أن تكون “نظيفة”، إلّا أنّ الواقع غير نظيف ولا بدّ أن نمثله خصوصاً في رمضان حيث المنافسة كبيرة. 

ظهر مسلسل “تغيير جو”، بطولة منّة شلبي، هذا العام من بين مسلسلات القسم الثاني من رمضان، هو مسلسل من 15 حلقة، خفيف جداً وواجه الكثير من الانتقادات لبطء أحداثه وغياب عناصر التشويق فيه. يحكي المسلسل قصة شريفة التي تلعب دورها منّة شلبي، وهي فتاة مصرية تواجه صراعات صغيرة منها محاولة إقناع والدتها المدمنة (سمسم) بأن تتوقف عن تعاطي حبوب الأعصاب. تلعب دور سمسم النجمة شيرين، يبدأ المسلسل بسمسم في سنتر إعادة التأهيل، وهو مركز نسائي بطبيعة الأحوال، يضمّ نساء مدمنات على مختلف أنواع المخدرات، وهذا هو الجزء الذي نحبّه في المسلسل. المسلسل يروي وجهة نظر المدمنات بطريقة خفيفة عكس ما شهدناه سابقاً من ربط فكرة الإدمان بدور النساء المجتمعي، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العمل يجمع كاتبة امرأة ومخرجة امرأة وبطولة نسائية كبيرة، وهذا ربما يكون خطوة نحو إنصاف التمثيل النسائي الصحيح بعيداً من النظرة الذكورية التي غالباً ما تمثل قضايا النساء وقصصهن من منظور الرجل. 

صوّر المسلسل النساء المدمنات بشكل طبيعي، وهذا من دون الغوص في حياتهنّ الجنسية أو ما يخلّفه إدمان النساء من “فسق وفجور وفساد في المجتمع وحرام وحلال وجنس وخيانة”… كل تلك الأمور التي رافقت النساء في كلّ مرة يخترن أن يقمن بأمور لا تتماشى مع دورهنّ المعروف أي “أمهات صالحات”. في المسلسل، شاهدنا دور شيرين، وهي أم مطلقة تدمن على حبوب المهدئات وتدخل إلى مركز علاج. يعكس المسلسل ما تواجهه شخصية شيرين بسبب المخدرات، وهذا يشمل دخولها المستشفى، وتخبئة المهدئات في كل مكان، والتلاعب بغيرها لتحصل عليها. “سمسم” تتطلب الكثير من الاهتمام، وغالباً ما تلجأ إلى المخدرات كي تملأ هذا الفراغ. نرى صراعات سمسم من أمّ مطلقة “فرفوشة” ذات شخصية صارخة تريد الكثير من الاهتمام، وحينما تفقده، تلجأ الى المهدئات ونراها أيضاً كأم حنونة تحبّ ابنتها حدّ الهوس. يحدث بسمسم أخطر ما قد يحدث لامرأة تتعاطى المخدرات… تدخل المستشفى بسبب جرعة زائدة. قصة سمسم هي قصة نسوية بالفعل، فهي تتعاطى المهدئات ولم يتم اختيار مخدر كالهيرويين لها، هي لا تمثل شيئاً سوى صراعاتها الداخلية من دون الخوص بتفاصيل الرذيلة والفضيلة المجتمعية التي غالباً ما يتم لصقها بالشخصيات النسائية الصارخة.

كانت الشاشة المصرية هذا العام منصفة نسبياً للنساء، وهذا يعطينا القليل من الأمل.

سمسم هي والدة شخصية منّة شلبي. منّة نفسها التي حصل معها أسوأ ما قد يحدث لامرأة… أن يعلم العالم العربي بأسره أنّها أتت من أمستردام مع القليل من الحشيش. لا نحبّ الغوص بتفاصيل ما حصل مع منّة، فنحن نعلم أنّها ممثلة ترشحت لجائزة “Emmy”، ونحن نعلم كم هي صدمة نفسية أن تكون امرأة تحت الأضواء بسبب قضية مخدرات. دور منّة كابنة لأم مدمنة، فيه شيء من الرمزية… أن تصعد ممثلة وتؤدي دوراً في قضية سببت لها الأذية. أن يعلم العالم العربي أنّّك دخنت الحشيش في أمستردام ليس أمراً سهلاً… فحين تتعاطى امرأة المخدرات، هي تخذل جسدها، وبالتالي تدمر المجتمع بأكمله!

في التاريخ الحديث، كان من إتيكيت أن تكوني امرأة، أن تحافظي على جسمك. يظن البعض أنّ كليوبترا كانت غالباً ثملة مع مارك أنتوني، وكانت لها حياة صارخة كمعظم النساء “العظيمات” في التاريخ، لكن هذا النوع من “الحركات” لم يستمر طويلاً، ففي جزء من التاريخ أصبحنا نساء مرتبات ينتظرن أزواجهن في المنزل. عام 1968، أنصفنا 12 رجلاً حينما سوّقوا سجائر Virginia Slim للنساء، وهذا لأنّ النساء بدأت معاملتهن كمستهلكات وليس لأي غرض نسوي، فصنع الرجال لنا سجائر نحيفة “تليق بنا”. حتى اليوم، ترفض مجتمعات كثيرة أن تدخن النساء، والسبب أنّ المرأة التي لا تحافظ على جسمها هي امرأة غير صالحة لتكوين أسرة، فالمرأة هي التي ترعى وتربي، تحب جسمها وتحافظ عليه. نحن هنا نناقش السجائر، لا المخدرات. The Big Book وهو كتاب نشر عام 1939 لمساعدة مدمني الكحول على التوقف، وضمن مشروع Alcoholic Anonymous، يحوي قصصاً لرجال تخطوا إدمان الكحول. لا يحتوي الكتاب قصص نساء، إذ يفترض أنهن مشغولات بالحفاظ على أجسادهنّ، لكن المثير أنّه يحتوي على قسم لزوجات المدمنين، حيث يشاركن تجربتهن كزوجات لا كمدمنات. أعتقد أنّ المجتمع يرى المرأة التي تتعاطى المخدرات كامرأة سهلة قد تمارس الجنس مع الكثير من الناس، وهذا لأنّها حينما تتعاطى فهي تدمر جسدها، ولا “تحترمه”، ومن هنا يظن الجميع أنّها ستفعل ذلك في حياتها الجنسية، ولن تهتم بأطفالها ولن تكون راشدة صالحة.

أعود من هذه الفكرة إلى مسلسل “تغيير جو”، أظهر المسلسل نساء في مركز معالجة الإدمان. مشاهد الحلقة الأولى من هذا المركز أظهرت نساء مدمنات بشخصيات مختلفة، منهن الممتنة للحياة والشجر والعلاج، ومنهنّ من تسخر من الممتنات، وامرأة تروي كم تشعر بالخجل لأنّها سرقت مالاً من أختها، وامرأة أخرى تقارن الكحول بالمهدئات، وأخرى ترى أنّ الكوكايين لا يفرق عن الكحول أو الليكزوتانيل… أما سمسم فرفعت سوراً كبيراً بوجه العلاج وقررت أنّها ليست بحاجة إليه. هذا السيناريو البسيط السهل والذي يروي مشاعر النساء ونظرتهنّ، كان كفيلاً بأن يشعرنا بنسوية ما في تمثيل المدمنات. 

ولدت للأسف مع والد يعاني من شخصية إدمانية حادة وأم لم تجرب السيجارة في حياتها. غالباً ما رأيت الإدمان من منظور شخص مقرب لي ولن أقول أنني ورثت بعض المشاعر منه، لربما حصل ذلك، لكن بطريقة أكثر تعقيداً. في رحلة والدي المدمن، رأيت شخصية غريبة وعفوية ومدمرة للذات بشكل كبير تدمر الجميع معها. غالباً ما انجذبت الى شخصيات المدمنين في المسلسلات والأفلام. الشخصيات المدمنة هي في طبيعة الأحوال تكره نفسها أكثر من أي شيء آخر، هي لا تقدّر جسدها… في طفولتي، حين كنت في أحد صفوف الابتدائي، قررت المدرسة أن ترسلنا لنشاهد مسرحية عن الإدمان، وللأسف، لم يتقبل جسدي المسرحية ولم أتمكن من مشاهدتها. أن يخبرني العالم أنّ الإدمان سيئ كان أمراً لا أريد أن أعلمه، والسبب بطبيعة الأحوال هو أنّني أجربه بتفاصيله. ولهذا بحثت عن شخصيات تمثل الشق الظريف من الإدمان كسمسم. هي شخصية صارخة وساخرة، إنما تكره جسدها ولا تتقبل أي نقد أو قلة اهتمام. طمحت الى رواية خفيفة عن المدمنين، وهذا ما أظن أنه أظهره فيلم Trainspotting حيث عرض الجانب المدمر من الإدمان بسياق ساخر ومن منظور شخصية فريدة. قد يكون هذا المقال غير منصف للكثير من الذين يعانون مع الإدمان، فأنا لا أدافع عن المخدرات أو الإدمان لكن على الأغلب سيراني العالم هكذا. أنا فقط أُعجبت بشخصية سمسم التي مثلت شخصية فريدة، ولأنّ الإدمان بطبيعة الأحوال أمر يمسّني شخصياً. 

بالطبع لم يكن “تغيير جو” أول مسلسل يمثل المدمنين، بل رأينا نيللي كريم في مسلسل “تحت السيطرة”، وهي شخصية تخبئ أنّها كانت تتعاطي المخدرات عن زوجها. يظهر المسلسل أيضاً الجانب المظلم من الإدمان ويتركنا خائفين ومكتئبين، كما يجب ربما. 

النساء محاطات بمشكلات كثيرة، ففي فيلم Requiem For a Dream، كانت الشخصية النسائية الأساسية مدمنة على حبوب التنحيف، وجاء إدمانها كرد فعل على مشكلات أخرى، وهي اضطرابات الأكل وصورة الجسد التي تعاني منها. ولهذا، فإن الشخصيات النسائية معقدة، إذ تحمل المجتمع بأسره وكل ما أسقط عليها. 

في كل حال، الإدمان ليس جميلاً أو رومانسياً بالطبع، والمدمن يدمر نفسه أولاً وصولاً إلى من حوله. تعاني ابنة سمسم من قلق دائم، وهي شخصية خائفة على والدتها ومن والدتها، وهنا ربما نرى ما تمر به الشخصيات التي تعيش حول المدمنين. لاقى مسلسل “تغيير جو” انتقادات كثيرة بسبب بطء الأحداث وعدم تمكن الكاتبة من الغوص أكثر بتفاصيل كنّا نرغب في أن نراها… لكن في كلّ حال، من اللافت أن نرى تمثيلات نسوية لشخصيات لا يحبّها المجتمع. كانت الشاشة المصرية هذا العام منصفة نسبياً للنساء، وهذا يعطينا القليل من الأمل.

03.05.2023
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية