fbpx

“انتصارات ترامب”… عودة المهرّج إلى مسرح السياسة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو اليوم، أن ترامب يشق طريقه نحو البيت الأبيض كمنتج تشويقي وترفيهي للعالم، وربما لن يأبه الجمهور لشيء سوى إغناء مكتبته بمزيد من “الستيكرات”، ويبدو ذلك متسقاً جداً مع مجموعة الشخصيات التي تتصدر الترند العالمي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هناك حيرة عصيّة على التفسير في الولايات المتحدة، عن العلاقة (إن كانت موجودة فعلاً) بين السخرية والعبثية التي تعتري القوة الأعظم في العالم، وبين الخيارات “العدمية” المطروحة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. 

تتعاظم هذه الحيرة مع اكتساح دونالد ترامب الانتخابات التمهيدية لمرشح الحزب الجمهوري، ما يتركنا أمام مواجهة ثانية بينه وبين جو بايدن، الذي أصبح أقل شعبية من أي وقت مضى، إذ تشير إحصاءات إلى أن عشرة بالمئة ممن صوتوا له سابقاً، سيصوتّون لصالح ترامب.

أطلق صاحب شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى”، حملته الجديدة تحت عنوان “القصاص”، في مؤتمر العمل السياسي قائلاً: “في 2016 أعلنت، أنا صوتكم، والآن أقول أنا محاربكم، أنا انتقامكم”. 

لا مساحة كافية هنا لرصد التهم الجنائيّة الموجّهة الى ترامب، والتي تزيد عن الأربعين، ولا أسلوب جمعه الأموال، سواء ببيع أجزاء من بذلته التي اعتقل فيها أو صورة اعتقاله، ناهيك بعجزه حالياً عن جمع نصف مليار دولار غرامة على تلاعبه المالي. 

لكن ما يهم الآن هو العنوان العريض: “ترامب عائد”، ما أنتج مفارقة ساخرة جديدة، وهي أن الرئيس السابق يحظى باهتمام أكبر من الحالي. 

مباريات الرئاسة الأكثر إمتاعاً

نحن على موعد مع مواجهة مكررة بين بايدن وترامب، التي من المفترض أن تندرج ضمن “مهرجان” المناظرات الأميركية بين الرؤساء، والذي تحوّل إلى طقس أميركي سياسي ينسجم تماماً مع الثقافة الأميركية التنافسية التي تسوق أي شيء.

 تتشابه المناظرات مع مباريات البايسبول أو الملاكمة، ولكنْ هنالك اختلاف كبير حدث أخيراً على هذا “الطقس”، ونقله إلى مستوى مختلف من المتعة الحية، والذي يدفعنا لنسأل: هل ما زالت المناظرات السياسية مهمة حقاً؟

يعود تقليد المناظرات إلى عهد الرئيس لينكولن، ولكنها اتخذت طابعاً أدائياً آخر منذ بداية عهد التلفزة، مع مناظرة كينيدي- نيكسون الشهيرة عام 1960 في شيكاغو، وهي أول مناظرة بُثَّت إلى حوالى 70 مليون أميركي.

 كانت الاستطلاعات ترجّح نيكسون للفوز قبل المناظرة، لكن خلال “المواجهة”، انقلب كل شيء، إذ ظهر كينيدي أمام المواطنين شاباً مرتاحاً أمام الكاميرا، ينظر بعمق في العدسات الموجهة إليه، بعكس نيكسون المتعرق الذي كان ينظر إلى الصحافيين عند الإجابة عن أسئلتهم. 

أداء كينيدي المتفوق مع الكاميرا كان علامة فارقة، ومنذ ذلك الوقت بدأت المناظرات تكتسب شعبية، وجذبت محللي الأداء وعلماء النفس، ومنذ عام 2000 وُضِعَت اتفاقات مسبقة قبل المناظرة بين الرؤساء لتجنب أي خطأ. وحتى عام 2016 كان الرؤساء يحافظون على كياسة في الأداء ولباقة سياسية في الحوار، والأخطاء كانت تتعلق بتفاصيل جسدية بسيطة أو كلمات قليلة خرجت عن مسارها. ولكن مع أول مناظرة لترامب، انقلب كل شيء، لتتحول المناظرات إلى كرنفال من الشتائم والسخرية والضحك. 

في مناظرة بايدن/ ترامب الأولى، سادت فوضى عارمة مصحوبة بتبادل الإهانات الشخصية، إذ يصف ترامب منافسه بألا علاقة له بالذكاء، مستشهداً بأن بايدن كان أكثر الطلاب بلاهة وكسلاً في المدرسة، ليردّ بايدن بأن ترامب يمضي معظم وقته في لعب الغولف، ويسخر منه الأخير باعتباره يلعب غولف أكثر منه.

ظهرت آراء عدة تعلّل بروز ترامب، منها اعتباره صفعة بوجه مؤسسة الحكم ونخب الساحل الشرقي التي انفصلت عن جمهورها، أو لصورته النمطية كرجل ثري حقق الحلم الأميركي، أو لصعود الحركات العنصرية.

 ذلك كله لا يمكن أن يبرر وجود مهرج بهذا السوء على المنصة الرئاسية، فمعظم الأسباب السابقة بالإمكان أن توجَد لدى غيره من المرشحين، وبالتأكيد هناك شيء خاص في أداء ترامب جعله يتصدر المشهد العالمي الذي طرأت عليه تحوّلات عميقة.

تحوّل شكل العصر، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، و”حرب التيك توك”، والهوّة العميقة بين النخب الثقافية والجمهور حول المناظرة والحملة الانتخابيّة، إلى حرب “ريلز-Reels”، قصاصات من خطابات المرشحين يُعاد إنتاجها للضحك أو فيديوات تعتمد التزييف العميق، في مسعى لتحويل الرؤساء إلى أيقونة تهريجية  وصراع بين “بايدن الخرف” و “ترامب المعتوه”، ولخدمة هذا المسعى يصبح ترامب المرشح الأكثر كفاءة، باعتبار أن جزءاً من التصويت الرئاسي هو أشبه بشراء حقوق بث مسلسل كوميدي.

أطلق صاحب شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى”، حملته الجديدة تحت عنوان “القصاص”، في مؤتمر العمل السياسي قائلاً: “في 2016 أعلنت، أنا صوتكم، والآن أقول أنا محاربكم، أنا انتقامكم”. 

الأداء الترامبي الفائق

خلال تجمّع في بنسلفانيا في أثناء الحملة الانتخابية، رد ترامب على الانتقادات التي وجهتها الصحافة لأسلوبه الفظ في التحدث، وسأل مؤيدوه: “ما مدى سهولة أن تكون رئيساً؟”.

أضاف ترامب أنه بإمكانه أن يتصرف بطريقة رئاسية، لكن ذلك مملّ!!، ولإثبات وجهة نظره، لعب ترامب دور الرئيس لجمهوره!! اعتلى المنصة واقترب منها بصورة آلية وأعلن بصوت رتيب: أنا رئاسي للغاية. ليهتف أحد الحاضرين “أنت واحد منا”!!

ادعى ترامب أن الأداء الرئاسي أقل من مستوى قدرته، لأنه أسهل بكثير من أدائه، وعلى الرغم من المفارقة السريالية في آدائه دور الرئيس، إلا أن ذلك أدى إلى انتخابه.
يتعامل ترامب مع منصب “الرئيس” كترفيه أكثر منه كسياسة، ويقترب أسلوبه من فناني الستاند أب كوميدي، إذ يقيس رد فعل الجماهير، والنكات التي تنجح تدخل كلازمة متكررة في عروضه. 

اهتمام ترامب بالترفيه هو الذي يقود استراتيجيته السياسية، وربما يعود منبع ذلك إلى الوقت الذي كان فيه مضيفاً في برامج تلفاز الواقع، وشخصية متكررة الظهور في برامج الحوار والأفلام والمسلسلات.

قد يفوز ترامب مجدداً بناءً على “فهمه البرامج التلفزيونية التي يجب مشاهدتها”، كونه يأسر المشاهدين والناخبين أمام الشاشة، ويستخدم الصدمة في كل إطلالة له بشكل أشبه ببرامج تلفزيون الواقع.

تساهم القيمة الترفيهية لرئاسة ترامب في نجاحه السياسي، فالفوضى تحافظ على ارتفاع معدلات المشاهدة، وربما تم تجاهل العامل الكوميدي في أداء ترامب مع الصحافيين وعلماء السياسة، ولكن بالعودة إلى وثائقيات سي إن إن، سئل أحد سائقي سيارات الأجرة في بوسطن “لماذا انتخبت ترامب؟”، فأجاب “لأنه يجعلني أضحك!!”.

بالنسبة الى الكثيرين من أنصار ترامب، الذهاب إلى تجمع انتخابي يشبه الذهاب إلى حفل موسيقي. في المقابلات يقول ناخبوه إنهم يذهبون إلى مسيراته من أجل الجو والمتعة.

 “أهم رجل في العالم” يقترح أن شرب مواد التبييض قد يوفر الحماية من الكورونا! ويقول إن المكسيك ترسل المجانين إلى الولايات المتحدة!، وفي لقاء آخر يصف سكان هايتي بأنهم يحملون فيروس الإيدز! ويؤكد دوماً أن التهرب من الضرائب يجعله ذكياً.

بعيداً من التصريحات الإشكالية، نراه في اليابان يؤدي طقس إطعام أسماك الكوي بملعقة صغيرة، إلا أنه يشعر بالضجر، فيفرغ كيس الطعام بكامله لتموت الأسماك، وأثناء لقائه البابا فرنسيس يهمس له بأن الداعشيين سيقتحمون الفاتيكان ويعتقلونه!

ببساطة، لا يمكن “تغطية” ذلك كله أثناء نقل الأخبار من دون الابتسام، ببساطة أصبح من الصعب تغطية أخبار ترامب بنبرة صريحة بسبب السخافات.

يتجاهل ترامب تماماً التفاصيل الدقيقة المتوقّعة من السياسيين المدربين تدريباً عالياً في وسائل الإعلام، ويصف خصومه بالحمقى والبلهاء، هو غير مهتم برسالة تجمع بذكاء بين القضايا المعاصرة والقيم التقليدية.

 ليست هناك مفارقة ولا أي غمزات ذكية أو عارفة للطبقات السياسية والإعلامية. هناك فقط ترامب وأمواله! إنها بلاهة صادقة جديدة، مليئة بالأكاذيب وغير عقلانيّة، والأهم، تؤدي وظيفتها بدقة، تجمع الناخبين وتستميلهم. 

الكوميديون مسؤولون عن السياسة وليس الصحافيين

طوّر ترامب أداءه ليؤدي دور رئيس الولايات المتحدة، هذا الدور يؤديه بشكل سيئ عن قصد، لكن وسائل الإعلام تحافظ على كياستها في تغطيته.

 هذا التظاهر بالكياسة والجديّة يعطي انطباعاً بعدم واقعية الصحافيين وعبثيتهم، ويسقط أي بعد جدي عن الإعلام الرصين. ومع فشل الصحافة بتناول ترامب، يتصدر المشهد عوضاً عنها الكوميديون، الذين أصبحوا المرجع الأول للأخبار بالنسبة الى الأميركيين منذ أكثر من عشر سنوات.

طرأت على السخرية السياسية الأميركية تحولات تاريخية عدة، وبعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أعلن جرايدون كارتر، محرر مجلة فانيتي فير، أن الهجمات الإرهابية ستشير  إلى “نهاية عصر السخرية”.

 وكانت الفكرة الأساسية آنذاك، هي أن السخرية غير محترمة للغاية بحيث لا يمكن استخدامها في الأزمات، وعندما يبدو من السهل حقاً تعريف الخير والشر، يصمت الساخرون.

 لكن بعد عام أو عامين، أشار زوي ويليامز في مقال نشرته صحيفة الغارديان عام 2003، الى أن السخرية تعود إلى أسباب ليس أقلها المفارقات التي لا تعد ولا تحصى الواردة في الهجوم نفسه، والتي تلخص في نكتة شهيرة: أميركا التي موّلت القاعدة، غزت أفغانستان ثم العراق، في حين أن المتهمين بالهجوم يحملون الجنسية السعوديّة!

استخدمت السخرية للمساعدة على اختراق الطرق التي تلاعبت بها إدارة بوش بصورتها أمام وسائل الإعلام، وربما كان بوش بارعاً في الكذب، لكنه لم يكن ساخراً. أما ترامب فيُجسد السخرية ويُجيدها، ولهذا السبب من السهل والصعب للغاية السخرية منه، بل يمكن القول إن عودة جون ستيوارت إلى التلفاز في برنامج سياسي ساخر كانت ضرورية، فالمعركة الجديدة مع ترامب تحتاج خصماً مخضرماً كستيوارت.

ترامب انتصر على السخرية في عصر انتصارها

هناك الكثير مما يتعلق بسخرية ترامب، والتي تختلف إلى حد كبير عن تجسيداتها السابقة. أحد الاختلافات الأساسية هو أنه بعد أحداث 11 أيلول، كانت السخرية تُعتبر وسيلة شجاعة للضغط على الوضع الراهن. في حين أن السخرية الآن موجودة حرفياً في كل مكان. 

بعض هذه النكات هي مجرد إهانات فظة لشخصية ذات وجه برتقالي وصغيرة اليد، وأخرى تناور في مساحات معقدة أكثر، وإذا كانت السخرية تحاول تصوير نوع من النسخة المعززة للواقع للإشارة إلى عبثية، مع ترامب لا يمكنك تجاوز شخصيته الحقيقية.

أعاد ترامب تعريف النمط الرئاسي، هو يختلق الأشياء ويثرثر، يصرخ ويهذي. بسبب ترامب، طُمست الخطوط الفاصلة بين الكلام الجاد وغير الجاد، لذلك انهارت البنية التقليدية لبرامج السخرية السياسية في عصره.

جزء مما تميل السخرية إلى القيام به هو إعادة صياغة المنطق الخاطئ والروايات الكاذبة، ولكن عندما لا يكون السرد مجرد سرد كاذب مثلاً، بل سرد تافه تماماً، فإنه يمنحك مساحة صغيرة جداً للكشف عن سخافته من خلال السخافة نفسها.

ما هي الأدوات الموجودة في صندوق أدوات الساخر؟ المبالغة! لقد استخدمها ترامب بالفعل، والآن، أصبح الساخرون أكثر فظاظة وعدوانية في مواجهته.

هل يمكنك أن تتخيل جورج دبليو بوش وهو يغرد ضد الكوميديين؟ بوش، مهما كانت عيوبه، بقي في مساره كرجل دولة. ترامب لم يفعل ذلك. وفجأة أصبح زعيم الولايات المتحدة يتعامل بصورة مباشرة مع الكوميديين، ويشتمهم ويشتكي منهم على تويتر.

 بات هناك صراع بين رئيس الولايات المتحدة والكوميديين، صراع عن الأكثر إضحاكاً بينهم. لكن للأسف، انتصر ترامب المهرج الأكثر سخافة على المحنّكين الكوميديين.

ولمواجهة إعصار ترامب الكوميدي، نشأ نوع آخر من الكوميديا أكثر سخافة وابتذالاً، نوع لا يستدعي أية أسئلة تتشابه مع أسلوب ترامب نفسه. وهذه الكوميديا أتت من غير المحترفين، بل من مستخدمي برامج التواصل الاجتماعي، فئة المشاهير الجدد، مثل المحاكاة الموسيقية الساخرة لخطابات ترامب التي نشرها راندي رينبو على منصة يوتيوب، أو مقاطع سارة كوبر على التيك توك، حيث تلفظ كلماته فقط.

 والمفارقة تأتي كون سارة امرأة ملونة، إنها تمثل كل ما يكرهه ترامب، وإعادة إنتاج كلامه منها يستدعي إعادة فحص لهذه الكلمات بصورة أكثر سخرية.

يبدو اليوم، أن ترامب يشق طريقه نحو البيت الأبيض كمنتج تشويقي وترفيهي للعالم، وربما لن يأبه الجمهور لشيء سوى إغناء مكتبته بمزيد من “الستيكرات”، ويبدو ذلك متسقاً جداً مع مجموعة الشخصيات التي تتصدر الترند العالمي. 

ينسجم ترامب تماماً وبسلاسة مطلقة مع ذوق الجمهور المتعطش دائماً الى الضحك السريع، وأظن أن التاريخ لن يدرج ترامب مع الشخصيات الرئاسية الأميركية الجمهورية، بل داخل فئة أخرى من المشاهير، الشخصيات التي تمثل أكثر الأوجه الفجة والفطرية للبشرية، والتي بإمكانها تغذية هرمون الاستعلاء لدى المتلقّين وتقديم مادة هشة غير معقدة تناسب وجبات الغداء.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 12.07.2024

أسرار رياض سلامة في متناول القضاء الفرنسي!

تبقى خطوة دخول مصرف لبنان كفريق في الدعوى أساسية في مسار التحقيقات والعدالة، بحيث صار بإمكان المحكمة الطلب من مصرف لبنان كشف كل الوثائق والمستندات التي لم يكشف عنها سابقاً، وتحديداً تلك المتعلقة برياض سلامة ومن يدور في فلكه. 
03.04.2024
زمن القراءة: 8 minutes

يبدو اليوم، أن ترامب يشق طريقه نحو البيت الأبيض كمنتج تشويقي وترفيهي للعالم، وربما لن يأبه الجمهور لشيء سوى إغناء مكتبته بمزيد من “الستيكرات”، ويبدو ذلك متسقاً جداً مع مجموعة الشخصيات التي تتصدر الترند العالمي.

هناك حيرة عصيّة على التفسير في الولايات المتحدة، عن العلاقة (إن كانت موجودة فعلاً) بين السخرية والعبثية التي تعتري القوة الأعظم في العالم، وبين الخيارات “العدمية” المطروحة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. 

تتعاظم هذه الحيرة مع اكتساح دونالد ترامب الانتخابات التمهيدية لمرشح الحزب الجمهوري، ما يتركنا أمام مواجهة ثانية بينه وبين جو بايدن، الذي أصبح أقل شعبية من أي وقت مضى، إذ تشير إحصاءات إلى أن عشرة بالمئة ممن صوتوا له سابقاً، سيصوتّون لصالح ترامب.

أطلق صاحب شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى”، حملته الجديدة تحت عنوان “القصاص”، في مؤتمر العمل السياسي قائلاً: “في 2016 أعلنت، أنا صوتكم، والآن أقول أنا محاربكم، أنا انتقامكم”. 

لا مساحة كافية هنا لرصد التهم الجنائيّة الموجّهة الى ترامب، والتي تزيد عن الأربعين، ولا أسلوب جمعه الأموال، سواء ببيع أجزاء من بذلته التي اعتقل فيها أو صورة اعتقاله، ناهيك بعجزه حالياً عن جمع نصف مليار دولار غرامة على تلاعبه المالي. 

لكن ما يهم الآن هو العنوان العريض: “ترامب عائد”، ما أنتج مفارقة ساخرة جديدة، وهي أن الرئيس السابق يحظى باهتمام أكبر من الحالي. 

مباريات الرئاسة الأكثر إمتاعاً

نحن على موعد مع مواجهة مكررة بين بايدن وترامب، التي من المفترض أن تندرج ضمن “مهرجان” المناظرات الأميركية بين الرؤساء، والذي تحوّل إلى طقس أميركي سياسي ينسجم تماماً مع الثقافة الأميركية التنافسية التي تسوق أي شيء.

 تتشابه المناظرات مع مباريات البايسبول أو الملاكمة، ولكنْ هنالك اختلاف كبير حدث أخيراً على هذا “الطقس”، ونقله إلى مستوى مختلف من المتعة الحية، والذي يدفعنا لنسأل: هل ما زالت المناظرات السياسية مهمة حقاً؟

يعود تقليد المناظرات إلى عهد الرئيس لينكولن، ولكنها اتخذت طابعاً أدائياً آخر منذ بداية عهد التلفزة، مع مناظرة كينيدي- نيكسون الشهيرة عام 1960 في شيكاغو، وهي أول مناظرة بُثَّت إلى حوالى 70 مليون أميركي.

 كانت الاستطلاعات ترجّح نيكسون للفوز قبل المناظرة، لكن خلال “المواجهة”، انقلب كل شيء، إذ ظهر كينيدي أمام المواطنين شاباً مرتاحاً أمام الكاميرا، ينظر بعمق في العدسات الموجهة إليه، بعكس نيكسون المتعرق الذي كان ينظر إلى الصحافيين عند الإجابة عن أسئلتهم. 

أداء كينيدي المتفوق مع الكاميرا كان علامة فارقة، ومنذ ذلك الوقت بدأت المناظرات تكتسب شعبية، وجذبت محللي الأداء وعلماء النفس، ومنذ عام 2000 وُضِعَت اتفاقات مسبقة قبل المناظرة بين الرؤساء لتجنب أي خطأ. وحتى عام 2016 كان الرؤساء يحافظون على كياسة في الأداء ولباقة سياسية في الحوار، والأخطاء كانت تتعلق بتفاصيل جسدية بسيطة أو كلمات قليلة خرجت عن مسارها. ولكن مع أول مناظرة لترامب، انقلب كل شيء، لتتحول المناظرات إلى كرنفال من الشتائم والسخرية والضحك. 

في مناظرة بايدن/ ترامب الأولى، سادت فوضى عارمة مصحوبة بتبادل الإهانات الشخصية، إذ يصف ترامب منافسه بألا علاقة له بالذكاء، مستشهداً بأن بايدن كان أكثر الطلاب بلاهة وكسلاً في المدرسة، ليردّ بايدن بأن ترامب يمضي معظم وقته في لعب الغولف، ويسخر منه الأخير باعتباره يلعب غولف أكثر منه.

ظهرت آراء عدة تعلّل بروز ترامب، منها اعتباره صفعة بوجه مؤسسة الحكم ونخب الساحل الشرقي التي انفصلت عن جمهورها، أو لصورته النمطية كرجل ثري حقق الحلم الأميركي، أو لصعود الحركات العنصرية.

 ذلك كله لا يمكن أن يبرر وجود مهرج بهذا السوء على المنصة الرئاسية، فمعظم الأسباب السابقة بالإمكان أن توجَد لدى غيره من المرشحين، وبالتأكيد هناك شيء خاص في أداء ترامب جعله يتصدر المشهد العالمي الذي طرأت عليه تحوّلات عميقة.

تحوّل شكل العصر، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، و”حرب التيك توك”، والهوّة العميقة بين النخب الثقافية والجمهور حول المناظرة والحملة الانتخابيّة، إلى حرب “ريلز-Reels”، قصاصات من خطابات المرشحين يُعاد إنتاجها للضحك أو فيديوات تعتمد التزييف العميق، في مسعى لتحويل الرؤساء إلى أيقونة تهريجية  وصراع بين “بايدن الخرف” و “ترامب المعتوه”، ولخدمة هذا المسعى يصبح ترامب المرشح الأكثر كفاءة، باعتبار أن جزءاً من التصويت الرئاسي هو أشبه بشراء حقوق بث مسلسل كوميدي.

أطلق صاحب شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى”، حملته الجديدة تحت عنوان “القصاص”، في مؤتمر العمل السياسي قائلاً: “في 2016 أعلنت، أنا صوتكم، والآن أقول أنا محاربكم، أنا انتقامكم”. 

الأداء الترامبي الفائق

خلال تجمّع في بنسلفانيا في أثناء الحملة الانتخابية، رد ترامب على الانتقادات التي وجهتها الصحافة لأسلوبه الفظ في التحدث، وسأل مؤيدوه: “ما مدى سهولة أن تكون رئيساً؟”.

أضاف ترامب أنه بإمكانه أن يتصرف بطريقة رئاسية، لكن ذلك مملّ!!، ولإثبات وجهة نظره، لعب ترامب دور الرئيس لجمهوره!! اعتلى المنصة واقترب منها بصورة آلية وأعلن بصوت رتيب: أنا رئاسي للغاية. ليهتف أحد الحاضرين “أنت واحد منا”!!

ادعى ترامب أن الأداء الرئاسي أقل من مستوى قدرته، لأنه أسهل بكثير من أدائه، وعلى الرغم من المفارقة السريالية في آدائه دور الرئيس، إلا أن ذلك أدى إلى انتخابه.
يتعامل ترامب مع منصب “الرئيس” كترفيه أكثر منه كسياسة، ويقترب أسلوبه من فناني الستاند أب كوميدي، إذ يقيس رد فعل الجماهير، والنكات التي تنجح تدخل كلازمة متكررة في عروضه. 

اهتمام ترامب بالترفيه هو الذي يقود استراتيجيته السياسية، وربما يعود منبع ذلك إلى الوقت الذي كان فيه مضيفاً في برامج تلفاز الواقع، وشخصية متكررة الظهور في برامج الحوار والأفلام والمسلسلات.

قد يفوز ترامب مجدداً بناءً على “فهمه البرامج التلفزيونية التي يجب مشاهدتها”، كونه يأسر المشاهدين والناخبين أمام الشاشة، ويستخدم الصدمة في كل إطلالة له بشكل أشبه ببرامج تلفزيون الواقع.

تساهم القيمة الترفيهية لرئاسة ترامب في نجاحه السياسي، فالفوضى تحافظ على ارتفاع معدلات المشاهدة، وربما تم تجاهل العامل الكوميدي في أداء ترامب مع الصحافيين وعلماء السياسة، ولكن بالعودة إلى وثائقيات سي إن إن، سئل أحد سائقي سيارات الأجرة في بوسطن “لماذا انتخبت ترامب؟”، فأجاب “لأنه يجعلني أضحك!!”.

بالنسبة الى الكثيرين من أنصار ترامب، الذهاب إلى تجمع انتخابي يشبه الذهاب إلى حفل موسيقي. في المقابلات يقول ناخبوه إنهم يذهبون إلى مسيراته من أجل الجو والمتعة.

 “أهم رجل في العالم” يقترح أن شرب مواد التبييض قد يوفر الحماية من الكورونا! ويقول إن المكسيك ترسل المجانين إلى الولايات المتحدة!، وفي لقاء آخر يصف سكان هايتي بأنهم يحملون فيروس الإيدز! ويؤكد دوماً أن التهرب من الضرائب يجعله ذكياً.

بعيداً من التصريحات الإشكالية، نراه في اليابان يؤدي طقس إطعام أسماك الكوي بملعقة صغيرة، إلا أنه يشعر بالضجر، فيفرغ كيس الطعام بكامله لتموت الأسماك، وأثناء لقائه البابا فرنسيس يهمس له بأن الداعشيين سيقتحمون الفاتيكان ويعتقلونه!

ببساطة، لا يمكن “تغطية” ذلك كله أثناء نقل الأخبار من دون الابتسام، ببساطة أصبح من الصعب تغطية أخبار ترامب بنبرة صريحة بسبب السخافات.

يتجاهل ترامب تماماً التفاصيل الدقيقة المتوقّعة من السياسيين المدربين تدريباً عالياً في وسائل الإعلام، ويصف خصومه بالحمقى والبلهاء، هو غير مهتم برسالة تجمع بذكاء بين القضايا المعاصرة والقيم التقليدية.

 ليست هناك مفارقة ولا أي غمزات ذكية أو عارفة للطبقات السياسية والإعلامية. هناك فقط ترامب وأمواله! إنها بلاهة صادقة جديدة، مليئة بالأكاذيب وغير عقلانيّة، والأهم، تؤدي وظيفتها بدقة، تجمع الناخبين وتستميلهم. 

الكوميديون مسؤولون عن السياسة وليس الصحافيين

طوّر ترامب أداءه ليؤدي دور رئيس الولايات المتحدة، هذا الدور يؤديه بشكل سيئ عن قصد، لكن وسائل الإعلام تحافظ على كياستها في تغطيته.

 هذا التظاهر بالكياسة والجديّة يعطي انطباعاً بعدم واقعية الصحافيين وعبثيتهم، ويسقط أي بعد جدي عن الإعلام الرصين. ومع فشل الصحافة بتناول ترامب، يتصدر المشهد عوضاً عنها الكوميديون، الذين أصبحوا المرجع الأول للأخبار بالنسبة الى الأميركيين منذ أكثر من عشر سنوات.

طرأت على السخرية السياسية الأميركية تحولات تاريخية عدة، وبعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أعلن جرايدون كارتر، محرر مجلة فانيتي فير، أن الهجمات الإرهابية ستشير  إلى “نهاية عصر السخرية”.

 وكانت الفكرة الأساسية آنذاك، هي أن السخرية غير محترمة للغاية بحيث لا يمكن استخدامها في الأزمات، وعندما يبدو من السهل حقاً تعريف الخير والشر، يصمت الساخرون.

 لكن بعد عام أو عامين، أشار زوي ويليامز في مقال نشرته صحيفة الغارديان عام 2003، الى أن السخرية تعود إلى أسباب ليس أقلها المفارقات التي لا تعد ولا تحصى الواردة في الهجوم نفسه، والتي تلخص في نكتة شهيرة: أميركا التي موّلت القاعدة، غزت أفغانستان ثم العراق، في حين أن المتهمين بالهجوم يحملون الجنسية السعوديّة!

استخدمت السخرية للمساعدة على اختراق الطرق التي تلاعبت بها إدارة بوش بصورتها أمام وسائل الإعلام، وربما كان بوش بارعاً في الكذب، لكنه لم يكن ساخراً. أما ترامب فيُجسد السخرية ويُجيدها، ولهذا السبب من السهل والصعب للغاية السخرية منه، بل يمكن القول إن عودة جون ستيوارت إلى التلفاز في برنامج سياسي ساخر كانت ضرورية، فالمعركة الجديدة مع ترامب تحتاج خصماً مخضرماً كستيوارت.

ترامب انتصر على السخرية في عصر انتصارها

هناك الكثير مما يتعلق بسخرية ترامب، والتي تختلف إلى حد كبير عن تجسيداتها السابقة. أحد الاختلافات الأساسية هو أنه بعد أحداث 11 أيلول، كانت السخرية تُعتبر وسيلة شجاعة للضغط على الوضع الراهن. في حين أن السخرية الآن موجودة حرفياً في كل مكان. 

بعض هذه النكات هي مجرد إهانات فظة لشخصية ذات وجه برتقالي وصغيرة اليد، وأخرى تناور في مساحات معقدة أكثر، وإذا كانت السخرية تحاول تصوير نوع من النسخة المعززة للواقع للإشارة إلى عبثية، مع ترامب لا يمكنك تجاوز شخصيته الحقيقية.

أعاد ترامب تعريف النمط الرئاسي، هو يختلق الأشياء ويثرثر، يصرخ ويهذي. بسبب ترامب، طُمست الخطوط الفاصلة بين الكلام الجاد وغير الجاد، لذلك انهارت البنية التقليدية لبرامج السخرية السياسية في عصره.

جزء مما تميل السخرية إلى القيام به هو إعادة صياغة المنطق الخاطئ والروايات الكاذبة، ولكن عندما لا يكون السرد مجرد سرد كاذب مثلاً، بل سرد تافه تماماً، فإنه يمنحك مساحة صغيرة جداً للكشف عن سخافته من خلال السخافة نفسها.

ما هي الأدوات الموجودة في صندوق أدوات الساخر؟ المبالغة! لقد استخدمها ترامب بالفعل، والآن، أصبح الساخرون أكثر فظاظة وعدوانية في مواجهته.

هل يمكنك أن تتخيل جورج دبليو بوش وهو يغرد ضد الكوميديين؟ بوش، مهما كانت عيوبه، بقي في مساره كرجل دولة. ترامب لم يفعل ذلك. وفجأة أصبح زعيم الولايات المتحدة يتعامل بصورة مباشرة مع الكوميديين، ويشتمهم ويشتكي منهم على تويتر.

 بات هناك صراع بين رئيس الولايات المتحدة والكوميديين، صراع عن الأكثر إضحاكاً بينهم. لكن للأسف، انتصر ترامب المهرج الأكثر سخافة على المحنّكين الكوميديين.

ولمواجهة إعصار ترامب الكوميدي، نشأ نوع آخر من الكوميديا أكثر سخافة وابتذالاً، نوع لا يستدعي أية أسئلة تتشابه مع أسلوب ترامب نفسه. وهذه الكوميديا أتت من غير المحترفين، بل من مستخدمي برامج التواصل الاجتماعي، فئة المشاهير الجدد، مثل المحاكاة الموسيقية الساخرة لخطابات ترامب التي نشرها راندي رينبو على منصة يوتيوب، أو مقاطع سارة كوبر على التيك توك، حيث تلفظ كلماته فقط.

 والمفارقة تأتي كون سارة امرأة ملونة، إنها تمثل كل ما يكرهه ترامب، وإعادة إنتاج كلامه منها يستدعي إعادة فحص لهذه الكلمات بصورة أكثر سخرية.

يبدو اليوم، أن ترامب يشق طريقه نحو البيت الأبيض كمنتج تشويقي وترفيهي للعالم، وربما لن يأبه الجمهور لشيء سوى إغناء مكتبته بمزيد من “الستيكرات”، ويبدو ذلك متسقاً جداً مع مجموعة الشخصيات التي تتصدر الترند العالمي. 

ينسجم ترامب تماماً وبسلاسة مطلقة مع ذوق الجمهور المتعطش دائماً الى الضحك السريع، وأظن أن التاريخ لن يدرج ترامب مع الشخصيات الرئاسية الأميركية الجمهورية، بل داخل فئة أخرى من المشاهير، الشخصيات التي تمثل أكثر الأوجه الفجة والفطرية للبشرية، والتي بإمكانها تغذية هرمون الاستعلاء لدى المتلقّين وتقديم مادة هشة غير معقدة تناسب وجبات الغداء.

03.04.2024
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية