fbpx

أملاك بن علي ومبارك في فرنسا: مساع ناجحة للعائلات للالتفاف على تجميد الأصول

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شهدت فرنسا أثناء عمليات تجميد أصول حاشيتَي الرئيسين المخلوعين، حسني مبارك وزين العابدين بن علي، خروقات تصل إلى ثلاثين مرة تقريباً، في الفترة ما بين عامي 2011 و 2021، ما يثير الشكوك في نجاعة العقوبات الاقتصادية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“1 ساحة ريو دي جانيرو” هو عنوان مطعم فالوا (Valois)، الكائن أسفل أحد مباني الطراز الهوسماني المميّز، في الدائرة الثامنة الفاخرة جداً في باريس، هناك يجتمع موظفون ورجال أعمال لتناول وجبة الغداء.

ما لا يعرفه سوى النزر القليل من الناس، هو أن هذا المبنى الفاخر الذي تُقدر قيمته بأكثر من 10 ملايين يورو، يديره عسكري مصري مُقرب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عبر شركة تأمين مملوكة للدولة المصرية. كمْ تغير الزمن!، قبل سنوات قليلة فقط، كان تأسيس هذه الشركة العموميّة مرتبط باسم الرئيس مبارك.

نقل إدارة هذا المبنى في مكتب سجلات باريس، تم بهدوء لا يقارن بمسيرة تغيير النظام في مصر، إذ كان يكفي إيداع طلب في المحكمة التجارية في باريس ليتم الأمر . ومع ذلك، أثارت هذه الوثيقة/ الطلب، تساؤلات حول نجاعة تطبيق إجراء “تجميد الأصول” في فرنسا، بالنظر إلى الشكوك التي كانت تحوم حول المبنى منذ عام 2011 باعتباره “مبنى مبارك”.

هذه المخالفة ليست فريدة من نوعها، هي واحدة مما يقرب ثلاثين أخرى تم تسجيلها بشأن تجميد ممتلكات حاشيتي مبارك وبن علي، التي تم الكشف عنها أعقاب الثورتين المصرية والتونسية في عام 2011، وكانت ثمرة جهود مضنية استغرقت أشهراً عدة من عمليات التحقق، أجرتها “ميديابارت” على مجموعة من العقارات والشركات المملوكة لأقارب الرئيسين المخلوعين.

مقارنة بما نراه اليوم من دعم واسع النطاق لإجراءات تجميد الأصول والممتلكات، في سياق العقوبات المفروضة على روسيا لغزو أوكرانيا، تبدو الصعوبات التي واجهتها الدولة الفرنسية في الماضي لفرض مثل هذه العقوبات صارخة.

الخروقات 30 مرة على الأقل

 مجموعة عقارية تقدّر قيمتها بما بين 25 و35 مليون يورو بالنسبة الى الحاشيتين، التونسية والمصرية، تتكوّن من نحو عشر شقق فاخرة تقع بشكل رئيسي في الدائرتين المرموقتين الثامنة والسادسة عشرة في باريس، وعدد مماثل تقريباً من” الشركات المدنية العقاريّة-Sociétés civile immobilière” وعدة ملايين من اليوروات الموّزعة في حسابات بنكية مختلفة.  

تلك هي مجموعة العقارات المعروفة فحسب، لعائلتي بن علي ومبارك في فرنسا. يقدِّر الكثير من الخبراء، أن ثروة عائلة بن علي ومبارك، الموزعة عبر دول العالم، أثناء “الربيع العربي”، بـ 175 مليون يورو و70 مليار دولار على التوالي”، لكن مع الوقت ظهرت الكثير من المبالغات في الأمر، ولم يستطع المراقبون حتى الآن تحديد أرقام ثروات العائلتين.

فيما كان النظامان متجهين نحو الانهيار تحت الضغط الشعبي، بعدما عانى الشعبان لفترة طويلة من الحكم الاستبدادي، وتجرعا ويلات الفقر والمحسوبية والفساد، جاء الكشف عن الثروات المهولة لقادة البلدين، ليستفز الناس أكثر ويثير الكثير من التساؤلات خلال عام 2011.

تم تسجيل ثلاثين مخالفة للقرارات الفرنسيّة التي قضت تجميد ممتلكات حاشيتي مبارك وبن علي، التي تم الكشف عنها أعقاب الثورتين المصرية والتونسية في عام 2011

قُدّرت قيمة الإقامة الفارهة الخاصة بنسرين بن علي، إحدى بنات الرئيس، بأكثر من 2.5 مليون يورو، وفق ما كشفته صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، أما مجموعة العقارات التي تملكها شقيقتها درصاف، بالدائرة السادسة عشرة، فقُدرت بدورها، حسب ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية بـ 1.2 مليون يورو مطلع عام 2011. من جهتها، كشفت مجلة Jeune Afrique بعد ذلك بسنوات، أي في عام 2019، أن قيمة المجمع العقاري المملوك بالشراكة بين هيدي الجمال، زوجة ابن الرئيس مبارك وأقاربها، تتجاوز الـ 4 ملايين يورو. 

تصدّرت قائمة ممتلكات كبار شخصيات الدولة، عناوين الصحف الدولية – ولا تزال مستمرة ومتعاظمة، الأمر الذي جذب اهتمام مؤسسات القضاء لدى النظامين، التونسي والمصري الجديدين، وكذلك المحاكم في فرنسا.

الشكوى المُقدَمة من طرف منظمتي “شربا | Sherpa” والشفافية الدولية في فرنسا، هي التي سمحت بفتح تحقيق قضائي فرنسي ضد قادة الحاشيتين الحاكمتين بتهمة “الفساد وإساءة استعمال ممتلكات عمومية، وإخفاء عمليات سوء استعمال الممتلكات العمومية، أو غسيل الأموال العمومية واختلاسها”.

دعماً لهذه الإجراءات القضائية، أمر المجلس الأوروبي أيضاً بتجميد الأصول خلال عام 2011 نفسه، وذلك في جميع دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها فرنسا.

تشمل عملية التجميد أكثر من أربعين شخصية مصرية وتونسية، وتهدف العملية إلى منع أي استخدام أو إبرام صفقة أو تعديل لممتلكاتهم، أياً كانت، سواء حسابات بنكية أم شركات أم سيارات أم حتى عقارات، وكان الهدف المعلن من وراء عملية التجميد: دعم التعاون بين العدالة الأوروبية والتونسية والمصرية على أمل استعادة الدول المنهوبة ممتلكاتها وأرصدتها. إلا أن هذه الأحكام الصادرة من المحاكم، شهدت على مدار 11 عاماً، عمليات تحايل 30 مرة، وفقاً لمصادرنا.

معاملات مصرفية بملايين اليوروات

هذه الخروقات الـ30 تثبت تسيير الممتلكات الناجع من الأفراد المدرجين في وثيقة الأمر بالتجميد وأقاربهم. وينطبق ذلك على سبيل المثال، على الكثير من عمليات نقل أسهم (الشركة العمومية للعقارات-SCI) المستخدمة لإدارة العقارات المملوكة للحاشيتين، إذ جرت معظم عمليات النقل هذه في الأشهر التالية لعمليات التجميد المشار إليها. 

تتيح عمليات نقل الأسهم هذه في بعض الأحيان، لبائعي الممتلكات وغيرهم من الوسطاء، فرصة التخلص من الممتلكات التي تنطوي على مشاكل. في أيار/ مايو 2011، كانت فيرجيني بن ناصر، زوجة تاجر العقارات والمولع بالسهرات الباريسية الشهيرة، فرانسوا بن ناصر، الذي أدار عملية اقتناء نسرين بن علي الإقامة الباريسية، قد تخلت عن إدارة SCI Nes المملوكة لابنة الرئيس التونسي.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، استقالت سيدة الأعمال شادية كلو، المقربة من العائلة المالكة في قطر، من الإدارة المشتركة لـ SCI المملوكة لدرصاف بن علي وزوجها سليم شبوب. وقد ساورت السلطات البلجيكية شكوك في أن هذا العقار يمثل “رسم دخول” دفعه أمير قطر لأقارب الرئيس بن علي، مقابل بناء ميناء ترفيهي في تونس، وفقاً لكتاب “Le Vilain Petit Qatar” الصادر في عام 2013، لمؤلفيه نيكولاس بو وجاك ماري بورجيه.

تعود فوائد عمليات النقل أحياناً بشكل مباشر على أقارب القادة السابقين، وفي هذا الإطار تمكّن وزير الصناعة المصري الأسبق رشيد محمد رشيد وزوجته، من نقل جميع أسهم “SCI 51 Avenue Montaigne” لفائدة بناتهم في شباط/ فبراير 2013.

نتيجة هذه العملية: في حال الاستيلاء القضائي على ممتلكات الزوجين، قد يفلت ما يقرب من 3.9 مليون يورو من العقارات (قطعتا أرض في باريس وشقة في مدينة كان)، من قبضة العدالة الفرنسية.

إلى جانب الحيل المرتبطة بملكية العقارات، تُضاف إلى قائمة التلاعب بإجراءات التجميد التي تمكّنا من تسجيلها، عمليات احتيال من قبيل تغيير عنوان المقر الرئيسي، أو إعادة تسمية الشركة أو حتى رهن العقارات، وكذلك الاحتيال في معاملات مالية معتبرة.

والدليل على ذلك، السداد المبكر لقرض عقاري (عملية الاحتيال غير مفهومة في هذه الحالة)، في نيسان/ أبريل 2011، في إطار اقتناء العقارات المملوكة جزئياً من هايدي راسخ، زوجة ابن الرئيس المصري مبارك، في صفقة تقدّر قيمتها بما يقرب من 4 مليون يورو. هذه العملية قد صادق عليها بنك Credit Suisse –  مع العلم أنها لم تكن العملية الوحيدة من نوعها.

بين عامي 2011 و 2014، أجرى والد هايدي، محمد راسخ، أيضاً، تحويلات بنكية عدة بلغت قيمتها الإجمالية ما يقرب من 3 ملايين يورو لفائدة ابنته الأخرى، هَنَا، وقد صادق بنك Credit Suisse على هذه التحويلات البنكية أيضاً.

 يشكّل ما سبق خرقاً  للمادة 561-2 من القانون النقدي والمالي، الذي يُعَرّف المالكُ الفعلي، باعتباره كل شخص “مُعرض” بسبب وظائف يمارسها “أفراد مباشرون من عائلته أو أشخاص معروف أنهم جدّ مقربين منه أو شخص يصبح كذلك، من خلال علاقة العمل”.

بالإضافة إلى ذلك، تفيد معلومات بأن هايدي راسخ شرعت خلال هذه الفترة إلى فتح ما لا يقل عن 6 حسابات مصرفية لتلقّي تحويلات من والدها، هذه المرة في الفرع الباريسي للمؤسسة اللبنانية للبنك السعودي.

على رغم إعلان المؤسستين المصرفيتين أنهما تصرفتا وفقاً للقوانين الفرنسية المعمول بها في تلك الفترة، إلا أن هذه الوقائع تمثل مجموعة من الانتهاكات الواضحة، الخاصة بتجميد الأصول الجاري تنفيذه آنذاك، وفقًا لمحامي خبير في العقوبات الاقتصادية .

خلال عام 2016، سمحت إحدى هذه العمليات بنقل إدارة المبنى الكائن بـ 1 ساحة ريو دي جانيرو، الذي ورد ذكره في بداية هذا المقال، لتقع مباشرة بين يدي عميد بحري، تابع للنظام المصري الحالي.

تسليم مبنى لنظام السيسي سراً

يقول وزير مصري سابق، يعيش حالياً لاجئاً في سويسرا، “الميزة التي يجنيها السيسي اليوم، أن الأمر لن يكلفه الكثير من العناء لاستعادة ممتلكات مبارك”، ويضيف الوزير السابق مبتسماً بمرارة، “لتتبع أصول الديكتاتور الحالي، يكفي تتبع أصول الديكتاتور السابق – إنها نفسها!”.

شارك الوزير السابق في مرحلة من المراحل، في تعقّب أصول عائلة مبارك عبر أنحاء العالم – قبل أن يصادَر أرشيفه بالكامل في أعقاب انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي في تموز/ يوليو 2013، قبيل تمكّنه من مغادرة مصر ولجوئه إلى المنفى.

“أراد السيسي معرفة الدوائر المالية لمبارك – وقد نجح إلى حد كبير في تحقيق مبتغاه. ومن سمات الاقتصاد المصري أنه يقوم بالكامل عبر تدفقات مالية خفية والشركات القائمة خارج الوطن، ومجموعة الهدايا الممنوحة في شكل عقود خاصة أو صفقات عمومية. إن الممارسات نفسها تسود اليوم، لم يتغير أي شيء”.

يعد المبنى المُقدرة قيمته بنحو 10 ملايين يورو (1 ساحة ريو دي جانيرو) حالة نموذجية بامتياز، وفق الوزير الأسبق.  إذ تحوم الشكوك حول ملكية  هذا المبنى لعائلة مبارك منذ عام 2011، وقد تعرض لعملية اقتحام في تلك الأثناء من جماعة الخميس الأسود، النشطة في مجال التنديد بظروف السكن غير اللائقة.

حتى وقت قريب جداً، كانت المعلومات الوحيدة المتوافرة بشأن مالكي المبنى، تقتصر على اسم الشركة “شركة التأمين الوطنية المصرية” واسم مدير المبنى، الذي لم يُعثر له على أثر: بيار غورون الذي يبلغ من العمر 114 عاماً. 

كشفت الوثائق الجديدة التي قدمها مكتب سجلات محكمة باريس التجارية في عام 2018، أن الشركة المعنية هي فرع فرنسي لشركة التأمين المصرية، المعروفة باسم “مصر”، وهي مؤسسة عمومية تأسست بموجب مرسوم صادر عن الرئيس مبارك في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

والغريب في الأمر، أن هذه الشركة تدار منذ عام 2016، حسب المعلومات المتداولة، من فرد تبدو كفاءته بعيدة كل البعد من مجال التأمين؛ يتعلق الأمر بالعميد البحري أسامة صالح، ممثل وزارة الدفاع المصرية سابقاً. وقد نُقلت مهام إدارة الشركة، بحيث لم يستطع لا التحقيق القضائي ولا عملية تجميد الأصول، منع العملية.

“السيسي يعامل أقاربه تماماً كما كان مبارك يعامل أقاربه، أي باختصار، كونوا أوفياء لي وسأمنحكم شركة مملوكة للدولة”، لا توجد حدود فاصلة بين القطاعين العام والخاص في مصر، هذا جوهر معنى منظومة النهب: الحكم بتوظيف الفساد،” هكذا يختم الوزير الأسبق تعليقه.

هل هي القصة ذاتها بالنسبة الى بعض الممتلكات التونسية؟ خلال المقابلات التي أُجرِيت حول مجمع عقاري يقع في 44/46 شارع إينا، الذي تشتبه العدالة في ارتباطه بعائلة بن علي، كان هناك شخصٌ قدّم نفسه على أنه “يعمل لحساب السفارة التونسية”، وصرح بأن البناية الواقعة بهذا العنوان قد صارت “من ممتلكات السفارة التونسية”.

والسؤال المطروح، كيف يمكن أن تحدث مثل هذه العمليات لنقل إدارة المجمع العقاري أو ملكيته، فيما كان تحقيقان قضائيان وعمليات تجميد أصول تشمل أكثر من أربعين شخصية، لا تزال جارية على الأراضي الفرنسية؟

وفقاً للتحقيقات التي أجريناها، لم تُصدر سلطة بنك فرنسا – المسؤولة عن معاقبة المؤسسات المصرفية في حال خرقها إجراء تجميد الأصول، أي عقوبة ضد مصرف Crédit Suisse والبنك السعودي.

وبالمثل، لم تؤكد الجمارك الفرنسية، المسؤولة عن إجراء التحقيقات المتعلقة بانتهاكات تجميد الممتلكات العقارية، أنها فتحت تحقيقاً في الوقائع التي أبلغناها بها.

فشل في استعادة الأموال “المكتسبة بطريقة غير مشروعة”

تشير مقاطعة بيرسي، التي تخضع لها هاتان المصلحتان، الى أنه من الضروري التمييز بين إجراءات التجميد والإجراءات القانونية التي لا تزال جارية بالنيابة الوطنية المالية ضد الحاشيتين.

ومع ذلك، يبدو واضحاً أن هذه الإجراءات مترابطة، ففي حال عدم تنفيذ قرارات تجميد هذه العقارات بشكل صحيح، واستطاع الأفراد المستهدفون بهذا التجميد نقل الملكية إلى شخص ثالث، ما يعني إمكان الإفلات من عمليات مصادرة محتملة.

“لم تتم مصادرة جميع الممتلكات المجمدة في إطار التحقيق القضائي. وقد سمح الرفع التدريجي عن جميع الإجراءات التقييدية التي تستهدف محيط مبارك، بنقل هذه الأصول إلى خارج فرنسا” وفق ما أكدته سارة بريمبيوف، مديرة المرافعة في قضايا الفساد الكبرى والتدفقات المالية غير المشروعة في منظمة الشفافية الدولية بفرنسا.

مثال نموذجي على ذلك، مصير الممتلكات التي “نُقلت” بطريقة غامضة، إلى وزارة الدفاع المصرية، وأيضاً تلك التي قُدمت على أنها محتجزة من السفارة التونسية: ولم يصادر القضاء الفرنسي أياً من هذه الممتلكات.

ذكرت النيابة الوطنية المالية أنه تمت بالفعل عمليات مصادرة أخرى بحق شخصيات مصرية سابقة، لكن عند استفسارها عن سبب تخلّيها عن البعض منها، بررت هذه الهيئة القضائية المسألة بـ”اتفاق مصالحة” تم التوصل إليه في مصر، “للتمكن من مصادرة هذه الممتلكات مجدداً عن طريق إجراءات التحقيق القضائي الفرنسي، يجب تقديم الدليل على المصدر غير المشروع للأموال، وكذلك دائرة تمويلها، الأمر الذي غالباً ما يكون بالغ التعقيد ويفترض تعاوناً نشطاً من دولة المنشأ”.

في تقرير بعنوان “التعافي المُجهَض”، أعربت جمعية Public Eye السويسرية عن استيائها عام 2017 بشأن هذه “الاتفاقات الغامضة” للمصالحة، التي لم تعد فيها الدولة المصرية تتعاون كما ينبغي مع العدالة السويسرية، وتفضل بدلاً من ذلك إجراء التسويات الجانبية خلف الكواليس مع الجهات المدعى عليها. هل دفعت العدالة الفرنسية هي الأخرى ثمن مثل هذه الاستراتيجية؟

وفقاً لشهادة المنظمة التونسية غير الحكومية I-Watch، في عام 2018، فقد مارست الدولة التونسية أيضاً ضغوطاً على الاتحاد الأوروبي لإلغاء قرار تجميد ممتلكات بعض الأفراد.

خلاصة القول، لا بد من الاعتراف بأنه بعد نحو 11 عاماً على الثورات العربية، يبدو أن الأمل باسترداد الأصول المصرية والتونسية المكتسبة بطريقة غير مشروعة، أصبح اليوم بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد طوى صفحة الممتلكات المصرية، وألغى عمليات التجميد في نيسان/ أبريل الماضي، معتبراً أن “هدفه قد تحقق”. ولنا أن نسأل، هل إلغاء التجميد هذا، ينذر بالإعلان عن تجميد آخر؟ تجدر الإشارة إلى أنه في فرنسا كما هي الحال في باقي دول أوروبا، لا يزال هناك 35 تونسياً مقرباً من الرئيس السابق بن علي، يخضعون لعمليات تجميد الأصول.

“اللوائح التنظيمية الفرنسية في هذا المجال، حتى وإن شهدت تحسناً بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لا تزال تنطوي على الكثير من الثغرات،” تواصل سارة بريمبيوف. ومثال على ذلك، لا تخضع الشركات المسجلة في الخارج للالتزام بالإعلان عن أصحابها المستفيدين في فرنسا. ويكفي أن تتدخل شركة مسجلة في ملاذ ضريبي أو قضائي في المخطط المالي، لتتلاشى آثار المستفيد الفعلي.

وجهت منظمة الشفافية الدولية – بفرنسا بصفتها طرفًا مدنياً،، مراسلتين إلى قاضي التحقيق المكلف بالتحقيقات القضائية في قضيتي مبارك وبن علي، طالبت فيها باتخاذ عدة إجراءات، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي – على أمل استئناف البحث في القضية.

في ضوء كل ما سبق ذكره، يتعين على فرنسا استخلاص الدروس من الاختلالات الكثيرة في قوانينها المرتبطة بعمليات تجميد الأصول، بخاصة فيما يُفترض أن عمليات تجميد الأصول جارية اليوم بحق أكثر من 1300 فرد مرتبط بالغزو الروسي لأوكرانيا.


نُشر هذا التحقيق في ميديا بارت الفرنسي ودرج، بدعم من صندوق الصحافة في الاتحاد الأوروبي .


هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 24.07.2024

الانتخابات الأميركيّة بعيون شرق أوسطيّة متناقضة!

في ظل الترقب المستمر لنتائج الانتخابات الأميركية خلال الأشهر القليلة المقبلة، تتباين مواقف دول الشرق الأوسط تجاه المرشحين، إذ تسعى كل دولة الى تحقيق مصالحها وتطلعاتها الخاصة من خلال نتائج الانتخابات. ومع ذلك، يبقى التساؤل: ماذا ستغيّر المرشحة المناهضة لترامب إذا تم انتخابها؟

شهدت فرنسا أثناء عمليات تجميد أصول حاشيتَي الرئيسين المخلوعين، حسني مبارك وزين العابدين بن علي، خروقات تصل إلى ثلاثين مرة تقريباً، في الفترة ما بين عامي 2011 و 2021، ما يثير الشكوك في نجاعة العقوبات الاقتصادية.

“1 ساحة ريو دي جانيرو” هو عنوان مطعم فالوا (Valois)، الكائن أسفل أحد مباني الطراز الهوسماني المميّز، في الدائرة الثامنة الفاخرة جداً في باريس، هناك يجتمع موظفون ورجال أعمال لتناول وجبة الغداء.

ما لا يعرفه سوى النزر القليل من الناس، هو أن هذا المبنى الفاخر الذي تُقدر قيمته بأكثر من 10 ملايين يورو، يديره عسكري مصري مُقرب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عبر شركة تأمين مملوكة للدولة المصرية. كمْ تغير الزمن!، قبل سنوات قليلة فقط، كان تأسيس هذه الشركة العموميّة مرتبط باسم الرئيس مبارك.

نقل إدارة هذا المبنى في مكتب سجلات باريس، تم بهدوء لا يقارن بمسيرة تغيير النظام في مصر، إذ كان يكفي إيداع طلب في المحكمة التجارية في باريس ليتم الأمر . ومع ذلك، أثارت هذه الوثيقة/ الطلب، تساؤلات حول نجاعة تطبيق إجراء “تجميد الأصول” في فرنسا، بالنظر إلى الشكوك التي كانت تحوم حول المبنى منذ عام 2011 باعتباره “مبنى مبارك”.

هذه المخالفة ليست فريدة من نوعها، هي واحدة مما يقرب ثلاثين أخرى تم تسجيلها بشأن تجميد ممتلكات حاشيتي مبارك وبن علي، التي تم الكشف عنها أعقاب الثورتين المصرية والتونسية في عام 2011، وكانت ثمرة جهود مضنية استغرقت أشهراً عدة من عمليات التحقق، أجرتها “ميديابارت” على مجموعة من العقارات والشركات المملوكة لأقارب الرئيسين المخلوعين.

مقارنة بما نراه اليوم من دعم واسع النطاق لإجراءات تجميد الأصول والممتلكات، في سياق العقوبات المفروضة على روسيا لغزو أوكرانيا، تبدو الصعوبات التي واجهتها الدولة الفرنسية في الماضي لفرض مثل هذه العقوبات صارخة.

الخروقات 30 مرة على الأقل

 مجموعة عقارية تقدّر قيمتها بما بين 25 و35 مليون يورو بالنسبة الى الحاشيتين، التونسية والمصرية، تتكوّن من نحو عشر شقق فاخرة تقع بشكل رئيسي في الدائرتين المرموقتين الثامنة والسادسة عشرة في باريس، وعدد مماثل تقريباً من” الشركات المدنية العقاريّة-Sociétés civile immobilière” وعدة ملايين من اليوروات الموّزعة في حسابات بنكية مختلفة.  

تلك هي مجموعة العقارات المعروفة فحسب، لعائلتي بن علي ومبارك في فرنسا. يقدِّر الكثير من الخبراء، أن ثروة عائلة بن علي ومبارك، الموزعة عبر دول العالم، أثناء “الربيع العربي”، بـ 175 مليون يورو و70 مليار دولار على التوالي”، لكن مع الوقت ظهرت الكثير من المبالغات في الأمر، ولم يستطع المراقبون حتى الآن تحديد أرقام ثروات العائلتين.

فيما كان النظامان متجهين نحو الانهيار تحت الضغط الشعبي، بعدما عانى الشعبان لفترة طويلة من الحكم الاستبدادي، وتجرعا ويلات الفقر والمحسوبية والفساد، جاء الكشف عن الثروات المهولة لقادة البلدين، ليستفز الناس أكثر ويثير الكثير من التساؤلات خلال عام 2011.

تم تسجيل ثلاثين مخالفة للقرارات الفرنسيّة التي قضت تجميد ممتلكات حاشيتي مبارك وبن علي، التي تم الكشف عنها أعقاب الثورتين المصرية والتونسية في عام 2011

قُدّرت قيمة الإقامة الفارهة الخاصة بنسرين بن علي، إحدى بنات الرئيس، بأكثر من 2.5 مليون يورو، وفق ما كشفته صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، أما مجموعة العقارات التي تملكها شقيقتها درصاف، بالدائرة السادسة عشرة، فقُدرت بدورها، حسب ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية بـ 1.2 مليون يورو مطلع عام 2011. من جهتها، كشفت مجلة Jeune Afrique بعد ذلك بسنوات، أي في عام 2019، أن قيمة المجمع العقاري المملوك بالشراكة بين هيدي الجمال، زوجة ابن الرئيس مبارك وأقاربها، تتجاوز الـ 4 ملايين يورو. 

تصدّرت قائمة ممتلكات كبار شخصيات الدولة، عناوين الصحف الدولية – ولا تزال مستمرة ومتعاظمة، الأمر الذي جذب اهتمام مؤسسات القضاء لدى النظامين، التونسي والمصري الجديدين، وكذلك المحاكم في فرنسا.

الشكوى المُقدَمة من طرف منظمتي “شربا | Sherpa” والشفافية الدولية في فرنسا، هي التي سمحت بفتح تحقيق قضائي فرنسي ضد قادة الحاشيتين الحاكمتين بتهمة “الفساد وإساءة استعمال ممتلكات عمومية، وإخفاء عمليات سوء استعمال الممتلكات العمومية، أو غسيل الأموال العمومية واختلاسها”.

دعماً لهذه الإجراءات القضائية، أمر المجلس الأوروبي أيضاً بتجميد الأصول خلال عام 2011 نفسه، وذلك في جميع دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها فرنسا.

تشمل عملية التجميد أكثر من أربعين شخصية مصرية وتونسية، وتهدف العملية إلى منع أي استخدام أو إبرام صفقة أو تعديل لممتلكاتهم، أياً كانت، سواء حسابات بنكية أم شركات أم سيارات أم حتى عقارات، وكان الهدف المعلن من وراء عملية التجميد: دعم التعاون بين العدالة الأوروبية والتونسية والمصرية على أمل استعادة الدول المنهوبة ممتلكاتها وأرصدتها. إلا أن هذه الأحكام الصادرة من المحاكم، شهدت على مدار 11 عاماً، عمليات تحايل 30 مرة، وفقاً لمصادرنا.

معاملات مصرفية بملايين اليوروات

هذه الخروقات الـ30 تثبت تسيير الممتلكات الناجع من الأفراد المدرجين في وثيقة الأمر بالتجميد وأقاربهم. وينطبق ذلك على سبيل المثال، على الكثير من عمليات نقل أسهم (الشركة العمومية للعقارات-SCI) المستخدمة لإدارة العقارات المملوكة للحاشيتين، إذ جرت معظم عمليات النقل هذه في الأشهر التالية لعمليات التجميد المشار إليها. 

تتيح عمليات نقل الأسهم هذه في بعض الأحيان، لبائعي الممتلكات وغيرهم من الوسطاء، فرصة التخلص من الممتلكات التي تنطوي على مشاكل. في أيار/ مايو 2011، كانت فيرجيني بن ناصر، زوجة تاجر العقارات والمولع بالسهرات الباريسية الشهيرة، فرانسوا بن ناصر، الذي أدار عملية اقتناء نسرين بن علي الإقامة الباريسية، قد تخلت عن إدارة SCI Nes المملوكة لابنة الرئيس التونسي.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، استقالت سيدة الأعمال شادية كلو، المقربة من العائلة المالكة في قطر، من الإدارة المشتركة لـ SCI المملوكة لدرصاف بن علي وزوجها سليم شبوب. وقد ساورت السلطات البلجيكية شكوك في أن هذا العقار يمثل “رسم دخول” دفعه أمير قطر لأقارب الرئيس بن علي، مقابل بناء ميناء ترفيهي في تونس، وفقاً لكتاب “Le Vilain Petit Qatar” الصادر في عام 2013، لمؤلفيه نيكولاس بو وجاك ماري بورجيه.

تعود فوائد عمليات النقل أحياناً بشكل مباشر على أقارب القادة السابقين، وفي هذا الإطار تمكّن وزير الصناعة المصري الأسبق رشيد محمد رشيد وزوجته، من نقل جميع أسهم “SCI 51 Avenue Montaigne” لفائدة بناتهم في شباط/ فبراير 2013.

نتيجة هذه العملية: في حال الاستيلاء القضائي على ممتلكات الزوجين، قد يفلت ما يقرب من 3.9 مليون يورو من العقارات (قطعتا أرض في باريس وشقة في مدينة كان)، من قبضة العدالة الفرنسية.

إلى جانب الحيل المرتبطة بملكية العقارات، تُضاف إلى قائمة التلاعب بإجراءات التجميد التي تمكّنا من تسجيلها، عمليات احتيال من قبيل تغيير عنوان المقر الرئيسي، أو إعادة تسمية الشركة أو حتى رهن العقارات، وكذلك الاحتيال في معاملات مالية معتبرة.

والدليل على ذلك، السداد المبكر لقرض عقاري (عملية الاحتيال غير مفهومة في هذه الحالة)، في نيسان/ أبريل 2011، في إطار اقتناء العقارات المملوكة جزئياً من هايدي راسخ، زوجة ابن الرئيس المصري مبارك، في صفقة تقدّر قيمتها بما يقرب من 4 مليون يورو. هذه العملية قد صادق عليها بنك Credit Suisse –  مع العلم أنها لم تكن العملية الوحيدة من نوعها.

بين عامي 2011 و 2014، أجرى والد هايدي، محمد راسخ، أيضاً، تحويلات بنكية عدة بلغت قيمتها الإجمالية ما يقرب من 3 ملايين يورو لفائدة ابنته الأخرى، هَنَا، وقد صادق بنك Credit Suisse على هذه التحويلات البنكية أيضاً.

 يشكّل ما سبق خرقاً  للمادة 561-2 من القانون النقدي والمالي، الذي يُعَرّف المالكُ الفعلي، باعتباره كل شخص “مُعرض” بسبب وظائف يمارسها “أفراد مباشرون من عائلته أو أشخاص معروف أنهم جدّ مقربين منه أو شخص يصبح كذلك، من خلال علاقة العمل”.

بالإضافة إلى ذلك، تفيد معلومات بأن هايدي راسخ شرعت خلال هذه الفترة إلى فتح ما لا يقل عن 6 حسابات مصرفية لتلقّي تحويلات من والدها، هذه المرة في الفرع الباريسي للمؤسسة اللبنانية للبنك السعودي.

على رغم إعلان المؤسستين المصرفيتين أنهما تصرفتا وفقاً للقوانين الفرنسية المعمول بها في تلك الفترة، إلا أن هذه الوقائع تمثل مجموعة من الانتهاكات الواضحة، الخاصة بتجميد الأصول الجاري تنفيذه آنذاك، وفقًا لمحامي خبير في العقوبات الاقتصادية .

خلال عام 2016، سمحت إحدى هذه العمليات بنقل إدارة المبنى الكائن بـ 1 ساحة ريو دي جانيرو، الذي ورد ذكره في بداية هذا المقال، لتقع مباشرة بين يدي عميد بحري، تابع للنظام المصري الحالي.

تسليم مبنى لنظام السيسي سراً

يقول وزير مصري سابق، يعيش حالياً لاجئاً في سويسرا، “الميزة التي يجنيها السيسي اليوم، أن الأمر لن يكلفه الكثير من العناء لاستعادة ممتلكات مبارك”، ويضيف الوزير السابق مبتسماً بمرارة، “لتتبع أصول الديكتاتور الحالي، يكفي تتبع أصول الديكتاتور السابق – إنها نفسها!”.

شارك الوزير السابق في مرحلة من المراحل، في تعقّب أصول عائلة مبارك عبر أنحاء العالم – قبل أن يصادَر أرشيفه بالكامل في أعقاب انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي في تموز/ يوليو 2013، قبيل تمكّنه من مغادرة مصر ولجوئه إلى المنفى.

“أراد السيسي معرفة الدوائر المالية لمبارك – وقد نجح إلى حد كبير في تحقيق مبتغاه. ومن سمات الاقتصاد المصري أنه يقوم بالكامل عبر تدفقات مالية خفية والشركات القائمة خارج الوطن، ومجموعة الهدايا الممنوحة في شكل عقود خاصة أو صفقات عمومية. إن الممارسات نفسها تسود اليوم، لم يتغير أي شيء”.

يعد المبنى المُقدرة قيمته بنحو 10 ملايين يورو (1 ساحة ريو دي جانيرو) حالة نموذجية بامتياز، وفق الوزير الأسبق.  إذ تحوم الشكوك حول ملكية  هذا المبنى لعائلة مبارك منذ عام 2011، وقد تعرض لعملية اقتحام في تلك الأثناء من جماعة الخميس الأسود، النشطة في مجال التنديد بظروف السكن غير اللائقة.

حتى وقت قريب جداً، كانت المعلومات الوحيدة المتوافرة بشأن مالكي المبنى، تقتصر على اسم الشركة “شركة التأمين الوطنية المصرية” واسم مدير المبنى، الذي لم يُعثر له على أثر: بيار غورون الذي يبلغ من العمر 114 عاماً. 

كشفت الوثائق الجديدة التي قدمها مكتب سجلات محكمة باريس التجارية في عام 2018، أن الشركة المعنية هي فرع فرنسي لشركة التأمين المصرية، المعروفة باسم “مصر”، وهي مؤسسة عمومية تأسست بموجب مرسوم صادر عن الرئيس مبارك في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

والغريب في الأمر، أن هذه الشركة تدار منذ عام 2016، حسب المعلومات المتداولة، من فرد تبدو كفاءته بعيدة كل البعد من مجال التأمين؛ يتعلق الأمر بالعميد البحري أسامة صالح، ممثل وزارة الدفاع المصرية سابقاً. وقد نُقلت مهام إدارة الشركة، بحيث لم يستطع لا التحقيق القضائي ولا عملية تجميد الأصول، منع العملية.

“السيسي يعامل أقاربه تماماً كما كان مبارك يعامل أقاربه، أي باختصار، كونوا أوفياء لي وسأمنحكم شركة مملوكة للدولة”، لا توجد حدود فاصلة بين القطاعين العام والخاص في مصر، هذا جوهر معنى منظومة النهب: الحكم بتوظيف الفساد،” هكذا يختم الوزير الأسبق تعليقه.

هل هي القصة ذاتها بالنسبة الى بعض الممتلكات التونسية؟ خلال المقابلات التي أُجرِيت حول مجمع عقاري يقع في 44/46 شارع إينا، الذي تشتبه العدالة في ارتباطه بعائلة بن علي، كان هناك شخصٌ قدّم نفسه على أنه “يعمل لحساب السفارة التونسية”، وصرح بأن البناية الواقعة بهذا العنوان قد صارت “من ممتلكات السفارة التونسية”.

والسؤال المطروح، كيف يمكن أن تحدث مثل هذه العمليات لنقل إدارة المجمع العقاري أو ملكيته، فيما كان تحقيقان قضائيان وعمليات تجميد أصول تشمل أكثر من أربعين شخصية، لا تزال جارية على الأراضي الفرنسية؟

وفقاً للتحقيقات التي أجريناها، لم تُصدر سلطة بنك فرنسا – المسؤولة عن معاقبة المؤسسات المصرفية في حال خرقها إجراء تجميد الأصول، أي عقوبة ضد مصرف Crédit Suisse والبنك السعودي.

وبالمثل، لم تؤكد الجمارك الفرنسية، المسؤولة عن إجراء التحقيقات المتعلقة بانتهاكات تجميد الممتلكات العقارية، أنها فتحت تحقيقاً في الوقائع التي أبلغناها بها.

فشل في استعادة الأموال “المكتسبة بطريقة غير مشروعة”

تشير مقاطعة بيرسي، التي تخضع لها هاتان المصلحتان، الى أنه من الضروري التمييز بين إجراءات التجميد والإجراءات القانونية التي لا تزال جارية بالنيابة الوطنية المالية ضد الحاشيتين.

ومع ذلك، يبدو واضحاً أن هذه الإجراءات مترابطة، ففي حال عدم تنفيذ قرارات تجميد هذه العقارات بشكل صحيح، واستطاع الأفراد المستهدفون بهذا التجميد نقل الملكية إلى شخص ثالث، ما يعني إمكان الإفلات من عمليات مصادرة محتملة.

“لم تتم مصادرة جميع الممتلكات المجمدة في إطار التحقيق القضائي. وقد سمح الرفع التدريجي عن جميع الإجراءات التقييدية التي تستهدف محيط مبارك، بنقل هذه الأصول إلى خارج فرنسا” وفق ما أكدته سارة بريمبيوف، مديرة المرافعة في قضايا الفساد الكبرى والتدفقات المالية غير المشروعة في منظمة الشفافية الدولية بفرنسا.

مثال نموذجي على ذلك، مصير الممتلكات التي “نُقلت” بطريقة غامضة، إلى وزارة الدفاع المصرية، وأيضاً تلك التي قُدمت على أنها محتجزة من السفارة التونسية: ولم يصادر القضاء الفرنسي أياً من هذه الممتلكات.

ذكرت النيابة الوطنية المالية أنه تمت بالفعل عمليات مصادرة أخرى بحق شخصيات مصرية سابقة، لكن عند استفسارها عن سبب تخلّيها عن البعض منها، بررت هذه الهيئة القضائية المسألة بـ”اتفاق مصالحة” تم التوصل إليه في مصر، “للتمكن من مصادرة هذه الممتلكات مجدداً عن طريق إجراءات التحقيق القضائي الفرنسي، يجب تقديم الدليل على المصدر غير المشروع للأموال، وكذلك دائرة تمويلها، الأمر الذي غالباً ما يكون بالغ التعقيد ويفترض تعاوناً نشطاً من دولة المنشأ”.

في تقرير بعنوان “التعافي المُجهَض”، أعربت جمعية Public Eye السويسرية عن استيائها عام 2017 بشأن هذه “الاتفاقات الغامضة” للمصالحة، التي لم تعد فيها الدولة المصرية تتعاون كما ينبغي مع العدالة السويسرية، وتفضل بدلاً من ذلك إجراء التسويات الجانبية خلف الكواليس مع الجهات المدعى عليها. هل دفعت العدالة الفرنسية هي الأخرى ثمن مثل هذه الاستراتيجية؟

وفقاً لشهادة المنظمة التونسية غير الحكومية I-Watch، في عام 2018، فقد مارست الدولة التونسية أيضاً ضغوطاً على الاتحاد الأوروبي لإلغاء قرار تجميد ممتلكات بعض الأفراد.

خلاصة القول، لا بد من الاعتراف بأنه بعد نحو 11 عاماً على الثورات العربية، يبدو أن الأمل باسترداد الأصول المصرية والتونسية المكتسبة بطريقة غير مشروعة، أصبح اليوم بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد طوى صفحة الممتلكات المصرية، وألغى عمليات التجميد في نيسان/ أبريل الماضي، معتبراً أن “هدفه قد تحقق”. ولنا أن نسأل، هل إلغاء التجميد هذا، ينذر بالإعلان عن تجميد آخر؟ تجدر الإشارة إلى أنه في فرنسا كما هي الحال في باقي دول أوروبا، لا يزال هناك 35 تونسياً مقرباً من الرئيس السابق بن علي، يخضعون لعمليات تجميد الأصول.

“اللوائح التنظيمية الفرنسية في هذا المجال، حتى وإن شهدت تحسناً بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لا تزال تنطوي على الكثير من الثغرات،” تواصل سارة بريمبيوف. ومثال على ذلك، لا تخضع الشركات المسجلة في الخارج للالتزام بالإعلان عن أصحابها المستفيدين في فرنسا. ويكفي أن تتدخل شركة مسجلة في ملاذ ضريبي أو قضائي في المخطط المالي، لتتلاشى آثار المستفيد الفعلي.

وجهت منظمة الشفافية الدولية – بفرنسا بصفتها طرفًا مدنياً،، مراسلتين إلى قاضي التحقيق المكلف بالتحقيقات القضائية في قضيتي مبارك وبن علي، طالبت فيها باتخاذ عدة إجراءات، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي – على أمل استئناف البحث في القضية.

في ضوء كل ما سبق ذكره، يتعين على فرنسا استخلاص الدروس من الاختلالات الكثيرة في قوانينها المرتبطة بعمليات تجميد الأصول، بخاصة فيما يُفترض أن عمليات تجميد الأصول جارية اليوم بحق أكثر من 1300 فرد مرتبط بالغزو الروسي لأوكرانيا.


نُشر هذا التحقيق في ميديا بارت الفرنسي ودرج، بدعم من صندوق الصحافة في الاتحاد الأوروبي .


|

اشترك بنشرتنا البريدية