fbpx

جدل الحجاب والثورة في دمشق:
هنا تسكن أم الشعر الأحمر 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هناك فرق بيني وبين جيراني، فرق بسيط لا يذكر: إنه غطاء الرأس.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

سمعت طفلة من بنات الجيران تشير إلى بيتي وتقول لصديقاتها: هنا تسكن أم الشعر الأحمر التي لا تتحجّب. حسناً من الطبيعي أن يكون عدم “تحجبي” معلماً فارقاً بالنسبة لطفلة تحكم ببراءة على ما تلاحظه أو تردد ما تسمعه أمامها من عبارات.

عندما انتقلت للسكن في بيتي الحالي لم ألاحظ أن جاراتي تراقبن تحركاتي من وراء النوافذ المغلقة وأصص النباتات على الشرفات. في مدينة متنوعة المعتقدات مثل دمشق لم أخشَ أن تتخذ النساء مني موقفاً. استعجلت في دعوتهنّ إلى فنجان قهوة وجلسة صباحية للتعارف. بدأت الجلسة بأحاديث مشتركة وانتهت بأحاديث إشكالية تلاها ودّ يزيد قليلاَ عن الطبيعي. ثم لم تعد إحداهنّ إلى الاتّصال بي.

هناك فرق بيني وبين جيراني، فرق بسيط لا يذكر: إنه غطاء الرأس.

هذا الغطاء يختزل الكثير، لكنني لم أعِ ذلك جيداً أو أنني لا أريد أن أعترف به، فالحياة في مجتمع منغلق تتطلب قدراً كبيراً من النفاق. 

“غطاء الرأس” سيبقى حاجزاً بيني وبين النساء من حولي. وسأكون أنا من تحاول أن تثبت للآخرين حسن سلوكي، فالمحجبة لا غبار على أخلاقها. أما السافرة فهي متّهمة بالخروج عن الحدود المسموحة اجتماعياً حتى تثبت أنها طيبة وأنها لا تنكر وجوب وضع الحجاب ولكنّ “الله لم يهدِها بعد إلى الطريق الصحيح”. وأما موضوع “شرعنة” السفور فغير مطروح للنقاش أبداً.

وما بين قريبات أدرك أنّهن يكنّن لي الود والمحبّة وصديقات أعرف أنهنّ تردن نصحي، أخوض شخصياً حرباً نفسية كنت أتمنّى أن أجتنبها. أنا أحب هذا الدفء الذي أحصل عليه من مجتمعي الذي يشبهني ولا يشبهني. ولكنني مضطرة أن أمارس النفاق وأبذل جهداً مضاعفاً لأحظى بالقبول بينهنّ. هذا النفاق الذي لا تحتاجه الكتابة ولا يتطلبه البوح.

أقرأ في وجوه النساء قصصاً كثيرة لم ولن تُروَ وسيبقى هاجس المجتمع الأساسي: الستر. سمعت صديقتي المحجبة تمتدحني وتقول:” كانت تذكّرني بالصلاة عندما كنا بالمدرسة، كانت متدينة أكثر مني.” ها هي تضيف قيمة للحجاب وتجعله عنوان “التديّن” الأساسي.

هذا الغطاء يختزل الكثير، لكنني لم أعِ ذلك جيداً أو أنني لا أريد أن أعترف به، فالحياة في مجتمع منغلق تتطلب قدراً كبيراً من النفاق

في حين أجمع الرأي العام في هذه المدينة على كراهية النظام الإيراني وتدخّله في الشؤون السياسية الداخلية للبلاد مازالت المواقف من الثورة القائمة الآن في إيران غير محسومة  وخصوصاً أن الثائرات من النساء وأن محرك الانتفاضة وموضوعها الرئيسي : الحجاب.

يبرز التناقض الذي مثلته أميرات الثورة في إيران كيف يحرّم الشعب المؤمن منطق النساء اللاتي يخرجن وينزعن الحجاب الذي فُرض عليهنّ بالقانون ويحلّل منطق الشباب الذكور الذين خرجوا للمطالبة بحرياتهم على تنوعها. ما زالت الحريّة كلمة عصابية حمّالة أوجه. 

عندما فازت آني إيرنو بجائزة نوبل للآداب، وصارت صورتها تحتلّ المواقع الإخبارية بتوصيفات مختلفة واحتلّت كتبها الموضوع الأول للقراءة على كل محركات البحث الالكترونية، جلست أفكّر في تميّز هذه الكاتبة التي تحيك ببساطة من أحداث حياتها قصصاً بدون حبكات ولا عقد ولا حلول. 

لطالما أعجبت بوصف آني إيرنو للحياة التي عاشتها عائلتها بكل أريحية ودون رتوش. الجد الأمّي والجدّة التي تعمل بالتطريز المنزلي والعمّات اللاتي تخدمن في البيوت البورجوازية. الصدق في تفاصيل العمل الأدبي هي التي تجعل منه عملاً خالداً. فكيف نصنع أعمالاً أدبية ونحن مازلنا نبتلع كلماتنا لإرضاء من حولنا؟ 

إلى أي مدى يمكننا في مجتمعاتنا محاكاة تجربتها؟ وكيف نبدأ بسرد رواياتنا دون أن يقف الرقيب الداخلي بيننا وبين كلماتنا؟ نحت نجلد عباراتنا ونعيد حبكة قصصنا بما يتناسب مع شعور قرّائنا. ومهما بلغت شجاعتنا فإنّها تخوننا إذا تخيلنا للحظة أن إحدى العمّات أو الخالات قد تطّلع عليها . 

ويندرج الاعتراف بالحجاب ضمن هذه الخانة. لأننا لا نسمح لأنفسنا بإثارة النقاش حوله. والحقيقة أن قيمة الحجاب اليوم هي بالهوية التي يمثلّها. ففي مجتمع بداية القرن العشرين في دمشق كانت النساء لا تخرجن من البيوت بدون غطاء الرأس على اختلاف دينهن وطائفتهن وأفكارهن. وعندما بدأن بخلع الحجاب لم يكن الهدف سوى التحرّر من سلطة اجتماعية تجبرهن عليه. واليوم يبدو أنّ الفتيات تميزن طائفتهن بالحجاب عن قصد أو عن غير قصد. فالمسيحيات أو العلويات لا تتقيدن به في مجتمع دمشق المختلط، عدا عن القلة التي صارت نادرة والتي تنتمي إلى جيل الخمسينات الذي مازال يتمسّك بأفكاره التقدمية أو الطبقة الأكثر ثراءً التي لا تتأثّر عادة بنظرة أو حكم المجتمع على بناتها.    

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 12.07.2024

أسرار رياض سلامة في متناول القضاء الفرنسي!

تبقى خطوة دخول مصرف لبنان كفريق في الدعوى أساسية في مسار التحقيقات والعدالة، بحيث صار بإمكان المحكمة الطلب من مصرف لبنان كشف كل الوثائق والمستندات التي لم يكشف عنها سابقاً، وتحديداً تلك المتعلقة برياض سلامة ومن يدور في فلكه. 
06.11.2022
زمن القراءة: 3 minutes

هناك فرق بيني وبين جيراني، فرق بسيط لا يذكر: إنه غطاء الرأس.

سمعت طفلة من بنات الجيران تشير إلى بيتي وتقول لصديقاتها: هنا تسكن أم الشعر الأحمر التي لا تتحجّب. حسناً من الطبيعي أن يكون عدم “تحجبي” معلماً فارقاً بالنسبة لطفلة تحكم ببراءة على ما تلاحظه أو تردد ما تسمعه أمامها من عبارات.

عندما انتقلت للسكن في بيتي الحالي لم ألاحظ أن جاراتي تراقبن تحركاتي من وراء النوافذ المغلقة وأصص النباتات على الشرفات. في مدينة متنوعة المعتقدات مثل دمشق لم أخشَ أن تتخذ النساء مني موقفاً. استعجلت في دعوتهنّ إلى فنجان قهوة وجلسة صباحية للتعارف. بدأت الجلسة بأحاديث مشتركة وانتهت بأحاديث إشكالية تلاها ودّ يزيد قليلاَ عن الطبيعي. ثم لم تعد إحداهنّ إلى الاتّصال بي.

هناك فرق بيني وبين جيراني، فرق بسيط لا يذكر: إنه غطاء الرأس.

هذا الغطاء يختزل الكثير، لكنني لم أعِ ذلك جيداً أو أنني لا أريد أن أعترف به، فالحياة في مجتمع منغلق تتطلب قدراً كبيراً من النفاق. 

“غطاء الرأس” سيبقى حاجزاً بيني وبين النساء من حولي. وسأكون أنا من تحاول أن تثبت للآخرين حسن سلوكي، فالمحجبة لا غبار على أخلاقها. أما السافرة فهي متّهمة بالخروج عن الحدود المسموحة اجتماعياً حتى تثبت أنها طيبة وأنها لا تنكر وجوب وضع الحجاب ولكنّ “الله لم يهدِها بعد إلى الطريق الصحيح”. وأما موضوع “شرعنة” السفور فغير مطروح للنقاش أبداً.

وما بين قريبات أدرك أنّهن يكنّن لي الود والمحبّة وصديقات أعرف أنهنّ تردن نصحي، أخوض شخصياً حرباً نفسية كنت أتمنّى أن أجتنبها. أنا أحب هذا الدفء الذي أحصل عليه من مجتمعي الذي يشبهني ولا يشبهني. ولكنني مضطرة أن أمارس النفاق وأبذل جهداً مضاعفاً لأحظى بالقبول بينهنّ. هذا النفاق الذي لا تحتاجه الكتابة ولا يتطلبه البوح.

أقرأ في وجوه النساء قصصاً كثيرة لم ولن تُروَ وسيبقى هاجس المجتمع الأساسي: الستر. سمعت صديقتي المحجبة تمتدحني وتقول:” كانت تذكّرني بالصلاة عندما كنا بالمدرسة، كانت متدينة أكثر مني.” ها هي تضيف قيمة للحجاب وتجعله عنوان “التديّن” الأساسي.

هذا الغطاء يختزل الكثير، لكنني لم أعِ ذلك جيداً أو أنني لا أريد أن أعترف به، فالحياة في مجتمع منغلق تتطلب قدراً كبيراً من النفاق

في حين أجمع الرأي العام في هذه المدينة على كراهية النظام الإيراني وتدخّله في الشؤون السياسية الداخلية للبلاد مازالت المواقف من الثورة القائمة الآن في إيران غير محسومة  وخصوصاً أن الثائرات من النساء وأن محرك الانتفاضة وموضوعها الرئيسي : الحجاب.

يبرز التناقض الذي مثلته أميرات الثورة في إيران كيف يحرّم الشعب المؤمن منطق النساء اللاتي يخرجن وينزعن الحجاب الذي فُرض عليهنّ بالقانون ويحلّل منطق الشباب الذكور الذين خرجوا للمطالبة بحرياتهم على تنوعها. ما زالت الحريّة كلمة عصابية حمّالة أوجه. 

عندما فازت آني إيرنو بجائزة نوبل للآداب، وصارت صورتها تحتلّ المواقع الإخبارية بتوصيفات مختلفة واحتلّت كتبها الموضوع الأول للقراءة على كل محركات البحث الالكترونية، جلست أفكّر في تميّز هذه الكاتبة التي تحيك ببساطة من أحداث حياتها قصصاً بدون حبكات ولا عقد ولا حلول. 

لطالما أعجبت بوصف آني إيرنو للحياة التي عاشتها عائلتها بكل أريحية ودون رتوش. الجد الأمّي والجدّة التي تعمل بالتطريز المنزلي والعمّات اللاتي تخدمن في البيوت البورجوازية. الصدق في تفاصيل العمل الأدبي هي التي تجعل منه عملاً خالداً. فكيف نصنع أعمالاً أدبية ونحن مازلنا نبتلع كلماتنا لإرضاء من حولنا؟ 

إلى أي مدى يمكننا في مجتمعاتنا محاكاة تجربتها؟ وكيف نبدأ بسرد رواياتنا دون أن يقف الرقيب الداخلي بيننا وبين كلماتنا؟ نحت نجلد عباراتنا ونعيد حبكة قصصنا بما يتناسب مع شعور قرّائنا. ومهما بلغت شجاعتنا فإنّها تخوننا إذا تخيلنا للحظة أن إحدى العمّات أو الخالات قد تطّلع عليها . 

ويندرج الاعتراف بالحجاب ضمن هذه الخانة. لأننا لا نسمح لأنفسنا بإثارة النقاش حوله. والحقيقة أن قيمة الحجاب اليوم هي بالهوية التي يمثلّها. ففي مجتمع بداية القرن العشرين في دمشق كانت النساء لا تخرجن من البيوت بدون غطاء الرأس على اختلاف دينهن وطائفتهن وأفكارهن. وعندما بدأن بخلع الحجاب لم يكن الهدف سوى التحرّر من سلطة اجتماعية تجبرهن عليه. واليوم يبدو أنّ الفتيات تميزن طائفتهن بالحجاب عن قصد أو عن غير قصد. فالمسيحيات أو العلويات لا تتقيدن به في مجتمع دمشق المختلط، عدا عن القلة التي صارت نادرة والتي تنتمي إلى جيل الخمسينات الذي مازال يتمسّك بأفكاره التقدمية أو الطبقة الأكثر ثراءً التي لا تتأثّر عادة بنظرة أو حكم المجتمع على بناتها.    

06.11.2022
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية