fbpx

حقل ألغام في بيروت…أين سنسهر الليلة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم السخرية التي نمسك بها، واللامبالاة التي تظهر على وجوهنا بعد كل كارثة وكل تفصيل جديد من الانهيار، عندنا مهنة رديفة بغاية الحنق، أن نستيقظ صباحاً ونعدّ بعضنا، من مات اليوم؟ من دهسته سيارة؟ من وقع منزله على رأسه أو تداعى في انفجار أو زلزال؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كامرأة ثائرة تقاتل بيروت، ونحن وجوهها. 

يسألون أين الأزمة وطاولات المطاعم تكاد لا تفرغ؟ وأين منهبة الودائع من الأسواق التي ما زالت تعج بالمتجولين؟ وكيف تتحدثون عن المأساة فيما ترقصون في نهايات الأسابيع في حانات بيروت وملاهيها، ترقصون كأنكم بأمان، وكأن الحياة هنا لا تعاني من أي هشاشة؟

نحن شتات البلاد، نزحنا إليها لأنها مثلنا تناضل، ولأنها مثلنا تفضل الحياة خفيفة، وعلى جزءين، الأول بحذاء رياضي ننتعله في النهارات حتى نواصل الركض، والآخر نأتيه بكامل أناقتنا مساءً، بحثاً عن الحب أو بحثاً عن المرح. نحن لا نحبّ الحداد حتى على أنفسنا، ونقارب حزننا بثياب العيد، حتى لا تثقلنا العتمة وحتى لا يهرب الحب منا. أقسى ما نخشاه ونحن في هذه المزحة المتواصلة، أن يمر الحب من شبابيكنا ولا نملك طاقة أن نلقي عليه التحية، أو ندعوه إلى كأس.

لماذا نسهر بعد البكاء بساعة أو دقيقة؟ لأننا نحب السهر أكثر من البكاء، ولأننا لا يريد أن يفلت الأمل منا، حتى حين نمسكه بأيدٍ مضرجة بدمائنا، أو حين نعلّقه على جدار سيسقط مع أول اهتزاز. قد يبدو الأمر مجرد نكران يرتكبه مجانين ما زالوا يعيشون في مدينة تم تفجيرها بألف طريقة وبألف نوع من نيترات الأمونيوم. لقد تم قتلنا بطرائق لا تحصى وربما لا تُصدَّق، فقد تقرأ أجيال لاحقة قصّتنا وتعتقد أنها مجرد خرافة أو واحد من أخبار ملحمة غلغامش واحتمالاتها. يصعب فهم فكرة أننا ما زلنا على قيد الحياة، نتسكع بين المقاهي والبارات، نتمتع بكل شيء، كأننا سنموت بعد قليل، أو كأننا لن نموت أبداً.

تحولت بيروت إلى حقل ألغام لا يتوقف الغناء فيه، بهذا التناقض العجيب نعيش ونثأر ونضحك ولا نبالي ونسخر حتى من قهرنا. يناطح الدولار المئة ألف ليرة، نكتب خبراً، نعيد قراءته بتمعّن، ثمّ نفكّر، أين سنذهب الليلة؟ يبدو الأمر هراء، لكننا مثل ميلان كونديرا، “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد” ( حفلة التفاهة-ميلان كونديرا).

لكن على رغم السخرية التي نمسك بها، واللامبالاة التي تظهر على وجوهنا بعد كل كارثة وكل تفصيل جديد من الانهيار، عندنا مهنة رديفة بغاية الحنق، أن نستيقظ صباحاً ونعدّ بعضنا، من مات اليوم؟ من دهسته سيارة؟ من وقع منزله على رأسه أو تداعى في انفجار أو زلزال؟ من أصابته جلطة حين أكد له مصرفه أنه أصبح مفلساً وأنه لن يشم رائحة تعبه إلى أجل غير مسمى؟

ننتفض قليلاً، نتثاءب كثيراً، ذلك أننا ننام بعين واحدة غير مبالية، فيما العين الثانية تترقّب، بعد ذلك نتكاسل على كنباتنا ونحضر لعطلة لا مثيل لها.

نبدو كسوزان، في رواية أورليان دوكودري (النعامة التي طارت)، النعامة التي لا تستطيع الطيران، وبعدما باءت محاولاتها بالفشل، قررت أن تعود إلى عادتها القديمة وهي وضع رأسها في الرمال. الرمال في قصتنا هي الحياة المزدوجة التي نواصل الدفاع عنها والنضال حتى لا نفقدها، ونواصل ثنيها عن مواجهة حقيقة أننا لسنا بخير وأننا نعامة بأجنحة مكسورة ومنهوبة. لكن لا بأس، قد تشعر النعامة بأن كل شيء على ما يرام حين تحتسي كأساً من الويسكي الرديء والذي يجعل الحياة مجرد فقاعة أخرى في هذا الفضاء. 

سلطان الحسيني - كاتب لبناني | 13.07.2024

“مطار غزة” …عن محو السيادة الفلسطينيّة على المعابر

تاريخ إقصاء منافذ النقل والانتقال من غزة وإليها، ومحو معالم السيادة الفلسطينية، يعود إلى ما قبل عملية "طوفان الأقصى" و"ميناء غزة العائم"، ولعلّ إنشاء "مطار غزة الدولي" ثم تدميره على مدار سنوات حتى إخراجه الكامل عن الخدمة، يمثل نموذجاً معبراً عن أزمة عميقة في فهم عمليات السلام السابقة أو المحتملة.
19.03.2023
زمن القراءة: 3 minutes

على رغم السخرية التي نمسك بها، واللامبالاة التي تظهر على وجوهنا بعد كل كارثة وكل تفصيل جديد من الانهيار، عندنا مهنة رديفة بغاية الحنق، أن نستيقظ صباحاً ونعدّ بعضنا، من مات اليوم؟ من دهسته سيارة؟ من وقع منزله على رأسه أو تداعى في انفجار أو زلزال؟

كامرأة ثائرة تقاتل بيروت، ونحن وجوهها. 

يسألون أين الأزمة وطاولات المطاعم تكاد لا تفرغ؟ وأين منهبة الودائع من الأسواق التي ما زالت تعج بالمتجولين؟ وكيف تتحدثون عن المأساة فيما ترقصون في نهايات الأسابيع في حانات بيروت وملاهيها، ترقصون كأنكم بأمان، وكأن الحياة هنا لا تعاني من أي هشاشة؟

نحن شتات البلاد، نزحنا إليها لأنها مثلنا تناضل، ولأنها مثلنا تفضل الحياة خفيفة، وعلى جزءين، الأول بحذاء رياضي ننتعله في النهارات حتى نواصل الركض، والآخر نأتيه بكامل أناقتنا مساءً، بحثاً عن الحب أو بحثاً عن المرح. نحن لا نحبّ الحداد حتى على أنفسنا، ونقارب حزننا بثياب العيد، حتى لا تثقلنا العتمة وحتى لا يهرب الحب منا. أقسى ما نخشاه ونحن في هذه المزحة المتواصلة، أن يمر الحب من شبابيكنا ولا نملك طاقة أن نلقي عليه التحية، أو ندعوه إلى كأس.

لماذا نسهر بعد البكاء بساعة أو دقيقة؟ لأننا نحب السهر أكثر من البكاء، ولأننا لا يريد أن يفلت الأمل منا، حتى حين نمسكه بأيدٍ مضرجة بدمائنا، أو حين نعلّقه على جدار سيسقط مع أول اهتزاز. قد يبدو الأمر مجرد نكران يرتكبه مجانين ما زالوا يعيشون في مدينة تم تفجيرها بألف طريقة وبألف نوع من نيترات الأمونيوم. لقد تم قتلنا بطرائق لا تحصى وربما لا تُصدَّق، فقد تقرأ أجيال لاحقة قصّتنا وتعتقد أنها مجرد خرافة أو واحد من أخبار ملحمة غلغامش واحتمالاتها. يصعب فهم فكرة أننا ما زلنا على قيد الحياة، نتسكع بين المقاهي والبارات، نتمتع بكل شيء، كأننا سنموت بعد قليل، أو كأننا لن نموت أبداً.

تحولت بيروت إلى حقل ألغام لا يتوقف الغناء فيه، بهذا التناقض العجيب نعيش ونثأر ونضحك ولا نبالي ونسخر حتى من قهرنا. يناطح الدولار المئة ألف ليرة، نكتب خبراً، نعيد قراءته بتمعّن، ثمّ نفكّر، أين سنذهب الليلة؟ يبدو الأمر هراء، لكننا مثل ميلان كونديرا، “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد” ( حفلة التفاهة-ميلان كونديرا).

لكن على رغم السخرية التي نمسك بها، واللامبالاة التي تظهر على وجوهنا بعد كل كارثة وكل تفصيل جديد من الانهيار، عندنا مهنة رديفة بغاية الحنق، أن نستيقظ صباحاً ونعدّ بعضنا، من مات اليوم؟ من دهسته سيارة؟ من وقع منزله على رأسه أو تداعى في انفجار أو زلزال؟ من أصابته جلطة حين أكد له مصرفه أنه أصبح مفلساً وأنه لن يشم رائحة تعبه إلى أجل غير مسمى؟

ننتفض قليلاً، نتثاءب كثيراً، ذلك أننا ننام بعين واحدة غير مبالية، فيما العين الثانية تترقّب، بعد ذلك نتكاسل على كنباتنا ونحضر لعطلة لا مثيل لها.

نبدو كسوزان، في رواية أورليان دوكودري (النعامة التي طارت)، النعامة التي لا تستطيع الطيران، وبعدما باءت محاولاتها بالفشل، قررت أن تعود إلى عادتها القديمة وهي وضع رأسها في الرمال. الرمال في قصتنا هي الحياة المزدوجة التي نواصل الدفاع عنها والنضال حتى لا نفقدها، ونواصل ثنيها عن مواجهة حقيقة أننا لسنا بخير وأننا نعامة بأجنحة مكسورة ومنهوبة. لكن لا بأس، قد تشعر النعامة بأن كل شيء على ما يرام حين تحتسي كأساً من الويسكي الرديء والذي يجعل الحياة مجرد فقاعة أخرى في هذا الفضاء. 

19.03.2023
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية