fbpx

حين سأله أمن الدولة اللبناني
“مين ربّك يا بشار؟”… وقتله!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“لو أنّ بشّار عبد السّعود تاجر مخدّرات بالفعل، أو مزوّر عملات أجنبيّة، لاستطاع على الأقل اعالة عائلته وإطعام ابنه وانتشالهم من هذا المكان الذين يسكنون فيه”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أراد جهاز أمن الدولة في سرايا تبنين (جنوب لبنان) من بشار عبد السعود أن يعترف بأمور لم يرتكبها، جنحته الوحيدة كانت هويّته، تلك التي تتضمّن صورة شمسيّة لوجهه بحجم إصبعين، جنسيّته السورية، اسمه الذي لا بدّ أنه حرّك في نفوس الضابط والعناصر الذين كانوا مسؤولين عن تعذيبه سؤالاً بليغاً كآثار التعذيب المنقوشة على جسده: “مين ربّك يا بشّار؟”.

إنّه سؤال يعرفه عبد السعود جيّداً، هو الآتي من منطقة دير الزور والفارّ من الخدمة العسكريّة في الجيش السوري منذ 8 سنوات. هرب بشّار من اسمه ليلقى حتفه كضحيّة لهويّته.

بين كلّ ما ورد من تهم بحقّ الضحيّة في بيان جهاز أمن الدولة ورفاقه الموقوفين “بكونه جزءاً من خليّة إرهابيّة قاتلت في سوريا، وانتقلت إلى لبنان بطريقة غير شرعيّة” أو “سبق أن أدارت هذه المجموعة شبكة لترويج العملات الأجنبية المزيّفة والمخدّرات، بهدف تمويل عملها ومهماتها”. إنّ السبب الحقيقي لمقتل عبد السعود كان هو جنسيّته السوريّة. كل ذلك الضرب والتعذيب حصل لأنه سوري، وهويّته كانت هي السبب الأوّل والوحيد الذي دفعهم إلى قتله. 

الموقوفون الذين نجوا من براثن هذا الجهاز يعرفون أنّ التعذيب النفسيّ بإمكانه أن يكون أكثر شقاء من التعذيب البدني. “يمكن لأعتى الرجال أن تقتلهم كلمة، أو إهانة، إنّهم يستعملون جميع الأدوات التي من شأنها أن تكسر عزيمة الموقوف، والتي بإمكانها أن تقتله قبل أن يكون قد مات بالفعل”، يقول الممثّل والموقوف السّابق لدى جهاز أمن الدولة بتهمة العمالة زياد عيتاني.

أيديولوجيا التعذيب لا يمكن أن تحصل إلّا في أقبية مظلمة ومخفيّة كأقبيّة العقل العاجز عن رؤية ما يجري بالفعل.

الضرب والتعذيب والإهانة، أدوات مصحوبة بلغة وألفاظ تبرّرها، لا أحد يعذّب موقوفاً بصمت، ولذلك فإنّنا “لم نرَ وجه بشّار لأنّهم على الأغلب قد ضربوه ضربا مبرحا، لدرجة أنّ ملامحه لم تعد تدلّ على هويّته” يقول عيتاني.

ربما يقنع جهاز أمن الدولة نفسه كما يحاول إقناعنا بأنّ كلّ ما يريده هو الحصول على الحقيقة التي تخوّله تسجيل إنجازات وهميّة على حساب موقوفين بريئين، ومنعهم من الحصول على محاكمة عادلة، كتلك الحقيقة التي ظنّ أنّ باستطاعته فرضها علينا عندما ذكر في بيانه أنّ الموقوف تناول جرعة زائدة من حبوب الكبتاغون، ومات إثر نوبة قلبيّة أثناء استجوابه. هل يحتمل جهاز أمن الدولة الاعتراف بالحقيقة هو الآخر؟ لا حقيقة مقتل بشّار عبد السّعود أو غيره من الموقوفين الذين انتهكت حريّتهم فحسب، بل تلك الحقيقة التي يعرفها الجميع والتي تتعلّق بدور هذا الجهاز الذي لا يعدو كونه أكثر من مجرّد شرطة تقليديّة والذي تمّ إنشاؤه كضرورة للمشاركة المذهبية في قيادة الأجهزة الأمنية، وهذا الإنشاء كان بنيّة تخصيص الجهاز للطائفة الكاثوليكيّة التي لا تملك أي جهاز آخر من ضمن سياسة تهدف إلى مراعاة التوازن الطائفي في توزيع المناصب الأمنيّة. الجهاز لا تزال الحاجة إليه موضع نقاش، علما بأنّ السبب الرئيسي لإنشائه عام 1984، كان لإرضاء الطائفة الشيعيّة.

في 26/9/1984 أصدر مجلس الوزراء مرسوماً اشتراعياً عدّل بموجبه قانون الدفاع الوطني، فأنشأ مديريّة عامة لأمن الدولة، تابعة لرئيس المجلس الأعلى للدفاع (رئيس الجمهوريّة) ونائبه (رئيس الحكومة). محور عمله كان حماية الشخصيات، لذا فإن إلغاء جهاز الحماية الشخصيّة في مديريّة أمن الدولة سيؤدي حتماً إلى فناء المديريّة.

“لقد زرت عائلة بشّار” يقول المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان محمّد صبلوح. “المكان الذين يعيشون فيه ليس بيتاً، لا يوجد أثاث فيه، جلست على مخدّة باعتبارها كنبة، ما أريد قوله هو أنّ لو بشّار عبد السّعود تاجر مخدّرات بالفعل، أو مزوّر عملات أجنبيّة، لاستطاع على الأقل اعالة عائلته وإطعام ابنه وانتشالهم من هذا المكان الذين يسكنون فيه”. 

هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” بهذا الشّكل، بل هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” أصلا؟ يمكن للصّورة أن تكون هويّة بالفعل، بحيث أنّ صورتين لبشّار عبد السّعود قد انتشرتا له وهو على قيد الحياة، مبتسماً، واحدة في محل البقالة، وأخرى إلى جانب احدى أشجار الميلاد. حين كان بشّار عبد السّعود على قيد الحياة، كان شخصاً عاديّا يعمل عتّالاً في محلّات البقالة، يجري جردة أسبوعيّة للديون، يقف إلى جانب شجرة ميلاد في العيد ويطلب من شخص ما أن يصوره ممسكاً بإحدى أغصانها، لكنّه عندما مات، صار سوريّاً، قائد مجموعة إرهابيّة، تاجر مخدّرات ومزوّر عملات أجنبيّة.

لقد أحضروا زياد عيتاني آخر. ثمّ عذّبوه لكي يعترف بأشياء لم يفعلها، ثمّ احتفلوا بتسجيل انتصارات فاشلة على ظهره، لقد فعلوا ذلك بشكل حرفيّ. “كانوا يبرزون صوراً لعائلتي وابنتي على هاتفي المصادر، وكانوا يستعملون بحقّهم أسوأ العبارات والألفاظ، بحيث أنّه لم تكسرني أيُّ من ضرباتهم، لكن ما أن أسمع ضابطاً يتحدّث بقذارة عن ابنتي الصغيرة، ذلك ما لم أستطع تحمّله ثانية واحدة”.

إقرأوا أيضاً:

ما حدث بين الممثّل زياد عيتاني وجهاز أمن الدّولة هو صراع بين مجتمع الاستعراض وبين مجتمع المراقبة، بحيث أنّ جميع محاولات عيتاني لعرض حقيقة ما تعرّض له، إمّا على خشبة المسرح أو أمام التلفزيون، لم تكن أوضح وأشدّ من حقيقة ما تعرّض له من ممارسات سلطة هذا الجهاز التأديبيّة. استطاعت صورة جسد بشار عبد السعود أن تعرّي كيان هذا الجهاز، وقبلها ثرثرة عيتاني التي كانت كفيلة بعرض الوقائع كما هي، وقبلها أيضاً، تحرّكات 17 تشرين التي بحسب المحاميّة ديالا شحادة “تمكّنت من فضح ممارسات الأجهزة الأمنيّة برمّتها مع الموقوفين آنذاك، والتي نبّهت الرأي العام لوجود التعذيب كظاهرة وأداة في يد الأجهزة الأمنية لمعارضي هذا النظام”.

جميعها جرائم أدّت إلى تعرية النظام الأمني في لبنان. الجروح على جسد بشار عبدالسعود قالت الكثير، وزياد عيتاني لا يزال يخبّئ تحت لسانه الكثير من الثرثرة الضروريّة، ولم تعد مصطلحات كالعمالة والإرهاب وحقوق الإنسان تحمل معناها المنشود، بل هي باتت مجرّد وسائل فارغة وتلفيقات هدفها البطش والتأديب، بحسب الأوامر المعطاة من أصحاب القرار.

وثقت “منظمة العفو الدولية” في تقرير لها نشرته عام 2021، عمليات تعذيب وانتهاكات بحق لاجئين سوريين بعد اعتقالهم، بينها اللجوء إلى “أساليب التعذيب المروعة” وحرمانهم من “المحاكمة العادلة”. عمليّات التعذيب تلك لم نسمع عنها الّا في أدب السّجون والمعتقلات، من قصص موثّقة وتجارب عن سجناء سابقين كزياد عيتاني ومعتقلين سوريين تمّت تصفيتهم تحت التعذيب.

منظمة الكرامة (مؤسسة سويسرية مستقلة للدفاع عن حقوق الإنسان) أصدرت أيضاً تقريراً عن استمرار التعذيب في السجون اللبنانية، ومن بينها كانت حالة تعذيب قاصر (سوري الجنسية)، أخفته الشرطة العسكرية 23 يوماً، في محاولة منها لإخفاء آثار التعذيب والضرب، وبعد إثارة قضيته في الأمم المتحدة تُرك ثم تعرّض للتوقيف مرةً أخرى، بعد أن أعلن أمام الإعلام أنه تعرض للتعذيب، وبقي 25 يوماً من دون أسباب واضحة.

إنّها قصص تحتاج أن تبقى مرتبطة في مخيّلتنا المجازيّة أكثر من ذاكرتنا الحقيقيّة، لكنّ أيديولوجيا التعذيب لا يمكن أن تحصل إلّا في أقبية مظلمة ومخفيّة كأقبيّة العقل العاجز عن رؤية ما يجري بالفعل.

سبق أن بذل القضاء اللّبناني جهدا لناحية تعديل المادة 47 اصول محاكمات مدنية، لمحاولة وقف هذه التجاوزات أثناء التحقيقات، كما التزم لبنان عام 2000 بحسب النائب إبراهيم منيمنة بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو اللامهنية وتوقيعه البروتوكول الخاص بها عام 2008. إضافة إلى عمله بأحكام القانون رقم 65/2017 المتعلق بمعاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية والذي يرسم إطار التعاطي والتجريم في مثل هذه الحالات، ووجود الهيئة الوطنية لمكافحة التعذيب التي لا بد من تفعيل دورها”.

إقرأوا أيضاً:

08.09.2022
زمن القراءة: 5 minutes

“لو أنّ بشّار عبد السّعود تاجر مخدّرات بالفعل، أو مزوّر عملات أجنبيّة، لاستطاع على الأقل اعالة عائلته وإطعام ابنه وانتشالهم من هذا المكان الذين يسكنون فيه”.

أراد جهاز أمن الدولة في سرايا تبنين (جنوب لبنان) من بشار عبد السعود أن يعترف بأمور لم يرتكبها، جنحته الوحيدة كانت هويّته، تلك التي تتضمّن صورة شمسيّة لوجهه بحجم إصبعين، جنسيّته السورية، اسمه الذي لا بدّ أنه حرّك في نفوس الضابط والعناصر الذين كانوا مسؤولين عن تعذيبه سؤالاً بليغاً كآثار التعذيب المنقوشة على جسده: “مين ربّك يا بشّار؟”.

إنّه سؤال يعرفه عبد السعود جيّداً، هو الآتي من منطقة دير الزور والفارّ من الخدمة العسكريّة في الجيش السوري منذ 8 سنوات. هرب بشّار من اسمه ليلقى حتفه كضحيّة لهويّته.

بين كلّ ما ورد من تهم بحقّ الضحيّة في بيان جهاز أمن الدولة ورفاقه الموقوفين “بكونه جزءاً من خليّة إرهابيّة قاتلت في سوريا، وانتقلت إلى لبنان بطريقة غير شرعيّة” أو “سبق أن أدارت هذه المجموعة شبكة لترويج العملات الأجنبية المزيّفة والمخدّرات، بهدف تمويل عملها ومهماتها”. إنّ السبب الحقيقي لمقتل عبد السعود كان هو جنسيّته السوريّة. كل ذلك الضرب والتعذيب حصل لأنه سوري، وهويّته كانت هي السبب الأوّل والوحيد الذي دفعهم إلى قتله. 

الموقوفون الذين نجوا من براثن هذا الجهاز يعرفون أنّ التعذيب النفسيّ بإمكانه أن يكون أكثر شقاء من التعذيب البدني. “يمكن لأعتى الرجال أن تقتلهم كلمة، أو إهانة، إنّهم يستعملون جميع الأدوات التي من شأنها أن تكسر عزيمة الموقوف، والتي بإمكانها أن تقتله قبل أن يكون قد مات بالفعل”، يقول الممثّل والموقوف السّابق لدى جهاز أمن الدولة بتهمة العمالة زياد عيتاني.

أيديولوجيا التعذيب لا يمكن أن تحصل إلّا في أقبية مظلمة ومخفيّة كأقبيّة العقل العاجز عن رؤية ما يجري بالفعل.

الضرب والتعذيب والإهانة، أدوات مصحوبة بلغة وألفاظ تبرّرها، لا أحد يعذّب موقوفاً بصمت، ولذلك فإنّنا “لم نرَ وجه بشّار لأنّهم على الأغلب قد ضربوه ضربا مبرحا، لدرجة أنّ ملامحه لم تعد تدلّ على هويّته” يقول عيتاني.

ربما يقنع جهاز أمن الدولة نفسه كما يحاول إقناعنا بأنّ كلّ ما يريده هو الحصول على الحقيقة التي تخوّله تسجيل إنجازات وهميّة على حساب موقوفين بريئين، ومنعهم من الحصول على محاكمة عادلة، كتلك الحقيقة التي ظنّ أنّ باستطاعته فرضها علينا عندما ذكر في بيانه أنّ الموقوف تناول جرعة زائدة من حبوب الكبتاغون، ومات إثر نوبة قلبيّة أثناء استجوابه. هل يحتمل جهاز أمن الدولة الاعتراف بالحقيقة هو الآخر؟ لا حقيقة مقتل بشّار عبد السّعود أو غيره من الموقوفين الذين انتهكت حريّتهم فحسب، بل تلك الحقيقة التي يعرفها الجميع والتي تتعلّق بدور هذا الجهاز الذي لا يعدو كونه أكثر من مجرّد شرطة تقليديّة والذي تمّ إنشاؤه كضرورة للمشاركة المذهبية في قيادة الأجهزة الأمنية، وهذا الإنشاء كان بنيّة تخصيص الجهاز للطائفة الكاثوليكيّة التي لا تملك أي جهاز آخر من ضمن سياسة تهدف إلى مراعاة التوازن الطائفي في توزيع المناصب الأمنيّة. الجهاز لا تزال الحاجة إليه موضع نقاش، علما بأنّ السبب الرئيسي لإنشائه عام 1984، كان لإرضاء الطائفة الشيعيّة.

في 26/9/1984 أصدر مجلس الوزراء مرسوماً اشتراعياً عدّل بموجبه قانون الدفاع الوطني، فأنشأ مديريّة عامة لأمن الدولة، تابعة لرئيس المجلس الأعلى للدفاع (رئيس الجمهوريّة) ونائبه (رئيس الحكومة). محور عمله كان حماية الشخصيات، لذا فإن إلغاء جهاز الحماية الشخصيّة في مديريّة أمن الدولة سيؤدي حتماً إلى فناء المديريّة.

“لقد زرت عائلة بشّار” يقول المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان محمّد صبلوح. “المكان الذين يعيشون فيه ليس بيتاً، لا يوجد أثاث فيه، جلست على مخدّة باعتبارها كنبة، ما أريد قوله هو أنّ لو بشّار عبد السّعود تاجر مخدّرات بالفعل، أو مزوّر عملات أجنبيّة، لاستطاع على الأقل اعالة عائلته وإطعام ابنه وانتشالهم من هذا المكان الذين يسكنون فيه”. 

هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” بهذا الشّكل، بل هل يبتسم قياديّ في تنظيم “داعش” أصلا؟ يمكن للصّورة أن تكون هويّة بالفعل، بحيث أنّ صورتين لبشّار عبد السّعود قد انتشرتا له وهو على قيد الحياة، مبتسماً، واحدة في محل البقالة، وأخرى إلى جانب احدى أشجار الميلاد. حين كان بشّار عبد السّعود على قيد الحياة، كان شخصاً عاديّا يعمل عتّالاً في محلّات البقالة، يجري جردة أسبوعيّة للديون، يقف إلى جانب شجرة ميلاد في العيد ويطلب من شخص ما أن يصوره ممسكاً بإحدى أغصانها، لكنّه عندما مات، صار سوريّاً، قائد مجموعة إرهابيّة، تاجر مخدّرات ومزوّر عملات أجنبيّة.

لقد أحضروا زياد عيتاني آخر. ثمّ عذّبوه لكي يعترف بأشياء لم يفعلها، ثمّ احتفلوا بتسجيل انتصارات فاشلة على ظهره، لقد فعلوا ذلك بشكل حرفيّ. “كانوا يبرزون صوراً لعائلتي وابنتي على هاتفي المصادر، وكانوا يستعملون بحقّهم أسوأ العبارات والألفاظ، بحيث أنّه لم تكسرني أيُّ من ضرباتهم، لكن ما أن أسمع ضابطاً يتحدّث بقذارة عن ابنتي الصغيرة، ذلك ما لم أستطع تحمّله ثانية واحدة”.

إقرأوا أيضاً:

ما حدث بين الممثّل زياد عيتاني وجهاز أمن الدّولة هو صراع بين مجتمع الاستعراض وبين مجتمع المراقبة، بحيث أنّ جميع محاولات عيتاني لعرض حقيقة ما تعرّض له، إمّا على خشبة المسرح أو أمام التلفزيون، لم تكن أوضح وأشدّ من حقيقة ما تعرّض له من ممارسات سلطة هذا الجهاز التأديبيّة. استطاعت صورة جسد بشار عبد السعود أن تعرّي كيان هذا الجهاز، وقبلها ثرثرة عيتاني التي كانت كفيلة بعرض الوقائع كما هي، وقبلها أيضاً، تحرّكات 17 تشرين التي بحسب المحاميّة ديالا شحادة “تمكّنت من فضح ممارسات الأجهزة الأمنيّة برمّتها مع الموقوفين آنذاك، والتي نبّهت الرأي العام لوجود التعذيب كظاهرة وأداة في يد الأجهزة الأمنية لمعارضي هذا النظام”.

جميعها جرائم أدّت إلى تعرية النظام الأمني في لبنان. الجروح على جسد بشار عبدالسعود قالت الكثير، وزياد عيتاني لا يزال يخبّئ تحت لسانه الكثير من الثرثرة الضروريّة، ولم تعد مصطلحات كالعمالة والإرهاب وحقوق الإنسان تحمل معناها المنشود، بل هي باتت مجرّد وسائل فارغة وتلفيقات هدفها البطش والتأديب، بحسب الأوامر المعطاة من أصحاب القرار.

وثقت “منظمة العفو الدولية” في تقرير لها نشرته عام 2021، عمليات تعذيب وانتهاكات بحق لاجئين سوريين بعد اعتقالهم، بينها اللجوء إلى “أساليب التعذيب المروعة” وحرمانهم من “المحاكمة العادلة”. عمليّات التعذيب تلك لم نسمع عنها الّا في أدب السّجون والمعتقلات، من قصص موثّقة وتجارب عن سجناء سابقين كزياد عيتاني ومعتقلين سوريين تمّت تصفيتهم تحت التعذيب.

منظمة الكرامة (مؤسسة سويسرية مستقلة للدفاع عن حقوق الإنسان) أصدرت أيضاً تقريراً عن استمرار التعذيب في السجون اللبنانية، ومن بينها كانت حالة تعذيب قاصر (سوري الجنسية)، أخفته الشرطة العسكرية 23 يوماً، في محاولة منها لإخفاء آثار التعذيب والضرب، وبعد إثارة قضيته في الأمم المتحدة تُرك ثم تعرّض للتوقيف مرةً أخرى، بعد أن أعلن أمام الإعلام أنه تعرض للتعذيب، وبقي 25 يوماً من دون أسباب واضحة.

إنّها قصص تحتاج أن تبقى مرتبطة في مخيّلتنا المجازيّة أكثر من ذاكرتنا الحقيقيّة، لكنّ أيديولوجيا التعذيب لا يمكن أن تحصل إلّا في أقبية مظلمة ومخفيّة كأقبيّة العقل العاجز عن رؤية ما يجري بالفعل.

سبق أن بذل القضاء اللّبناني جهدا لناحية تعديل المادة 47 اصول محاكمات مدنية، لمحاولة وقف هذه التجاوزات أثناء التحقيقات، كما التزم لبنان عام 2000 بحسب النائب إبراهيم منيمنة بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو اللامهنية وتوقيعه البروتوكول الخاص بها عام 2008. إضافة إلى عمله بأحكام القانون رقم 65/2017 المتعلق بمعاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية والذي يرسم إطار التعاطي والتجريم في مثل هذه الحالات، ووجود الهيئة الوطنية لمكافحة التعذيب التي لا بد من تفعيل دورها”.

إقرأوا أيضاً:

08.09.2022
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية