fbpx

ربع النساء العراقيات المتزوّجات… قاصرات!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“كانت أمي رغم ضعفها، السند الوحيد لي، أما ذكور العائلة، من أشقاء وأعمام، فقد كانوا يحاولون بشتى الطرق التخلص مني مع كل شخص يتقدم لخطبتي”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

على الرغم من بلوغها الثانية والثلاثين من عمرها، إلا أن فاطمة حسن، ما زالت تحت تأثير حكاية خالتها الكبرى التي تم تزويجها وهي بعمر 12 سنة فقط، ولا سيما الجزء المتعلق بحيرتها بين أن تأخذ معها دميتها المفضلة إلى بيت زوجها أو تركها لشقيقتها الصغرى (أم فاطمة).

الأوامر العائلية كانت واضحة جداً، وهي أن تطيع الزوج الذي يكبرها بـ16 سنة في كل شيء وأن تتجنب الشكوى مهما حدث، وهكذا أصبحت الخالة أماً وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها وتمثالاً منزلياً معتاداً على التعنيف والتهميش والاستخفاف برأيها وتغييب دورها في اتخاذ قرارات تخص بيتها حتى بعد سنوات من الزواج. 

“كل ذلك من أجل ألا تعود مطلقة إلى بيت جدي مع أطفال يحتاجون إلى معيل”، تقول فاطمة معللة قدرة خالتها الخارقة على احتمال جحيم بيت الزوجية وفقاً لتوصيفها. ثم تؤكد بحزم “هي وغيرها ممن أعرفهم سببٌ ماثلٌ يمشي على قدمين لرفضي الزواج لغاية الآن”.

لم يقتصر الأمر على خالتها فقط، فوالدتها تزوجت في الرابعة عشرة. تقول بنبرة حزن “اكتشفتُ حين كبرتُ أن التعنيف الذي كانت تتعرض له امي على يد أبي لم يكن لعباً وأن بكاءها لم يكن أبداً نتيجة دخول الصابون في عينيها كما كانت تقول لنا”.

تصر فاطمة على موقفها الرافض فكرة الزواج والضغوطات التي يمارسها والداها عليها على الرغم من استقلالها المادي “كثيراً ما يسلط والدي اخوتي الذكور عليَّ، ويدفعهم أحياناً لاختلاق مشكلات وضربي حين أرفض المتقدمين لخطبتي، وما يحزنني حقاً هو أن أمي تقف بصفهم بمجرد أن يتعلق الموضوع بالزواج”.

تحبس فاطمة دموعها وتقول، “أحياناً لا ألوم أمي حين تلح عليَّ لتكوين أسرة فهي لم تدرس وتزوجتْ في سن صغيرة، لم تعرف من العالم إلا ما يدور وسط جدران منزل العائلة، وأفكارها ليست سوى نسخة منمقة من أفكار والدي الذي يعتبر المرأة أداة تكاثر وإطعام ليس إلا”.

“المهور العالية ومتطلبات العروس وحفلات العرس تجعل معظم الشباب يؤجلون الزواج أو يلجأون الى الزواج التقليدي بسن مبكرة من إحدى قريباتهم”. 

زواج مبكر ونسب طلاق مرتفعة

يشير تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2022 الى أن ما يزيد عن ربع النساء العراقيات المتزوجات (امرأة من كل أربع) في 2021 تزوجن دون سن الثمانية عشر عاماً في حين كانت واحدة من بين كل خمس نساء تقريباً تتزوج دون ذلك السن عام 2011، فنسبة زواج القاصرات لم تكن تتجاوز الـ21.7 في المئة.

وبحسب مصادر قضائية ومحامين فإن زواج القاصرات لم يعد يقتصر على القرى بل بات شائعاً في المدن، ليحمل معه مشاكل كثيرة بدءا بالانقطاع عن التعليم والوصول الى عوامل التمكين، وانتهاءً بارتفاع حالات الطلاق والتفكك الأسري، إذ أن غالبية حالات الطلاق تكمن عند تلك الشريحة.

وقد عقد في بغداد في 14 حزيران/ يونيو 2022 مؤتمر مشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والأمانة العامة لمجلس الوزراء، تم خلاله التنبيه الى أن معدل الزواج المبكر (لمن هن دون الـ18 سنة) ارتفع من 21.7 إلى 25.5 في المئة خلال السنوات العشر الماضية،  بينما في إقليم كردستان وصل الى 22.6 في المئة.

وتشير وزارة التخطيط العراقية إلى أن معدل سن الزواج في العراق يتراوح بين 24 و26 سنة. وقدمت أرقاماً  أظهرت أن تعداد أصحاب تلك الأعمار عام 2020 بلغت لمن هم في 24 من عمرهم نحو 659 ألفاً ولمن يبلغون 25 عاماً نحو 618 الفاً، ولمن هم في 26 من أعمارهم نحو 612 الفاً.

وبحسب الجهات القضائية، تم خلال العام 2021 تسجيل نحو 273 ألف عقد زواج في المحاكم العراقية. ويتجاوز حجم النمو السكاني المليون نسمة في العام الواحد.

الوزارة كانت أشارت في إحصاء لها لعام 2011 إلى أن أعداد العازبين الذكور والإناث بين الفئتين السنيتين 30-40 قاربت 15 في المئة. لكن تلك النسبة وصلت الى الضعف في السنوات الأخيرة بحسب نشطاء في منظمات معنية بأوضاع الأسرة، وأوضح هؤلاء أنه في ظل غياب أرقام رسمية فإن ذلك يظل ضمن إطار تقديرات تعتمد على استطلاعات صغيرة.

وبحسب تلك النسبة (30 في المئة) فهناك نحو مليون و648 ألف عازب بين الفئات العمرية (30 إلى 40 سنة) والتي يبلغ تعدادها 5,493,000 بموجب إحصاءات وزارة التخطيط لعام 2020.

نسبة تجدها الاكاديمية والباحثة الاجتماعية ندى العابدي، مُبررة، وذلك لتعقد الحياة اقتصادياً وعدم إحساس الشباب بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وفقا لما تقول، فضلاً عن ارتفاع نسب الطلاق والتي وصلت الى 24177 حالة طلاق وتفريق في أشهر كانون الثاني/يناير وشباط/ فبراير وايار/مايو وحزيران/ يونيو لعام 2022 بحسب إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ما يعني فشل الكثير من العلاقات الزوجية في تكوين أسر مستقرة.

( مجلس القضاء الأعلى: عدد حالات الطلاق في العراق عدا محافظات اقليم كردستان بلغ 73 ألف و399 حالة خلال عام 2021 كانت الزيجات القسرية والزيجات المبكرة للقاصرات هي أبرز أسباب الطلاق).

وتورد العابدي جملة عوامل تدفع إلى تراجع معدلات الزواج، منها تنامي معدلات العنف والجريمة بين الأزواج وعدم الاستقرار الأمني في البلاد وموجات النزوح، الى جانب تزايد البطالة وتراجع مستوى دخل الفرد، والتي أدت بمجموعها إلى عزوف نسبة كبيرة من الشباب عن الزواج، خوفاً من مستقبل لا يحمل ملامح واضحة بالنسبة إليهم.

وتضيف، “العامل الاقتصادي هنا حاسم، في أحيان كثيرة يطلب ذوو البنت مهراً وتجهيزات مكلفة، يتعذّر على كثيرين تأمينها بسبب الوضع الاقتصادي واستفحال مشكلة البطالة وتزايد متطلبات تكوين أسرة، ما يشكل سبباً مهماً للعزوف عن الزواج”.

يوافقها الرأي، الشاب حيدر عسكر، من بغداد، مشيراً إلى أن صعوبة توفير متطلبات الحياة تقف وراء زيادة نسبة العازفين عن الزواج وهو واحد منهم. ويتابع: “أغلب الشباب لا يملكون عملاً، وهم غير قادرين على مواجهة متطلبات الحياة بعد الزواج، فكل شيء يحتاج الى مال حتى التعليم والصحة وهما كانا مجانيين سابقاً”، سائلاً، كيف لهم تدبر كل تلك المتطلبات؟

يؤيده زميله علاوي، وهو يبتسم بينما ينسحب بكرسيه عن الطاولة: “المهور العالية ومتطلبات العروس وحفلات العرس تجعل معظم الشباب يؤجلون الزواج أو يلجأون الى الزواج التقليدي بسن مبكرة من إحدى قريباتهم”. 

ويضيف: “كلما كبرت في السن تعقد الأمر أكثر، وإذا تزوجت مبكراً دون تخطيط وتفكير دقيق، ستمضي حياتك مهموماً تصارع المتطلبات، على الأقل هذا حال اثنين من اخوتي تزوجا قبل أن يكملا العشرين”.

بالنسبة إلى سارة ستار (34 سنة) المحاضرة في إحدى مدارس محافظة بابل، فإن التسلط الذكوري في معظم الزيجات التي تعرفها سواء لأقارب أو صديقات، والتعدي على حقوقهن دون أن يسندهن دين أو عرف أو قانون في بيئة ريفية، الغلبة فيها للرجل، أمور تجعلها ترتعب من فكرة الزواج، على رغم من رغبتها الشديدة بأن تصبح أماً.

تسعى سارة للحصول على شهادة جامعية أخرى بعد إتمام دراستها لعلوم الحاسبات، وتجد أن استقلال المرأة مادياً من الأمور الأساسية سواء تزوجت أو لم تتزوج. لكنها تعتقد بأن الفتاة التي تملك وظيفة تؤمن دخلاً مناسباً لها لا تجد نفسها أسيرة لهاجس الزواج بعكس الأخريات.

وهي لا تعير حسبما تقول أهمية للأسئلة التي تطرح عليها باستمرار بشأن حياتها الاجتماعية “لماذا لم تتزوجي لغاية الآن؟ ستندمين ولن تجدي غدا أحداً يرضى بكِ… حين كنت بعمركِ كان لي ثلاثة أطفال، متى سنرى أطفالك؟ أسمع مثل هذه الأشياء دائما في تعد اجتماعي واضح على شؤوني وقد اعتدت على عدم الاكتراث”.

ثنائية الزواج المبكر والمتأخر

تقول سلوى أحمد (38 سنة) وهي موظفة جامعية تحمل ماجستير في علم الاجتماع أن “تلك الأسئلة التي تتبعها تعليقات أو نظرات خاصة، بالنسبة للكثير من غير المتزوجات هي أسوأ ما في الموضوع”.

وتؤكد بأن الكلية التي تعمل فيها تضم الكثير من الفتيات اللواتي تجاوزن سن الثلاثين ولم يتزوجن لأنهن لم يجدن أنفسهن مضطرات للاقتران برجال لا يناسبونهن لمجرد الزواج. وتوضح أن الزواج يغدو أكثر صعوبة بالنسبة إليها كلما تقدمت بالعمر “قرار كهذا يخضع لدراسة أكثر فللنضج دور حاسم عند اتخاذه”.

وترى سلوى ان الأسر العراقية بحكم التقاليد تريد تزويج بناتهن قبل الأولاد، لكن ذلك يصطدم بتزايد متطلبات الحياة التي تدفع الكثير من الشباب الى عدم التفكير بالزواج إلا حين يقتربون من سن الأربعين، وهذا يعني بالنتيجة تزايد معدلات العزوف عن الزواج.

وتركز سلوى حديثها على ما تصفه بثنائية باتت تحكم المجتمع العراقي وتتمثل بالزواج المبكر والزواج المتأخر أو  “العنوسة” بحسب المصطلح الشعبي الذي يستخدم لاهانة السيدة غير المتزوجة، مبينة أن الحكومة غائبة ولا تملك برنامجاً للتوعية بمخاطر الزواج المبكر.

وتنبه الى أن عدم الزواج بالنسبة إلى البنت حتى لو كانت متعلمة ومستقلة مادياً أمر صعب في بيئة لا تستطيع فيها العيش بمفردها وتظل محكومة بالعيش مع أشقائها لتعاني من ذكورية المجتمع.

الدين والقبيلة

قرار الزواج من عدمه، ترف لا تمتلكه الغالبية العظمى من الفتيات في عموم أنحاء العراق بسبب الطبيعة القبلية والدينية التي يتصف بها المجتمع بنحو عام، فهن محكومات بأطواقٍ تبدأ بالعائلة ثم تتسع لتشمل الأقرباء فالعشيرة فالمنطقة والمدينة.

سارة النقّاش، دخلت في صراع عنيف مع عائلتها بعد اتمامها دراسة القانون، لعدم قناعتها بالزواج في بيئة “يسودها التمييز المناطقي والطائفي وتحكمها قوانين العشيرة” وفقاّ لما تعتقد. 

تقول “كانت أمي رغم ضعفها، السند الوحيد لي، أما ذكور العائلة، من أشقاء وأعمام، فقد كانوا يحاولون بشتى الطرق التخلص مني مع كل شخص يتقدم لخطبتي”.

تفكر قليلاً ثم تتابع بانفعال “يريدون من المرأة طاعة عمياء وخضوعاً تاماً وهذا ما يرفضه عقلي. لستُ مجبرة على أن أتقولب وفقاً لقناعاتهم، فمن حقي أن يكون لي كياني، والتصرف وفقاً لإرادتي أنا وليس رغبات من هم حولي”.

تتوقف سارة عن الكلام، تمرر يدها على جبهتها قبل أن تكمل “لكن رفضك لما يحاولون فرضه عليك يدفعهم لمحاصرتك بالكلام والشكوك: هل تنتظرين أحداً؟ هل ميولكِ الجنسية طبيعية؟ هل اخطأتِ مع أحدهم؟ هل أغرتكِ مواقع التواصل الاجتماعي؟ وغيرها من الأسئلة الملغمة بالاتهامات”. 

تعلو الابتسامة وجهها وهي تفكّر، “ماذا لو أنني أتممت الثلاثين عاماً دون زواج؟ ما المعيب في ذلك؟ أليس من حقي التريث لحين مقابلة شخص يناسبني بدل التفكير بإرضاء عائلتي؟”.

تعمل سارة متدربة في مكتب خاص للمحاماة في الأنبار وتحرص على المضي في حلمها بأن تصبح محامية ناجحة، لكونها تعول على الاستقلال المادي لتحديد مصيرها رغم ضغوط العائلة والمجتمع.

وهذا ما يراه الباحث في علم الاجتماع هاني سلام خضر، مفتاحاً لتخلص المرأة من التبعية الكاملة للرجل أو في الأقل عدم البقاء رهينة لقراراته. ويقول “عمل المرأة يعني اعالتها لنفسها، وبالتالي اتخاذها القرارات الحاسمة في حياتها”.

لكنه لا يتفق مع الرأي القائل بأن أغلب النساء غير المتزوجات هن نساء عاملات، ويشير إلى جملة من الأسباب تقف وراء ارتفاع نسب المتأخرات والممتنعات عن الزواج، منها “تغير مزاج المجتمع، فقديماً كان الشائع أن تختار العائلة العراقية زوجة ابنها ولم تكن أمام الأخير خيارات كثيرة في العادة. لكن ذلك تغير بعد خروج الفتاة للدراسة والعمل وامتلاك الشاب مساحة كبيرة للاختيار”.

ويعدد أسباباً أخرى، مثل رد الفعل إزاء ارتفاع نسب الطلاق المرتفعة وغير المسبوقة في العراق خلال السنوات الأخيرة وخشية الكثير من الفتيات من ذلك المصير “غير متزوجة، أو حتى “عانس” أفضل من “مطلقة”، فالمجتمع يتعامل بصرامة شديدة مع المرأة المطلقة”.

المحامية المتخصصة في دعاوى الأحوال الشخصية ضحى محمود، تشير من خلال اطلاعها اليومي على الحالات المعروضة أمام المحاكم، الى تأثير تزايد حالات “الخيانة الزوجية” والعنف الأسري وارتفاع حالات الطلاق والتي تتركز في الفئة الأصغر عمراً، على الكثير من النساء للبقاء ضمن دائرة العزوبية.

كما أن التدهور الاقتصادي الذي أجبر الشباب على السكن مع ذويهم بعد الزواج، زاد من احتمال فشل العلاقة الزوجية لذا نجد أن كثيراً من النساء “يرفضن الزواج برجل لا يستطيع تأمين سكن مستقل عن ذويه”.

القانون غير منصف وأحكام عشائرية

الناشطة في مجال حقوق المرأة نورس حسين، تجد أن عزوف قسم من النساء عن الزواج يرجع الى القوانين التي تحكم منظومة الزواج في العراق التي تؤكد أنها غير منصفة للنساء: “للرجل الحق في إنهاء عقد الزواج دون قيد أو شرط ومتى ما أراد، بينما ترزح المرأة تحت ظلمه وتحيز المجتمع له، في حين يقف القانون موقف المتفرج تجاه وضعها بل ويتعامل معها كإنسان من الدرجة الثانية!”.

نورية (أسم مستعار) من قرية تابعة لقضاء الحضر جنوب مدينة الموصل (405 كلم شمال بغداد) واقعة منذ نحو تسع سنوات تحت ما يسمى بعرف “النهوة” العشائري، بقرار من عمها قضى بمنع أي شخص من التقدم لطلب يدها، نتيجة لرفضها الزواج بابنه. 

“ابن عمي عديم الشخصية، ولحسن الحظ والدي يعرف ذلك، ولم يجبرني على الزواج منه”، تقول نورية بامتنان، وتواصل “هناك المئات مثلي في القرى والأرياف مجبرات على الامتناع عن الزواج كنوع من العقاب، على رغم من أن النهوة مخالفة للقانون والشرع”.

أنجز التقرير بدعم من مؤسسة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
26.09.2022
زمن القراءة: 9 minutes

“كانت أمي رغم ضعفها، السند الوحيد لي، أما ذكور العائلة، من أشقاء وأعمام، فقد كانوا يحاولون بشتى الطرق التخلص مني مع كل شخص يتقدم لخطبتي”.

على الرغم من بلوغها الثانية والثلاثين من عمرها، إلا أن فاطمة حسن، ما زالت تحت تأثير حكاية خالتها الكبرى التي تم تزويجها وهي بعمر 12 سنة فقط، ولا سيما الجزء المتعلق بحيرتها بين أن تأخذ معها دميتها المفضلة إلى بيت زوجها أو تركها لشقيقتها الصغرى (أم فاطمة).

الأوامر العائلية كانت واضحة جداً، وهي أن تطيع الزوج الذي يكبرها بـ16 سنة في كل شيء وأن تتجنب الشكوى مهما حدث، وهكذا أصبحت الخالة أماً وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها وتمثالاً منزلياً معتاداً على التعنيف والتهميش والاستخفاف برأيها وتغييب دورها في اتخاذ قرارات تخص بيتها حتى بعد سنوات من الزواج. 

“كل ذلك من أجل ألا تعود مطلقة إلى بيت جدي مع أطفال يحتاجون إلى معيل”، تقول فاطمة معللة قدرة خالتها الخارقة على احتمال جحيم بيت الزوجية وفقاً لتوصيفها. ثم تؤكد بحزم “هي وغيرها ممن أعرفهم سببٌ ماثلٌ يمشي على قدمين لرفضي الزواج لغاية الآن”.

لم يقتصر الأمر على خالتها فقط، فوالدتها تزوجت في الرابعة عشرة. تقول بنبرة حزن “اكتشفتُ حين كبرتُ أن التعنيف الذي كانت تتعرض له امي على يد أبي لم يكن لعباً وأن بكاءها لم يكن أبداً نتيجة دخول الصابون في عينيها كما كانت تقول لنا”.

تصر فاطمة على موقفها الرافض فكرة الزواج والضغوطات التي يمارسها والداها عليها على الرغم من استقلالها المادي “كثيراً ما يسلط والدي اخوتي الذكور عليَّ، ويدفعهم أحياناً لاختلاق مشكلات وضربي حين أرفض المتقدمين لخطبتي، وما يحزنني حقاً هو أن أمي تقف بصفهم بمجرد أن يتعلق الموضوع بالزواج”.

تحبس فاطمة دموعها وتقول، “أحياناً لا ألوم أمي حين تلح عليَّ لتكوين أسرة فهي لم تدرس وتزوجتْ في سن صغيرة، لم تعرف من العالم إلا ما يدور وسط جدران منزل العائلة، وأفكارها ليست سوى نسخة منمقة من أفكار والدي الذي يعتبر المرأة أداة تكاثر وإطعام ليس إلا”.

“المهور العالية ومتطلبات العروس وحفلات العرس تجعل معظم الشباب يؤجلون الزواج أو يلجأون الى الزواج التقليدي بسن مبكرة من إحدى قريباتهم”. 

زواج مبكر ونسب طلاق مرتفعة

يشير تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2022 الى أن ما يزيد عن ربع النساء العراقيات المتزوجات (امرأة من كل أربع) في 2021 تزوجن دون سن الثمانية عشر عاماً في حين كانت واحدة من بين كل خمس نساء تقريباً تتزوج دون ذلك السن عام 2011، فنسبة زواج القاصرات لم تكن تتجاوز الـ21.7 في المئة.

وبحسب مصادر قضائية ومحامين فإن زواج القاصرات لم يعد يقتصر على القرى بل بات شائعاً في المدن، ليحمل معه مشاكل كثيرة بدءا بالانقطاع عن التعليم والوصول الى عوامل التمكين، وانتهاءً بارتفاع حالات الطلاق والتفكك الأسري، إذ أن غالبية حالات الطلاق تكمن عند تلك الشريحة.

وقد عقد في بغداد في 14 حزيران/ يونيو 2022 مؤتمر مشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والأمانة العامة لمجلس الوزراء، تم خلاله التنبيه الى أن معدل الزواج المبكر (لمن هن دون الـ18 سنة) ارتفع من 21.7 إلى 25.5 في المئة خلال السنوات العشر الماضية،  بينما في إقليم كردستان وصل الى 22.6 في المئة.

وتشير وزارة التخطيط العراقية إلى أن معدل سن الزواج في العراق يتراوح بين 24 و26 سنة. وقدمت أرقاماً  أظهرت أن تعداد أصحاب تلك الأعمار عام 2020 بلغت لمن هم في 24 من عمرهم نحو 659 ألفاً ولمن يبلغون 25 عاماً نحو 618 الفاً، ولمن هم في 26 من أعمارهم نحو 612 الفاً.

وبحسب الجهات القضائية، تم خلال العام 2021 تسجيل نحو 273 ألف عقد زواج في المحاكم العراقية. ويتجاوز حجم النمو السكاني المليون نسمة في العام الواحد.

الوزارة كانت أشارت في إحصاء لها لعام 2011 إلى أن أعداد العازبين الذكور والإناث بين الفئتين السنيتين 30-40 قاربت 15 في المئة. لكن تلك النسبة وصلت الى الضعف في السنوات الأخيرة بحسب نشطاء في منظمات معنية بأوضاع الأسرة، وأوضح هؤلاء أنه في ظل غياب أرقام رسمية فإن ذلك يظل ضمن إطار تقديرات تعتمد على استطلاعات صغيرة.

وبحسب تلك النسبة (30 في المئة) فهناك نحو مليون و648 ألف عازب بين الفئات العمرية (30 إلى 40 سنة) والتي يبلغ تعدادها 5,493,000 بموجب إحصاءات وزارة التخطيط لعام 2020.

نسبة تجدها الاكاديمية والباحثة الاجتماعية ندى العابدي، مُبررة، وذلك لتعقد الحياة اقتصادياً وعدم إحساس الشباب بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وفقا لما تقول، فضلاً عن ارتفاع نسب الطلاق والتي وصلت الى 24177 حالة طلاق وتفريق في أشهر كانون الثاني/يناير وشباط/ فبراير وايار/مايو وحزيران/ يونيو لعام 2022 بحسب إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ما يعني فشل الكثير من العلاقات الزوجية في تكوين أسر مستقرة.

( مجلس القضاء الأعلى: عدد حالات الطلاق في العراق عدا محافظات اقليم كردستان بلغ 73 ألف و399 حالة خلال عام 2021 كانت الزيجات القسرية والزيجات المبكرة للقاصرات هي أبرز أسباب الطلاق).

وتورد العابدي جملة عوامل تدفع إلى تراجع معدلات الزواج، منها تنامي معدلات العنف والجريمة بين الأزواج وعدم الاستقرار الأمني في البلاد وموجات النزوح، الى جانب تزايد البطالة وتراجع مستوى دخل الفرد، والتي أدت بمجموعها إلى عزوف نسبة كبيرة من الشباب عن الزواج، خوفاً من مستقبل لا يحمل ملامح واضحة بالنسبة إليهم.

وتضيف، “العامل الاقتصادي هنا حاسم، في أحيان كثيرة يطلب ذوو البنت مهراً وتجهيزات مكلفة، يتعذّر على كثيرين تأمينها بسبب الوضع الاقتصادي واستفحال مشكلة البطالة وتزايد متطلبات تكوين أسرة، ما يشكل سبباً مهماً للعزوف عن الزواج”.

يوافقها الرأي، الشاب حيدر عسكر، من بغداد، مشيراً إلى أن صعوبة توفير متطلبات الحياة تقف وراء زيادة نسبة العازفين عن الزواج وهو واحد منهم. ويتابع: “أغلب الشباب لا يملكون عملاً، وهم غير قادرين على مواجهة متطلبات الحياة بعد الزواج، فكل شيء يحتاج الى مال حتى التعليم والصحة وهما كانا مجانيين سابقاً”، سائلاً، كيف لهم تدبر كل تلك المتطلبات؟

يؤيده زميله علاوي، وهو يبتسم بينما ينسحب بكرسيه عن الطاولة: “المهور العالية ومتطلبات العروس وحفلات العرس تجعل معظم الشباب يؤجلون الزواج أو يلجأون الى الزواج التقليدي بسن مبكرة من إحدى قريباتهم”. 

ويضيف: “كلما كبرت في السن تعقد الأمر أكثر، وإذا تزوجت مبكراً دون تخطيط وتفكير دقيق، ستمضي حياتك مهموماً تصارع المتطلبات، على الأقل هذا حال اثنين من اخوتي تزوجا قبل أن يكملا العشرين”.

بالنسبة إلى سارة ستار (34 سنة) المحاضرة في إحدى مدارس محافظة بابل، فإن التسلط الذكوري في معظم الزيجات التي تعرفها سواء لأقارب أو صديقات، والتعدي على حقوقهن دون أن يسندهن دين أو عرف أو قانون في بيئة ريفية، الغلبة فيها للرجل، أمور تجعلها ترتعب من فكرة الزواج، على رغم من رغبتها الشديدة بأن تصبح أماً.

تسعى سارة للحصول على شهادة جامعية أخرى بعد إتمام دراستها لعلوم الحاسبات، وتجد أن استقلال المرأة مادياً من الأمور الأساسية سواء تزوجت أو لم تتزوج. لكنها تعتقد بأن الفتاة التي تملك وظيفة تؤمن دخلاً مناسباً لها لا تجد نفسها أسيرة لهاجس الزواج بعكس الأخريات.

وهي لا تعير حسبما تقول أهمية للأسئلة التي تطرح عليها باستمرار بشأن حياتها الاجتماعية “لماذا لم تتزوجي لغاية الآن؟ ستندمين ولن تجدي غدا أحداً يرضى بكِ… حين كنت بعمركِ كان لي ثلاثة أطفال، متى سنرى أطفالك؟ أسمع مثل هذه الأشياء دائما في تعد اجتماعي واضح على شؤوني وقد اعتدت على عدم الاكتراث”.

ثنائية الزواج المبكر والمتأخر

تقول سلوى أحمد (38 سنة) وهي موظفة جامعية تحمل ماجستير في علم الاجتماع أن “تلك الأسئلة التي تتبعها تعليقات أو نظرات خاصة، بالنسبة للكثير من غير المتزوجات هي أسوأ ما في الموضوع”.

وتؤكد بأن الكلية التي تعمل فيها تضم الكثير من الفتيات اللواتي تجاوزن سن الثلاثين ولم يتزوجن لأنهن لم يجدن أنفسهن مضطرات للاقتران برجال لا يناسبونهن لمجرد الزواج. وتوضح أن الزواج يغدو أكثر صعوبة بالنسبة إليها كلما تقدمت بالعمر “قرار كهذا يخضع لدراسة أكثر فللنضج دور حاسم عند اتخاذه”.

وترى سلوى ان الأسر العراقية بحكم التقاليد تريد تزويج بناتهن قبل الأولاد، لكن ذلك يصطدم بتزايد متطلبات الحياة التي تدفع الكثير من الشباب الى عدم التفكير بالزواج إلا حين يقتربون من سن الأربعين، وهذا يعني بالنتيجة تزايد معدلات العزوف عن الزواج.

وتركز سلوى حديثها على ما تصفه بثنائية باتت تحكم المجتمع العراقي وتتمثل بالزواج المبكر والزواج المتأخر أو  “العنوسة” بحسب المصطلح الشعبي الذي يستخدم لاهانة السيدة غير المتزوجة، مبينة أن الحكومة غائبة ولا تملك برنامجاً للتوعية بمخاطر الزواج المبكر.

وتنبه الى أن عدم الزواج بالنسبة إلى البنت حتى لو كانت متعلمة ومستقلة مادياً أمر صعب في بيئة لا تستطيع فيها العيش بمفردها وتظل محكومة بالعيش مع أشقائها لتعاني من ذكورية المجتمع.

الدين والقبيلة

قرار الزواج من عدمه، ترف لا تمتلكه الغالبية العظمى من الفتيات في عموم أنحاء العراق بسبب الطبيعة القبلية والدينية التي يتصف بها المجتمع بنحو عام، فهن محكومات بأطواقٍ تبدأ بالعائلة ثم تتسع لتشمل الأقرباء فالعشيرة فالمنطقة والمدينة.

سارة النقّاش، دخلت في صراع عنيف مع عائلتها بعد اتمامها دراسة القانون، لعدم قناعتها بالزواج في بيئة “يسودها التمييز المناطقي والطائفي وتحكمها قوانين العشيرة” وفقاّ لما تعتقد. 

تقول “كانت أمي رغم ضعفها، السند الوحيد لي، أما ذكور العائلة، من أشقاء وأعمام، فقد كانوا يحاولون بشتى الطرق التخلص مني مع كل شخص يتقدم لخطبتي”.

تفكر قليلاً ثم تتابع بانفعال “يريدون من المرأة طاعة عمياء وخضوعاً تاماً وهذا ما يرفضه عقلي. لستُ مجبرة على أن أتقولب وفقاً لقناعاتهم، فمن حقي أن يكون لي كياني، والتصرف وفقاً لإرادتي أنا وليس رغبات من هم حولي”.

تتوقف سارة عن الكلام، تمرر يدها على جبهتها قبل أن تكمل “لكن رفضك لما يحاولون فرضه عليك يدفعهم لمحاصرتك بالكلام والشكوك: هل تنتظرين أحداً؟ هل ميولكِ الجنسية طبيعية؟ هل اخطأتِ مع أحدهم؟ هل أغرتكِ مواقع التواصل الاجتماعي؟ وغيرها من الأسئلة الملغمة بالاتهامات”. 

تعلو الابتسامة وجهها وهي تفكّر، “ماذا لو أنني أتممت الثلاثين عاماً دون زواج؟ ما المعيب في ذلك؟ أليس من حقي التريث لحين مقابلة شخص يناسبني بدل التفكير بإرضاء عائلتي؟”.

تعمل سارة متدربة في مكتب خاص للمحاماة في الأنبار وتحرص على المضي في حلمها بأن تصبح محامية ناجحة، لكونها تعول على الاستقلال المادي لتحديد مصيرها رغم ضغوط العائلة والمجتمع.

وهذا ما يراه الباحث في علم الاجتماع هاني سلام خضر، مفتاحاً لتخلص المرأة من التبعية الكاملة للرجل أو في الأقل عدم البقاء رهينة لقراراته. ويقول “عمل المرأة يعني اعالتها لنفسها، وبالتالي اتخاذها القرارات الحاسمة في حياتها”.

لكنه لا يتفق مع الرأي القائل بأن أغلب النساء غير المتزوجات هن نساء عاملات، ويشير إلى جملة من الأسباب تقف وراء ارتفاع نسب المتأخرات والممتنعات عن الزواج، منها “تغير مزاج المجتمع، فقديماً كان الشائع أن تختار العائلة العراقية زوجة ابنها ولم تكن أمام الأخير خيارات كثيرة في العادة. لكن ذلك تغير بعد خروج الفتاة للدراسة والعمل وامتلاك الشاب مساحة كبيرة للاختيار”.

ويعدد أسباباً أخرى، مثل رد الفعل إزاء ارتفاع نسب الطلاق المرتفعة وغير المسبوقة في العراق خلال السنوات الأخيرة وخشية الكثير من الفتيات من ذلك المصير “غير متزوجة، أو حتى “عانس” أفضل من “مطلقة”، فالمجتمع يتعامل بصرامة شديدة مع المرأة المطلقة”.

المحامية المتخصصة في دعاوى الأحوال الشخصية ضحى محمود، تشير من خلال اطلاعها اليومي على الحالات المعروضة أمام المحاكم، الى تأثير تزايد حالات “الخيانة الزوجية” والعنف الأسري وارتفاع حالات الطلاق والتي تتركز في الفئة الأصغر عمراً، على الكثير من النساء للبقاء ضمن دائرة العزوبية.

كما أن التدهور الاقتصادي الذي أجبر الشباب على السكن مع ذويهم بعد الزواج، زاد من احتمال فشل العلاقة الزوجية لذا نجد أن كثيراً من النساء “يرفضن الزواج برجل لا يستطيع تأمين سكن مستقل عن ذويه”.

القانون غير منصف وأحكام عشائرية

الناشطة في مجال حقوق المرأة نورس حسين، تجد أن عزوف قسم من النساء عن الزواج يرجع الى القوانين التي تحكم منظومة الزواج في العراق التي تؤكد أنها غير منصفة للنساء: “للرجل الحق في إنهاء عقد الزواج دون قيد أو شرط ومتى ما أراد، بينما ترزح المرأة تحت ظلمه وتحيز المجتمع له، في حين يقف القانون موقف المتفرج تجاه وضعها بل ويتعامل معها كإنسان من الدرجة الثانية!”.

نورية (أسم مستعار) من قرية تابعة لقضاء الحضر جنوب مدينة الموصل (405 كلم شمال بغداد) واقعة منذ نحو تسع سنوات تحت ما يسمى بعرف “النهوة” العشائري، بقرار من عمها قضى بمنع أي شخص من التقدم لطلب يدها، نتيجة لرفضها الزواج بابنه. 

“ابن عمي عديم الشخصية، ولحسن الحظ والدي يعرف ذلك، ولم يجبرني على الزواج منه”، تقول نورية بامتنان، وتواصل “هناك المئات مثلي في القرى والأرياف مجبرات على الامتناع عن الزواج كنوع من العقاب، على رغم من أن النهوة مخالفة للقانون والشرع”.

أنجز التقرير بدعم من مؤسسة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية.

26.09.2022
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية