fbpx

رصاص وعصافير

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تعوّدت على الطيران المتربص، على الرصاص الدائم في الهواء وما يتركه من نقوش على بنايات بيروت كما على جسد والدي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد أكثر من سنتين من عملي في قسم التصميم في “درج”، بدأت عناوين المقالات والأخبار، من سجن و إغتصاب وإرهاب وانتهاك و سرقة، تتشابه إلى حد بات في الإمكان التنبؤ بها.

للأسف، تمثل وتيرة العناوين هذه برهاناً على انعدام المحاسبة وبطء التقدم في مجال الحقوق السياسية والفردية والاجتماعية في العالم العربي. 

يومياً، نتلقى العديد من الأخبار  حول قضايا فساد ترهق البعض وتحّفز آخرين على الاستمرار. يأسف زميلي على كل ضحية جديدة و أرى ملامح وجهه تتغير أمام شاشة الحاسوب؛ أسأله لماذا كل هذا الانفعال ويقول لي:”شو لكن! لازم العاطفة تكون بقلب مهنتنا أو شو إلها طعمه؟!”. 

على عكسه، أفكّك الأخبار التي أتلقاها وأعالجها من دون أن تتغير ملامحي، لكن ليس بسبب خلوّي من العاطفة.

أذكر مرّة أنّي، في طريقي إلى “المول”، رأيت تجمّعاً من الرجال على الطريق يحيطون بشاب، كان منبطحاً على الارض، هامداً، وسط بركة من الدماء. كان قد تلقّى رصاصة في ظهره. لم أعرف من و كيف و لماذا، لم أسأل حتى، أكملت طريقي وحسب. لم يكن مشهداً خارجاً عن المألوف أصلاً، لطالما كانت الأسلحة منتشرة في الحي الذي ترعرعت فيه، يزين بها الرجال خاصراتهم، رمزاً لذكوريتهم الهشّة. أسلحة جاهزة لأي مناسبة، لأي إشكال فردي، عائلي أو عشائري. حتى أنني أذكر كيف دفعني جدي عندما كنت أشاهد التلفاز وأنا صغيرة، ليتناول البارودة من أسفل الأريكة، عقب اشكال في الحي. هكذا، رغماً عني، تعرفت على أنواع عدة من الأسلحة: السلاح الفردي الصغير، ذي الطلقة الواحدة بحجم القلم، البواريد و تلك التي تشبه البواريد… تعوّدت على الطيران المتربص، على الرصاص الدائم في الهواء وما يتركه من نقوش على بنايات بيروت كما على جسد والدي.

في الواقع، هذه المشاهد موجودة في ذاكرة كل من عايش الحرب الأهلية، و مثل الكثيرين من جيله، اصبح والدي يعاني من إضطرابات نتيجة جرعات القلق العالية. بشكل خاص، تطور لديه اضطراب الوسواس القهري (OCD)، ما يعني أن نيران الحرب لا تزال تحاصره: يتابع الأخبار بتمعن، نومه خفيف، يستيقظ في الليل باستمرار و يكرر سلوكيات معينة لأنها تؤمن له نوعاً من الاستقرار. 

يُبقي اضطراب الوسواس القهري صاحبه في حالة تأهب قصوى من خلال تفعيل الأجزاء الأمامية من الدماغ المعنية بتحذير  الجسد من خطر مترقب. يصبح الفرد في حالة “survival” دائمة ويفرط في تخيل أسوأ السيناريوهات المتوقعة. مثلاً، يعيد والدي أي سؤال يطرحه مرات عدة ويصيغه بأشكال مختلفة ليحصل على كل زوايا المعلومة، هكذا يستجيب للريبة المشتعلة داخله، على أمل اخمادها. إلا أن معالجة هذا الاضطراب تكون بالتصدي لهذه السلوكيات القاهرة و تقبل المجهول كجزء أساسي من الحياة و التيقن أنه ضروري لنمونا العاطفي.

تاريخ الحرب الذي لا تزال المناهج المدرسية تتعذر عن تعليمه، يقصه علينا أهالينا بعدساتهم الخاصة وهكذا تتسرب اضطراباتهم إلينا. كان والدي يقص عليّ سيناريو الحرب بشكل يومي عندما كان يقلني من المدرسة “وقعت القذيفه هون”، “هربت لهون”، “مات صاحبي هون”، مما صعّب علي مهمة سلخ لبناني عن لبنانه. ولفترة طويلة بقيت عاجزة عن القيادة لأني أتخيل أن قذيفة ستنفجر أمامي وأن المارة سيتهاوون جثثاً هامدة على الطريق. أميز هذه الريبة المفرطة عند العديد من اصدقائي كذلك: “ديانا لي تأخرتي؟ شو كنتي عم تعملي؟ كيف يعني عبيتي بنزين؟ ليه ما عبيتي قبل؟ ما بتشوفي قدي معك بنزين؟ مبارح ما أنتبهتي؟ ليه إنتبهتي الصبح؟ شو كنتي عم تعملي عشية؟”…وهكذا، رغماً عننا، تأقلم جيلنا على ال”survival” كذلك.

يحب والدي أن يغني، وهنالك أغنية خاصة يحبها لزياد الرحباني تدعى “أفلاطون”:

“وصلت دورية عصفورين،

غطّت على نفس البلكون،

مشغول فكرها على عصفور،

طار و غط، و طول هون،

و رجعو موكب، تلات عصافير،

رجعو على نفس الكراكون

نيالن، والله نيالن،

برمو الدنيا فتلو الكون”

كلما يشغلها في السيارة، يطلب منا الهدوء و يرفع صوت المذياع. فاطمئن لأن دورية العصافير هذه تكون قد نجحت باقتحام الحرب داخله وداخلي، صدت الرصاص برقة، ولثلاث دقائق تقريباً، مكنتنا من أن “نبرم” الدنيا معها بسلام…

إقرأوا أيضاً:

20.07.2022
زمن القراءة: 3 minutes

تعوّدت على الطيران المتربص، على الرصاص الدائم في الهواء وما يتركه من نقوش على بنايات بيروت كما على جسد والدي.

بعد أكثر من سنتين من عملي في قسم التصميم في “درج”، بدأت عناوين المقالات والأخبار، من سجن و إغتصاب وإرهاب وانتهاك و سرقة، تتشابه إلى حد بات في الإمكان التنبؤ بها.

للأسف، تمثل وتيرة العناوين هذه برهاناً على انعدام المحاسبة وبطء التقدم في مجال الحقوق السياسية والفردية والاجتماعية في العالم العربي. 

يومياً، نتلقى العديد من الأخبار  حول قضايا فساد ترهق البعض وتحّفز آخرين على الاستمرار. يأسف زميلي على كل ضحية جديدة و أرى ملامح وجهه تتغير أمام شاشة الحاسوب؛ أسأله لماذا كل هذا الانفعال ويقول لي:”شو لكن! لازم العاطفة تكون بقلب مهنتنا أو شو إلها طعمه؟!”. 

على عكسه، أفكّك الأخبار التي أتلقاها وأعالجها من دون أن تتغير ملامحي، لكن ليس بسبب خلوّي من العاطفة.

أذكر مرّة أنّي، في طريقي إلى “المول”، رأيت تجمّعاً من الرجال على الطريق يحيطون بشاب، كان منبطحاً على الارض، هامداً، وسط بركة من الدماء. كان قد تلقّى رصاصة في ظهره. لم أعرف من و كيف و لماذا، لم أسأل حتى، أكملت طريقي وحسب. لم يكن مشهداً خارجاً عن المألوف أصلاً، لطالما كانت الأسلحة منتشرة في الحي الذي ترعرعت فيه، يزين بها الرجال خاصراتهم، رمزاً لذكوريتهم الهشّة. أسلحة جاهزة لأي مناسبة، لأي إشكال فردي، عائلي أو عشائري. حتى أنني أذكر كيف دفعني جدي عندما كنت أشاهد التلفاز وأنا صغيرة، ليتناول البارودة من أسفل الأريكة، عقب اشكال في الحي. هكذا، رغماً عني، تعرفت على أنواع عدة من الأسلحة: السلاح الفردي الصغير، ذي الطلقة الواحدة بحجم القلم، البواريد و تلك التي تشبه البواريد… تعوّدت على الطيران المتربص، على الرصاص الدائم في الهواء وما يتركه من نقوش على بنايات بيروت كما على جسد والدي.

في الواقع، هذه المشاهد موجودة في ذاكرة كل من عايش الحرب الأهلية، و مثل الكثيرين من جيله، اصبح والدي يعاني من إضطرابات نتيجة جرعات القلق العالية. بشكل خاص، تطور لديه اضطراب الوسواس القهري (OCD)، ما يعني أن نيران الحرب لا تزال تحاصره: يتابع الأخبار بتمعن، نومه خفيف، يستيقظ في الليل باستمرار و يكرر سلوكيات معينة لأنها تؤمن له نوعاً من الاستقرار. 

يُبقي اضطراب الوسواس القهري صاحبه في حالة تأهب قصوى من خلال تفعيل الأجزاء الأمامية من الدماغ المعنية بتحذير  الجسد من خطر مترقب. يصبح الفرد في حالة “survival” دائمة ويفرط في تخيل أسوأ السيناريوهات المتوقعة. مثلاً، يعيد والدي أي سؤال يطرحه مرات عدة ويصيغه بأشكال مختلفة ليحصل على كل زوايا المعلومة، هكذا يستجيب للريبة المشتعلة داخله، على أمل اخمادها. إلا أن معالجة هذا الاضطراب تكون بالتصدي لهذه السلوكيات القاهرة و تقبل المجهول كجزء أساسي من الحياة و التيقن أنه ضروري لنمونا العاطفي.

تاريخ الحرب الذي لا تزال المناهج المدرسية تتعذر عن تعليمه، يقصه علينا أهالينا بعدساتهم الخاصة وهكذا تتسرب اضطراباتهم إلينا. كان والدي يقص عليّ سيناريو الحرب بشكل يومي عندما كان يقلني من المدرسة “وقعت القذيفه هون”، “هربت لهون”، “مات صاحبي هون”، مما صعّب علي مهمة سلخ لبناني عن لبنانه. ولفترة طويلة بقيت عاجزة عن القيادة لأني أتخيل أن قذيفة ستنفجر أمامي وأن المارة سيتهاوون جثثاً هامدة على الطريق. أميز هذه الريبة المفرطة عند العديد من اصدقائي كذلك: “ديانا لي تأخرتي؟ شو كنتي عم تعملي؟ كيف يعني عبيتي بنزين؟ ليه ما عبيتي قبل؟ ما بتشوفي قدي معك بنزين؟ مبارح ما أنتبهتي؟ ليه إنتبهتي الصبح؟ شو كنتي عم تعملي عشية؟”…وهكذا، رغماً عننا، تأقلم جيلنا على ال”survival” كذلك.

يحب والدي أن يغني، وهنالك أغنية خاصة يحبها لزياد الرحباني تدعى “أفلاطون”:

“وصلت دورية عصفورين،

غطّت على نفس البلكون،

مشغول فكرها على عصفور،

طار و غط، و طول هون،

و رجعو موكب، تلات عصافير،

رجعو على نفس الكراكون

نيالن، والله نيالن،

برمو الدنيا فتلو الكون”

كلما يشغلها في السيارة، يطلب منا الهدوء و يرفع صوت المذياع. فاطمئن لأن دورية العصافير هذه تكون قد نجحت باقتحام الحرب داخله وداخلي، صدت الرصاص برقة، ولثلاث دقائق تقريباً، مكنتنا من أن “نبرم” الدنيا معها بسلام…

إقرأوا أيضاً:

20.07.2022
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية