fbpx

رمزية الـ”كرباج”  في واقعة الاعتداء على ممرضات مستشفى قويسنا في مصر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حوادث الاعتداء على الأطباء وأطقم التمريض، صارت أشبه بالظاهرة في مصر، حيث تشهد المستشفيات، منذ العام 2012 ، على الأقل، عشرات الحوادث كل عام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“الضابط داس على وشي بالجزمة، وأمه قالت هنوديكم ورا الشمس”.

هذا ما تقوله الممرضة في مستشفى قويسنا المركزي في مصر، في شهادتها المصورة على واقعة الاعتداء على طاقم التمريض في المستشفى، الخميس الماضي، من قبل طيار بالقوات المسلحة يدعى مصطفى أشرف حسن وعائلته؛ مما أسفر عن إجهاض ممرضة وإصابة ثمان أخريات.

حوادث الاعتداء على الأطباء وأطقم التمريض، صارت أشبه بالظاهرة في مصر، حيث تشهد المستشفيات، منذ العام 2012 ، على الأقل، عشرات الحوادث كل عام، ما يدفع بنقابة الأطباء كل مرة إلى المطالبة بتغليظ العقوبة، من دون أن يصدر قانون نهائي أو تنتهي الظاهرة، في ظل غياب أية سياسات أو إجراءات للحماية داخل المنشآت الطبية.

اللافت هذه المرة، هو استخدام والدة الطيار للكرباج بالإضافة إلى العصى والركل والسحل والدهس بالأحذية، وتهديدها المباشر باستخدام سلطة ابنها كضابط، ما يشحن تلك الواقعة برمزية “العبيد والسادة” الجدد، حيث عرف استخدام الكرباج في عقاب الفلاحين في عصور الإقطاع بمصر، وربما هو ما دفع بواقعة الاعتداء في الأذهان إلى أبعاد جديدة منذرة، غضب يتجاوز حدود استياء الأطباء، إلى الجميع، عدا عن من يعتبرون أنفسهم “سادة” بالطبع.

تقول الممرضة نورهان منصور إن قوات الشرطة رفضت مرتين في بداية الواقعة ونهايتها اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد المعتدين؛ بسبب انتماء الضابط للقوات المسلحة، ووفق الممرضة فإن سبب رفض الشرطة كان واضحا “ده طيار وما نقدرش نعمله حاجة”.

وانتشر فيديو مصور لمدير المستشفى، وهو يحاول منع الممرضات من تقديم بلاغات بالواقعة للسبب نفسه، واستخدام تهديد مبطن للممرضات كي يتراجعن عن تقديم البلاغ، قبل أن تتراجع الإدارة عن الأمر بعد انتشار الفيديو، وتقوم بتقديم بلاغ باسم المستشفى ضد المعتدين، وتسمح لهم بإقامة تسعة بلاغات فردية.

اللغط الذي أثارته الواقعة، دفع القوات المسلحة المصرية إلى أن تصدر بياناً على لسان المتحدث العسكري العقيد غريب عبد الحافظ قال فيه، إن “القوات المسلحة تتابع عن كثب واقعة مستشفى قويسنا المركزي، وأن المؤسسة العسكرية تحترم مبدأ سيادة القانون، وتهيب بالجميع تحري الدقة والانتظار لحين الانتهاء التحقيقات”.

هدّأ ذلك البيان من حدة الغضب قليلا، لكن إلى الآن لم يعرف مصير الضابط أو أقاربه، وإذا كان قد جرى التحقيق معهم أم لا.

في مصر، أغلب الممرضات من النساء، يتعرضن للعنف ضمن دائرة أكبر تضم العنف ضد النساء العاملات في مصر، وضد النساء بشكل عام، وغالبا ما يجبرن على قبول الاعتذار والتصالح والتنازل عن البلاغات وهو ما حاولت أن تفعله أسرة الطيار.

دائرة العنف

في مصر، أغلب الممرضات من النساء، يتعرضن للعنف ضمن دائرة أكبر تضم العنف ضد النساء العاملات في مصر، وضد النساء بشكل عام، وغالبا ما يجبرن على قبول الاعتذار والتصالح والتنازل عن البلاغات وهو ما حاولت أن تفعله أسرة الطيار.

تقول إحدى الممرضات المعتدى عليهن، وتدعى مها بشر في شهادتها : “الواقعة بدأت بعد وصول عدد من السيدات بصحبة مريضة مصابة بنزيف بسيط إلى طوارئ المستشفى خلال انشغال أطباء قسم النساء كافة بعمليات أخرى ليوجههم التمريض لإجراء سونار وبعض التحاليل لحين استدعاء الطبيب، وأنها فوجئت برفض الأشخاص المصاحبين للمريضة انتظار إجراء السونار أو التحاليل، وبدأوا بسباب جميع العاملين في المستشفى وتهديدهم ثم ضربهم، ليأتي بعدها دور نجل إحدى السيدات التي عرّفت من خلال تهديداته عنه كضابط، أنه وصل بعد عائلته بنصف ساعة تقريباً، وشارك معهم في الاعتداء على جميع من في المستشفى من طاقم تمريض وأمن وموظفين وهو ما رصدته كاميرات المراقبة بوضوح وتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر بوضوح أن الضابط هددهم باستخدام نفوذه”.

يملك محامي الطيار المتهم، حجة مضادة، في مداخلته مع الإعلامي سيد علي في قناة “الحدث اليوم”: “إهمال المستشفى لحالة زوجة الطيار التي ظلت تنزف لثلاث ساعات على كرسي، دون أن يقدم لها أي شخص إسعافات أولية، أو يحاول إيقاف النزيف، بشكل عرض حياة الزوجة وجنينها للخطر”.

يبدو العنف هنا، كبديل عن القانون، أذ لا أحد يثق بالقانون لا المرضى في حالة تعرضهم للإهمال ولا الممرضات اللذين هددن من قبل مديرهن شخصياً والشرطة، أن القانون لن يفيدهم بسبب نفوذ الضابط، وربما لولا حالة الغضب وانتشار الفيديو المصور لما قررت القوات المسلحة والشرطة ووسائل الإعلام أن تثبت عبر البيانات والوقوف السريع في صف الممرضات ضد المتهم ومحاميه، لإثبات أنها دولة قانون.

عدالة ردع الضحايا

لكن دولة “القانون” نفسها، قد تكون أسست على عنف لا يعترف بالقانون، كمجزرة رابعة، التي لم يتم التحقيق فيها إلى الآن، وإن كانت مبررات الدولة أنها تحارب الإرهاب، فقد وصلت الرسالة المبطنة لتلك المجزرة إلى باقي التيارات، لا خطوط حمراء للعنف، لا قانون. هناك عدد من الحوادث الشهيرة التي لم يحاسب المسؤولون عنها إلى الآن، لعل أبرزها مقتل جوليو ريجيني والباحث أيمن هدهود، اللذين قتلا وعذبا، ولم يحصلا على محاكمات وفق القانون.

هذا العنف الممنهج يمارس في سياسات الاعتقال والتعذيب وتدوير القضايا بدون محاكمات وتخطي مدد الحبس الاحتياطي وقضايا صدر فيها الإعدام بالجملة.

الطرف الأقوى ليس من يعترف بالقانون، بل من يملك القدرة على الحصول على مراده بالقوة.

إذا كان الطيار قد شعر للحظة بأنه يمثل السادة الجدد، وشعرت والدته أن العقاب المناسب للعبيد هو الكرباج، فستتكرر الأفعال نفسها بين دوائر المواطنين، لكن تجاه بعضهما البعض، في ظل غياب تطبيق القانون وإفلات الجناة الكبار من العقاب، سيكون العنف هو القانون الوحيد الذي نؤمن به.

وهو ما تشهده مصر في عدة جرائم هزت المجتمع المصري مؤخرا، من بينها حوادث ذبح للنساء في الشوارع عقابا على رفضهن الزواج من قاتليهم، ولعل أبرزهم هو حادث قتل الطالبة نيرة أشرف أمام الحرم الجامعي.

في فيديو مدير المستشفى المسرب، والذي يهدد فيه طاقم التمريض في حالة تقديمهم ببلاغ بلغة عصبية بعض الشيء، تظهر وكيل وزارة الصحة في المنوفية دكتور رشا خضر لتعيد معنى كلامه، لكن بنبرة أكثر هدوءاً: “لو ان المعتدين اتحبسوا، إنتوا كمان هتتحبسوا لحد التحقيق ما ينتهي، محضر قدام محضر”.

تلتفت صفحة الموقف المصري إلى المفارقة، وتوسع من حدودها، لتذكرنا بموقف مماثل حدث في كانون أول/ ديسمبر 2015، اعتدى عدد من أمناء الشرطة بقسم المطرية على طبيبين بمستشفى المطرية التعليمي، واقعة مصورة وموثقة، مثل واقعة مستشفى قويسنا، وعندما حاول الطبيبان، تحرير محضر، قيل لهم بالضبط ما قالته وكيل وزارة الصحة في المنوفية “محضر قصاد محضر”.

في مقابل انتظار جهات التحقيق لشكوى المعتدي، رغم توثيق الواقعة بالصورة من أجل التحرك، لا يبدو ان هذا الأمر يعكس “همّة” النيابة العامة في قضايا فتيات التيك توك، التي تحركت من دون شكوى من أحد، وأصدرت وقتها بيانات أقرب لبيانات الحسبة على المجتمع.

الرسالة التي تبثها منظومة العدالة وفق ذلك المنطق، أنها موجهة بالأساس لردع الضحايا.

يلعب الإعلام في مثل تلك القضايا دوراً مهينا للضحايا، إذ يتعمد التشكيك في كونهم ضحايا من الأساس عبر التشكيك في تفاصيل القصة نفسها، وهو ما فعلته القصص الإعلامية المبكرة للمواقع التابعة للدولة كصدى البلد، قبل أن تتغير البوصلة بعد بيان المتحدث العسكري.

“إعلام الخوف والتخوين”

“لم تجرؤ وسيلة إعلام رسمية مصرية أن تذكر أن الشخص الذي اعتدى على الممرضات في مستشفى قويسنا بكرباج، هو ضابط طيار اسمه مصطفى أشرف حسن”، كتب الناشر الصحفي هشام قاسم عبر حسابه على فيسبوك، يتابع قاسم: “كما شاهدنا مدير المستشفى يحذر الممرضات المعتدى عليهن من اتخاذ إجراءات قانونية ضده، وتحمل نتيجة فعل ذلك، فهل عدم نشر اسم الضابط، ثم التحذير من اللجوء إلى القانون صدفة، أم حالة تجبّر تفشت بين بعض ضباط الجيش، وغيرهم من أصحاب النفوذ والحظوة لدى النظام الحاكم؟ إنها ممارسات تذكرنا بما كان يحدث قبل هزيمة 1967 العسكرية، والتي تبعها اختفاء الزي العسكري خارج معسكرات الجيش، اتقاءً للغضب الشعبي، والآن عاد ذات التجبّر منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى كرسي الحكم. هذه أسئلة وأطروحات لم تعد تتردد فقط في أروقة المعنيين بالشأن العام، ولكن على المستوى الشعبي، فهل هي نتاج سوء تقدير تسببت فيه سياسات القمع التي عشناها في السنوات الماضية، أم أن هذا الإذلال، وهذه المهانة من سياسة النظام للسيطرة على الدولة؟ الأحداث تتسارع والإجابات لن تتأخر، وحتى ذلك الحين كسر أي إيد تمتد على مواطن مصري تحصنا بموقع صاحبها الوظيفي”.

يعاني القطاع الصحي من ظاهرة هجرة الأطباء، وقالت نقابة الأطباء إنها رصدت استقالة 11500 طبيب في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

في ذروة جائحة كورونا عام 2020، واجه الأطباء وأطقم التمريض بإمكانياتهم المحدودة صعاباً عديدة، وحتى أيار/ مايو 2021، بلغ عدد الوفيات بين الأطباء؛ بسبب الجائحة 500 طبيب بحسب بيانات نقابة الأطباء، ما دفعهم لانتقاد الحكومة.

جزء من ذلك الانتقاد كان بسبب اهتمام الحكومة بالرقابة على التغطية الإعلامية للجائحة وأعداد المرضى أكثر من إجراءات مواجهة الفيروس، أو توفير الوسائل المطلوبة لمساعدتهم في عملهم، واشتكوا من غياب “أبسط المستلزمات الطبية الوقائية”، من أقنعة وكمامات وقفازات. وتساءلوا غاضبين عن سبب إرسال مصر مساعدات طبية لبعض دول العالم في وقت تعاني فيه المستشفيات الحكومية المصرية من نقص المعدات.

رداً على ذلك الانتقاد، حمّل رئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى مدبولي الأطباء مسؤولية ارتفاع عدد الوفيات جراء الفيروس، واعتقل تسعة أطباء على الأقل آنذاك. أما الإعلام المصري الذي لم يجرؤ على ذكر اسم العسكري الطيار، فقد شن على الأطباء حملات تتهمهم بخيانة الوطن، كان ذلك أسهل من علاج الأزمة من جذورها ومواجهتها بصدق.

06.12.2022
زمن القراءة: 7 minutes

حوادث الاعتداء على الأطباء وأطقم التمريض، صارت أشبه بالظاهرة في مصر، حيث تشهد المستشفيات، منذ العام 2012 ، على الأقل، عشرات الحوادث كل عام.

“الضابط داس على وشي بالجزمة، وأمه قالت هنوديكم ورا الشمس”.

هذا ما تقوله الممرضة في مستشفى قويسنا المركزي في مصر، في شهادتها المصورة على واقعة الاعتداء على طاقم التمريض في المستشفى، الخميس الماضي، من قبل طيار بالقوات المسلحة يدعى مصطفى أشرف حسن وعائلته؛ مما أسفر عن إجهاض ممرضة وإصابة ثمان أخريات.

حوادث الاعتداء على الأطباء وأطقم التمريض، صارت أشبه بالظاهرة في مصر، حيث تشهد المستشفيات، منذ العام 2012 ، على الأقل، عشرات الحوادث كل عام، ما يدفع بنقابة الأطباء كل مرة إلى المطالبة بتغليظ العقوبة، من دون أن يصدر قانون نهائي أو تنتهي الظاهرة، في ظل غياب أية سياسات أو إجراءات للحماية داخل المنشآت الطبية.

اللافت هذه المرة، هو استخدام والدة الطيار للكرباج بالإضافة إلى العصى والركل والسحل والدهس بالأحذية، وتهديدها المباشر باستخدام سلطة ابنها كضابط، ما يشحن تلك الواقعة برمزية “العبيد والسادة” الجدد، حيث عرف استخدام الكرباج في عقاب الفلاحين في عصور الإقطاع بمصر، وربما هو ما دفع بواقعة الاعتداء في الأذهان إلى أبعاد جديدة منذرة، غضب يتجاوز حدود استياء الأطباء، إلى الجميع، عدا عن من يعتبرون أنفسهم “سادة” بالطبع.

تقول الممرضة نورهان منصور إن قوات الشرطة رفضت مرتين في بداية الواقعة ونهايتها اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد المعتدين؛ بسبب انتماء الضابط للقوات المسلحة، ووفق الممرضة فإن سبب رفض الشرطة كان واضحا “ده طيار وما نقدرش نعمله حاجة”.

وانتشر فيديو مصور لمدير المستشفى، وهو يحاول منع الممرضات من تقديم بلاغات بالواقعة للسبب نفسه، واستخدام تهديد مبطن للممرضات كي يتراجعن عن تقديم البلاغ، قبل أن تتراجع الإدارة عن الأمر بعد انتشار الفيديو، وتقوم بتقديم بلاغ باسم المستشفى ضد المعتدين، وتسمح لهم بإقامة تسعة بلاغات فردية.

اللغط الذي أثارته الواقعة، دفع القوات المسلحة المصرية إلى أن تصدر بياناً على لسان المتحدث العسكري العقيد غريب عبد الحافظ قال فيه، إن “القوات المسلحة تتابع عن كثب واقعة مستشفى قويسنا المركزي، وأن المؤسسة العسكرية تحترم مبدأ سيادة القانون، وتهيب بالجميع تحري الدقة والانتظار لحين الانتهاء التحقيقات”.

هدّأ ذلك البيان من حدة الغضب قليلا، لكن إلى الآن لم يعرف مصير الضابط أو أقاربه، وإذا كان قد جرى التحقيق معهم أم لا.

في مصر، أغلب الممرضات من النساء، يتعرضن للعنف ضمن دائرة أكبر تضم العنف ضد النساء العاملات في مصر، وضد النساء بشكل عام، وغالبا ما يجبرن على قبول الاعتذار والتصالح والتنازل عن البلاغات وهو ما حاولت أن تفعله أسرة الطيار.

دائرة العنف

في مصر، أغلب الممرضات من النساء، يتعرضن للعنف ضمن دائرة أكبر تضم العنف ضد النساء العاملات في مصر، وضد النساء بشكل عام، وغالبا ما يجبرن على قبول الاعتذار والتصالح والتنازل عن البلاغات وهو ما حاولت أن تفعله أسرة الطيار.

تقول إحدى الممرضات المعتدى عليهن، وتدعى مها بشر في شهادتها : “الواقعة بدأت بعد وصول عدد من السيدات بصحبة مريضة مصابة بنزيف بسيط إلى طوارئ المستشفى خلال انشغال أطباء قسم النساء كافة بعمليات أخرى ليوجههم التمريض لإجراء سونار وبعض التحاليل لحين استدعاء الطبيب، وأنها فوجئت برفض الأشخاص المصاحبين للمريضة انتظار إجراء السونار أو التحاليل، وبدأوا بسباب جميع العاملين في المستشفى وتهديدهم ثم ضربهم، ليأتي بعدها دور نجل إحدى السيدات التي عرّفت من خلال تهديداته عنه كضابط، أنه وصل بعد عائلته بنصف ساعة تقريباً، وشارك معهم في الاعتداء على جميع من في المستشفى من طاقم تمريض وأمن وموظفين وهو ما رصدته كاميرات المراقبة بوضوح وتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر بوضوح أن الضابط هددهم باستخدام نفوذه”.

يملك محامي الطيار المتهم، حجة مضادة، في مداخلته مع الإعلامي سيد علي في قناة “الحدث اليوم”: “إهمال المستشفى لحالة زوجة الطيار التي ظلت تنزف لثلاث ساعات على كرسي، دون أن يقدم لها أي شخص إسعافات أولية، أو يحاول إيقاف النزيف، بشكل عرض حياة الزوجة وجنينها للخطر”.

يبدو العنف هنا، كبديل عن القانون، أذ لا أحد يثق بالقانون لا المرضى في حالة تعرضهم للإهمال ولا الممرضات اللذين هددن من قبل مديرهن شخصياً والشرطة، أن القانون لن يفيدهم بسبب نفوذ الضابط، وربما لولا حالة الغضب وانتشار الفيديو المصور لما قررت القوات المسلحة والشرطة ووسائل الإعلام أن تثبت عبر البيانات والوقوف السريع في صف الممرضات ضد المتهم ومحاميه، لإثبات أنها دولة قانون.

عدالة ردع الضحايا

لكن دولة “القانون” نفسها، قد تكون أسست على عنف لا يعترف بالقانون، كمجزرة رابعة، التي لم يتم التحقيق فيها إلى الآن، وإن كانت مبررات الدولة أنها تحارب الإرهاب، فقد وصلت الرسالة المبطنة لتلك المجزرة إلى باقي التيارات، لا خطوط حمراء للعنف، لا قانون. هناك عدد من الحوادث الشهيرة التي لم يحاسب المسؤولون عنها إلى الآن، لعل أبرزها مقتل جوليو ريجيني والباحث أيمن هدهود، اللذين قتلا وعذبا، ولم يحصلا على محاكمات وفق القانون.

هذا العنف الممنهج يمارس في سياسات الاعتقال والتعذيب وتدوير القضايا بدون محاكمات وتخطي مدد الحبس الاحتياطي وقضايا صدر فيها الإعدام بالجملة.

الطرف الأقوى ليس من يعترف بالقانون، بل من يملك القدرة على الحصول على مراده بالقوة.

إذا كان الطيار قد شعر للحظة بأنه يمثل السادة الجدد، وشعرت والدته أن العقاب المناسب للعبيد هو الكرباج، فستتكرر الأفعال نفسها بين دوائر المواطنين، لكن تجاه بعضهما البعض، في ظل غياب تطبيق القانون وإفلات الجناة الكبار من العقاب، سيكون العنف هو القانون الوحيد الذي نؤمن به.

وهو ما تشهده مصر في عدة جرائم هزت المجتمع المصري مؤخرا، من بينها حوادث ذبح للنساء في الشوارع عقابا على رفضهن الزواج من قاتليهم، ولعل أبرزهم هو حادث قتل الطالبة نيرة أشرف أمام الحرم الجامعي.

في فيديو مدير المستشفى المسرب، والذي يهدد فيه طاقم التمريض في حالة تقديمهم ببلاغ بلغة عصبية بعض الشيء، تظهر وكيل وزارة الصحة في المنوفية دكتور رشا خضر لتعيد معنى كلامه، لكن بنبرة أكثر هدوءاً: “لو ان المعتدين اتحبسوا، إنتوا كمان هتتحبسوا لحد التحقيق ما ينتهي، محضر قدام محضر”.

تلتفت صفحة الموقف المصري إلى المفارقة، وتوسع من حدودها، لتذكرنا بموقف مماثل حدث في كانون أول/ ديسمبر 2015، اعتدى عدد من أمناء الشرطة بقسم المطرية على طبيبين بمستشفى المطرية التعليمي، واقعة مصورة وموثقة، مثل واقعة مستشفى قويسنا، وعندما حاول الطبيبان، تحرير محضر، قيل لهم بالضبط ما قالته وكيل وزارة الصحة في المنوفية “محضر قصاد محضر”.

في مقابل انتظار جهات التحقيق لشكوى المعتدي، رغم توثيق الواقعة بالصورة من أجل التحرك، لا يبدو ان هذا الأمر يعكس “همّة” النيابة العامة في قضايا فتيات التيك توك، التي تحركت من دون شكوى من أحد، وأصدرت وقتها بيانات أقرب لبيانات الحسبة على المجتمع.

الرسالة التي تبثها منظومة العدالة وفق ذلك المنطق، أنها موجهة بالأساس لردع الضحايا.

يلعب الإعلام في مثل تلك القضايا دوراً مهينا للضحايا، إذ يتعمد التشكيك في كونهم ضحايا من الأساس عبر التشكيك في تفاصيل القصة نفسها، وهو ما فعلته القصص الإعلامية المبكرة للمواقع التابعة للدولة كصدى البلد، قبل أن تتغير البوصلة بعد بيان المتحدث العسكري.

“إعلام الخوف والتخوين”

“لم تجرؤ وسيلة إعلام رسمية مصرية أن تذكر أن الشخص الذي اعتدى على الممرضات في مستشفى قويسنا بكرباج، هو ضابط طيار اسمه مصطفى أشرف حسن”، كتب الناشر الصحفي هشام قاسم عبر حسابه على فيسبوك، يتابع قاسم: “كما شاهدنا مدير المستشفى يحذر الممرضات المعتدى عليهن من اتخاذ إجراءات قانونية ضده، وتحمل نتيجة فعل ذلك، فهل عدم نشر اسم الضابط، ثم التحذير من اللجوء إلى القانون صدفة، أم حالة تجبّر تفشت بين بعض ضباط الجيش، وغيرهم من أصحاب النفوذ والحظوة لدى النظام الحاكم؟ إنها ممارسات تذكرنا بما كان يحدث قبل هزيمة 1967 العسكرية، والتي تبعها اختفاء الزي العسكري خارج معسكرات الجيش، اتقاءً للغضب الشعبي، والآن عاد ذات التجبّر منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى كرسي الحكم. هذه أسئلة وأطروحات لم تعد تتردد فقط في أروقة المعنيين بالشأن العام، ولكن على المستوى الشعبي، فهل هي نتاج سوء تقدير تسببت فيه سياسات القمع التي عشناها في السنوات الماضية، أم أن هذا الإذلال، وهذه المهانة من سياسة النظام للسيطرة على الدولة؟ الأحداث تتسارع والإجابات لن تتأخر، وحتى ذلك الحين كسر أي إيد تمتد على مواطن مصري تحصنا بموقع صاحبها الوظيفي”.

يعاني القطاع الصحي من ظاهرة هجرة الأطباء، وقالت نقابة الأطباء إنها رصدت استقالة 11500 طبيب في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

في ذروة جائحة كورونا عام 2020، واجه الأطباء وأطقم التمريض بإمكانياتهم المحدودة صعاباً عديدة، وحتى أيار/ مايو 2021، بلغ عدد الوفيات بين الأطباء؛ بسبب الجائحة 500 طبيب بحسب بيانات نقابة الأطباء، ما دفعهم لانتقاد الحكومة.

جزء من ذلك الانتقاد كان بسبب اهتمام الحكومة بالرقابة على التغطية الإعلامية للجائحة وأعداد المرضى أكثر من إجراءات مواجهة الفيروس، أو توفير الوسائل المطلوبة لمساعدتهم في عملهم، واشتكوا من غياب “أبسط المستلزمات الطبية الوقائية”، من أقنعة وكمامات وقفازات. وتساءلوا غاضبين عن سبب إرسال مصر مساعدات طبية لبعض دول العالم في وقت تعاني فيه المستشفيات الحكومية المصرية من نقص المعدات.

رداً على ذلك الانتقاد، حمّل رئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى مدبولي الأطباء مسؤولية ارتفاع عدد الوفيات جراء الفيروس، واعتقل تسعة أطباء على الأقل آنذاك. أما الإعلام المصري الذي لم يجرؤ على ذكر اسم العسكري الطيار، فقد شن على الأطباء حملات تتهمهم بخيانة الوطن، كان ذلك أسهل من علاج الأزمة من جذورها ومواجهتها بصدق.

06.12.2022
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية