fbpx

علاء عبد الفتاح: الحبّ سيبقيك حياً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا أريد أن أضفي هالة أسطورية على علاء، فهو فرد، مواطن لا يستطيع سرقة مدرعة، أو هدم الدولة، أو التخابر مع كل دول العالم، كما يدعي البعض. هو جسد له طاقة، وأب لابن يحتاجه. أتذكر علاء وأنا أتناول كل وجبة، فلا أستسيغ الطعام، وأشعر بالخجل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كنت في الجامعة عندما بدأت أقرأ عن شيء يسمى المدوّنات، وكان مدخلي إليها هي مدونة “دلو مليء بالمعلومات”. كانت معروفة باسم “جردل منال وعلاء” ولمن لا يعرفها هي من أوائل المدونات في مصر، نتحدث هنا عن عصر ما قبل ثورة يناير.

 حينها، كان المدونون يسجلون تدوينات شخصية، وأخرى عن السياسة، عن التوريث، والتعذيب في أقسام الشرطة. كانت بداية انفتاحي على عالم لا أعرفه، فلم أكن قد رأيت قبلها أشخاصاً يشتبكون مع المجال العام، لم أستطع وقتها إنشاء مدونة على الإنترنت، لأنني كنت أخشى المُراقبة، أن تعرف أمي أو جهة ما ما أكتبه.

 كانت عائلتنا مثل أغلب العائلات المصرية  تخبرنا أنه من الأفضل أن “نمشي جنب الحيط” لأن هذا يحمينا من الشرور، لكن كنت أراقب بصمت ما يكتبه هؤلاء، وكل ما كنت أشعر به تجاههم هو الإعجاب بشجاعتهم.

أكثر ما أتذكره من كتابات علاء الذي يقرأ كل شيء “من ميكي إلى غرامشي” كما يقول أصدقاؤه، ليست كتابات سياسية لكن كتاباته التي يغمرها الحب؛ لزوجته، ولأختيه وعائلته وابنه فيما بعد. أذكر عندما كان الحديث عن التحرش الجنسي خجولاً في 2006، ظهرت مبادرة إلكترونية كانت بعنوان “كلنا ليلى” نسبة إلى شخصية ليلى في “الباب المفتوح” لـ لطيفة الزيات. حينها، بدأت المدوِّنات في التحدث عن تعرضهن للتحرش الجنسي، وعندما كتبت منى تدوينة،  على مدونتها التي تحمل اسم “ماعت” إلهة العدل، كتب علاء تعليقاً  يدعمها لتحدثها عن هذا الأمر المحظور نقاشه صراحة، فأجابت تثني هي الأخرى على دعمه كأخ لها في هذا الموضوع شديد الحساسية. 

حينها، لم أكن رأيت مثل هذا النموذج في حياتي الضيقة من قبل، فقد تربيت على أن الرجال يمنعوننا من البوح، أو أنهم أشخاص بلا مشاعر، لكني رأيت شخصاً له أفكار مختلفة، وطازجة، “وصوته من دماغه”. كان شخصاً “مزعجاً” للسلطة، والمجتمع الأبوي، نصير الصوت الواحد، لا لشيء إلا لأنه يتحدث عن حرية التعبير أو التعذيب في الأقسام.

 كان مزعجاً أيضاً للعامة، مزعجاً لأنه لا يتحدث لغتهم، مزعجاً لأن أفكاره تقدمية، أفكاره التي لم يشتبك معها أحد بقدر ما اشتبكوا معه وهاجموه لأن شعره طويل. اشتبكوا معه لجرائم واهية، خالية من المعنى مثل الترويج لفكرة  أنه “لا يحب مصر”. كان يردّ عليهم بأن مصر ليست الأنظمة: “بكرة هنخترع حلول من غير ما نحبس بعض” يقول علاء لكن البعض لا يرى حلاً غير الحبس. 

بعد ثورة يناير، عندما تحرك الماء الراكد قليلاً، كنا نخبر أمهاتنا عندما ترفضن نزولنا للثورة بأن ليلى سويف تصطحب أبناءها إلى الميدان. أحببنا العائلة التي ثارت مجتمعة، وأحببنا ليلى التي أصبحت تقضي النهار أمام السجن لتحصل على خطاب من علاء، هي التي تشبه أمهات ساحة مايو في الأرجنتين حيث كانت أمهات المفقودين يتظاهرن في ساحة مايو كل يوم أربعاء، وساهم نضالهن السلمي في التحول الديموقراطي في الأرجنتين، كل هذه الشجاعة كانت بدافع الحب.

أحببت حب الأخوة الثلاثة منى وعلاء وسناء لبعضهم. بعد الثورة كنت أراقب علاء وهو يعيد تغريدات أختيه كل يوم ليلاً، يمزح مع منى وهي تتحدث عن قصص حب، ويقول عن سناء “آخر العنقود خط أحمر”، كنت أظن أن هذه الأشياء ممنوعة في العالم، أن يطعم ابنه الرضيع بالبرونة في مؤتمر أو ندوة، أن يتحدث عن حبه لخالد، وحبه لعائلته، التي صنعها الحب مثلما تقول منى. 

لا أريد أن أضفي هالة أسطورية على علاء، فهو فرد، مواطن لا يستطيع سرقة مدرعة ، أو هدم الدولة، أو التخابر مع كل دول العالم، كما يدعي البعض. هو جسد له طاقة، وأب لابن يحتاجه. أتذكر علاء وأنا أتناول كل وجبة، فلا أستسيغ الطعام، وأشعر بالخجل، ولا يقدر جسدي النحيل على الإضراب عن الطعام، لكنه لا يغيب عن فكري هو وعائلته لحظة واحدة. 

 في هذه اللحظة أثناء كتابتي لهذا المقال، تتخبط عائلته بحثاً عن معلومة تطمئنها عنه بعد دخوله اضراباً شاملاً عن الطعام والشراب احتجاجاً على اعتقاله المستمر منذ سنوات بتهم واهية. 

في الحقيقة لا أثق بالحكومات، لكني أؤمن بقوة الحب الذي يُرسل لعلاء وعائلته وكل الصلوات من كل أنحاء العالم، يمكن أن يحب الناس شخصاً بما يكفي لينقذوا حياته، وأؤمن أن الحب سيبقيه حياً كجسد وليس فقط كفكرة.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 12.07.2024

أسرار رياض سلامة في متناول القضاء الفرنسي!

تبقى خطوة دخول مصرف لبنان كفريق في الدعوى أساسية في مسار التحقيقات والعدالة، بحيث صار بإمكان المحكمة الطلب من مصرف لبنان كشف كل الوثائق والمستندات التي لم يكشف عنها سابقاً، وتحديداً تلك المتعلقة برياض سلامة ومن يدور في فلكه. 
12.11.2022
زمن القراءة: 3 minutes

لا أريد أن أضفي هالة أسطورية على علاء، فهو فرد، مواطن لا يستطيع سرقة مدرعة، أو هدم الدولة، أو التخابر مع كل دول العالم، كما يدعي البعض. هو جسد له طاقة، وأب لابن يحتاجه. أتذكر علاء وأنا أتناول كل وجبة، فلا أستسيغ الطعام، وأشعر بالخجل.

كنت في الجامعة عندما بدأت أقرأ عن شيء يسمى المدوّنات، وكان مدخلي إليها هي مدونة “دلو مليء بالمعلومات”. كانت معروفة باسم “جردل منال وعلاء” ولمن لا يعرفها هي من أوائل المدونات في مصر، نتحدث هنا عن عصر ما قبل ثورة يناير.

 حينها، كان المدونون يسجلون تدوينات شخصية، وأخرى عن السياسة، عن التوريث، والتعذيب في أقسام الشرطة. كانت بداية انفتاحي على عالم لا أعرفه، فلم أكن قد رأيت قبلها أشخاصاً يشتبكون مع المجال العام، لم أستطع وقتها إنشاء مدونة على الإنترنت، لأنني كنت أخشى المُراقبة، أن تعرف أمي أو جهة ما ما أكتبه.

 كانت عائلتنا مثل أغلب العائلات المصرية  تخبرنا أنه من الأفضل أن “نمشي جنب الحيط” لأن هذا يحمينا من الشرور، لكن كنت أراقب بصمت ما يكتبه هؤلاء، وكل ما كنت أشعر به تجاههم هو الإعجاب بشجاعتهم.

أكثر ما أتذكره من كتابات علاء الذي يقرأ كل شيء “من ميكي إلى غرامشي” كما يقول أصدقاؤه، ليست كتابات سياسية لكن كتاباته التي يغمرها الحب؛ لزوجته، ولأختيه وعائلته وابنه فيما بعد. أذكر عندما كان الحديث عن التحرش الجنسي خجولاً في 2006، ظهرت مبادرة إلكترونية كانت بعنوان “كلنا ليلى” نسبة إلى شخصية ليلى في “الباب المفتوح” لـ لطيفة الزيات. حينها، بدأت المدوِّنات في التحدث عن تعرضهن للتحرش الجنسي، وعندما كتبت منى تدوينة،  على مدونتها التي تحمل اسم “ماعت” إلهة العدل، كتب علاء تعليقاً  يدعمها لتحدثها عن هذا الأمر المحظور نقاشه صراحة، فأجابت تثني هي الأخرى على دعمه كأخ لها في هذا الموضوع شديد الحساسية. 

حينها، لم أكن رأيت مثل هذا النموذج في حياتي الضيقة من قبل، فقد تربيت على أن الرجال يمنعوننا من البوح، أو أنهم أشخاص بلا مشاعر، لكني رأيت شخصاً له أفكار مختلفة، وطازجة، “وصوته من دماغه”. كان شخصاً “مزعجاً” للسلطة، والمجتمع الأبوي، نصير الصوت الواحد، لا لشيء إلا لأنه يتحدث عن حرية التعبير أو التعذيب في الأقسام.

 كان مزعجاً أيضاً للعامة، مزعجاً لأنه لا يتحدث لغتهم، مزعجاً لأن أفكاره تقدمية، أفكاره التي لم يشتبك معها أحد بقدر ما اشتبكوا معه وهاجموه لأن شعره طويل. اشتبكوا معه لجرائم واهية، خالية من المعنى مثل الترويج لفكرة  أنه “لا يحب مصر”. كان يردّ عليهم بأن مصر ليست الأنظمة: “بكرة هنخترع حلول من غير ما نحبس بعض” يقول علاء لكن البعض لا يرى حلاً غير الحبس. 

بعد ثورة يناير، عندما تحرك الماء الراكد قليلاً، كنا نخبر أمهاتنا عندما ترفضن نزولنا للثورة بأن ليلى سويف تصطحب أبناءها إلى الميدان. أحببنا العائلة التي ثارت مجتمعة، وأحببنا ليلى التي أصبحت تقضي النهار أمام السجن لتحصل على خطاب من علاء، هي التي تشبه أمهات ساحة مايو في الأرجنتين حيث كانت أمهات المفقودين يتظاهرن في ساحة مايو كل يوم أربعاء، وساهم نضالهن السلمي في التحول الديموقراطي في الأرجنتين، كل هذه الشجاعة كانت بدافع الحب.

أحببت حب الأخوة الثلاثة منى وعلاء وسناء لبعضهم. بعد الثورة كنت أراقب علاء وهو يعيد تغريدات أختيه كل يوم ليلاً، يمزح مع منى وهي تتحدث عن قصص حب، ويقول عن سناء “آخر العنقود خط أحمر”، كنت أظن أن هذه الأشياء ممنوعة في العالم، أن يطعم ابنه الرضيع بالبرونة في مؤتمر أو ندوة، أن يتحدث عن حبه لخالد، وحبه لعائلته، التي صنعها الحب مثلما تقول منى. 

لا أريد أن أضفي هالة أسطورية على علاء، فهو فرد، مواطن لا يستطيع سرقة مدرعة ، أو هدم الدولة، أو التخابر مع كل دول العالم، كما يدعي البعض. هو جسد له طاقة، وأب لابن يحتاجه. أتذكر علاء وأنا أتناول كل وجبة، فلا أستسيغ الطعام، وأشعر بالخجل، ولا يقدر جسدي النحيل على الإضراب عن الطعام، لكنه لا يغيب عن فكري هو وعائلته لحظة واحدة. 

 في هذه اللحظة أثناء كتابتي لهذا المقال، تتخبط عائلته بحثاً عن معلومة تطمئنها عنه بعد دخوله اضراباً شاملاً عن الطعام والشراب احتجاجاً على اعتقاله المستمر منذ سنوات بتهم واهية. 

في الحقيقة لا أثق بالحكومات، لكني أؤمن بقوة الحب الذي يُرسل لعلاء وعائلته وكل الصلوات من كل أنحاء العالم، يمكن أن يحب الناس شخصاً بما يكفي لينقذوا حياته، وأؤمن أن الحب سيبقيه حياً كجسد وليس فقط كفكرة.

12.11.2022
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية