fbpx

عن المرأة الربّة والإلهة:
أمينة عبد الله التي قادها الشعر إلى التحقيق والإدانة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ازدراء الأديان ليس التهمة الوحيدة التي تهدد حرية الإبداع والعقيدة في مصر، ولكن هناك تنويعات أخرى لتهم نابعة من الفكر الأبوي المحافظ، الذي يريد تحديد ما يقرأه المواطنين، وما لا يجب أن يقرأوه، لعدم خدش الحياء العام، وانتهاك الآداب العامة .

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“يشغلني كثيراً أن الله امرأة محبة، فهي القادرة فقط، على خلق كل هذا الجمال من عدم”. كان هذا البيت جزءاً من قصيدة من ديوان “بنات الألم” للشاعرة أمينة عبد الله، والذي نشر عام 2019 ثم ألقتها في مهرجان طنطا للشعر عام 2020 ليقودها إلى التحقيق والسجن عام 2022. 

وبرغم أن تأنيث الإله ليس فكرة جديدة أدبياً وثقافياً، ففي الميثولوجيا المصرية كانت هناك إلهات وربّات يقمن بفعل الخلق، ومنح الحياة، لكن ذلك لم يمنع استثارة غضب بعض المتشددين والتقليديين لتتعرض الشاعرة بعدها لسيل من الهجوم، والتهديدات، والشتائم. 

تصاعد استهداف الشاعرة، وقد تقدم أحد المحامين ببلاغ ضد للنيابة يتهمها بازدراء الأديان، وسب الذات الإلهية، وبالفعل استدعيت عبدالله للتحقيق أمام النيابة في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، ثم أخلت نيابة جنوب القاهرة سبيلها بعد احتجازها 3 أيام.

“ليه البس كلبشات في ايدي لدرجة ايدي تنجرح. ليه اقعد وسط مجرمين ليه مش مسموح لي استخدم التواليت او استعمله وانا مكلبشة. ليه اتعمل ده معايا”، تقول أمينة عبدالله في مقابلة معها تشرح فيها بعض تفاصيل اعتقالها القصير، إنما القاسي بما حمله من رسالة تحريض ضدها وضد الكتابة والثقافة والحريات.  

لم تنته التحقيقات بعد فقد مثلت أمينة للمرة الثانية أمام النيابة في 26 تشرين الأول.

المحامي مقدم البلاغ هدد كل من يتضامن مع الشاعرة، وكل من يستخدم هاشتاغ #أدعم_أمينة_عبد_الله بمقاضاته هو أيضاً باستثناء أسرتها. وأعلن في بيان على صفحته على “فيسبوك” أنه لم يستخدم سوى قوانين الدولة المدنية عندما رأى ما لم يعجبه، كما أعلن أنه لا ينتمي لتيار الإسلام السياسي، ولا أي تيار آخر.

“لما الكاتبات والشاعرات يرهبوا ده مش مخالفين الرأي… مخالفين الرأي المسالمين… ما حصلش وحد مننا مارس العنف فيمارس علينا عنف وقهر بهذا الشكل. ليه يتعملي فيش وتشبيه كامل بصوابعي وايدي كاني متهم بجريمة قتل ولا سرقة ولا تهديد السلم العام”، تضيف عبدالله في مقابلتها المنشورة على “يوتيوب”. “نحن النساء اللائى قهرن بالأسماء الذكورية فى بطاقات الهوية لا بد لنا من الإقتران برجل ما، أب لا يٌشترط أن يكون رحيماً، زوجٌ، عادة لا يكون محباً. الاقتران بهما ليس صدفةً، ولزيارة الله الذي خلقني أنثى لا بد لي من رجل حتى لو كان ابناً أو زوج ابنة. الله يخشى لقاء النساء الوحيدات”.

تقول الشاعرة أمينة عبدالله في كتابها “بنات الألم”.

“نحن النساء اللائى قهرن بالأسماء الذكورية فى بطاقات الهوية لا بد لنا من الإقتران برجل ما، أب لا يٌشترط أن يكون رحيماً، زوجٌ، عادة لا يكون محباً.

محاكم الإيمان

في دراسة قدمتها مؤسسة “الفكر والتعبير” بعنوان “محاكمة الإيمان” ذكرت أن قضايا ازدراء الأديان كانت سمة مميزة لكل الحكومات في تاريخ مصر الحديث إلى ما بعد ثورة يناير 2011، فلم تكن مرتبطة بالتيار الديني فقط، بل إن الدولة ذاتها لم تمتلك أي إرادة لإلغاء هذه المواد.

وإن كان يمكن تأريخ استيقاظ استهداف الأدب والثقافة من زاوية الدين مع كتاب الأديب طه حسين “في الشعر الجاهلي» الذي صدر عام 1926 الذي حوكم عميد الأدب العربي بسببه إلا أن مواد شهدت قفزة عام 1981، وقد استُحدثت بعد أحداث الفتنة الطائفية في الدرب الأحمر، وتنص المادة 98 من قانون العقوبات في القانون المصري المعروفة بمادة ازدراء الأديان على أن «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز ألف جنيه لكل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي». 

لكن في حزيران/ يونيو 2016، تقدمت مجموعة من النواب المصريين للبرلمان بمشروع قانون لإلغاء مادة إزدراء الأديان، لتعارضها مع حرية التعبير، وهو ما رفضته الحكومة المصرية. وتكمن الأزمة في أن تحديد مراد النص يخضع لهوى المحقق تماماً، وهو ما يتعارض مع مفهوم النص الإبداعي من الأساس. ولكن السلطة ترى هذه المواد مهمة للحفاظ على الأمن المجتمعي من الفتن والبلبلة. 

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد أصدرت مذكرة تشرح فيها عدم دستورية مادة ازدراء الأديان، وأوضحت أن عبارة “أفكار متطرفة” التي ذكرها النص عبارة فضفاضة، فكيف يمكن قياس الأفكار وتحديد تطرفها أو اعتدالها؟ فوفقاً للمعجم الوسيط، فالتطرف يأتي من تطَرََفَّ «أي أَتى الطرف، و يقال: تطَرََفّتَِ الشمسُ: دنت للغروب ». والمتطرف وفقاً لقاموس اللغة العربية المعاصرة هو «صاحب نزعة سياسيَة أو دينية تدعو إلى العنف»، ووفقاً للقاموس الرائد فالمتطرف هو «الذي يتجاوز حد الاعتدال في رأي أو عمل». 

وأوضحت المذكرة  أنه بسبب عيوب النص الدستورية، فإنه يطبق وفقاً لأهواء القائمين على تنفيذ القانون، كما أن نص المادة يؤثر وينتقص من الحق في حرية العقيدة والحق في حرية الرأي والتعبير. وأكدت  أنه بسبب عيوب النص الدستورية، فإنه يطبق وفقاً لأهواء القائمين على تنفيذ القانون، وأوضحت أن نص المادة يؤثر وينتقص من الحق في حرية العقيدة والحق في حرية الرأي والتعبير. 

هذه التهمة الغائمة التي تشبه محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وتضيق على الكتّاب/ات، والمبدعين/ات، تتعارض أيضاً مع المعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر، والتي تنص على حق كل إنسان في التعبير عن رأيه، واختيار عقيدته.

المشكلة بالنسبة إلى كثيرين تنبع من فكرة وجود مواد قانونية تسمح بالتسلسل عبرها والتضييق على حرية الفكر. الشاعر المصري محمد خير يقول لـ”درج”، “لا نستطيع أن نلوم من يستخدم المواد التي تتيح تقديم بلاغ بازدراء الأديان طالما أن هذه المواد موجودة ويُحاكم الناس على أساسها ويُسجنون، فالقوانين موجودة لكي تستخدم. المشكلة هي في وجود هذا القانون الذي ينتمي للعصور الوسطى في بلد يُفترض أنه في العصر الحديث”. ويؤكد تضمنه مع أمينة عبد الله وكل من يعاني مثل تلك المحاكمات التي لم تعد تعرفها المدنية الحديثة.

“التكفير وازدراء الأديان” بمسمياتها المختلفة تهمة لاحقت الكثير من الكتاب/ات والباحثين/ات والمبدعين/ات في مصر بدايةً من الأديب طه حسين، والأستاذ بقسم اللغة العربية جامعة القاهرة، آنذاك، بسبب كتاب “الشعر الجاهلي” وقد خضع حسين للتحقيق أمام النيابة، لكنها برأته في ما بعد من تهمة الطعن في الدين الإسلامي وكان ذلك عام 1926. وكذلك المفكر والباحث الإسلامي نصر حامد أبو زيد، وكانت قوانين ازدراء الأديان تعرف حينها باسم “قوانين الحسبة”، وأصدرت محكمة مصرية عام 1995حكماً بالتفريق بينه وبين زوجته، د.ابتهال يونس لاعتباره مرتداً عن الإسلام واستندت الدعوى إلى كتب وأبحاث ومقالات لأبو زيد، فاضطر الزوجان بعدها للانتقال إلى هولندا والمكوث لسنوات.

ولاحقت قوانين ازدراء الأديان لاحقاً الباحث الإسلامي إسلام البحيري، الذي حُبس لمدة عام، بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، أما الباحث أحمد عبده ماهر فقد لحقته التهمة ذاتها بسبب كتابه “إضلال الأمة بفقه الأئمة”، وأيضاً الكاتب كرم صابر، بسبب مجموعته القصصية “أين الله؟”، والكاتب يوسف زيدان، بسبب كتابه “اللاهوت العربي وأصول العنف الديني”. وكذلك الكاتبة فاطمة ناعوت وقعت ضحية التهمة ذاتها بسبب منشور على الفيسبوك عن أضحية العيد، وأيضاً الكاتب إبراهيم عيسى، وتبعاً لتقرير نشرته مؤسسة حرية الفكر والتعبير فازدراء الأديان تهمة تؤخذ ذريعة لقمع الحريات الأكاديمية، فيحدث أن يجد الأستاذ الجامعي نفسه محالاً للتحقيق بسبب تدريسه لنص، أو كتاب، أو لانتقاده رجل دين مثل محمد متولي الشعراوي، أو عمرو خالد، في سياق عمله كمدرس، أو محاضر، أو لتدريسه ملحمة شعرية مثل د.منى البرنس مدرسة الأدب الإنجليزي بجامعة السويس، التي أوقفت عن العمل، وأحيلت إلى التحقيق، بالتهمة ذاتها، لتدريسها  “الفردوس المفقود” لجون ميلتون، والذي يبدأ بقصة خروج آدم من الجنة، وقائمة المتهمين بازدراء الأديان في مصر طويلة للغاية تضم أطفالاً  في الحادية عشرة، وتصل حتى عادل إمام ولينين الرملي ووحيد حامد مروراً بمواطنين عاديين متهمين بالإلحاد والتشيع بسبب منشورات على “فيسبوك”، أو مقاطع مصورة أو محاضرة في الجامعة. 

وازدراء الأديان ليس التهمة الوحيدة التي تهدد حرية الإبداع والعقيدة في مصر، ولكن هناك تنويعات أخرى لتهم نابعة من الفكر الأبوي المحافظ، الذي يريد تحديد ما يقرأه المواطنين، وما لا يجب أن يقرأوه، لعدم خدش الحياء العام، وانتهاك الآداب العامة التي قادت الكاتب أحمد ناجي  إلى السجن، على خلفية تقدم مواطن بلاغاً إلى النيابة العامة ضد ناجي، لشعوره بالإعياء والاضطراب الشديد، بعد قراءته فصلاً من رواية “استخدام الحياة”، والتي نشرت في جريدة أخبار الأدب، وأصدرت المحكمة قراراً بحبس ناجي لنشره هذا “المقال” وأمضى بالفعل 10 أشهر في سجن طرة، بسبب الرواية التي اعتبرتها المحكمة مقالاً. 

هنا تكمن أزمة التعامل مع النص الأدبي وأزمة التعامل مع حرية الفكر والتعبير عموماً والتي لا تزال أسيرة المنع والتحريم والرقابة.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 12.07.2024

أسرار رياض سلامة في متناول القضاء الفرنسي!

تبقى خطوة دخول مصرف لبنان كفريق في الدعوى أساسية في مسار التحقيقات والعدالة، بحيث صار بإمكان المحكمة الطلب من مصرف لبنان كشف كل الوثائق والمستندات التي لم يكشف عنها سابقاً، وتحديداً تلك المتعلقة برياض سلامة ومن يدور في فلكه. 

ازدراء الأديان ليس التهمة الوحيدة التي تهدد حرية الإبداع والعقيدة في مصر، ولكن هناك تنويعات أخرى لتهم نابعة من الفكر الأبوي المحافظ، الذي يريد تحديد ما يقرأه المواطنين، وما لا يجب أن يقرأوه، لعدم خدش الحياء العام، وانتهاك الآداب العامة .

“يشغلني كثيراً أن الله امرأة محبة، فهي القادرة فقط، على خلق كل هذا الجمال من عدم”. كان هذا البيت جزءاً من قصيدة من ديوان “بنات الألم” للشاعرة أمينة عبد الله، والذي نشر عام 2019 ثم ألقتها في مهرجان طنطا للشعر عام 2020 ليقودها إلى التحقيق والسجن عام 2022. 

وبرغم أن تأنيث الإله ليس فكرة جديدة أدبياً وثقافياً، ففي الميثولوجيا المصرية كانت هناك إلهات وربّات يقمن بفعل الخلق، ومنح الحياة، لكن ذلك لم يمنع استثارة غضب بعض المتشددين والتقليديين لتتعرض الشاعرة بعدها لسيل من الهجوم، والتهديدات، والشتائم. 

تصاعد استهداف الشاعرة، وقد تقدم أحد المحامين ببلاغ ضد للنيابة يتهمها بازدراء الأديان، وسب الذات الإلهية، وبالفعل استدعيت عبدالله للتحقيق أمام النيابة في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، ثم أخلت نيابة جنوب القاهرة سبيلها بعد احتجازها 3 أيام.

“ليه البس كلبشات في ايدي لدرجة ايدي تنجرح. ليه اقعد وسط مجرمين ليه مش مسموح لي استخدم التواليت او استعمله وانا مكلبشة. ليه اتعمل ده معايا”، تقول أمينة عبدالله في مقابلة معها تشرح فيها بعض تفاصيل اعتقالها القصير، إنما القاسي بما حمله من رسالة تحريض ضدها وضد الكتابة والثقافة والحريات.  

لم تنته التحقيقات بعد فقد مثلت أمينة للمرة الثانية أمام النيابة في 26 تشرين الأول.

المحامي مقدم البلاغ هدد كل من يتضامن مع الشاعرة، وكل من يستخدم هاشتاغ #أدعم_أمينة_عبد_الله بمقاضاته هو أيضاً باستثناء أسرتها. وأعلن في بيان على صفحته على “فيسبوك” أنه لم يستخدم سوى قوانين الدولة المدنية عندما رأى ما لم يعجبه، كما أعلن أنه لا ينتمي لتيار الإسلام السياسي، ولا أي تيار آخر.

“لما الكاتبات والشاعرات يرهبوا ده مش مخالفين الرأي… مخالفين الرأي المسالمين… ما حصلش وحد مننا مارس العنف فيمارس علينا عنف وقهر بهذا الشكل. ليه يتعملي فيش وتشبيه كامل بصوابعي وايدي كاني متهم بجريمة قتل ولا سرقة ولا تهديد السلم العام”، تضيف عبدالله في مقابلتها المنشورة على “يوتيوب”. “نحن النساء اللائى قهرن بالأسماء الذكورية فى بطاقات الهوية لا بد لنا من الإقتران برجل ما، أب لا يٌشترط أن يكون رحيماً، زوجٌ، عادة لا يكون محباً. الاقتران بهما ليس صدفةً، ولزيارة الله الذي خلقني أنثى لا بد لي من رجل حتى لو كان ابناً أو زوج ابنة. الله يخشى لقاء النساء الوحيدات”.

تقول الشاعرة أمينة عبدالله في كتابها “بنات الألم”.

“نحن النساء اللائى قهرن بالأسماء الذكورية فى بطاقات الهوية لا بد لنا من الإقتران برجل ما، أب لا يٌشترط أن يكون رحيماً، زوجٌ، عادة لا يكون محباً.

محاكم الإيمان

في دراسة قدمتها مؤسسة “الفكر والتعبير” بعنوان “محاكمة الإيمان” ذكرت أن قضايا ازدراء الأديان كانت سمة مميزة لكل الحكومات في تاريخ مصر الحديث إلى ما بعد ثورة يناير 2011، فلم تكن مرتبطة بالتيار الديني فقط، بل إن الدولة ذاتها لم تمتلك أي إرادة لإلغاء هذه المواد.

وإن كان يمكن تأريخ استيقاظ استهداف الأدب والثقافة من زاوية الدين مع كتاب الأديب طه حسين “في الشعر الجاهلي» الذي صدر عام 1926 الذي حوكم عميد الأدب العربي بسببه إلا أن مواد شهدت قفزة عام 1981، وقد استُحدثت بعد أحداث الفتنة الطائفية في الدرب الأحمر، وتنص المادة 98 من قانون العقوبات في القانون المصري المعروفة بمادة ازدراء الأديان على أن «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز ألف جنيه لكل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي». 

لكن في حزيران/ يونيو 2016، تقدمت مجموعة من النواب المصريين للبرلمان بمشروع قانون لإلغاء مادة إزدراء الأديان، لتعارضها مع حرية التعبير، وهو ما رفضته الحكومة المصرية. وتكمن الأزمة في أن تحديد مراد النص يخضع لهوى المحقق تماماً، وهو ما يتعارض مع مفهوم النص الإبداعي من الأساس. ولكن السلطة ترى هذه المواد مهمة للحفاظ على الأمن المجتمعي من الفتن والبلبلة. 

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد أصدرت مذكرة تشرح فيها عدم دستورية مادة ازدراء الأديان، وأوضحت أن عبارة “أفكار متطرفة” التي ذكرها النص عبارة فضفاضة، فكيف يمكن قياس الأفكار وتحديد تطرفها أو اعتدالها؟ فوفقاً للمعجم الوسيط، فالتطرف يأتي من تطَرََفَّ «أي أَتى الطرف، و يقال: تطَرََفّتَِ الشمسُ: دنت للغروب ». والمتطرف وفقاً لقاموس اللغة العربية المعاصرة هو «صاحب نزعة سياسيَة أو دينية تدعو إلى العنف»، ووفقاً للقاموس الرائد فالمتطرف هو «الذي يتجاوز حد الاعتدال في رأي أو عمل». 

وأوضحت المذكرة  أنه بسبب عيوب النص الدستورية، فإنه يطبق وفقاً لأهواء القائمين على تنفيذ القانون، كما أن نص المادة يؤثر وينتقص من الحق في حرية العقيدة والحق في حرية الرأي والتعبير. وأكدت  أنه بسبب عيوب النص الدستورية، فإنه يطبق وفقاً لأهواء القائمين على تنفيذ القانون، وأوضحت أن نص المادة يؤثر وينتقص من الحق في حرية العقيدة والحق في حرية الرأي والتعبير. 

هذه التهمة الغائمة التي تشبه محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وتضيق على الكتّاب/ات، والمبدعين/ات، تتعارض أيضاً مع المعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر، والتي تنص على حق كل إنسان في التعبير عن رأيه، واختيار عقيدته.

المشكلة بالنسبة إلى كثيرين تنبع من فكرة وجود مواد قانونية تسمح بالتسلسل عبرها والتضييق على حرية الفكر. الشاعر المصري محمد خير يقول لـ”درج”، “لا نستطيع أن نلوم من يستخدم المواد التي تتيح تقديم بلاغ بازدراء الأديان طالما أن هذه المواد موجودة ويُحاكم الناس على أساسها ويُسجنون، فالقوانين موجودة لكي تستخدم. المشكلة هي في وجود هذا القانون الذي ينتمي للعصور الوسطى في بلد يُفترض أنه في العصر الحديث”. ويؤكد تضمنه مع أمينة عبد الله وكل من يعاني مثل تلك المحاكمات التي لم تعد تعرفها المدنية الحديثة.

“التكفير وازدراء الأديان” بمسمياتها المختلفة تهمة لاحقت الكثير من الكتاب/ات والباحثين/ات والمبدعين/ات في مصر بدايةً من الأديب طه حسين، والأستاذ بقسم اللغة العربية جامعة القاهرة، آنذاك، بسبب كتاب “الشعر الجاهلي” وقد خضع حسين للتحقيق أمام النيابة، لكنها برأته في ما بعد من تهمة الطعن في الدين الإسلامي وكان ذلك عام 1926. وكذلك المفكر والباحث الإسلامي نصر حامد أبو زيد، وكانت قوانين ازدراء الأديان تعرف حينها باسم “قوانين الحسبة”، وأصدرت محكمة مصرية عام 1995حكماً بالتفريق بينه وبين زوجته، د.ابتهال يونس لاعتباره مرتداً عن الإسلام واستندت الدعوى إلى كتب وأبحاث ومقالات لأبو زيد، فاضطر الزوجان بعدها للانتقال إلى هولندا والمكوث لسنوات.

ولاحقت قوانين ازدراء الأديان لاحقاً الباحث الإسلامي إسلام البحيري، الذي حُبس لمدة عام، بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، أما الباحث أحمد عبده ماهر فقد لحقته التهمة ذاتها بسبب كتابه “إضلال الأمة بفقه الأئمة”، وأيضاً الكاتب كرم صابر، بسبب مجموعته القصصية “أين الله؟”، والكاتب يوسف زيدان، بسبب كتابه “اللاهوت العربي وأصول العنف الديني”. وكذلك الكاتبة فاطمة ناعوت وقعت ضحية التهمة ذاتها بسبب منشور على الفيسبوك عن أضحية العيد، وأيضاً الكاتب إبراهيم عيسى، وتبعاً لتقرير نشرته مؤسسة حرية الفكر والتعبير فازدراء الأديان تهمة تؤخذ ذريعة لقمع الحريات الأكاديمية، فيحدث أن يجد الأستاذ الجامعي نفسه محالاً للتحقيق بسبب تدريسه لنص، أو كتاب، أو لانتقاده رجل دين مثل محمد متولي الشعراوي، أو عمرو خالد، في سياق عمله كمدرس، أو محاضر، أو لتدريسه ملحمة شعرية مثل د.منى البرنس مدرسة الأدب الإنجليزي بجامعة السويس، التي أوقفت عن العمل، وأحيلت إلى التحقيق، بالتهمة ذاتها، لتدريسها  “الفردوس المفقود” لجون ميلتون، والذي يبدأ بقصة خروج آدم من الجنة، وقائمة المتهمين بازدراء الأديان في مصر طويلة للغاية تضم أطفالاً  في الحادية عشرة، وتصل حتى عادل إمام ولينين الرملي ووحيد حامد مروراً بمواطنين عاديين متهمين بالإلحاد والتشيع بسبب منشورات على “فيسبوك”، أو مقاطع مصورة أو محاضرة في الجامعة. 

وازدراء الأديان ليس التهمة الوحيدة التي تهدد حرية الإبداع والعقيدة في مصر، ولكن هناك تنويعات أخرى لتهم نابعة من الفكر الأبوي المحافظ، الذي يريد تحديد ما يقرأه المواطنين، وما لا يجب أن يقرأوه، لعدم خدش الحياء العام، وانتهاك الآداب العامة التي قادت الكاتب أحمد ناجي  إلى السجن، على خلفية تقدم مواطن بلاغاً إلى النيابة العامة ضد ناجي، لشعوره بالإعياء والاضطراب الشديد، بعد قراءته فصلاً من رواية “استخدام الحياة”، والتي نشرت في جريدة أخبار الأدب، وأصدرت المحكمة قراراً بحبس ناجي لنشره هذا “المقال” وأمضى بالفعل 10 أشهر في سجن طرة، بسبب الرواية التي اعتبرتها المحكمة مقالاً. 

هنا تكمن أزمة التعامل مع النص الأدبي وأزمة التعامل مع حرية الفكر والتعبير عموماً والتي لا تزال أسيرة المنع والتحريم والرقابة.

|

اشترك بنشرتنا البريدية